النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
باب حد القَذْف
ومَن قال لعربيُّ : يا نَبَطَيُّ: لم يُحَدَّ.
ومَن قال لرجلٍ : يابْنَ ماءِ السماء : فليس بقاذفٍ.
وإن نَسَبَه إلىُ عَمِّه، أو إلىُ خالِه، أو إلى زوجٍ أمِّه: فليس بقاذفٍ.
قال: (ومَن قال لعربيٍّ: يا نَبَطيُّ: لم يُحَدَّ)؛ لأنه يُرادُ به التشبيهُ في
الأخلاق، أو عدم الفصاحة، وكذا إذا قال: لستَ بعربيٍّ؛ لِمَا قلنا.
قال: (ومَن قال لرجلٍ: يابْنَ ماءِ السماء: فليس بقاذفٍ)؛ لأنه يُرادُ به
التشبيهُ في الجُوْدِ والسماحةِ والصفاء؛ لأن ماءَ السماء(١) لُقُّبَ به لصفائه
وسخائه.
قال: (وإن نَسَبَه إلى عَمِّه، أو إلى خالِه، أو إلى زوج أمِّه: فليس
بقاذفٍ)؛ لأن کلّ واحدٍ من هؤلاء يسمى أباً.
أما الأول: فلقوله تعالى: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَعِيلَ
وَإِسْحَقَ﴾. البقرة/ ١٣٣، وإسماعيلُ: كان عَمَّاً له.
والثاني: لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الخالُ: أبٌ)(٢).
(١) هناك أكثر من رجل لُقُب به، من أشهرهم: النعمان بن المنذر الغسَّاني، من
أشهر ملوك الحِيْرة، توفي سنة ١٥ قبل الهجرة. البناية ٤٧٨/٨، الأعلام ٤٣/٨.
(٢) قال في نصب الراية ٣٥٣/٣: حديث غريب، وفي الفردوس للديلمي
٢٠٧/٢ مرفوعاً: ((الخالُ والدُ من لا والدَ له)).
وفي إتحاف السادة المتقين للزبيدي ١١١/٧، قال: روى الخرائطي في مكارم
الأخلاق، عن محمد بن عمير بن وهب خالِ النبي صلى الله عليه وسلم أن عميراً
=

٨٢
باب حد القَذْف
ومَن قال لغيره: زَنَأْتَ في الجَبَلِ، وقال: عَنَيْتُ به صعودَ الجبل :
حُدَّ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمدٌ رحمه الله : لا يُحدُّ.
والثالثُ: للتربية.
قال: (ومَن قال لغيره: زَنَأْتَ في الجَبَلِ، وقال: عَنَيْتُ به صعودَ
الجبل: حُدَّ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمدٌ رحمه الله: لا يُحدُّ)؛ لأن المهموزَ منه للصعود حقيقةً،
قالت امرأةٌ من العرب:
وارْقَ إلى الخيرات زَنْأً في الجبل(١).
وذِكْرُ الجبل يُقرِّرُه مراداً.
ولهما: أنه يُستعملُ في الفاحشةِ مهموزاً أيضاً؛ لأنَّ مِنَ العرب مَن
يَهِمِزُ المُلَيَّنَ، كما يُلَيِّنُ المهموزَ.
رَّ يعني أباه - جاء والنبي صلى الله عليه وسلم قاعدٌ، فبسط له رداءه، فقال: أجلس
على ردائك يا رسول الله؟ !. قال: ((نعم، فإنما الخال والد))، وإسناده ضعيف.
قال الزبيدي: وتُروى هذه القصة عن أخيه الأسود بن عمير، قال عنها العجلوني
في كشف الخفاء ٤٤٨/١: رواها ابن شاهين بإسناد ضعيف، ونقل عن المقاصد
الحسنة للسخاوي ص ٢٠٨ قال: وعلى تقدير ثبوتهما، فلعل القصة وقعت لكلِّ من
الأسود، وأخيه عمير، والله أعلم.
(١) ينظر البناية ٤٧٩/٨.

٨٣
باب حد القَذْف
ومَن قال لآخَرَ : يا زاني، فقال: لا، بل أنتَ: فإنهما يُحدَّان.
ومَن قال لامرأته: يا زانيةُ، فقالت: لا، بل أنتَ: حُدَّتِ المرأةُ، ولا
لعانَ، ولو قالت: زنيتُ بكَ: فلا حَدَّ، ولا لعانَ.
وحالةُ الغضب والسِّبَابِ تُعيِّنُ الفاحشةَ مراداً، بمنزلة ما إذا قال: يا
زانىُ، أو قال: زَنَأتَ.
وذِكْرُ الجبل إنما يُعيِّنُ الصعودَ مراداً إذا كان مقروناً بكلمةٍ: على، إذْ
هو المستعمَلُ فيه.
ولو قال: زنأتَ على الجبل: قيل: لا يُحَدُّ؛ لِمَا قلنا، وقيل: يُحَدُّ؛
للمعنى الذي ذكرناه.
قال: (ومَن قال لآخَرَ: يا زاني، فقال: لا، بل أنتَ: فإنهما يُحدَّان)؛
لأن معناه: لا، بل أنتَ زانٍ، إذْ هي كلمةُ عطفٍ يُستدرَكُ بها الغَلَطُ،
فيصيرُ الخبرُ المذكورُ في الأول مذكوراً في الثاني.
قال: (ومَن قال لامرأته: يا زانيةُ، فقالت: لا، بل أنتَ: حُدَّتِ المرأةُ،
ولا لعانَ)؛ لأنهما قاذِفان، وقَذْفُه: يوجبُ اللعانَ، وقَذْفُها: يوجبُ الحَدَّ،
وفي البَداءَة بالحَدِّ: إيطالُ اللعان؛ لأن المحدودَ في القذف: ليس بأهلٍ له،
ولا إيطالَ في عكسِه أصلاً، فيُحتالُ للدرء، إذِ اللعانُ في معنىُ الحَدِّ.
قال: (ولو قالت: زنيتُ بكَ: فلا حَدَّ، ولا لعانَ).
معناه: قالتْ بعدَ ما قال لها: يا زانيةُ؛ لوقوع الشكِّ في كلِّ واحدٍ
منهما؛ لأنه يَحتملُ أنها أرادتِ الزنا قبلَ النكاح، فيجبُ الحَدُّ، دونَ
اللعان؛ لتصديقِها إياه، وانعدامِه منه.

٨٤
باب حد القَذْف
ومَن أقرَّ بولدٍ، ثم نفاه : فإنه يُلاعِنُ.
وإن نفاه، ثم أقرَّ به : حُدَّ، والولدُ: ولدُه، في الوجهَيْن.
وإن قال: ليس بابْني، ولا بابْنِكِ: فلا حَدَّ، ولا لِعانَ.
ومَن قَذَفَ امرأةً، ومعها أولادٌ لا يُعرَفْ لهم أبٌّ، أو قَذَفَ الملاعَنَةَ ...
ويَحتملُ أنها أرادت: زِنَايَ ما كان معك بعد النكاح؛ لأني ما مكَّنْتُ
أحداً غيرَك، وهو المرادُ في مثلِ هذه الحالة.
وعلى هذا الاعتبار: يجب اللعانُ، دون الحدِّ على المرأة(١)؛ لوجود
القذفِ منه، وعدمِه منها، فجاء ما قلنا.
قال: (ومَن أقرَّ بولدٍ، ثم نفاه: فإنه يُلاعِنُ)؛ لأنَّ النسبَ لَزِمَه بإقراره،
وبالنفي بعده: صار قاذِفاً، فیلاعِن.
قال: (وإن نفاه، ثم أقرَّ به: حُدَّ)؛ لأنه لَمَّا أكذب نفسَه: بَطَلَ اللعانُ؛
لأنه حَدٌّ ضروريٌّ صِيْرَ إليه ضرورةَ التكاذب، والأصلُ فيه: حَدُّ القذف،
فإذا بَطَلَ التكاذبُ: يُصارُ إلى الأصل، وفيه خلافٌ ذكرناه في اللعان.
قال: (والولدُ: ولدُه، في الوجهَيْن)؛ لإقرارِه به، سابقاً أو لاحِقاً،
واللعان یصح بدون قَطْعِ النسب، کما يصحُّ بدون الولد.
قال: (وإن قال: ليس بابْني، ولا بابْنِكِ: فلا حَدَّ، ولا لِعانَ)؛ لأنه
أنكر الولادةَ، وبه لا يصيرُ قاذفاً.
قال: (ومَن قَذَفَ امرأةً، ومعها أولادٌ لا يُعرَفْ لهم أبٌّ، أو قَذَفَ الملاعَنَةَ
(١) قوله: على المرأة: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.

٨٥
باب حد القَذْف
بولدٍ، والولدُ حيٌّ، أو قَذَفَها بعد موتِ الولد: فلا حَدَّ عليه.
ولو قَذَفَ امرأةً لاعَنَتْ بغير ولدٍ : فعليه الحَدُّ.
ومَن وَطِىءَ وَطْئاً حراماً في غير مِلكِهِ: لم يُحَدَّ قاذِفُه.
بولدٍ، والولدُ حيٌّ، أو قَذَفَها بعد موتِ الولد: فلا حَدَّ عليه)؛ لقيام أمارةٍ
الزنا منها، وهي ولادةُ ولدٍ لا أبَ له، ففاتَتِ العِفَّةُ؛ نظراً إليها، وهي
شَرْطُ الإحصان.
قال: (ولو قَذَفَ امرأةً لاعَنَتْ بغير ولدٍ: فعليه الحَدُّ)؛ لانعدام أمارةِ الزنا.
قال: (ومَن وَطِىءَ وَطْئاً حراماً في غير مِلكِهِ: لم يُحَدَّ قاذِفُه)؛ لفوات
العِفَّةِ، وهي شَرْطُ الإحصان، ولأن القاذِفَ صادقٌ.
والأصل فيه(١): أن مَن وَطِئَ وَطْأَ حراماً لعَيْنه(٢): لا يجبُ الحَدُّ
بقَذْفِهِ؛ لأن الزنا هو الوطءُ المُحَرَّمُ لعينه، وإن كان مُحَرَّمَاً لغيره(٣): يُحَدُّ؛
لأنه ليس بزناً.
فالوطءُ في غيرِ الملك من كلِّ وجهٍ، أو من وجهٍ: حرامٌ لعَيْنْه.
وكذا الوطء في الملك، والحُرمةُ مؤَّدةٌ.
و
فإن كانت الحُرمةُ مؤقّتةً: فالحُرمةُ لغيره.
(١) في حدِّ القذف، وعدم الحَدِّ.
(٢) كالوطء في غير الملك من كل وجه. البناية ٨ /٤٨٧.
(٣) كوطء أمته المزوَّجة أو المكاتبة، أو الحرة التي ظاهر منها.

٨٦
باب حد القَذْف
ومَن قَذَفَ رجلاً وَطِىء جاريةً بينه وبين آخَرَ : فلا حَدَّ عليه.
وكذا إذا قَذَفَ امرأةً زَنَتْ في نصرانَّتِها.
ولو قَذَفَ رجلاً أتى أمتَه وهي مجوسيةٌ، أو امرأتَه وهي حائضٌ، أو
مكاتَبَةً له : فعليه الحَدُّ.
وأبو حنيفة رحمه الله يَشترطُ أن تكونَ الحُرْمةُ المؤبَّدةُ ثابتةً بالإجماع،
أو بالحديث المشهور (١)؛ لتكون ثابتةً من غير تردُّدٍ.
(و) بيانُه: أنَّ (مَن قَذَفَ رجلاً وَطِىء جاريةً بينه وبين آخَرَ: فلا حَدَّ
علیه)؛ لانعدام الملك من وجهٍ.
قال: (وكذا إذا قَذَفَ امرأةً زَنَتْ في نصرانيَّتِها)؛ لتحَقّقِ الزنا منها
شرعاً؛ لانعدام الملكِ، ولهذا وَجَبَ عليها الحَدُّ
قال: (ولو قَذَفَ رجلاً أتى أمتَه وهي مجوسيةٌ، أو امرأتَه وهي
حائضٌ، أو مكاتبَةً له: فعليه الحَدُّ)؛ لأنَّ الحُرمةَ مع قيامِ الملك، وهي
مؤقتةٌ، فكانت الحُرمةُ لغيره، فلم يكن زناً.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنَّ وطءَ المكاتبة: يُسقِطُ الإحصانَ، وهو
قولُ زفر رحمه الله؛ لأنَّ الملكَ زائلٌ في حَقِّ الوطء، ولهذا يلزمُهُ العُقْرُ
بالوطء.
ونحنُ نقولُ: مِلْكُ الذاتِ باقٍ، والحُرمةُ لغيرِهِ، إذ هي مؤقتةٌ.
(١) أي الذي يُخَصُّ به عمومُ قطعيِّ الكتاب.

٨٧
باب حد القَذْف
ولو قَذَفَ رجلاً وَطِىَ أمتَه وهي أختُه من الرضاعة : لا يُحَدُّ.
ولو قَذَفَ مكاتباً مات، وتَرَكَ وفاءً : لا حَدَّ عليه.
ولو قَذَفَ مَجُوسياً تزوَّج بأُمِّه، ثم أسلم: حُدَّ عند أبي حنيفة رحمه
الله، وقالا : لا حَدَّ علیه.
وإذا دخل الحربيُّ دارَنا بأمانٍ، فقَذَفَ مسلماً: حُدَّ.
قال: (ولو قَذَفَ رجلاً وَطِئَ أمتَه وهي أختُه من الرضاعة: لا يُحَدُّ)؛
لأن الحرمةَ مؤبَّدةٌ، وهذا هو الصحيح.
قال: (ولو قَذَفَ مكاتباً مات، وتَرَكَ وفاءً: لا حَدَّ عليه)؛ لتمكُّن
الشبهةِ في الحريةِ؛ لمكانِ اختلافِ الصحابة (١) رضي الله عنهم أجمعين.
قال: (ولو قَذَفَ مَجُوسياً تزوَّج بأُمِّه، ثم أسلم: حُدَّ عند أبي حنيفة
رحمه الله، وقالا: لا حَدَّ عليه).
وهذا بناءٌ على أنَّ تَزَوُّجَ المجوسيِّ بالمَحارمِ: له حُكمُ الصحة فيما
بينهم عنده، خلافاً لهما، وقد مَرَّ في النكاح(٢).
قال: (وإذا دخل الحربيُّ دارَنا بأمانٍ، فقَذَفَ مسلماً: حُدَّ)؛ لأن فيه
حَقَّ العبد، وقد التزم إيفاء حقوق العباد.
(١) فإنهم اختلفوا في المكاتب إذا مات وترك وفاءً: هل يموت حراً أم عبداً؟
وسيأتي ذِكْرُ خلافِهم في كتاب المكاتب، وذِكْرُ الآثار عنهم رضي الله عنهم، ينظر
الدراية ٢/ ١٩١.
(٢) في باب نكاح أهل الشرك.

٨٨
باب حد القَذْف
وإذا حُدَّ المسلمُ في قذفٍ : سَقَطَتْ شهادتُه وإن تاب.
وإذا حُدَّ الكافرُ في قذفٍ: لم تَجُزْ شهادتُه على أهل الذمة.
فإن أسلم: قُبلَتْ شهادتُه عليهم، وعلى المسلمين.
ولأنه طَمِعَ في أَنْ لا يُؤْذَى، فيكونُ مُلتزِماً أن لا يُؤْذِيَ، وموجَبُه(١) إذا
ء(٢)
آذاه: الحدّ.
.
قال: (وإذا حُدَّ المسلمُ في قذفٍ: سَقَطَتْ شهادتُه وإن تاب).
وقال الشافعيُّ(٣) رحمه الله: تُقبلُ إذا تاب، وهي تُعرَف في كتاب
الشهادات.
قال: (وإذا حُدَّ الكافرُ في قذفٍ: لم تَجُزُ(٤) شهادتُه على أهل الذمة)؛
لأن له شهادةً على جنسِه، فتُرَدُّ؛ تتمةً لحَدِّه.
قال: (فإن أسلم: قُبلَتْ شهادتُه عليهم، وعلى المسلمين)؛ لأن هذه
شهادة استفادها بعد الإسلام، فلم تدخلْ تحتَ الردِّ.
بخلاف العبدِ إذا حُدَّ حَدَّ القذف، ثم أُعِقٍ، حيث لا تُقبلُ شهادتُه؛
لأنه لا شهادةَ له أصلاً في حال الرِّقِّ، فكان ردُّ شهادتِه بعد العتق: مِن تمام
حَدِّه.
(١) أي موجَب هذا الالتزام.
(٢) أي حد القذف.
(٣) الحاوي الكبير ٢٧/١٧.
(٤) وفي نُسخ: لم تُقبل.

٨٩
باب حد القَذْف
فإن ضُرِبَ سَوْطاً في قذفٍ، ثم أسلم، ثم ضُرِبَ ما بقِيَ: جازتْ
شهادته.
ومَن قَذَفَ، أو زنى، أو شَرِبَ غيرَ مرةٍ، فحُدَّ: فهو لذلك كلِّه.
قال: (فإن ضُرُبَ سَوْطاً في قذفٍ، ثم أسلم، ثم ضُرِبَ ما بقِيَ:
جازتْ شهادتُه)؛ لأن رَدَّ الشهادةِ مُتَمِّمٌ للحَدِّ، فيكونُ صفةً له، والمُقَامُ
بعد الإسلام: بعضُ الحَدِّ، فلا يكونُ ردُّ الشهادةِ صفةً له.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه تُرَدُّ شهادتُه، إذِ الأقلّ تابعٌ للأكثر.
ءُ
والأولُ أصحُّ.
قال: (ومَن قَذَفَ، أو زنىُ، أو شَرِبَ غيرَ مرةٍ، فحُدَّ: فهو لذلك كلِّه).
أما الآخِران(١): فلأنَّ المَقصَدَ من إقامةِ الحَدِّ حَقَّاً لله تعالى: الانزجارُ،
واحتمالُ حصولِه بالأول(٢) قائمٌ، فتتمكَّنُ شبهةُ فواتِ المقصودِ(٣) في
(٤)
الثاني(٤).
وهذا بخلاف ما إذا زنى، وقَذَفَ، وسَرَقَ، وشَرِبَ: لأن المقصودَ من
كلِّ جنسٍ غيرُ المقصودِ من الآخَرِ، فلا يتداخَلُ(٥).
(١) وفي نُسخ: الأوَّلان. قلت: وهذا يُحمَل على النُّسخ التي أخَّرَت ذِكر
القذف، حيث جاءت هكذا: ومَن زنى أو شرب أو قذف. وينظر البناية ٨ / ٤٩٢.
(٢) أي بالحد الأول.
(٣) أي الانزجار.
(٤) أي الحد الثاني.
(٥) بل يُقام لكل واحد منها ما يقتضي حدُّه.

٩٠
باب حد القَذْف
وأما القَذْفُ فالمُغَلَّبُ فيه عندنا: حَقُّ الله تعالى؛ فيكونُ مُلحَقاً بهما (١).
وقال الشافعي رحمه الله: إن اختَلَفَ المقذوف(٢)، أو المقذوفُ به(٣)،
وهو (٤): الزنا: لا يتداخَلُ (٥)؛ لأن المُغَلَّبَ فيه: حَقُّ العبدِ عنده، والله تعالى
أعلم.
(١) أي بحدَّي السرقة والشرب؛ لأنهما أقرب المذكور. البناية ٨ / ٤٩٣.
(٢) کزیدٍ، وعمرو.
(٣) كقَذْف زيدٍ بزناءَيْن مختلفَيْن، أي قَذَفَ الأولَ بزناً آخر.
(٤) أي المقذوف به.
(٥) أي لا يتداخل الزنا الأولُ بالآخر، فلكلِّ حكمُه. أسنى المطالب ٣٨٢/٣.

٩١
فصلٌ في التعزير
فصلٌ في التعزير
ومَن قَذَفَ عبداً، أو أَمَةً، أو أمَّ ولدٍ، أو كافراً بالزنا : عُزِّرَ.
وكذا إذا قَذَفَ مسلماً بغير الزنا، فقال: يا فاسِقُ، أو يا كافرُ، أو يا
خبیثُ، أو با سارقُ.
ولو قال: يا حِمَارُ، أو يا خِنزيرُ: لم يُعزَّر.
فصلٌ في التعزير
قال: (ومَن قَذَفَ عبداً، أو أَمَةً، أو أمَّ ولدٍ، أو كافراً بالزنا: عُزَِّ)؛
لأنه جنايةُ قَذْفٍ، وقد امتنع وجوبُ الحَدِّ لفَقْدِ الإحصان، فوَجَبَ التعزيرُ.
قال: (وكذا إذا قَذَفَ مسلماً بغير الزنا، فقال: يا فاسِقُ، أو يا كافرُ، أو
يا خبيثُ، أو يا سارقُ)؛ لأنه آذاه، وأَلْحَقَ الشَّيْنَ به.
ولا مَدخلَ للقياس في الحدود، فوَجَبَ التعزيرُ، إلا أنه يُبَلَّغُ بالتعزير
غايتَه في الجناية الأُولى(١)؛ لأنه من جنس ما يجبُ به الحدُّ، وفي
الثانية(٢): الرأيُ إلى الإمام.
قال: (ولو قال: يا حِمَارُ، أو يا خِنزيرُ: لم يُعزَّر)؛ لأنه ما أَلْحَقَ الشَّيْنَ
13
به؛ للتیقن بنفیه.
وقيل: في عُرْفِنا: يُعزَّرُ؛ لأنه يُعَدُّ سبّاً.
(١) أي فيما إذا قذف غيرَ المحصن بالزنا.
(٢) أي فيما إذا قذف المحصنَ بغير الزنا.

٩٢
فصلٌ في التعزير
والتعزيرُ أكثرُه: تسعةٌ وثلاثون جَلْدةً، وأقلُّه : ثلاثُ جَلَدَات.
وقال أبو يوسف رحمه الله : يُبَلَّغُ بالتعزير خمسةً وسبعين سَوْطاً.
وقيل: إن كان المسبوبُ من الأشراف، كالفقهاء والعَلَوية: يُعزَّرُ؛ لأنه
تلحقُهمُ الوَحْشةُ بذلك، وإن كان من العامة: لا يُعزَّرُ، وهذا حَسَنٌ.
قال: (والتعزيرُ أكثرُه: تسعةٌ وثلاثون جَلْدة(١)، وأقلُّه: ثلاثُ جَلَدَات.
وقال أبو يوسف رحمه الله: يُبَلَّغُ بالتعزير خمسةً وسبعين سَوْطاً).
والأصلُ فيه: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((مَن بَلَغَ حَدَّاً في غير حَدٍّ: فهو
من المعتدين)»(٢).
وإذا تعذَّر تبليغُه حَدَّاً: فأبو حنيفة ومحمدٌ رحمهما الله نَظَرَا إلى أدنى
الحَدِّ، وهو حَدُّ العبدِ في القذف، فصَرَفاه إليه، وذلك أربعونُ سوطاً،
فنَقَصَا منه سَوْطاً.
وأبو يوسف رحمه الله اعتبر أقلَّ الحَدِّ: في الأحرار، إذِ الأصلُ هو
الحريةُ، ثم نَقَصَ سوطاً، في روايةٍ عنه، وهو قولُ زفر رحمه الله، وهو
القیاسُ.
*(٣) رضي الله
وفي هذه الرواية: نَقَصَ خمسةً، وهو مأثورٌ عن عليّ(٢
عنه، فقلَّده.
(١) وفي نُسخ: سوطاً.
(٢) الآثار لمحمد بن الحسن ص١٣٣ مرسلاً، سنن البيهقي (١٧٥٨٤)، وقال:
المحفوظ مرسل، ورواه ابن ناجية في فوائده، كما في نصب الراية ٣٥٤/٣.
(٣) أي التعزير خمسة وسبعين سوطاً، قال في الدراية ١٠٧/٢: لم أجده.

٩٣
فصلٌ في التعزير
وإن رأى الإمامُ أن يَضُمَّ إلى الضرب في التعزيرِ الحبسَ : فَعَلَ.
وأشدُّ الضرب : التعزيرُ.
ثم قدَّر الأدنىُ في ((الكتاب(١)) بثلاث جَلَدَاتٍ؛ لأن ما دونها: لا يقعُ
به الزَّجْرُ.
وذَكَرَ مشايخُنا (٢) رحمهم الله: أن أدناه: على ما يراه الإمامُ، يُقَدِّرُه
بقَدْر ما يَعلَمُ أنه يَنزجرُ؛ لأنه يختلف باختلاف الناس.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه علىْ قَدْرِ عِظَمِ الجُرْمِ وصِغَره.
وعنه: أنه يُقَرَّبُ كلُّ نوعٍ من بابه، فيُقرَّبُ اللمسُ والقُبْلةُ: من حَدِّ
الزنا، والقذفُ بغير الزنا: من حَدِّ القذف.
قال: (وإن رأى الإمامُ أن يَضُمَّ إلى الضرب في التعزيرِ الحبسَ: فَعَلَ)؛
لأنه صَلُحَ تعزيراً، وقد وَرَدَ الشرعُ(٣) به في الجملة، حتى جاز أن يُكتَفَى
به، فجاز أن يُضَمَّ إلیه.
ولهذا لم يُشرَع في التعزير بالتُّهمة قبلَ ثبوته، كما شُرع في الحد؛ لأنه
من التعزيز.
قال: (وأشدُّ الضرب: التعزيرُ)؛ لأنه جرى التخفيفُ فيه من حيثُ العددُ،
(١) أي قدَّرَ الإمامُ القدوري في مختصره. البناية ٥٠٣/٨.
(٢) أي وذَكَرَ بعضُ مشايخنا في شروح الجامع الصغير. البناية ٥٠٣/٨.
(٣) فقد حبس صلى الله عليه وسلم رجلاً في تهمةٍ، ثم خلَّى سبيله، كما في
سنن الترمذي (١٤١٧)، وقال: حديث حسن.

٩٤
فصلٌ في التعزير
ثم حَدُّ الزنا، ثم حَدُّ الشُّرْب، ثم حَدُّ القذف.
ومَن حَدَّ الإمامُ أو عَزَّرَه، فمات: فدَمُه هَدَرٌ.
فلا يُخفَّفُ من حيث الوصفُ؛ كي لا يؤدِّيَ إلى فَوْت المقصود، ولهذا لم
يُخفَّفْ من حيثُ التفريقُ على الأعضاء.
قال: (ثم حَدُّ الزنا)؛ لأنه ثابتٌ بالكتاب، وحَدُّ الشُّرْب ثبت بقول
الصحابة رضي الله عنهم أجمعين(١).
ولأنه أعظمُ جنايةً، حتى شُرع فيه الرجمُ.
قال: (ثم حَدُّ الشُّرْب)؛ لأنَّ سببَه(٢) متيقَّنٌ به.
قال: (ثم حَدُّ القذف)؛ لأنَّ سببَه محتمِلٌ؛ لاحتمال كونه صادقاً.
ولأنه جرى فيه التغليظُ من حيث رَدُّ الشهادةِ، فلا يُغلَّظُ من حيث
الوصفُ.
قال: (ومَن حَدَّ الإمامُ أو عَزَّرَه، فمات: فدَمُه هَدَرٌ)؛ لأنه فَعَلَ ما
فَعَلَ بأمر الشرع، وفِعْلُ المأمور: لا يتقيَّدُ بشرط السلامة، كالفَصَّاد،
والبَزَّاغ.
بخلاف الزوج إذا عزَّر زوجتَه؛ لأنه مطلَقٌ فيه، والإطلاقاتُ تتقيَّدُ
بشرط السلامة، كالمرور في الطريق.
(١) تقدم قريباً في حد الشرب، وهو في صحيح مسلم (١٧٠٦).
(٢) وهو شرب الخمر.

٩٥
فصلٌ في التعزير
٠٠
وقال الشافعي(١) رحمه الله: تجب الديةُ في بيت المال(٢)؛ لأن
الإتلافَ خطأٌ فيه، إذِ التعزيرُ للتأديب، غيرَ أنه تجبُ الديةَ في بيت المال؛
لأن نَفْعَ عملِه يَعودُ إلى عامة المسلمين، فيكون الغُرْمُ في مالِهم.
قلنا: لَمَّ استوفىُ حَقَّ الله تعالى بأمره: صار كأنَّ اللهَ تعالى أماتَه من غير
واسطة، فلا يجب الضمانُ، والله تعالى أعلم.
(١) في رواية. حاشية سعدي على الهداية.
(٢) في قول، والمعتمد أن الدية تجب على عاقلة الإمام إذا لم يظهر منه تقصير.
منهاج الطالبين ٣٠٦/١، مغني المحتاج / ٢٠١.

٩٦
كتاب السَّرِقة
كتاب السَّرِقة
إذا سَرَقَ العاقلُ البالغُ عشرةَ دراهمَ، أو ما تَبلُغُ قيمتُه عشرةَ.
كتاب السَّرِقة
السَّرِقةُ في اللغة: أَخْذُ الشيءِ من الغيرِ على سبيلِ الخُفْيَةِ والاستسرارِ (١)،
ومنه: استراقُ السَّمْعِ، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ أُسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾. الحِجْر /١٨.
وقد زِيْدَتْ عليه أوصافٌ في الشريعة، على ما يأتيكَ بيانُه(٢) إن شاء
الله تعالى.
والمعنى اللغوي مراعىَّ فيها ابتداءً وانتهاءً، أو ابتداءً، لا غيرَ، كما إذا
نَقَبَ الجدارَ على الاستسرار، وأَخَذَ المالَ من المالِك مكابرةً (٣) على
الچِهَار.
وفي الكبرىُ(٤)، أعني قَطْعَ الطريق: مسارقةُ عينِ الإمام؛ لأنه هو
المتصدِّي لحفظ الطريق بأعوانه.
وفي الصغرى: مسارَقةُ عينِ المالك، أو مَن يقومُ مَقامَه.
قال: (إذا سَرَقَ العاقلُ البالغُ عشرةَ دراهمَ، أو ما تَبلُغُ قيمتُه عشرةَ
(١) أي الاستتار. حاشية سعدي على الهداية، وغيرها.
(٢) وفي نُسخ: بيانها.
(٣) أي مقابلةَ بالسلاح ومدافعةً. البناية ٤/٩، وفي حاشية سعدي: مغالبةً ومدافعةً.
(٤) أي في السرقة الكبرى حالَ جناية قطع الطريق.

٩٧
کتاب السَّرِقة
دراهمَ مضروبةٍ، أو غيرِ مضروبةٍ، من حِرْزِ، لا شُبهةَ فيه: وَجَبَ عليه
و
القطعُ.
دراهمَ مضروبةٍ، أو غير مضروبةٍ (١)، من حِرْز، لا شُبهةَ فيه: وَجَبَ عليه
القطعُ).
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوْ أَبْدِيَهُمَا﴾.
الآية. المائدة/٣٨.
ولا بدَّ من اعتبار العقل، والبلوغ: لأنَّ الجنايةَ لا تتحقَّقُ دونَهما،
والقطعُ جزاءَ الجناية.
ولا بدَّ من التقدير بالمال الخطير: لأن الرَّغَبَاتِ تَفْتُر(٢) في الحقير.
وكذا أخْذُه(٣): لا يَخْفَىُ، فلا يتحقَّقُ ركنُه(٤)، ولا حكمةُ الزجر؛
لأنها(٥) فيما يَغْلِبُ.
والتقديرُ بعشرة دراهم: مذهبُنا.
(١) قوله: أو غير مضروبةٍ: مثبتٌ في نُسخ، دون أخرى، وسيأتي في كلام
المصنّف بعد قليل ترجيحَه لاشتراط المضروبة.
(٢) وفي نُسخ: تنفِر.
(٣) أي وكذا أخْذُ الشيء الحقيرِ: لا يَخفَى أنه لا يُقطع فيه؛ لعدم تحقق شرط
القطع، وهو أَخْذ المال الخطير، وفي نُسخ: آخِذُه لا يُخفِي.
وفي نُسخ: وكذا آخِذُه: لا يُخفِي. هكذا ضُبطت.
(٤) أي ركن السرقة، وهو أخذ المال الخطير.
(٥) أي حكمة الزجر فيما يَغْلِبُ وقوعها، وذلك في المال الخطير.

٩٨
کتاب السَّرقة
وعند الشافعي(١) رحمه الله: التقدیرُ بربع دینار.
وعند مالكٍ(٢) رحمه الله: بثلاثة دراهمَ.
لهما(٣): أن القطعَ على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام ما كان
إلا في ثَمَنِ المِجَنّ(٤).
وأقلّ ما نُقِلَ في تقديره: ثلاثةُ دراهم(٥)، والأخذُ بالأقلُّ وهو المتيقَّن
به أولی.
غيرَ أن الشافعيَّ رحمه الله يقول: كانت قيمةُ الدينار على عهد رسول
الله عليه الصلاة والسلام اثني عشر درهماً (٦)، والثلاثةُ: رُبُعُها.
ولنا: أن الأخذَ بالأكثر في هذا الباب أَوْلى؛ احتيالاً لدَرْءِ الحَدِّ.
وهذا لأنَّ في الأقلِّ شبهةَ عدمِ الجناية، وهي دارِئَةٌ للحد.
وقد تأيَّد ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا قَطْعَ إلا في دينارٍ، أو
.(٧)
عشرة دراهم))(٧).
(١) منهاج الطالبين ٢٩٨/١.
(٢) ينظر شرح خليل للخرشي ٩٣/٨.
(٣) أي للإمام مالكٍ والشافعي رحمهما الله.
(٤) صحيح البخاري (٦٧٩٤)، صحيح مسلم (١٦٨٥).
(٥) صحيح مسلم (١٦٨٦).
(٦) مسند أحمد (٢٤٥١٥)، سنن البيهقي الكبرى (١٧١٦٤)، الدراية ١٠٧/٢.
(٧) مسند أحمد (٦٩٠٠)، المعجم الأوسط (٧٢٧٦)، شرح معاني الآثار
=

٩٩
كتاب السَّرِقة
واسمُ الدراهم يَنطلِقُ على المضروبة عُرْفاً، فهذا يُبَيِّنُ لكَ اشتراطَ
المضروب، كما قال في ((الكتاب(١)))، وهو ظاهرُ الرواية، وهو الأصح؛
رعايةً لكمال الجناية.
حتى لو سرق عشرةَ تِبْراً، قيمتُها أنقصَ من عشرة دراهم مضروبةٍ: لا
يجبُ القطعُ.
والمعتبرُ: وَزْنُ سبعةِ مثاقيلَ؛ لأنه هو المتعارَف في عامة البلاد.
وقولُه: أو ما يبلُغُ قيمتُه عشرةَ دراهم: إشارةٌ إلى أن غيرَ الدراهم تُعتبر
قیمتُه بها وإن كان ذهباً.
ولا بدَّ من حِرْز، لا شبهةَ فيه: لأن الشبهةَ دارئةٌ، وسنبيِّنُه من بعدُ إِن
شاء الله تعالى.
٩٣/٢، وللحديث طرقٌ وشواهد تُقوِّيه، كما في نصب الراية ٣٥٥/٣ - ٣٦٠، وفيه
كلامٌ طويل، الدراية ١٠٧/٢.
(١) لكن في نُسَخ القدوري المخطوطة القديمة العديدة مما هو عندي قد أُثبت
فيها أيضاً: أو غير مضروبة. اهـ، وكذلك في أقدم نُسخ بداية المبتدي، ينظر
ص٣٥٨، وكذلك أُثبت: أو غير مضروبة: في عدة نُسخ من الهداية.
قال العيني في رمز الحقائق شرح كنز الدقائق ٢٣٧/١: وقيل: المضروبة وغير
المضروبة: سواء، والأولُ أصح. اهـ، وبهذا وافق العينيُّ صاحبَ الهداية.
وقال صاحبُ الجوهرة النيرة ٣٨٣/٥: اختلفت الروايةُ في ذلك، ففي ظاهر
الرواية: اشترط المضروبةَ، وهو الأصح، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه سوَّى
بين المضروبة وغير المضروبة.

١٠٠
کتاب السَّرقة
والعبدُ والحرُّ في القطع : سواء.
ويجبُ القطعُ بإقراره مرةً واحدةً، وهذا عند أبي حنيفة ومحمدٍ
رحمهما الله، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يُقطَعُ إلا بالإقرار مرَّتَيْن.
قال: (والعبدُ والحرُّ في القطع: سواءً)؛ لأن النصَّ لم يَفصِلُ بينهما.
ولأن التنصيف (١) متعذِّرٌ فيه، فيتكاملُ(٢)؛ صيانةً لأموال الناس.
قال: (ويجبُ القطعُ بإقراره مرةً واحدةً، وهذا عند أبي حنيفة ومحمدٍ
رحمهما الله، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يُقطَعُ إلا بالإقرار مرَّتَيْن).
ويُروى عنه: أنهما في مجلسَيْن مختلِفَيْن؛ لأنه إحدى الحُجَّتَيْن،
فيُعتبر بالأخرى، وهي البِّنَةَ، كذلك اعتبرنا في الزنا.
ولهما: أن السرقةَ قد ظهرت بالإقرار مرةً، فيُكتفى به(٣)، كما في
القصاص، وحدّ القذف.
ولا اعتبارَ بالشهادة؛ لأن الزيادةَ تُفيدُ فيها تقليلَ تهمةِ الكذب، ولا
تفيدُ في الإقرار شيئاً؛ لأنه لا تهمةَ.
وبابُ الرجوع في حَقِّ الحدِّ لا يَنسدُ(٤) بالتكرار(٥)، والرجوعُ في حقِّ
(١) في القطع.
(٢) أي الحد، وهو القطع.
(٣) أي بالإقرار مرة واحدة.
(٤) وفي نُسخ: لا يثبت.
(٥) جوابٌ عما يُقال: إنما يُشترط التكرارُ لقطع احتمالِ الرجوع عن الإقرار؛ لأنه لو
أقرَّ مراراً كثيرةً، ثم رجع: صحَّ رجوعُه في حَقِّ الحَدِّ؛ لأنه لا مُكذِّبَ له. البناية ١١/٩.