النص المفهرس
صفحات 1-20
هـ القَّدَانَة مد عثمان (شَرَّحُ بِدَايَةِ المُتَدِّيّ) لِلإِمَامِ عَلَى بْن أَكْ المَرَغِينَاني (٥١١ هـ - ٥٩٣ هـ) حُقِّقَ عَلى أَكَمِنْ عِشْرِينَ نُشِخَةٍ خَطّبَةٍ تحمیں أ.د. سَائِد بكداش المُجَلَّدُ الرَّبِعُ YOYI دَارُ السَّمرام نَسِ اله الرّحمن الرَّحْمِ ◌ِرَازاً لَذْهَبِنَا الْمُذْهَبِ هدايتُنا هذه قد غَدَتْ وما مِثُهَا قَطُّ فِي مَذْهَبٍ فألفاظُها دُرَرُ كُلّها (زُيِّنَت بهذَيْن البيتَيْنِ غُرَّةُ نسخة ٧٣٢هـ) الْقَدَائَةْ (شَرَحُ بِدَايَةِ المُتَدِّيّ) ٤ جميع الحقوق محفوظة لِلُحقِّق الطَّبْعَةُ الأولى ١٤٤٠ هـ -٢٠١٩م دَارُ السَّهِرَةِ - المَدِيْنَةُ المُتَوَّرَةُ يُطلَبُ الكِتَابُ مِنْهَا عَلَى الْعِنَوَانِ التَّالي: البَرِيدُ الإلكتروني : SRAJ1000@hotmail.com ٠٠٩٦٦٥٠٥٣١٣٣٢٠ جوال: ٣١٣٣٢٠ ٥ كتاب الحُدُود كتاب الحُدُود الزنا يثبتُ بالبيِّنة، والإقرار. كتاب الحُدُود قال رحمه الله: الحَدُّلغةً: هو المَنْعُ، ومنه: الحَدَّادُ: للبوَّاب. وفي الشريعة: هو العقوبةُ المقدَّرةُ، حقّاً لله تعالى، حتى لا يُسمَّى القِصَاصُ حَدَّا؛ لِمَا أنه حَقُّ العبدِ، ولا التعزيرُ؛ لعدم التقدير. والمَقْصَدُ الأصليُّ مِن شَرْعِه: الانزجارُ عما يَتَضَرَّرُ به العبادُ. والطُّهْرةُ(١) ليست أصليةً فيه، بدليل شَرْعِه في حقِّ الكافر. باب حد الزنا قال: (الزنا يثبتُ بالبيِّنة، والإقرارِ). والمرادُ: ثبوتُه عند الإمام؛ لأن البَيِّنَةَ دليلٌ ظاهرٌ. وكذا الإقرارُ؛ لأن الصِدْقَ فيه مرجَّحٌ(٢)، لا سيما فيما يَتَعلَّقُ بثبوته، مَضرَّةٌ ومَعَرَّةٌ(٣). والوصولُ إلىُ العلمِ القطعيِّ: متعذِّرٌ، فَيُكتَفَى بالظاهر. (١) أي من الذنوب. (٢) أي على الكذب. (٣) أي ضررٌ ظاهرٌ، متصلٌ ببدن المُقِرِّ، من إجراء الحدِّ عليه، وعارٌ يلحَقُه بانتسابه إلى الزنا. البناية ٣١٩/٨. ٦ كتاب الحُدُود فالبِيِّةُ: أن يشهَدَ أربعةٌ من الشهود على رجلٍ أو امرأةٍ بالزنا. وإذا شهدوا : يسألُهمُ الإمامُ عن الزنا، ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زنى؟ ومتی زنى؟ وبمَن زنىُ؟ قال: (فالبيِّنَةُ: أن يشهَدَ أربعةٌ من الشهود على رجلٍ أو امرأةٍ بالزنا)؛ لقوله تعالى: ﴿فَأُسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾. النساء/ ١٥. وقال الله تعالى: ﴿ثَُلَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءَ﴾. النور / ٤. وقال عليه الصلاة والسلام للذي قَذَفَ امرأته: «ائتِ بأربعةٍ یشهدون على صِدْق مقالَتِكَ))(١). ولأن في اشتراطِ الأربعةِ تحقيقَ معنىُ السَّتْرِ، وهو مندوبٌ إليه(٢)، والإشاعةُ: ضدُه. قال: (وإذا شهدوا: يسألُهمُ الإمامُ عن الزنا، ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زنىُ؟ ومتىُ زنىُ؟ وبمَن زنى؟). ولأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام استفسر ماعِزاً رضي الله عنه عن الكيفية، وعن المَزْنِيَّة(٣). (١) قال في الدراية ٩٤/٤: لم أجده هكذا، وبلفظ قريب عند أبي يعلى (٢٨٢٤): ((أربعة شهود، وإلا فحدٌّ في ظهرك))، وبمعناه في صحيح البخاري (٢٦٧١). (٢) في أحاديث عدة، منها: ((ومَن سَتَرَ مسلماً: سَتَرَه الله)): في صحيح مسلم (٢٦٩٩)، الدراية ٢/ ٩٤. (٣) كما في سنن أبي داود (٤٤١٩، ٤٤٢٨)، وسكت عنهما، سنن النسائي (٧١٦٥)، وينظر الدراية ٢ / ٩٤. ٧ كتاب الحُدُود فإذا بيَّنوا ذلك، وقالوا: رأيناه وَطِئَها في فَرْجِها كالمِيْل في المُكْحُلَةِ، وسأل القاضي عنهم، فعُدِّلوا في السِّرِّ والعلانِيَة: حَكَمَ بشهادتهم. ولأنَّ الاحتياطَ في ذلك واجبٌ(١)؛ لأنه عَسَاه: غيرَ الفعلِ في الفَرْجِ عَنَاه، أو زنى في دار الحرب، أو في المتقادِمٍ من الزمان، أو كانت له شبهةٌ لا يَعرِفُها هو، ولا الشهودُ، كوطءِ جاريةِ الابنِ، فُيُستقصَى في ذلك؛ احتيالاً للدرء. قال: (فإذا بيَّنوا ذلك، وقالوا: رأيناه وَطِئَها في فَرْجِها كالمِيْل في المُكْحُلَةِ، وسأل القاضي عنهم، فعُدِّلوا في السِّرِّ والعلانِيَة: حَكَمَ بشهادتهم). ولم يَكْتُفِ بظاهر العدالة(٢) في الحدود؛ احتيالاً للدرء. قال عليه الصلاة والسلام: ((ادرؤوا الحدودَ ما استطعتم)) (٣). بخلاف سائرِ الحقوقِ عند أبي حنيفة رحمه الله. (١) وفي نُسخة ٧٣١هـ: شرطٌ. (٢) وهو الإسلام. (٣) قال في الدراية ٩٤/٢: بلفظ: ((ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم)): في سنن الترمذي (١٤٢٤)، وتُكلِّم في سنده، سنن البيهقي (١٧٠٥٧)، وله طرق عدة، ينظر نصب الراية ٣٠٩/٣، و٣٣٣. لكن قال العلامة قاسم في التعريف والإخبار ١٦١/٣، ومنية الألمعي ص٣٩٢: حديث الكتاب رواه الإمام أبو حنيفة في مسند الحارثي. اهـ، وإسناده صحيح، قد تلقَّتْه الأمةُ بالقبول، ينظر فتح القدير لابن الهمام ٣٢/٥، أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء ص ٢١٣. ٨ كتاب الحُدُود والإقرارُ: أن يُقِرَّ البالغُ، العاقلُ على نفسِهِ بالزنا أربعَ مراتٍ، في أربعةٍ مجالسَ من مجالسِ المُقِرِّ، كلَّما أَقَرَّ : ردَّه القاضي. وتعديلُ السرِّ والعلانِيَة نُبَيِّنْه في الشهادات إن شاء الله تعالى. قال في ((الأصل)): يَحبِسُهُ حتى يسألَ عن الشهود؛ للاتهام بالجناية، وقد حَبَسَ رسولُ الله عليه الصلاة والسلام رجلاً بالتهمة(١). بخلاف الديون، حيث لا يُحبَسُ فيها قبلَ ظهورِ العدالة، وسيأتيكَ الفرقُ إن شاء الله تعالى. قال: (والإقرارُ: أن يُقِرَّ البالغُ، العاقلُ على نفسِهِ بالزنا أربعَ مراتٍ، في أربعةِ مجالسَ من مجالسِ المُقِرِّ، كلَّما أَقَرَّ: ردَّه القاضي). فاشتراطُ البلوغ، والعقل: لأن قولَ الصبيِّ والمجنونِ غيرُ معتَبَرٍ، أو هو غيرُ موجب للحد. واشتراطُ الأربع: مذهبُنا. وعند الشافعيّ(٢) رحمه الله: يُكتفَى بالإقرار مرةً واحدةً؛ اعتباراً بسائر الحقوق، وهذا لأنه مُظهرٌ، وتكرارُ الإقرار لا يفيدُ زيادةَ الظهور، بخلاف زيادةِ العددِ في الشهادة. (١) سنن أبي داود (٣٦٣٠)، سنن الترمذي (١٤١٧)، وقال: حديثٌ حسنٌ، الدراية ٢ /٩٥. (٢) مغني المحتاج ٤ /١٥٠. ٩ كتاب الحُدُود ولنا: حديثُ ماعِزٍ رضي الله عنه، فإنه عليه الصلاة والسلام أخَّر إقامة الحدّ(١) إلى أن تَمَّ الإقرارُ منه أربعَ مراتٍ، في أربعةِ مجالس (٢). فلو ظَهَرَ بما دونها: لَمَا أخَّرَها لثبوت الوجوب. ولأن الشهادةَ اختَصَّتْ فيه بزيادة العددِ، فكذا الإقرارُ؛ إعظاماً لأمر الزنا، وتحقيقاً لمعنىُ السَّتْر. ولا بدَّ من اختلافِ المجالِسِ (٣): لِمَا روينا. ولأنَّ لاتِّحادَ المجلسِ أَثَراً في جَمْعِ المتفرِّقات، فعند ذلك(٤): تتحقّقُ شبهة الاتحادِ في الإقرارِ، والإقرارُ قائمٌ بالمقِرِّ، فيُعتبرُ اتحادُ(٥) مجلسه(٦)، دون مجلسِ القاضي. والاختلافُ: بأن يَرُدَّه القاضي كلَّما أقرَّ، فيذهَبَ حيثُ لا يراه، ثم يجيءَ فيُقِرَّ، هو المَرْويُّ عن أبي حنيفة رحمه الله. (١) وفي نُسخ: أخَّر الإقامةَ. (٢) صحيح البخاري (٦٨١٥)، صحيح مسلم (١٦٩٢). (٣) أي في الإقرار. (٤) أى عند اتحاد المجلس. (٥) وفي نُسخ: اختلاف. وقد ذكر العيني في البناية ٣٢٨/٨ هذا الاختلاف بين النُّسخ، ولم یرجِّح بينها. (٦) أي مجلس المقر ١٠ كتاب الحُدُود فإذا تمّ إقرارُهُ أربعَ مراتٍ : سأله عن الزنا، ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زنىُ؟ وبمَن زنىُ؟؟، فإذا بَّن ذلك: لَزِمَه الحَدُّ. فإن رَجَعَ المُقِرُّ عن إقراره قبلَ إقامةِ الحَدِّ عليه، أو في وَسَطِهِ: قُبِلَ رجوعُهُ، وخُلِّيَ سبيلُه. لأنه عليه الصلاة والسلام طَرَدَ ماعزاً رضي الله عنه في كل مرةٍ، حتى توارى بحيطان المدينة(١). قال: (فإذا تمَّ إقرارُه أربعَ مراتٍ: سأله عن الزنا، ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زنى؟ وبمَن زنى؟(٢)؟، فإذا بيَّن ذلك: لَزِمَه الحَدُّ)؛ لتمام الحُجَّة. ومعنى السؤالِ عن هذه الأشياء بيَّنَّه في الشهادة. ولم يَذْكُرُ (٣) السؤالَ فيه عن الزمان، وذَكَرَه في الشهادة: لأن تقادُمَ العهدِ يمنعُ الشهادةَ، دون الإقرار، وقيل: لو سأله: جاز؛ لجواز أنه زنى في صِبَاه. قال: (فإن رَجَعَ المُقِرُّ عن إقراره قبلَ إقامةِ الحَدِّ عليه، أو في وَسَطِهِ: قُبلَ رجوعُه، وخُلِّيَ سبيلُه). (١) قال في الدراية ٩٦/٢: لم أجده، لكن بمعناه عند ابن حبان (٤٤٠٠). (٢) توجد في هذا الموضع زيادةُ جملةٍ فيها السؤال عن الزمان، وهي: (ومتى زنى؟): مثبتةٌ في نُسَخٍ من بداية المبتدي، دون نسخ أخرى، ينظر بداية المبتدي ص٣٤٢، وسيأتي الآن كلامٌ للمصنّف عنها. (٣) أي الإمام القدوري رحمه الله. البناية ٣٢٩/٨، قلتُ: ولكن نُسَخَ القدوري الخطية جاءت هكذا، وهكذا، وينظر اللباب ٤٥٤/٤، وكذلك بداية المبتدي، كما نبهتُ إلى هذا في الحاشية السابقة. ١١ كتاب الحُدُود ويُستحبُّ للإمام أنْ يُلقِّنَ المُقِرَّ الرجوعَ، فيقولَ له : لعلَّك لَمَسْتَ، أو قَبَّلْتَ. وقال الشافعي(١) رحمه الله، وهو قولُ ابنِ أبي ليلى(٢) رحمه الله: يُقِيمُ عليه الحَدَّ؛ لأنه وَجَبَ الحَدُّ بإقراره، فلا يَبَطلُ برجوعه وإنكارِه، كما إذا وَجَبَ بالشهادة، وصار كالقصاصِ وحَدِّ القذف. ولنا: أن الرجوعَ خَبَرٌ محتمِلٌ للصدق، كالإقرار، وليس أحدٌ يُكذّبُه فيه، فتتحقّقُ الشبهةُ في الإقرار. بخلاف ما فيه حَقُّ العبدِ، وهو القصاصُ، وحَدُّ القذف؛ لوجود مَن يُكذِّبُه، ولا كذلك ما هو خالِصُ حَقِّ الشرع. قال: (ويُستحبُّ للإمام أنْ يُلقِّنَ المُقِرَّ الرجوعَ، فيقولَ له: لعلَّك لَمَسْتَ، أو قبَّلْتَ)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لمَاعِزِ رضي الله عنه: ((لعلكَ لَمَسْتَها، أو قبَّلَتَها))(٣). قال في ((الأصل)): وينبغي أن يقولَ له الإمامُ: لعلك تزوجتَها، أو وطئتَها بشبهةٍ، وهذا قريبٌ من الأول في المعنى، والله تعالى أعلم. (١) بل قوله كالحنفية يُقبل رجوعه، ويسقط الحد. الحاوي الكبير ٢١٠/١٢. (٢) الإمام محمد بن عبد الرحمن، الشهير بابن أبي ليلى، ت١٤٨ هـ. (٣) في المستدرك (٨٠٧٧): ((لعلك قبَّلْتَها؟ قال: لا، قال: فمسستها؟ قال: لا))، وعند البخاري في صحيحه (٦٨٢٤): ((لعلك قبَّتَ أو غَمَزْتَ أو نظرتَ)). ١٢ فصل فصل في كيفية الحَدِّ، وإقامتِه وإذا وَجَبَ الحَدُّ، وكان الزاني محصَناً : رَجَمَه بالحجارةِ حتى يموتَ. ويُخرِجُهُ إلى أرضٍ فَضاءٍ، ويَبتدىُ الشهودُ بَرَجْمه، ثم الإمامُ، ثم الناسُ. فصل في كيفية الحَدِّ، وإقامتِه قال: (وإذا وَجَبَ الحَدُّ، وكان الزاني محصَناً: رَجَمَه(١) بالحجارةِ حتى يموتَ)؛ لأنه عليه الصلاة والسلام رَجَمَ ماعِزاً رضي الله عنه وقد أَحْصَنَ (٢). وقال في الحديث المعروف: ((وزناً بعد إحصان))(٣). وعلى هذا إجماعُ الصحابة رضي الله تعالى عنهم(٤). قال: (ويُخرِجُهُ إلى أرضِ فَضاءِ، ويَبتدئُ الشهودُ برَجْمه، ثم الإمامُ، ثم الناسُ)، كذا رُوي عن عليٍّ رضي الله عنه(٥). (١) أي الإمامُ أو القاضي. (٢) وفي نُسخ بالمبني للمجهول: أُحْصِنَ. صحيح البخاري (٥٢٧٠، ٦٨٢٥)، صحيح مسلم (١٦٩١). (٣) سنن أبي داود (٤٥٠٢)، سنن الترمذي (٢١٥٨)، وقال: حديث حسن، في قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : ... )). (٤) ينظر للإجماع صحيح مسلم (١٦٩١). (٥) مصنف ابن أبي شيبة (٢٨٨١٧)، الدراية ٩٦/٢. ١٣ في كيفية الحَدِّ، وإقامته فإن امتَنَعَ الشهودُ من الابتداء : سَقَطَ الحدُّ. قال: وإن كان مقِرَّاً: يبتدىء الإمامُ، ثم الناسُ. ولأن الشاهدَ قد يتجاسرُ على الأداءِ، ثم يستعظمُ المباشرةَ، فيرجعُ، فكان في بِدايتِه: احتيالٌ للدَّرْء. وقال الشافعيُّ رحمه الله: لا تُشترَطُ بِدايتُهُ (١)؛ اعتباراً بالجلد. قلنا: كلُّ أحدٍ لا يُحسِنُ الجلدَ: فربما يقعُ مُهلِكاً، والإهلاكُ غيرُ مستَحَقِّ، ولا كذلك الرجمُ؛ لأنه إتلافٌ. قال: (فإن امتَنَعَ الشهودُ من الابتداء: سَقَطَ الحدُّ)؛ لأنه دلالةُ الرجوع. وكذا إذا ماتوا، أو غابوا، في ظاهر الرواية؛ لفوات الشرط. قال: (وإن كان مقِرَّاً: يبتدئُ الإمامُ، ثم الناسُ)، كذا رُوي عن علي رضي الله عنه (٢). ورمىُ رسولُ الله عليه الصلاة والسلام الغامديةَ رضي الله عنها بحصاةٍ مثلَ الحِمِّصَة، وكانت قد اعترفت بالزنا(٣). (١) أي بداية الشاهد. مغني المحتاج ٤ /١٥٢. (٢) مصنف ابن أبي شيبة. (٢٨٨١٧)، الدراية ٩٦/٢. ولم يظهر لي سببُ تقديم استدلال المؤلف بقول علي رضي الله عنه على المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم. (٣) صحيح مسلم (١٦٩٥). ١٤ في كيفية الحَدِّ، وإقامتِهِ ويُغْسَلُ، ويُكفَّنُ، ويُصلَّى عليه. وإن لم يكن مُحصَناً، وكان حُرَّاً: فحَدُّه مائةُ جلدةٍ . يأمرُ الإِمامُ بضَرْبِه بسَوْطٍ لا ثمرةَ له، ضَرْباً متوسِّطاً. قال: (ويُغْسَلُ (١)، ويُكفَّنُ، ويُصلَّى عليه)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في ماعزٍ رضي الله عنه: ((اصنَعُوا به كما تَصنعون بموتاكم)) (٢). ولأنه قُتِلَ بحَقٌّ، فلا يَسقطُ الغَسْلُ، كالمقتول قصاصاً. وصلى النبيُّ عليه الصلاة والسلام على الغامديةِ رضي الله عنها بعد ما رُجِمتْ(٣). قال: (وإن لم يكن مُحصَناً، وكان حُرَّاً: فحَدُّه مائةُ جلدةٍ). لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْتَ جَلْدَةٍ ﴾. النور/٢، إلا أنه انتسخ في حقِّ المحصَن(٤)، فبقيَ في حقٍّ غيرِه معمولاً به. قال: (يأمرُ الإمامُ بِضَرْبِه بِسَوْطٍ لا ثمرةَ له(٥)، ضَرْباً متوسِّطاً)؛ لأن (١) وفي نُسخ: ويُغَسَّل. بتشديد السين. (٢) مصنف ابن أبي شيبة (١١٠١٤)، الدراية ٩٧/٢، ورواه أبو حنيفة في مسند الحارثي، وهو في مسند أبي حنيفة للحصكفي (٥). التعريف والإخبار ١٧٦/٣. (٣) صحيح مسلم (١٦٩٦). (٤) والناسخُ: هو القطعُ بأن النبي صلى الله عليه وسلم رَجَمَ المحصن. فتح القدير ١٧/٥، وينظر البناية ٣٣٩/٨ فقد جَعَلَ الناسخ: آية: الشيخ والشيخة .... (٥) ثمرة السَّوْط: عُقَد أطرافه، وقيل: ذَنَبُه وأطرافه. البناية ٣٤٠/٨. ١٥ في كيفية الحَدِّ، وإقامتِهِ وتُزَعُ عنه ثيابُه، ويُفرَّقُ الضربُ على أعضائه، إلا رأسَه، ووجهَه، وفَرْجَه. علياً رضي الله عنه لَمَّ أراد أن يُقيمَ الحدَّ: كَسَرَ ثمرتَه(١). والمتوسِّطُ: بين المُبرِّحِ وغيرِ المُؤْلِم؛ لإفضاءِ الأولِ إلى الهلاك، وخُلُوِّ الثاني عن المقصود، وهو الانزجارُ. قال: (وتُنْزَعُ عنه ثيابُه)، معناه دونَ الإزار؛ لأن علياً رضي الله عنه كان يأمرُ بالتجريد في الحدود(٢). ولأن التجريدَ أبلغُ في إيصالِ الألم إليه، وهذا الحَدُّ مَبْناه على الشدة في الضرب، وفي نَزْعِ الإزار: كَشْفُ العورة، فيَتَوقَّاه. قال: (ويُفرَّقُ الضربُ على أعضائه)؛ لأن الجمعَ في عضوٍ واحدٍ قد يُفضي إلى التَّلَف، والحَدُّ: زاجرٌ، لا مُتْلِفٌ. قال: (إلا رأسَه، ووجهَه، وفَرْجَه). لقوله عليه الصلاة والسلام للذي أَمَرَه بضَرْبِ الحَدِّ: ((اتَّقِ الوجهَ، والمَذاكير))(٣). (١) قال في الدراية ٩٧/٢: لم أجده، ثم ذكر نحوه عن أنس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم. (٢) قال في الدراية ٩٨/٢: لم أجده، بل المنقول عنه خلافه، وخرَّج ذلك، وينظر التعريف والإخبار ١٧٩/٣. (٣) قال في نصب الراية ٣٢٤/٣: غريب مرفوعاً، وروي موقوفاً عن علي رضي الله عنه، وينظر مصنف عبد الرزاق (١٣٥١٧)، مصنف ابن أبي شيبة (٢٨٦٧٥)، وقد ورد النهي عن ضرب الوجه في الصحيحين (خ ٥٥٤١، م ٢١١٦). ١٦ في كيفية الحَدِّ، وإقامتِه وقال أبو يوسف رحمه الله : يُضرَبُ الرأسُ أيضاً. ويُضرَبُ في الحدود كلِّها قائماً غيرَ مَمدود. ولأن الفَرْجَ مَقتَلٌ، والرأسَ مَجمَعُ الحَوَاسِّ، وكذا الوجهُ، وهو مَجمَعُ المحاسن أيضاً، فلا يُؤْمَنُ فواتُ شيءٍ منها بالضرب، وذلك إهلاكٌ معنىَّ، فلا يُشرَعُ حدَّاً. (وقال أبو يوسف رحمه الله: يُضرَبُ الرأسُ أيضاً)، رَجَعَ إليه(١). وإنما يُضرَبُ سوطاً (٢)؛ لقول أبي بكر رضي الله عنه: ((اضربوا الرأسَ، فإن فيه شيطاناً)(٣). قلنا: تأويلُه: أنه قال ذلك فيمَن أُبيح قَتْلُه. ونُقِل أنه وَرَدَ (٤) في حربيٍّ كان من دُعاة الكَفَرة، والإهلاكُ فيه مستَحَقٌّ. قال: (ويُضرَبُ في الحدود كلِّها قائماً غيرَ مَمدود)؛ لقول علي رضي الله عنه: ((يُضرَبُ الرجالُ في الحدود قياماً، والنساءُ قُعُودًا)) (٥). ولأن مبنى إقامةِ الحدِّ على التشهير، والقيامُ أبلغُ فيه. (١) فكان أبو يوسف رحمه الله يقول: لا يُضرَب الرأسُ، ثم رجع، وقال: يُضرَب. (٢) أي واحداً، لا غير. (٣) مصنف ابن أبي شيبة (٢٩٠٣٣)، التعريف والإخبار ١٧٨/٣، الدراية ٩٨/٢. (٤) أي نُقل أنَّ أثر أبي بكر رضي الله عنه. البناية ٣٤٥/٨. (٥) مصنف عبد الرزاق (١٣٥٣٢)، بإسناد ضعيف، كما في الدراية ٩٨/٢، مصنف ابن أبي شيبة (٢٩٠٢٢)، التعريف والإخبار ١٨٠/٣. ١٧ في كيفية الحَدِّ، وإقامتِهِ وإن كان عبداً : جَلَدَه خمسينَ جَلْدةً. والرجلُ والمرأةُ في ذلك: سواءٌ، غيرَ أن المرأةَ لا يُنْزَعُ من ثيابِها إلا الفَرْوُ، والحَشْوُ. ثم قولُه: غيرَ مَمدودٍ: فقد قيل: المَدُّ: أن يُلقَىُ على الأرض، ويُمَدَّ، كما يُفْعَلُ في زماننا، وقيل: أن يُمَدَّ السَّوْطُ، فيرفَعَه الضارِبُ فوقَ رأسه، وقيل: أن يَمُدَّه بعد الضرب. وذلك كلُّهُ لا يُفعَل؛ لأنه زيادةٌ على المستَحَقِّ. قال: (وإن كان عبداً: جَلَدَه خمسينَ جَلْدةً(١)). لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ النساء /٢٥، نَزَلَتْ في حَقِّ الإماء. ولأن الرِّقَّ مُنَقِّصُ (٢) للنّعمة، فيكون مُنَقِّصاً للعقوبة؛ لأن الجنايةَ عند توافُرِ النِّعَم أفحَشُ، فيكونُ أدعى إلى التغليظ. قال: (والرجلُ والمرأةُ في ذلك: سواءٌ)؛ لأن النصوصَ تشملُهما. (غيرَ أن المرأةَ لا يُنْزَعُ من ثيابها إلا الفَرْوُ، والحَشْوُ)؛ لأن في تجريدها كشف العورة. والفروُ والحَشْوُ يَمنعان وصولَ الألم إلى المضروب، والسَّتْرُ حاصلٌ بدونهما، فيُنزَعان. (١) وفي نُسخ: سَوْطاً. (٢) وفي نُسخ: منصِّفٌ. ١٨ في كيفية الحَدِّ، وإقامتِه وتُضرَبُ جالسةً، وإن حُقِرَ لها في الرَّجْم : جاز. (وتُضرَبُ جالسةً)؛ لِمَا روينا، ولأنه أسترُ لها. قال: (وإن حُفِرَ لها في الرَّجْم: جاز)؛ لأنه عليه الصلاة والسلام حَفَرَ للغامدية رضي الله عنها إلى ثُنْدُوَتِها(١). وحَفَرَ عليٌّ رضي الله عنه لشُرَاحَةَ الهَمْدانيةِ(٢). وإن تُركَ: لا يَضرُّه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر بذلك(٣)، وهي مستورة بثیابها. (١) سنن أبي داود (٤٤٤٣)، وسكت عنه، مختصر الكرخي بسنده، كما في التعريف والإخبار ١٧٤/٣. والتُّنْدُوَة - بضمِّ الثاء - من الرجل: الثدي من المرأة، وقد أُطلقت في الحديث على المرأة، الدراية ٩٨/٢، وقيل: اللحمة التي في أصل الثدي، المصباح المنير. (٢) مصنف عبد الرزاق (١٣٣٥٣)، مسند أحمد (٩٧٨)، وينظر التعريف والإخبار ١٧٣/٣، وفيه: وحَفَرَ لها إلى السرة . (٣) قال العيني في البناية ٣٤٨/٨ نقلاً عن الزيلعي في نصب الراية ٣٢٥/٣ بدون تصريح منه، قال: هذا ذهولٌ من المصنِّف رحمه الله تعالى وتناقضٌ، فإنه تقدَّم في كلامه - أي كلام صاحب الهداية - أنه عليه الصلاة والسلام حَفَرَ للغامدية، وهو في صحيح مسلم (١٦٩٥). اهـ، وينظر الدراية ٩٩/٢. أما ابن الهمام في فتح القدير ٢١/٥ فأجاب عن هذا الإشكال بقوله: لم يأمر بذلك: يعني لم يُوجِبْه، بناءً على أن حقيقة الأمر: هي الإيجاب، وقال: إنه عليه الصلاة والسلام حَفَرَ للغامدية، ومعلومٌ أن ليس المراد إلا أنه أَمَرَ بذلك، فيكون مجازاً عن أمره، وإلا كانت مناقضةٌ غريبةٌ، فإن مثلَها إنما يقع عند بُعد العهد، أما معه في سطر واحد: فغريبٌ، وهو هنا كذلك، والله أعلم. ١٩ في كيفية الحَدِّ، وإقامتِه ولا يُحفَرُ للرَّجُل. ولا يُقيمُ المولىُ الحَدَّ علىُ عبدِه إلا بإذن الإمام. والحفرُ: أحسنُ؛ لأنه أسترُ، ويُحفَرُ إلى الصدر؛ لِمَا روينا. قال: (ولا يُحفَرُ الرَّجُل)؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ما حَفَرَ لمَاعِزِ رضي الله عنه (١)، ولأن مبنى إقامةِ الحدّ(٢) على التشهير في الرجال. والرَّبْطُ والإمساكُ: غيرُ مشروعٍ. قال: (ولا يُقيمُ المولىُ الحَدَّ علىُ عبدِه إلا بإذن الإمام). وقال الشافعي(٣) رحمه الله: له أن يُقيمَه؛ لأنَّ له ولايةً مطلَقةً عليه، كالإمام، بل أَوْلِىُ؛ لأنه يَملِكُ من التصرُّف فيه ما لا يَملكُه الإمامُ، فصار كالتعزير. (١) صحيح مسلم (١٦٩٤) من رواية أبي سعيد الخدري، وفي رواية أخرى لمسلم (١٦٩٥) عن بريدة أنه حفر له، وينظر نصب الراية ٣٢٥/٣، وما نقله عن البيهقي أنه لَمَّ تعذَّر عليه الجمع بين الروايتين: سكت عنهما. وقد رجَّح المصنّفُ رواية عدم الحفر، ولهذا قال ابن الهمام في فتح القدير ٢١/٥ عن رواية بريدة المثبتة للحفر: ((وهو منكَرٌ؛ لمخالفته الروايات الصحيحة المشهورة، والروايات الكثيرة المتظافرة)). اهـ، وكذلك قال العلامة قاسم في التعريف والإخبار ١٧٥/٣ إن راوي الحفر خالف مَن هو أوثق منه، وينظر إعلاء السنن ٥٧٦/١١، وأوجز المسالك للعلامة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي ٥/٦. (٢) وفي نُسخ: مبنى الإقامة. (٣) مغني المحتاج ٤ /١٥٢. ٢٠ في كيفية الحَدِّ، وإقامتِه وإحصانُ الرَّجْم: أن يكون حُرَّاً، عاقلاً، بالغاً، مسلماً، قد تزوَّج امرأةً نكاحاً صحيحاً، ودَخَلَ بها، وهما على صفة الإحصان. ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((أربعٌ إلى الولاة : ... ))(١)، وذَكَرَ منها: الحدودَ. ولأن الحَدَّ حَقُّ الله تعالى؛ لأن المَقْصَدَ منها إخلاءَ العالَم عن الفساد، ولهذا لا يسقطُ بإسقاط العبد، فيستوفيه مَن هو نائبٌ عن الشرع، وهو الإمامُ أو نائبه. بخلاف التعزير؛ لأنه حَقُّ العبد، ولهذا يُعزَّرُ الصبيُّ، وحَقُّ الشرع موضوعٌ عنه. قال: (وإحصانُ الرَّجْم: أن يكون حُرَّاً، عاقلاً، بالغاً، مسلماً، قد تزوَّج امرأةً نكاحاً صحيحاً، ودَخَلَ بها، وهما على صفة الإحصان). فالعقلُ، والبلوغُ: شَرْطٌ لأهلية العقوبة، إذْ لا خطابَ بدونهما. وما وراءَهما(٢): يُشترَطُ لتكامل الجناية، بواسطة تكاملِ النعمة، إذْ كُفْرانُ النعمةِ يَتغلَّظُ عند تكثُّرِها، وهذه الأشياءُ من جلائلِ النِّعَم، وقد شُرِعَ الرجمُ بالزنا عند استجماعِها، فيُناطُ الرجمُ به. (١) قال في الدراية ٩٩/٢: لم أجده، وروي هذا عن الحسن البصري وعطاء الخراساني في مصنف ابن أبي شيبة (٢٨٤٣٨، ٢٨٤٣٩)، وينظر التعريف والإخبار ١٨٥/٣ حيث ذكر جملة من الأحاديث الصحيحة والآثار تُعارض ذلك، وفيها أن المولى هو الذي يقيم عليها الحدَّ. (٢) أي ما وراء العقل والبلوغ من الشرائط.