النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
الوَطْء الذي يوجِبُ الحدَّ، والذي لا يُوجِبُه
وهو قول محمدٍ رحمه الله في الذميِّ.
وقال أبو يوسف رحمه الله : يُحدُّون كلُّهم.
وهو قول محمدٍ رحمه الله في الذميِّ)، يعني إذا زنى بحربية.
فأما إذا زنىُ الحربيُّ بذميةٍ: فلا يُحدَّانِ عند محمدٍ رحمه الله، وهو
قولُ أبي يوسف رحمه الله أوَّلاً.
(وقال أبو يوسف رحمه الله: يُحدُّون كلُّهم)، وهو قولُه الآخِرُ.
لأبي يوسف رحمه الله: أنَّ المستأمِنَ التزم أحكامَنا مدةَ مُقامِه في دارنا
في المعاملات، كما أن الذميَّ التزَمَها مدةَ عمره، ولهذا يُحَدُّ حدَّ القذف،
ويُقْتَلُ قصاصاً، بخلاف حَدِّ الشُّرْب؛ لأنه يعتقِدُ إباحته.
ولهما: أنه ما دَخَلَ للقرار، بل لحاجةٍ (١)، كالتجارة ونحوها، فلم
يَصِرْ من أهلِ دارنا، ولهذا يُمكِّنُ من الرجوعِ إلى دار الحرب.
ولا يُقْتَلُ المسلمُ، ولا الذميُّ به (٢)، وإنما يَلتزمُ من الحُكْم ما يَرجِعُ إلى
تحصيل مقصودِهِ، وهو حقوقُ العباد؛ لأنه(٣) لَمَّا طَمِعَ في الإنصاف(٤):
(١) وفي نُسخ: لحاجته.
(٢) أي بالحربي المستأمِن، أي إذا قتله مسلمٌ أو ذميٌّ، والذمي إذا قتله مسلمٌ:
يُقتص به عندنا، فعلم أن الحربي لم يكن كالذمي. البناية ٤٠٩/٨.
(٣) أي الحربي المستأمِن.
(٤) أي العدل لأجله على غيره، أي إنصاف المسلمين. العناية ٤٨/٥، البناية
٤١٠/٨.

٤٢
الوَطْء الذي يوجِبُ الحدَّ، والذي لا يُوجِبُهُ
يلتزمُ الانتصافَ(١)، والقصاصُ وحَدُّ القذف من حقوقهم، أما حَدُّ الزنا:
فمَحْضُ حقِّ الشرع، فلا يكون ملتَزِماً إياه.
ولمحمدٍ رحمه الله، وهو الفَرْقُ: أن الأصلَ في باب الزنا: فِعْلُ
الرجلِ، والمرأةُ تابعةٌ له، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
فامتناعُ الحَدِّ في حَقِّ الأصل: يوجِبُ امتناعَه في حَقِّ التَّبَع، أما
الامتناعُ في حَقِّ التَّبَعِ: لا يوجِبُ الامتناعَ في حَقِّ الأصل.
نظيرُهُ: إذا زنى البالغُ بصبيَّةٍ، أو مجنونةٍ (٢).
وتمكينُ البالغةِ من الصبيِّ، والمجنونِ: لا حدَّ على أحدٍ عندنا(٣).
ولأبي حنيفة رحمه الله فيه: أن فِعْلَ الحربيِّ المستأمِنِ: زناً؛ لأنه مخاطَبٌ
بالحُرُّمات، على ما هو الصحيحُ وإن لم يكن مخاطَباً بالشرائع، على أصلنا.
والتمكينُ من فعلِ هو زناً: موجبٌ للحَدِّ عليها، بخلاف الصبيِّ،
والمجنونٍ؛ لأنهما لا يخاطبان.
ونظيرُ هذا الاختلاف(٤): إذا زنى المكرَهُ بالمطاوعةَ: تُحَدُّ المطاوِعةُ
عنده، وعند محمدٍ رحمه الله: لا تُحَدُّ.
(١) أي العدل لغيره عليه؛ لأن الغُرم بإزاء الغُنْم.
(٢) فإنه يُحَدُّ البالغ، دونها.
(٣) قوله: لا حدَّ على أحد عندنا: مثبتٌ في نسخة ٦٤٤هـ، وهو قول محمد،
وينظر لإثبات هذا المعنى: العناية ٤٩/٥، والبناية ٤١٠/٨، وحاشية نسخة ٧٩٧هـ.
(٤) الواقع بين أبي حنيفة وبين محمد رحمهما الله.

٤٣
الوَطْء الذي يوجِبُ الحدَّ، والذي لا يُوجِبُه
وإذا زنىُ الصبيُّ أو المجنونُ بامرأةٍ طاوَعَتْه: فلا حَدَّ عليه، ولا عليها .
وإن زنىٌ صحيحٌ بمجنونةٍ، أو صغيرةٍ يُجامَعُ مثلُها : حُدَّ الرجلُ خاصةً.
قال: (إذا زنىُ الصبيُّ أو المجنونُ بامرأةٍ طاوَعَتْه: فلا حَدَّ عليه، ولا
عليها(١)).
وقال زفر والشافعي(٢) رحمهما الله: يجب الحدُّ عليها، وهو روايةٌ عن أبي
یوسف رحمه الله.
قال: (وإن زنىٌ صحيحٌ بمجنونةٍ، أو صغيرةٍ يُجامَعُ مثلُها: حُدَّ الرجلُ
خاصة)، وهذا بالإجماع.
لهما (٣): أن العُذْرَ من جانبها(٤): لا يوجبُ سقوطَ الحدِّ من جانبه،
فكذا العُذرُ من جانبه(٥)، وهذا لأن كلاً منهما مؤاخَذٌ بفعله.
ولنا: أن فِعْلَ الزنا يتحقَّقُ منه (٦)، وإنما هي مَحَلُّ الفعل(٧)، ولهذا
يسمىُ هو واطئاً وزانياً، والمرأةُ موطوءةً ومزنيّاً بها، إلا أنها سُمِّيتْ زانيةً
(١) احتياطاً في درء الحد. منحة الخالق لابن عابدين ١٩/٥.
(٢) الحاوي الكبير ١٢ / ٢٠٠.
(٣) أي أدلة زفر والشافعي رحمهما الله في مسألة: إذا زنى الصبي ....
(٤) كما لو كانت مجنونة أو صغيرة.
(٥) بأن كان مجنوناً أو صغيراً.
(٦) أي من الرجل.
(٧) أي فعل الزنا.

٤٤
الوَطْء الذي يوجِبُ الحدَّ، والذي لا يُوجِبُهُ
ومَن أَكْرَهَه السلطانُ حتى زنىُ : فلا حَدَّ علیه.
مجازاً؛ تسميةً للمفعول باسم الفاعل، كالراضية في معنى المَرْضيّة، أو (١)
لكونها مسبَِّةً بالتمكين، فَتَعَلُّقُ الحَدِ(٢) في حَقِّها بالتمكين: من قبیحِ الزنا.
وهو (٣) فِعْلُ مَن هو مخاطَبٌ بالكَفِّ عنه، ومُؤَثِّمٌ(٤) على مباشرته،
وفِعْلُ الصبيِّ ليس بهذه الصفة(٥)، فلا يُناطُ به الحَدُّ.
قال: (ومَن أَكْرَهَه السلطانُ حتى زنى: فلا حَدَّ عليه).
وكان أبو حنيفة رحمه الله يقولُ أوَّلاً: يُحَدُّ(٦)، وهو قولُ زفر رحمه
الله؛ لأنَّ الزنا من الرجل لا يُتُصوَّر إلا بعد انتشارِ الآلةِ، وهذا آيةُ الطواعية.
ثم رَجَعَ عنه(٧)، فقال: لا حَدَّ عليه.
وجهُ قولِهِ الآخِر (٨): أنَّ السببَ المُلحِىءَ(٩) قائمٌ حقيقةً وظاهراً، والانتشارَ
(١) أو: معطوفة على: تسميةً للمفعول، لبيان كيف صار ذلك مجازاً.
(٢) هذا مبتدأ، والخبر: من قبيح الزنا. البناية ٨/ ٤١٢.
(٣) أي الزنا.
(٤) أي الزنا.
(٥) فلم يكن فعلُه زناً؛ لعدم تكليفه، فلم تكن المرأةُ مزنياً بها، فلا يناط أي لا
يتعلق بهذا الفعل حد الزنا.
(٦) وفي نُسخ: عليه الحد.
(٧) أي رجع الإمام أبو حنيفة رحمه الله عن هذا القول.
(٨) أي قول أبي حنيفة الآخر: لا حدَّ عليه.
(٩) وهو الإكراه.

٤٥
الوَطْء الذي يوجِبُ الحدَّ، والذي لا يُوجِبُهُ
وإن أكرهه غيرُ السلطان: حُدَّ عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا : لا يُحدُّ.
دليلٌ محتمِلٌ؛ لأنه (١) قد يكونُ من غير قَصْدٍ، طَبْعاً، لا طَوْعاً، كما في
النائم، فلا يزولُ اليقينُ بالمحتمِلِ، فأورَثَ شبهةً.
قال: (وإن أكرهه غيرُ السلطان: حُدَّ عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: لا يُحدّ)؛ لأن الإكراهَ عندهما قد يتحَقَّقُ من غير السلطان؛
لأن المُؤْثِّرَ خوفُ الهلاك، وأنه يتحقَّقُ من غيره.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الإكراهَ من غيرِ السلطان لا يدومُ إلا نادراً؛
لتمكُّنه(٢) من الاستعانة بالسلطان، أو بجماعة المسلمين.
ويُمكِنُه دَفْعُه بنفسه بالسلاح، والنادرُ لا حُكْمَ له، فلا يسقطُ به الحدُّ.
بخلاف السلطان؛ لأنه لا يُمكِّنُه الاستعانةُ بغيره، ولا الخروجُ بالسلاح
علیه، فافترقا.
قالوا (٣): هذا اختلافُ عصرٍ وزمانٍ؛ لأنه لم يكن في زمن أبي حنيفة لغير
السلطان من القوة ما لا يُمكنُ دفعُها بالسلطان، وفي زمنهما ظهرتِ القوة
و
لكلِّ متغلِّب، وزمانُنا كذلك، فصلُح شبهةً لإسقاط الحدِّ، فيُقتى بقولهما.
(١) أي الانتشار.
(٢) أي المكرَه.
(٣) وفي نُسخ: قيل، وهنا أُنَبِّه إلى أن النُّسَخ في هذا المكان فيها اضطرابٌ
ونقصٌ وزيادةٌ، وقد اجتهدتُ إثباتَ ما رأيتُه الصوابَ.

٤٦
الوَطْء الذي يوجِبُ الحدَّ، والذي لا يُوجِبُهُ
ومَن أقرَّ أربعَ مراتٍ في مجالسَ مختلفةٍ أنه زنى بفلانةَ، وقالت هي :
قد تزوَّجني، أو أقرَّتْ بالزنا، وقال الرجلُ: تزوَّجْتُها: فلا حَدَّ عليه،
وعليه المھرُ في ذلك.
ومن زنىُ بجاريةٍ، فقَتَلَها : فإنه يُحَدُّ، وعليه القيمةُ.
قال: (ومَن أقرَّ أربعَ مراتٍ في مجالسَ مختلفةٍ أنه زنىُ بفلانةَ، وقالت
هي: قد تزوَّجني، أو أقرَّتْ بالزنا، وقال الرجلُ: تزوَّجْتُها: فلا حَدَّ عليه،
وعليه المهرُ في ذلك)؛ لأن دعوى النكاح تحتملُ الصدقَ، وهو يقومُ
بالطرفَيْن، فأورث شبهةً.
وإذا سقط الحَدُّ: وجب المهرُ؛ تعظيماً لخَطَرِ البُضْع.
قال: (ومن زنىُ بجاريةٍ، فقَتَلَها: فإنه يُحَدُّ، وعليه القيمةُ).
معناه: قَتَلَها بفِعْل الزنا؛ لأنه جَنَى جنايتَيْن، فيُوَفِّرُ على كلِّ واحدٍ
منهما حُكْمُه.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه لا يُحَدُّ؛ لأن تقرُّرَ ضمانِ القيمة:
سببٌ لملك الأمة؛ فصار كما إذا اشتراها بعد ما زنى بها، وهو على هذا
الخلاف.
واعتراضُ سبب الملك قبلَ إقامة الحَدِّ: يوجبُ سقوطَه، كما إذا مَلَكَ
المسروقَ قبلَ القطع.
ولهما: أنه ضمانُ قَتْلٍ، فلا يوجِبُ الملكَ؛ لأنه ضمانُ دمٍ(١)، ولو كان
(١) لا ضمان مال.

٤٧
الوَطْء الذي يوجِبُ الحدَّ، والذي لا يُوجِبُهُ
وكلُّ شيءٍ صَنَعَه الإمامُ الذي ليس فوقَه إمامٌ: فلا حَدَّ عليه، إلا
القصاصُ: فإنه يُؤْخَذُ به وبالأموال.
يوجبُه: فإنما يوجبُه في العين، كما في هبة المسروق، لا في منافعِ الْبُضْع؛
لأنها استُوفِيَتْ، والمِلْكُ يثبتُ مستنداً، فلا يَظهَرُ في المستوفَى؛ لكونها
معدومةً.
وهذا بخلاف ما إذا زنى بها، فأذهب عينَها(١)، حيث تجبُ عليه قيمتُها،
ويَسقطُ الحَدُّ؛ لأن الملكَ هنالك يَثبتُ في الجُثَّةِ العمياءِ(٢)، وهي عَيْنٌ،
فأورث شبهةً.
قال: (وكلُّ شيءٍ(٣) صَنَعَه الإمامُ الذي ليس فوقَه إمامٌ: فلا حَدَّ عليه،
إلا القصاصُ: فإنه يُؤْخَذُ به وبالأموال).
لأن الحدودَ حَقُّ الله تعالى، وإقامتُها إليه، لا إلى غيره، ولا يُمكِّنُه أن
يُقيمَ الحدَّ على نفسِهِ؛ لأنه لا يُفيدُ(٤).
(١) وفي نُسخ: عينيها.
(٢) هي مسألة: مَن فَقَأَ عينَيْ عبدٍ مملوك، فإنه يُخيَّرُ مولاه: إن شاء دَفَعَ عبدَه
المفقوءَ للفاقِئ، وأَخَذَ منه قيمتَه كاملةً، أو أَمْسكَه، ولا يأخذُ منه النُّقْصان، وقالا: له
أَخْذ النقصان، وقال الشافعي: ضمَّنْه القيمةَ، وأمسك الجثّةَ العمياء. ينظر الدر المختار
مع ابن عابدين ٦٢٠/٦ (ط البابي)، الجناية على العبد.
(٣) مما يجب به الحد. حاشية سعدي.
(٤) لأن فائدة إقامته الزجر، ولا بد أن يكون الزاجر غير المزجور، فلا يفيد.

٤٨
الوَطْء الذي يوجِبُ الحدَّ، والذي لا يُوجِبُه
بخلاف حقوق العباد؛ لأنه يستوفيه وَلِيُّ الحَقِّ، إما بتمكينه، أو
بالاستعانة بمَنَعَة المسلمين.
والقصاصُ، والأموالُ: منها(١).
وأما حَدُّ القذف: فقالوا: المُغَلَّبُ فيه: حقُّ الشرع، فحُكْمُهُ كحُكْم
سائر الحدود التي هي حَقُّ الله تعالى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) أي من حقوق العباد.
(٢) أي فلا يُؤَاخَذ به الإمام.

٤٩
باب
باب
الشهادة على الزنا، والرجوع عنها
وإِذا شَهدَ الشهودُ بحَدٍّ متقادِمٍ، لم يَمنَعْهُم عن إقامتِهِ بُعْدُهم عن
الإمام : لم تُقبَلُ شهادتُهُم، إلا في حَدِّ القذف خاصةً.
وفي ((الجامع الصغير)): وإذا شَهِدَ عليه الشهودُ بسرقةٍ، أو بِشُرْبِ
خمرٍ، أو بزناً بعد حينٍ: لم يُؤْخَذْ به، وضَمِنَ السرقةَ.
باب
الشهادة على الزنا، والرجوع عنها
قال: (وإذا شَهدَ الشهودُ بحَدٍّ متقادِمٍ، لم يَمنَعْهُم عن إقامتِهِ بُعْدُهم
عن الإمام: لم تُقْبَل شهادتُهُم، إلا في حَدِّ القذف خاصةً.
وفي ((الجامع الصغير(١)): وإذا شَهِدَ عليه الشهودُ بسرقةٍ، أو بشُرْب
خمرٍ، أو بزناً بعد حينٍ: لم يُؤْخَذْ به(٢)، وضَمِنَ السرقةَ).
والأصلُ فيه: أن الحدودَ الخالصةَ حقاً لله تعالى تَبطلُ بالتقادم عندنا.
خلافاً للشافعي (٣) رحمه الله، هو يعتبرُها بحقوق العباد؛ لأن كلّ
(١) ص ١٤٥.
(٢) أي بالحد. حاشية نسخة ٧٣١هـ.
(٣) لم أقف عليه فيما تيسر لي من كتب الشافعية.

٥٠
الشهادة على الزنا، والرجوع عنها
واحدٍ من الحقّيْن واجبُ الإقامة، وبالإقرار الذي هو إحدى الحُجَّتَيْن.
ولنا: أن الشاهدَ مُخيّرٌ بين حِسْتَيْن: أداءِ الشهادة، والسَّتْرِ، فالتأخيرُ
إن كان لاختيار السَّتْر: فالإقدامُ على الأداء بعد ذلك: لضغينةٍ هَيَّجَتْه، أو
لعداوةٍ حرّكَتْه، فيُتَّھمُ فيها.
وإن كان التأخيرُ لا للسَّتْر: يصيرُ فاسقاً آئماً، فتيقَّنًا بالمانع.
بخلاف الإقرار: لأن الإنسانَ لا يُعادِي نفسَه.
فحَدُّ الزنا، وشُرْب الخمر، والسرقةِ: خالِصُ حَقِّ الله تعالى، حتى
يصحُّ الرجوعُ عنها بعد الإقرار، فيكون التقادُمُ فيه مانعاً.
وحَدُّ القذفِ: فيه حَقُّ العبدِ؛ لِمَا فيه من دَفْعِ العارِ عنه، ولهذا لا
يصحُّ الرجوعُ عنه بعدَ الإقرار، والتقادُمُ غيرُ مانعٍ في حقوق العباد.
ولأن الدعوى فيه شَرْطٌ، فَيُحْمَلُ تأخيرُهم على انعدام الدعوى، فلا
يوجِبُ تفسيقَهُمْ.
بخلاف حَدِّ السرقة: لأن الدعوى فيه ليست بشَرْطٍ للحَدِّ؛ لأنه خالصُ
حَقِّ الله تعالى، على ما مَرَّ، وإنما شُرِطَت(١) للمال.
ولأنَّ الحكمَ يُدارُ علىُ كَوْنِ الحَدِّ حَقًّاً لله تعالى، فلا يُعتبرُ وجودُ
التهمةِ في كلِّ فردٍ.
(١) أي الدعوى.

٥١
الشهادة على الزنا، والرجوع عنها
ولأنَّ السرقةَ تُقامُ على الاستسرار (١) علىُ غِرَّةٍ من المالك، فيجبُ
على الشاهد إعلامُه، وبالكتمان يصيرُ فاسقاً آثماً.
ثم التقادمُ كما يَمنعُ قبولَ الشهادةِ في الابتداء: يَمنعُ الإقامةَ بعد القضاء
عندنا، خلافاً لزفر رحمه الله، حتى لو هَرَبَ بعد ما ضُرِبَ بعضُ الحدِّ،
ثم أُخِذَ بعد ما تقادَمَ الزمانُ: لا يُقام عليه الحدُّ؛ لأن الإمضاءَ: من
القضاء(٢) في باب الحدود.
واختلفوا في حَدِّ التقادم، وأشار في ((الجامع الصغير(٣)) إلى ستة
أشهر، فإنه قال: بعد حين(٤)، وهكذا أشار الطحاويُّ رحمه الله.
وأبو حنيفة رحمه الله لم يُقَدِّر في ذلك، وفوَّضه إلى رأيِ القاضي(٥)
في كل عصرٍ.
وعن محمدٍ رحمه الله: أنه قدَّره بشهر؛ لأنَّ ما دونَه عاجلٌ، وهو
روايةٌ عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وهو الأصح.
وهذا إذا لم يكنْ بين القاضي وبينهم مسيرةُ شهرٍ، أما إذا كان(٦): تُقْبَلُ
(١) أي الخفاء.
(٢) أي إن الاستيفاء: من القضاء، فهو مفوّضٌ للإمام. البناية ٨ /٤٢٢.
(٣) ص١٤٥.
(٤) والحينَ: ستة أشهر.
(٥) وفي نُسخ: الإمام.
(٦) أي كان بينهم وبين القاضي مسيرة شهر.

٥٢
الشهادة على الزنا، والرجوع عنها
وإذا شهدوا على رجلٍ أنه زنىُ بفلانةَ، وفلانةُ غائبةٌ: فإنه يُحَدُّ.
وإن شهدوا أنه سَرَقَ من مالِ فلانٍ، وهو غائبٌ: لم يُقْطَع.
وإن شَهِدوا أنه زنىُ بامرأةٍ لا يعرفونها : لم يُحَدَّ.
وإن أقرَّ بذلك: حُدَّ.
وإن شهد اثنان أنه زنى بفلانةَ، فاستكرَهَها، وآخران أنها طاوَعَتْه : ...
شهادتُهم؛ لأن المانعَ بُعْدُهم عن الإمام، فلا تتحقَّقُ التهمةُ.
والتقادُم في حَدِّ الشرب: كذلك(١) عند محمدٍ رحمه الله.
وعندهما: يُقدّر بزوال الرائحة، على ما يأتيكَ في بابه إن شاء الله تعالى.
قال: (وإذا شهدوا على رجلٍ أنه زنىُ بفلانةَ، وفلانةُ(٢) غائبةٌ: فإنه يُحَدُّ.
وإن شهدوا أنه سَرَقَ من مالِ فلانٍ، وهو غائبٌ: لم يُقْطَع).
والفرقُ: أن بالغَيْبة تنعدمُ الدعوى، وهي شَرْطٌ في السرقة، دون
الزنا، وبالحضور(٣) تُتُوهَّمُ دعوى الشبهة، ولا معتبرَ بالموهوم.
قال: (وإن شَهدوا أنه زنىُ بامرأةٍ لا يعرفونها: لم يُحَدَّ)؛ لاحتمال أنها
امرأتُه، أو أمتُه، بل هو الظاهرُ.
قال: (وإن أقرَّ بذلك: حُدَّ)؛ لأنه لا تَخفى عليه امرأتُه، أو أمتُه.
قال: (وإن شهد اثنان أنه زنى بفلانةَ، فاستكرَهَها، وآخَران أنها طاوَعَتْه:
(١) أي مقدّرٌ بشهر.
(٢) وضُبطت في نُسَخِ بالتنوين: وفلانةٌ.
(٣) أي بحضور المرأة الغائبة.

٥٣
الشهادة على الزنا، والرجوع عنها
دُرىء الحدُّ عنهما جميعاً عند أبي حنيفة رحمه الله
وقالا : يُحَدُّ الرجلُ خاصةً.
وإن شهد اثنان أنه زنى بامرأةٍ بالكوفة، وآخَران أنه زنى بها بالبصرة :
دُرىءَ الحدُّ عنهما جميعاً.
دُرئ الحدُّ عنهما جميعاً عند أبي حنيفة رحمه الله)، وهو قولُ زفر رحمه
الله تعالى.
(وقالا: يُحَدُّ الرجلُ خاصةً)؛ لاتفاقهما على الموجب، وتفرَّدِ
أحدِهما بزيادةِ جنايةٍ، وهي الإكراهُ.
بخلاف جانبها؛ لأن طواعيتَها شَرْطُ تحقّقِ الموجبِ في حقَها، ولم
ءِ
یثبتْ؛ لاختلافهما.
وله: أنه اختلف المشهودُ عليه؛ لأن الزنا فِعْلٌ واحدٌ يقومُ بهما.
ولأنَّ شاهدَي الطواعيةِ صارا قاذِفَيْن لها.
وإنما يسقطُ الحدّ عنهما بشهادة شاهدَي الإكراه؛ لأنَّ زناها مكرهةً
يُسقِطُ إحصائَها، فصارا خصمَيْن في ذلك(١).
قال: (وإن شهد اثنان أنه زنى بامرأةٍ بالكوفة، وآخَران أنه زنى بها
بالبصرة: دُرىءَ الحدُّ عنهما جميعاً)؛ لأن المشهودَ به فِعْلُ الزنا، وقد
اختلف باختلاف المكان، ولم يَتِمَّ على كلِّ واحدٍ منهما نصابُ الشهادة.
(١) أي في إثبات ذلك الزنا.

٥٤
الشهادة على الزنا، والرجوع عنها
وإن اختلفوا في بيتٍ واحدٍ : حُدَّ الرجلُ، والمرأةُ جميعاً.
وإن شهد أربعةٌ أنه زنى بامرأةٍ بالنُّخَيْلة، عند طلوع الشمس، وأربعةٌ
أنه زنى بها عند طلوع الشمس بدَيْر هِنْدٍ: دُرِىءَ الحَدُّ عنهم جميعاً.
ولا يُحَدُّ الشهودُ؛ خلافاً لزفر رحمه الله؛ لشبهة الاتحاد؛ نظراً إلى
اتحاد الصورةِ، والمرأة.
قال: (وإن اختلفوا في بيتٍ واحدٍ: حُدَّ الرجلُ، والمرأةُ جميعاً)؛ معناه:
أنْ يشهدَ كلّ اثنين على الزنا في زاويةٍ، وهذا استحسانٌ.
والقياسُ: أن لا يجبَ الحَدُّ؛ لاختلاف المكان حقيقةً.
وَجْهُ الاستحسان: أن التوفيقَ ممكنٌ، بأن يكون ابتداء الفعل في
زاويةٍ، والانتهاءُ في زاويةٍ أخرى، بالاضطراب، أوْ لأن الواقعَ في وسط
البيت، فَيَحسَبُهُ مَن في المقدَّم في المقدَّم، ومَن في المؤخَّر في المؤخَّر،
فيشهدُ كلّ واحدٍ منهم بحسب ما عنده.
قال: (وإن شهد أربعةٌ أنه زنى بامرأةٍ بالنُّخَيْلة(١)، عند طلوع الشمس،
وأربعةٌ أنه زنى بها عند طلوعِ الشمس بدَيْرِ هِنْدٍ(٢): دُرِئَ الحَدُّ عنهم جميعاً).
أما عنهما(٣): فلأنَّا تيقُنَّا بكذب أحدِ الفريقين غيرٌ(٤) عَيْنٍ.
(١) موضعٍ قريبٍ من الكوفة، سَمْتَ الشام. المغرب ٢٩٤/٢، البناية ٤٢٨/٨.
(٢) موضعٍ قريب بظاهر الكوفة. فتح القدير ٦٤/٥، المغرب ٢٩٤/٢، وفي
معجم البلدان ٥٤١/٢: دیْر هند الصغرى: بالحِيْرة. اهـ.
(٣) أي الرجل والمرأة.
(٤) وضبطت في نُسخ: غيرِ. بكسر الراء.

٥٥
الشهادة على الزنا، والرجوع عنها
وإن شهد أربعةٌ على امرأةٍ بالزنا وهي بِكْرٌ: دُرىءَ الحَدُّ عنهما، وعنهم.
وإن شهد أربعةٌ على رجلٍ بالزنا، وهم عُمْيانٌ، أو محدُوْدون في
قذفٍ، أو أحدُهم عبدٌ، أو محدُوْدٌ في قذفٍ : فإنهم يُحَدُّون، ولا يُحَدُّ
المشهودُ علیه .
وإن شهدوا بذلك وهم فُسَّاقٌ، أو ظَهَرَ أنهم فُسَّاقٌ: لم يُحَدُّوا.
وأما عن الشهود: فلاحتمال صِدْقٍ كلّ فريق.
قال: (وإن شهد أربعةٌ على امرأةٍ بالزنا وهي بِكْرٌ: دُرىءَ الحَدُّ عنهما،
وعنهم)؛ لأن الزنا لا يتحقَّقُ مع بقاءِ البكارة.
ومعنى المسألة: أن النساءَ نَظَرْنَ إليها، فقُلْنَ: إنها بكْرٌ، وشهادتُهنَّ حُجَّةٌ
في إسقاط الحدِّ، وليست بحُجَّةٍ في إيجابه، فلهذا سقط الحدُّ عنهما، ولا
یجب علیھم.
قال: (وإن شهد أربعةٌ على رجلٍ بالزنا، وهم عُمْيانٌ، أو محدُوْدون
في قذفٍ، أو أحدُهم عبدٌ، أو محدُوْدٌ في قذفٍ: فإنهم يُحَدُّون، ولا يُحَدُّ
المشهودُ عليه)؛ لأنه لا يثبتُ بشهادتهم المالُ، فكيف يثبتُ الحَدُّ وهم
ليسوا من أهل أداءِ الشهادة؟!
والعبدُ ليس بأهلِ للتحمُّل والأداء، فلم تَثبتْ شبهةُ الزنا؛ لأن الزنا
يثبت بالأداء.
قال: (وإن شهدوا بذلك وهم فُسَّاقٌ، أو ظَهَرَ أنهم فُسَّاقٌ: لم
يُحَدُّوا)؛ لأن الفاسقَ من أهلِ الأداءِ والتحمُّلِ وإن كان في أدائه نوعُ
قصورِ؛ لتهمة الفسق، ولهذا لو قضى القاضي بشهادته: يَنْفُذُ عندنا، فتثبتُ
بشهادتهم شبهةُ الزنا.

٥٦
الشهادة على الزنا، والرجوع عنها
وإن نَقَصَ عددُ الشهودِ عن أربعةٍ : حُدُّوا.
وإن شهد أربعةٌ على رجلٍ بالزنا، فضُرِبَ بشهادتهم، ثم وُجِدَ أحدُهم
عبداً، أو محدوداً في قذفٍ : فإنهم يُحَدُّون.
وليس عليهم، ولا على بيتِ المالِ أَرْشُ الضرب.
وباعتبار قُصورٍ في الأداء؛ لتهمة الفسق: تثبتُ شبهةُ عدم الزنا، فلهذا
يمتنع الحَدَّان(١).
ويأتَّى فيه خلافُ الشافعيِّ رحمه الله؛ بناءً على أصلِه: أن الفاسقَ لیس
من أهل الشهادة، فهو كالعبد عنده(٢).
قال: (وإن نَقَصَ عددُ الشهودِ عن أربعةٍ: حُدُّوا)؛ لأنهم قَذَفَةٌ، إذ لا
حِسْبَةَ(٣) عند نقصانِ العددِ، وخروجُ الشهادة عن القذفِ: باعتبارها (٤).
قال: (وإن شهد أربعةٌ على رجلٍ بالزنا، فضُرِبَ بشهادتهم، ثم وُجِدَ
أحدُهم عبداً، أو محدوداً في قذفٍ: فإنهم يُحَدُّون)؛ لأنهم قَذَفةٌ، إِذِ
الشهودُ ثلاثةٌ.
قال: (وليس عليهم، ولا على بيتِ المالِ أَرْشُ الضرب.
(١) حدُّ الزنا على المشهود عليه، وحدُّ القذف على الشهود.
(٢) أي يُحَدُّ الشهودُ حدَّ القذف عنده. البناية ٤٣١/٨، وشهادةُ العبد عند
الشافعي باطلةٌ غير مقبولة. الحاوي الكبير ٢٧١/١٧ .
(٣) أي لإقامة الحد.
(٤) أي باعتبار الحسبة.

٥٧
الشهادة على الزنا، والرجوع عنها
وإن رُجِمَ : فدِيَتُه على بيت المال، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا : أَرْشُ الضربِ أيضاً على بيت المال.
قال العبدُ الضعيف عَصَمَه الله: معناه: إذا كان جَرَحَه الضربُ.
وإن رُجِمَ: فدِيَتُه على بيت المال، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: أَرْشُ الضرب أيضاً على بيت المال.
قال العبدُ الضعيف عَصَمَه الله: معناه: إذا كان جَرَحَه الضربُ).
وعلى هذا الخلافِ: إذا مات من الضرب.
وعلى هذا: إذا رجع الشهودُ: لا يَضمَنون عندَه، وعندهما: يضمنون.
لهما: أن الواجبَ بشهادتهم مطلَقُ الضرب، إذِ الاحترازُ عن الجَرْحِ
خارجٌ عن الوُسْعِ، فَيَنتَظِمُ الجارحَ وغيرَه، فيُضافُ إلى شهادتهم،
فيَضمَنون بالرجوع.
وعند عدمِ الرجوع: تجبُ على بيت المال؛ لأنه ينتقِلُ فِعْلُ الجَلَّد إلى
القاضي، وهو عامِلٌ للمسلمين، فتجبُ الغَرامةُ في مالهم، فصار كالرجم
والقصاص.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الواجب هو الحدُّ(١)، وهو ضَرْبٌ مؤلِمٌ غيرُ
جارحٍ، ولا مُهْلِكٍ، فلا يقعُ جارحاً ظاهراً إلا لمعنىَ في الضارب، وهو قِلّةُ
هدايتِهِ، فاقتَصَرَ عليه(٢)، إلا أنه لا يجبُ عليه الضمانُ، في الصحيح؛
(١) وفي طبعات الهداية القديمة: الجلد.
(٢) أي فاقتصر الجرحُ أو الهلاك على الضارب، من غير أن يُضاف إلى الشهود
أو القاضي. البناية ٤٣٥/٨.

٥٨
الشهادة على الزنا، والرجوع عنها
وإن شَهِدَ أربعةٌ على شهادةِ أربعةٍ على رجلٍ بالزنا: لم يُحَدَّ.
فإن جاء الأوَّلون فشَهِدُوا على المعايَنَة في ذلك المكان: لم يُحَدَّ أيضاً.
وإذا شهد أربعةٌ على رجلٍ بالزنا، فرُجِمَ، فكلَّما رَجَعَ واحدٌ: حُدَّ
الراجعُ وَحْدَه، وغَرِمَ رُبُعَ الدية.
كي لا يمتنعَ الناسُ عن الإقامة؛ مَخافةَ الغَرَامة.
قال: (وإن شَهِدَ أربعةٌ على شهادةِ أربعةٍ على رجلٍ بالزنا: لم يُحَدَّ)؛
لِمَا فيها(١) من زيادةِ الشبهة، ولا ضرورةَ إلى تحمُّلُها.
قال: (فإن جاء الأوَّلون فشَهدُوا على المعايَنَة في ذلك المكان: لم
يُحَدَّ أيضاً).
معناه: شهدوا على ذلك الزنا بعَيْنه؛ لأن شهادتَهم قد رُدَّت من وجهٍ
بردِّ شهادةِ الفروع في عَيْنِ هذه الحادثة، إذ هم قائمون مَقامَهم في الأمر
والتحميل.
ولا يُحَدُّ الشهودُ: لأن عددَهم متكامِلٌ، وامتناعُ الحَدِّ عن المشهودِ
عليه لنوعِ شُبْهةٍ، وهي كافيةٌ لدَرْءِ الحَدِّ، لا لإيجابه.
قال: (وإذا شهد أربعةٌ على رجلٍ بالزنا، فرُجِمَ، فكلَّما رَجَعَ واحدٌ:
حُدَّ الراجعُ وَحْدَه، وغَرِمَ رُبُعَ الدية).
أما الغرامةُ: فلأنه بقِيَ مَن يَبقى بشهادتِه: ثلاثةُ أرباعِ الحَقِّ، فيكونُ
التالفُ بشهادةِ الراجعِ: رُبُعَ الحَقِّ.
(١) أي في شهادة الفروع.

٥٩
الشهادة على الزنا، والرجوع عنها
فإن لم يُحَدَّ المشهودُ عليه حتىْ رَجَعَ واحدٌ منهم: حُدُّوا جميعاً،
وسَقَطَ الحدُّ عن المشهودِ علیه.
وقال الشافعي رحمه الله: يجبُ القتلُ(١)، دونَ المالِ؛ بناءً على أصلِه
في شهود القصاص، وسنُبيِّنُه في الديات إن شاء الله تعالى.
وأما الحَدُّ: فمذهبُ علمائنا الثلاثةِ رحمهم الله.
وقال زفر رحمه الله: لا يُحَدُّ؛ لأنه إن كان الراجعُ قاذِفَ حيٍّ: فقد
بطل بالموت، وإن كان قاذفَ ميتٍ: فهو مَرْجومٌ بحكم القاضي، فيورِثُ
ذلك شبهةً.
ولنا: أن الشهادةَ إنما تَنْقَلِبُ قَذْفاً بالرجوع؛ لأن به تُفْسَخُ شهادتُه،
فجُعِلَ للحالِ قَذْفاً للميت، وقد انفسختِ الحُجَّةُ، فَيَنفسِخُ ما يُبْتَى
عليه(٢)، وهو القضاءُ في حَقِّه، فلا يُورِثُ الشبهةَ.
بخلاف ما إذا قَذَفَه غيرُه؛ لأنه غيرُ محصَنِ في حَقِّ غيرِه؛ لقيام القضاء
في حَقِّه.
قال: (فإن لم يُحَدَّ المشهودُ عليه حتى رَجَعَ واحدٌ منهم: حُدُّوا
جميعاً، وسَقَطَ الحدُّ عن المشهودِ عليه).
وقال محمدٌ رحمه الله: حُدَّ الراجعُ خاصةً؛ لأنَّ الشهادةَ تأكَّدتْ
بالقضاء، فلا تَنفسِخُ إلا في حَقِّ الراجعِ، كما إذا رَجَعَ بعد الإمضاء.
(١) أي قُتل الراجع. الأم ٧/ ١٣٢.
(٢) أي الحجة، على تأويل الكلام. البناية ٨/ ٤٣٧.

٦٠
الشهادة على الزنا، والرجوع عنها
فإن كانوا خمسةً، فرَجَعَ أحدُهم : فلا شيء عليه.
فإن رَجَعَ آخَرُ: حُدَّا، وغَرِمَا رُبُعَ الدية.
وإن شَهِدَ أربعةٌ على رجلٍ بالزنا، فزُُّوا، فرُجِمَ، فإذا الشهودُ.
ولهما: أن الإمضاءَ: من القضاء، فصار كما إذا رَجَعَ واحدٌ منهم قبلَ
القضاء، ولهذا يسقطُ الحَدُّ عن المشهودِ علیه.
ولو رَجَعَ واحدٌ منهم قبلَ القضاء: حُدُّوا جميعاً.
وقال زفر رحمه الله: يُحَدُّ الراجعُ خاصةً؛ لأنه لا يُصدَّقُ على غيره.
ولنا: أنَّ كلامَهم قَذْفٌ في الأصل، وإنما يصيرُ شهادةً باتصال القضاء
به، فإذا لم يتَّصِل به: بقِيَ قذفاً، فيُحَدُّون.
قال: (فإن كانوا خمسةً، فرَجَعَ أحدُهم: فلا شيء عليه(١))؛ لأنه بقِيَ
مَن يَبقى بشهادته: كلَّ الحَقِّ، وهو شهادةُ الأربعة.
(فإن رَجَعَ آخَرُ: حُدَّا، وغَرِمَا رُبُعَ الدية).
أما الحَدُّ: فِلِمَا ذكرنا.
وأما الغَرَامةُ: فلأنه بقِيَ مَن يبقى بشهادته: ثلاثةُ أرباع الحَقِّ، والمعتبرُ
بقاءَ مَن بقِيَ، لا رجوعُ مَن رَجَعَ، على ما عُرِف (٢).
و
قال: (وإن شَهِدَ أربعةٌ على رجلٍ بالزنا، فزُكُّوا، فرُجِمَ، فإذا الشهودُ
(١) وفي نُسخ: عليهم.
(٢) في كتاب الشهادة.