النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
باب التدبير
وإن علَّقَ التدبيرَ بموته على صفةٍ، مثلُ أن يقولَ : إن مِتُّ من مرضي
هذا، أو سفري هذا، أو من مرضٍ كذا: فليس بمُدَّبٍَّ، ويجوزُ بيعُه.
فإن مات المولى على الصفةِ التي ذَكَرَها : عَتَقَ كما يَعْتِقُ المدبَّرُ.
قال: (وإن علَّقَ التدبيرَ بموته على صفةٍ، مثلُ أن يقولَ: إن مِتُّ من(١)
مرضي هذا، أو سفري هذا، أو من مرضٍ كذا: فليس بمُدَبَّرِ، ويجوزُ
بيعُهُ)؛ لأن السببَ لم ينعقدْ في الحال؛ لتردُّدٍ في تلك الصفة.
بخلافِ المدبَّرِ المطلَق؛ لأنه تعلَّقَ عِتْقُه بمطلَق الموت، وهو كائنٌ،
لا محالةَ.
قال: (فإن مات المولىُ على الصفةِ التي ذَكَرَها: عَتَقَ كما يَعْتِقُ
المدبّرُ).
معناه: من الثّلُث؛ لأنه ثَبَتَ حُكْمُ التدبير في آخِرِ جزءٍ من أجزاء
ءِ
حياته؛ لتحقّقِ تلك الصفةِ فیه، فلهذا يُعتبرُ من الثلث.
ومِن المقيَّدَ: أن يقول: إن مِتُّ إلى سنةٍ أو عَشْرِ سنين؛ لِمَا ذكرنا.
بخلاف ماذا قال: إلى مائةِ سنةٍ، ومِثْلُه لا يعيشُ إليه في الغالب؛ لأنه
كالكائن، لا محالةَ، والله تعالى أعلم.
والإخبار ١٢٠/٣ عن الإشراف لابن المنذر أن زيد بن ثابت من الصحابة خالف
الإجماع، وينظر الدراية ٨٧/٢.
(١) وفي نُسخ: في مرضي.

٤٦٢
باب الاستیلاد
باب الاستیلاد
وإِذا وَلَدَتِ الأَمَةُ من مولاها: فقد صارتْ أُمَّ ولدٍ له، لا يجوزُ بيعُها،
ولا تمليكُها .
باب الاستیلاد
قال: (وإذا وَلَدَتِ الأَمَةُ من مولاها: فقد صارتْ أُمَّ ولدٍ له، لا يجوزُ
بيعُها، ولا تمليكُها)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أعتَقَها ولدُها))(١).
أَخْبَرَ صلى الله عليه وسلم عن إعتاقِها، فيثبتُ بعضُ مَوَاجبه، وهو
حُرْمةُ البيع.
ولأن الجزئيةَ قد حصلت بين الواطئ والموطوءةِ بواسطة الولد، فإنَّ
الماءَيْن قد اختلطا، بحيثُ لا يُمكنُ المَيْزُ بينهما، على ما عُرِفَ في حُرْمة
المصاهرة، إلا أنَّ بعدَ الانفصال تبقى الجزئيةُ حُكْماً، لا حقيقةً، فضَعُفَ
السببُ، فأوجب حُكْماً مؤجَّلاً إلى ما بعد الموت.
وبقاء الجزئية حُكْماً: باعتبار النسب، وهو من جانب الرجال، فكذا
الحريةُ تثبتُ في حَقُّهم، لا في حقُّهنَّ، حتى إذا مَلَكَتِ الحرَّةُ زوجَها، وقد
ولدت منه: لم يَعتقِ الزوجُ الذي مَلَكَتْه بموتها.
(١) سنن ابن ماجه (٢٥١٦)، وفي سنده: حسين بن عبد الله: وهو ضعيفٌ
جداً، سنن البيهقي (٢١٧٨٨) بسندٍ معضل، وقال ابن حزم في المحلى ٢١٥/٨:
صح هذا بسند رواتُه ثقات، وتعقّبه ابن القطان، واستدرك عليه العلامة قاسم في
التعريف والإخبار ١٢٣/٣، وينظر الدراية ٨٧/٢.

٤٦٣
باب الاستیلاد
ويجوز له وطؤها، واستخدامُها، وإجارتُها، وتزويجُها .
ولا يثبتُ نسبُ ولدِها إلا أن يعترِفَ المولى به.
وبثبوت عِثْقِ مؤجَّلٍ: يثبتُ حقُّ الحرية في الحال، فَيَمنعُ جوازَ البيع،
وإخراجَها لا إلى الحرية في الحال، ويوجبُ عتقَها بعد موته.
وكذا إذا كان بعضُها مملوكاً له؛ لأن الاستيلادَ لا يتجزّأ، فإنه فَرْعُ
النسب، فيُعتبرُ بأصله.
قال: (ويجوز له وطؤها، واستخدامُها، وإجارتُها، وتزويجُها)؛ لأن
الملكَ فيها(١) قائمٌ، فأشبهتِ المدبَّرَةَ.
قال: (ولا يثبتُ نسبُ ولدِها إلا أن يَعترِفَ المولى به).
وقال الشافعي(٢) رحمه الله: يثبتُ نسبُه منه وإن لم يدَّع؛ لأنه لَمَّا ثبت
النسبُ بالعقد، فلأَنْ يثبتَ بالوطء، وأنه أكثرُ إفضاءً: أولى.
ولنا: أن وطءَ الأمةِ يُقْصَدُ به قضاءُ الشهوة، دونَ الولد؛ لوجودِ المانع
عنه(٣)، فلا بدَّ من الدِّعوة، بمنزلة مِلْكِ اليمينِ من غيرِ وطٍ.
بخلاف العقدِ؛ لأن الولدَ يَتعيَّنُ مقصوداً منه، فلا حاجةَ إلى الدِّعوة.
(١) أي في أم الولد.
(٢) الإقناع ٢٠٩/١.
(٣) أي عن طَلَبِ الولد، والمانعُ هو إتلاف المالية. حاشية نسخة ٦٤٤ هـ، وقال
في البناية ١٢١/٨ : والمانع هو سقوطُ التقوُّمِ عن أمِّ الولدِ عند أبي حنيفة رحمه الله،
لأنها ليست بمتقوِّمةٍ عنده، ونقصانُ القيمةِ عند صاحبيه؛ لأن قيمتها ثلثُ قيمة القِن؛
لبقاء منفعة الوطء، وزوال منفعةِ السِّعَاية، والبيع. اهـ

٤٦٤
باب الاستیلاد
فإن جاءت بعد ذلك بولدٍ : یثبتُ نسبُه بغیر إقرار.
إلا أنه إذا نفاه : ينتفي بقوله.
قال: (فإن جاءتْ بعد ذلك بولدٍ: يثبتُ نسبُهُ(١) بغير إقرار).
معناه: بعد اعترافٍ منه بالولد الأول؛ لأنه بدعوى الولدِ الأول: تعيَّنَ
الولدُ مقصوداً منها، فصارت فراشاً يملك نقلَه بالتزويج (٢)، كالمعقودة.
(إلا أنه إذا نفاه: ينتفي بقوله)؛ لأن فراشَها ضعيفٌ، حتى يَملِكُ نَقْلَه
بالتزويج.
بخلاف المنكوحة، حيث لا ينتفي الولدُ بنفيه إلا باللعان؛ لتأكُّد
الفراشِ، حتى لا يملكُ إيطالَه بالتزويج، وهذا الذي ذكرناه حُكمُ(٣).
فأما الدِّيانة(٤): فإن كان وَطِئِها، وحَصَّنَها(٥)، ولم يَعْزِلْ عنها: يلزمُه أن
يعترفَ به، ويدَّعيَ؛ لأن الظاهر أن الولدَ منه.
وإن عَزَلَ عنها، أو لم يُحصِّنْها: جاز له أن ينفيَه؛ لأن هذا الظاهرَ
يقابلُه ظاهرٌ آخَرُ، هكذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله.
(١) أي من المولى.
(٢) يعني يجوز أن يزوجها لغيره. حاشية نسخة برقم ٦٤٤ السليمانية.
(٣) أي بيان الحُكم والقضاء.
(٤) أي بينه وبين الله تعالى.
(٥) المراد من التحصين: أن يمنعها من الخروج والبروز عن مظانِّ الرِّيبة.
وأما العزل فهو: أن يطأها، ولا يُنزِلُ موضعَ المجامعة. البناية ١٢٢/٨.

٤٦٥
باب الاستیلاد
فإن زوَّجَها المولى من رجل، فجاءَتْ بولدٍ: فهو في حُكْمٍ أُمِّه.
وإذا مات المولى : عَتَقَتْ من جميع المال.
وفيه روايتان أُخريان(١) عن أبي يوسف وعن محمدٍ رحمهما الله، ذكرناهما
في «كفاية المنتهي)».
قال: (فإن زوَّجَها المولى من رجل، فجاءَتْ بولدٍ: فهو في حُكْم أُمِّه)؛
لأن حَقَّ الحريةِ يَسري إلى الولد؛ كالتدبير، ألا يُرى أن وَلَدَ الحرةِ حُرٌّ،
وولدَ القِنَّة رقيقٌ(٢).
والنَّسبُ يثبتُ من الزوج؛ لأن الفراشَ له وإن كان النكاحُ فاسداً، إذِ
الفاسدُ مُلْحَقٌ بالصحيح في حَقِّ الأحكام.
ولو ادَّعاه المولىُ: لا يثبتُ نسبُه منه؛ لأنه ثابتُ النسبِ من غيره.
ويَعِقُ الولدُ، وتصيرُ أمُّه أمَّ ولدٍ له؛ لإقراره.
قال: (وإذا مات المولىُ: عَتَقَتْ من جميع المال).
لحديث سعيد بن المسيَّب أن النبي عليه الصلاة والسلام أَمَرَ بعتق
أمهات الأولاد، وأن لا يُبَعْنَ في دَيْنٍ، ولا يُجعَلْنَ من الثلث(٣).
ولأن الحاجةَ إلى الولد أصليةٌ، فتُقدَّمُ على حَقِّ الورثةِ والدَّينِ،
كالتكفين، بخلاف التدبير؛ لأنه وصيةً بما هو من زوائد الحوائج.
(١) وتلك الروايات بلفظ الوجوب. البناية ١٢٣/٨.
(٢) وفي نُسخ: قِنٌّ.
(٣) قال في التعريف والإخبار ١٢٤/٣ : قال المخرِّجون: لم نجده، قلت: أخرجه
محمد بن الحسن في الأصل من هذا الوجه. اهـ، وينظر منية الألمعي ص٣٩٢،
والدراية ٢/ ٨٧.

٤٦٦
باب الاستیلاد
ولا سعايةَ عليها في دَيْنِ المولى للغرماء.
وإذا أسلمت أمُّ ولدِ النصرانيّ : فعليها أن تسعى في قيمتها .
قال: (ولا سعايةَ عليها في دَيْنِ المولى للغرماء)؛ لِمَا روينا.
ولأنها ليست بمال مُتَقَوِّم، حتى لا تُضمَنُ بالغصب عند أبي حنيفة
رحمه الله، ولا (١) يتعلَّقُ بها حَقُّ الغرماء، كالقصاص، بخلاف المدبّر؛
لأنه مالٌ متقوِّم.
قال: (وإذا أسلمت أمُّ ولدِ النصرانيُّ: فعليها أن تسعى في قيمتها)؛
وهي بمنزلة المكاتب، لا تَعْتِقُ حتى تؤدِّيَ السعايةَ.
وقال زفر رحمه الله: تَعْتِقُ في الحال، والسعايةُ دينٌ عليها.
وهذا الخلافُ فيما إذا عُرِضَ على المولىُ الإسلامُ، فأبى، فإن أسلم:
تبقى على حالها.
له: أن إزالةَ الذَّلِّ عنها بعد ما أسلمت واجبةٌ، وذلك بالبيع أو
الإعتاق، وقد تعذّر البيعُ، فتعيَّن الإعتاقُ.
ولنا: أن النظرَ من الجانبين في جَعْلِها مكاتبةً؛ لأنه يندفعُ الذلّ عنها
ءِ
بصيرورتها حرَّةً يداً.
والضررُ(٢) عن الذمي: لانبعاثِها على الكسب؛ فَيْلاً لشرف الحرية،
فيَصِلُ الذميُّ إلى بدل ملكِهِ، أما لو أُعتقت وهي مفلِسَة: تتوانى في الكسب.
(١) وفي نُسخ: فلا.
(٢) أي ويندفع الضررُ.

٤٦٧
باب الاستیلاد
ولو مات مولاها : عَتَقَتْ بلا سِعایةٍ .
ولو عَجَزَتْ في حياته : لا تُرَدُّ ◌ِنَّةً.
ومَن استَوْلَدَ أمةَ غيرِهِ بنكاحٍ، ثم مَلَكَها : صارتْ أُمَّ ولدٍ له.
وماليةُ أمِّ الولد يَعتقدُها الذميُّ متقوِّمَةً، فيُتْرَكُ وما يعتقدُ(١).
ولأنها(٢) إن لم تكن متقوِّمةً: فهي محترمةٌ.
وهذا يكفي لوجوب الضمان، كما في القصاص المشترَكِ إذا عفا
أحدُ(٣) الأولياء: يجب المالُ للباقِين.
قال: (ولو مات مولاها: عَتَقَتْ بلا سِعايةٍ)؛ لأنها أُمُّ ولدٍ له.
قال: (ولو عَجَزَتْ في حياته: لا تُرَدُّ قِنَّةً)؛ لأنها لو رُدَّت قِنَّةً: أُعِيْدَتْ
مكاتبةً؛ لقيام الموجب(٤).
قال: (ومَن استَوْلَدَ أمةَ غيرِه بنكاحٍ، ثم مَلَكَها: صارتْ أُمَّ ولدٍ له(٥)).
وقال الشافعي(٦) رحمه الله: لا تصيرُ أمّ ولدٍ له.
(١) هذا جوابٌ عما يقال: كيف تسعىُ أمُّ ولد النصراني، والسعاية في القيمة:
دليل التقوُّم، وأم الولد ليست بمتقوِّمة عن أبي حنيفة رحمه الله؟ فأجاب أنهم يعتقدون
ماليتها. البناية ١٢٧/٨.
(٢) أي مالية أم الولد.
(٣) وفي نُسخ: بعض.
(٤) أي الموجب للكتابة، وهو إسلامها مع كفر مولاها.
(٥) شرعاً؛ لأنها كانت أمَّ ولد حقيقةً. البناية ١٢٨/٨.
(٦) مغني المحتاج ٤ / ٥٤٠.

٤٦٨
باب الاستیلاد
ولو استَوْلَدَها بمِلْكِ يمينٍ، ثم استُحِقَّت، ثم مَلَكَها: تصيرُ أمَّ ولدٍ له
عندنا .
قال: (ولو استَوْلَدَها بمِلْكِ يمينٍ، ثم استُحِقَّت، ثم مَلَكَها: تصيرُ أمَّ
ولدٍ له عندنا)، وله(١) فیه: قولان.
وهو ولدُ المغرور(٢).
له (٣): أنها عَلِقَتْ برقيقٍ، فلا تكونُ أمَّ ولدٍ له (٤)، كما إذا عَلِقَت من
وهذا لأن أموميةَ الولد: باعتبار عُلوق الولد حراً؛ لأنه جزء الأم في
٩
الزنا، ثم مَلَكَها الزاني.
تلك الحالة، والجزء لا يُخالِفُ الكلّ.
ولنا: أن السببَ هو الجزئيةُ(٥)، على ما ذكرنا من قبلُ، والجزئيةُ إنما
تثبتُ بينهما بنسبة الولدِ الواحدِ إلى كلّ واحدٍ منهما كَمَلاً، وقد ثَبَتَ
النسبُ، فتثبتُ الجزئيةُ بهذه الواسطة.
بخلاف الزنا؛ لأنه لا نسبَ فيه للولد إلى الزاني، وإنما يَعْتِقُ على
الزاني إذا مَلَكَه؛ لأنه جزؤه حقيقةً بغير واسطة.
(١) أي للإمام الشافعي رحمه الله.
(٢) وبيانه: أنَّ مَن يطأ امرأةً متعمداً على مِلكِ يمين، أو نكاح، فتلدُ منه، ثم
تُستَحَقُّ: يكون ولدُه حراً بالقيمة يومَ الخصومة. البناية ١٢٨/٨.
(٣) أي للإمام الشافعي رحمه الله.
(٤) أي لمَن عَلِقت منه.
(٥) حُكماً.

٤٦٩
باب الاستيلاد
وإذا وَطِىءَ الأبُ جاريةَ ابنه، فجاءَتْ بولدٍ، فادَّعاه: ثَبَتَ نسبُهُ منه،
وصارت أمَّ ولدٍ له، وعليه قيمتُها، وليس عليه عُقْرُها، ولا قيمةُ ولدها.
وإنْ وَطِىءَ أبو الأبِ مع بقاءِ الأبِ : لم يثبتِ النسبُ.
ولو كان الأبُ ميتاً: يثبتُ من الجَدِّ، كما يَثبتُ نسبُه من الأب.
نظيرُهُ: مَن اشترى أخاه من الزنا(١): لا يَعِقُ؛ لأنه يُنسَبُ إليه بواسطة
نسبته إلى الوالد، وهي غيرُ ثابتةٍ.
قال: (وإذا وَطِىءَ الأَبُ جاريةَ ابنه، فجاءَتْ بولدٍ، فادَّعاه: ثَبَتَ نسبُهُ
منه (٢)، وصارت أمَّ ولدٍ له، وعليه قيمتُها، وليس عليه عُقْرُها(٣)، ولا قيمةُ
ولدهواقد ذَكَرْنا المسألةَ بدلائلها في كتابِ النكاح(٤) من هذا الكتاب.
وإنما لا يَضمنُ قيمةَ الولد: لأنه انْعَلَقَ حُرَّ الأصل؛ لاستنادِ الملكِ إلى
ما قبل الاستیلاد.
قال: (وإنْ وَطِئَ أبو الأبِ مع بقاءِ الأبِ: لم يثبتِ النسبُ)؛ لأنه لا
ولايةَ للجدِّ حالَ قيامِ الأب.
قال: (ولو كان الأبُ ميتاً: يثبتُ من الجَدِّ، كما يَثبتُ نسبُه من الأب)؛
لظهور ولايتِه عند فَقْدِ الأب.
(١) أي الأخ لأب، أما الأخ لأم: فإنه يعتق عليه إذا ملكه وإن كان من الزنا. البناية ١٢٩/٨.
(٢) وإن كان هذا الوطء حراماً شرعاً باتفاق الفقهاء. حاشية نسخة ٧٦٩هـ.
(٣)أي مهر مثلها.
(٤) في آخر كتاب نكاح الرقيق من الهداية.

٤٧٠
باب الاستیلاد
وإذا كانتِ الجاريةُ بين شريكَيْن، فجاءت بولدٍ، فادَّعاه أحدُهما :
ثَبَتَ نسبُهُ منه، وصارتْ أمَّ ولدٍ له، ويَضمنُ نصفَ قیمتِها، ويَضمَنُ نصفَ
عُقْرها.
وكُفْرُ الأب، ورقّه: بمنزلة موتِه؛ لأنه قاطعٌ للولاية.
قال: (وإذا كانتِ الجاريةُ بين شريكَيْن، فجاءت بولدٍ، فادَّعاه
أحدُهما: ثَبَتَ نسبُه منه)؛ لأنه لَمَّ ثَبَتَ النسبُ منه في نصفِه؛ لمصادفته
مِلْكَه: ثَبَتَ في الباقي؛ ضرورةً أنه لا يتجزّأ؛ لِمَا أنَّ سببَه لا يتجزّاً، وهو
العُلُوقُ، إذِ الولدُ الواحدُ لا يَنْعَلِقُ من ماءَيْن(١).
(وصارتْ أمَّ ولدٍ له)؛ لأن الاستيلادَ لا يتجزّأُ عندهما.
وعند أبي حنيفة رحمه الله: يصيرُ نصيبُه أمَّ ولدٍ له، ثم يتملَّكُ نصيبَ
صاحبه، إذْ هو قابلٌ للملك.
(ويَضمَنُ نصفَ قيمتِها)؛ لأنه تملَّك نصيبَ صاحبه لَمَّا استَكْمَلَ(٢)
الاستيلاء(٣).
(ويَضمنُ نصفَ عُقْرُها)؛ لأنه وَطِىءَ جاريةً مشتركةً، إذِ الملكُ يثبتُ
حُكْماً للاستيلاد، فيتعقّبُه الملكُ في نصیبِ صاحبِهِ.
بخلاف الأب إذا استولدَ جاريةَ ابنه؛ لأن الملكَ هنالكَ يثبتُ شرطاً
للاستیلاد، فيتقدَّمُه، فصار واطئاً مِلْكَ نفسِه.
(١) وفي نُسخ: ماء رجلين.
(٢) وفي نُسخ: استكملت.
(٣) أي في الجارية المذكورة.

٤٧١
باب الاستیلاد
ولا يَغرَمُ قيمةَ ولدِها، وإن ادَّعياه معاً: ثَبَتَ نسبُهُ منهما جميعاً.
(ولا يَغْرَمُ قيمةَ ولدِها)؛ لأن النسبَ يثبتُ مستنداً إلى وقتِ العلوقِ،
فلم يَنعلِقْ شيء منه على ملكِ الشريك.
قال: (وإن ادَّعياه معاً: ثَبَتَ نسبُه منهما جميعاً).
معناه: إذا حَمَلَتْ على ملکِهما.
ميُّ(١) رحمه الله: يُرْجَعُ إلى قولِ القَافَةِ(٢)؛ لأن إثباتَ النسب
وقال الشافعى
من شخصَيْن معاً مع عِلْمِنا أن الولدَ لا ينخَلِقُ من ماءَيْنِ: متعذّرٌ، فعَمِلْنا
بالشّبه.
وقد سُرَّ رسولُ الله عليه الصلاة والسلام بقول القائفِ في أسامة بن زيدٍ
رضي الله عنهما(٣).
ولنا: كتابُ عمرَ رضي الله عنه إلى شُرَيْحٍ في هذه الحادثة: ((لَبَّسَا: فَلْبِّسَ
عليهما(٤)، ولو بَيّنَا: لبُيِّنَ لهما، هو ابنُهما، يَرِثُهما ويَرِثانه، وهو للباقي
منهما (٥))(٦).
(١) الإقناع ٢٠٤/١.
(٢) وفي نُسخ: القائف.
(٣) صحيح البخاري (٦٧٧٠)، صحيح مسلم (٣٨، ١٤٥٩).
(٤) أي لُبِّس النسب عليهما.
(٥) أي إذا مات الولدُ بعد موت أحدهما: يكون الميراث للأب الحي، ولا شيء
لورثة الشريك. البناية ١٤١/٨.
(٦) سنن البيهقي (٢١٢٦٧)، مصنف عبد الرزاق (١٣٤٧٥)، الدراية ٨٨/٢،=

٤٧٢
باب الاستیلاد
و كانت الأمةُ أُمَّ ولدٍ لهما.
وكان ذلك بمَحْضَرِ من الصحابة رضي الله عنهم(١).
وعن علي رضي الله عنه مثلُ ذلك(٢).
ولأنهما استويا في سبب الاستحقاق، فيستويان فيه.
والنسبُ وإن كان لا يتجزّأ، ولكن تتعلَّقُ به أحكامٌ متجزئة، وأحكامٌ
غيرُ متجزئةٍ(٣)، فما يَقبَلُ التجزئةَ: يثبتُ في حَقُّهما على التجزئة، وما لا
يَقبَلُها: يثبتُ في حَقِّ كلِّ أحدٍ منهما كَمَلاً؛ كأنْ لیس معه غیرُه.
إلا إذا كان أحدُ الشريكين أباً للآخَر، أو كان أحدُهما مسلماً والآخَرُ
ذمياً؛ لوجودِ المرجِّحِ في حَقِّ المسلم، وهو الإسلامُ، وفي حَقِّ الأب،
وهو ما لَه من الحَقِّ في نصيب الابن.
وسرورُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام فيما روى(٤): لأن الكفارَ كانوا
يطعنون في نسبِ أسامة بن زيدٍ رضي الله عنه، وكان قولُ القائفِ مَقْطَعاً
لطَعْنِهِم، فسُرَّ به صلى الله عليه وسلَّم.
قال: (وكانت الأمةُ أمَّ ولدٍ لهما)؛ لصحة دِعوةٍ كل واحدٍ منهما في
w
وينظر بتأكيد التعريف والإخبار ١٢٨/٣ وما أورده العلامة قاسم من وجوه النظر في
الاستدلال بهذا الأثر، وأفاد أيضاً أن محمد بن الحسن أخرجه في الأصل.
(١) أي یکون کالمجمع عليه.
(٢) شرح معاني الآثار (٦١٧٤) ١٦٤/٤، مصنف عبد الرزاق (١٣٤٧٣).
(٣) قوله: وأحكامٌ غير متجزئة: مثبتٌ مصححاً في نسخة ٦٤٤ هـ، والمتجزئة:
كالنفقة، وغير المتجزئة: كثبوت النسب. البناية ٨/ ١٤٢.
(٤) أي الإمام الشافعي رحمه الله.

٤٧٣
باب الاستيلاد
وعلى كلِّ واحدٍ منهما نصفُ العُقْرُ؛ قصاصاً بما لَه على الآخَرِ،
ويَرِثُ الابنُ من كلِّ واحدٍ منهما ميراثَ ابنٍ كاملٍ .
ویرِثانِ منه میراثَ أبٍ واحدٍ .
وإذا وَطِىءَ المولى جاريةَ مكاتَبِهِ، فجاءت بولدٍ، فادَّعاه: فإن صَدَّقَه
المكاتَبُ: ثَبَتَ نسبُ الولدِ منه، .
نصيبِه في الولد، فيصيرُ نصيبُه منها أمَّ ولدٍ له، تَبَعاً لولدها.
قال: (وعلىُ كلِّ واحدٍ منهما نصفُ العُقْرُ؛ قصاصاً بما لَه على
الآخَرَ، ويَرِثُ الابنُ من كلّ واحدٍ منهما ميراثَ ابنٍ كاملٍ)؛ لأنه أقرَّ له
بميراثه كلِّه، وهو حُجَّةٌ في حَقِّه.
قال: (وَيَرِثانِ منه ميراثَ أبٍ واحدٍ)؛ لاستوائهما في السبب(١)، كما
إذا أقاما البينةَ.
قال: (وإذا وَطِئَ المولىُ جاريةَ مكاتَبه، فجاءت بولدٍ، فادَّعاه: فإن
صَدَّقَه المكاتَبُ: ثَبَتَ نسبُ الولدِ منه).
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه لا يُعتبرُ تصديقُه؛ اعتباراً بالأب يدَّعي
ولدَ جاريةِ ابنه.
ووجهُ الظاهر، وهو الفرقُ: أن المولىُ لا يَملِكُ التصرُّفَ في أكساب
مكاتبه، حتى لا يَتملَّكُهُ(٢)، والأبُ يَملِكُ تَمَلُّكَه(٣)، فلا معتبرَ بتصديق الابن.
(١) أي في الدِّعوة، وفي نُسخ: في النسب.
(٢) أي لا يتملك كسب المكاتب عند حاجته. البناية ١٤٤/٨.
(٣) أي مال ابنه؛ لأنه لم یحجر على نفسه.

٤٧٤
باب الاستیلاد
وعليه عُقرُها.
وقيمةُ ولدِها، ولا تصيرُ الجاريةُ أُمَّ ولدٍ له.
وإن كذَّبه المكاتبُ في الَّسَبِ : لم يَثْبُتْ.
قال: (وعليه عُقرُها)؛ لأنه لا يتقدَّمُه الملكُ؛ لأن ما لَه من الحقِّ:
کافٍ لصحةِ الاستیلاد؛ لِمَا نذکرُه.
قال: (وقيمةُ ولدِها)؛ لأنه في معنى المغرور، حیث إنه اعتمد دليلاً،
وهو أنه كَسْبُ كَسْبِهِ، فلم يَرْضَ برِقُّه، فيكون حراً بالقيمة، ثابتَ النسب منه.
قال: (ولا تصيرُ الجاريةُ أمَّ ولدٍ له)؛ لأنه لا مِلْكَ له فيها حقيقةً، كما
في ولد المغرور.
قال: (وإن كذَّبه المكاتبُ في النَّسَبِ: لم يَثْبُتْ)؛ لِمَا بَيَّنَّا أنه لا بدَّ له
من تصدیقه.
فلو مَلَكَه يوماً: ثَبَتَ نسبُه منه؛ لقيام الموجِبِ، وزوالٍ حَقِّ المكاتب، إذْ
هو المانعُ، والله تعالى أعلم بالصواب.

٤٧٥
كتاب الأَيْمَان
كتاب الأَيْمَان
الأَيْمانُ على ثلاثةِ أَضْرُب : اليمينُ الغَمُوس، ويمينٌ منعقِدةٌ، ويمينٌ
لَغْوٌ.
فالغَمُوسُ: هو الحَلِفُ على أمرٍ ماضٍ يَتَعَمَّدُ الكذبَ فيه.
فهذه اليمينُ يأَثَمُ فيها صاحبُها، ولا كفارةَ فيها إلا التوبةُ والاستغفارُ.
كتاب الأَيْمَان
قال: (الأَيْمانُ على ثلاثةِ أَضْرُب: اليمينُ الغَمُوس، ويمينٌ منعقِدةٌ،
ويمينٌ لَغْوٌ.
فالغَمُوسُ: هو الحَلِفُ على أمرِ ماضٍ يَتَعَمَّدُ الكذبَ فيه.
فهذه الیمینُ یأَمُ فيها صاحبُها).
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن حَلَفَ كاذباً: أدخله اللهُ النارَ))(١).
(ولا كفارةَ فيها إلا التوبةُ والاستغفارُ).
وقال الشافعيّ(٢) رحمه الله: فيها الكفارةُ، لأنها شُرِعَتْ لدَفْع(٣) ذَنْبِ هَتْكِ
حُرْمةِ اسمِ الله تعالى، وقد تحقَّقَ بالاستشهاد بالله كاذباً، فأشبه المعقودةَ.
(١) قال في نصب الراية ٢٩٢/٣: غريبٌ بهذا اللفظ، وأما بلفظ: ((إن هو حلف
كاذباً: ليدخلنَّ اللهَ النارَ)): فهو عند الطبراني في الكبير (٦٣٨)، وينظر الدراية ٩٠/٢.
(٢) الإقناع ١٨٩/١.
(٣) وفي نُسَخ: لرفع. بالراء.

٤٧٦
كتاب الأَیْمَان
والمُنْعَقِدَةُ: هي الحلِفَ على أمرٍ في المستقبلِ أن يَفعَلَه، أو لا يَفعَلَه،
فإذا حَنِثَ في ذلك : لزِمَتْه الكفارةَ.
ويمينُ اللَّغْوِ: أن يحلِفَ على أمرٍ ماضٍ، وهو يَظُنُّ أن الأمرَ كما قال،
ءُ
والأمرُ بخلافِهِ، فهذه اليمينُ نرجو أن لا يؤاخِذَ اللهُ بها صاحبَها .
ولنا: أنها كبيرةٌ مَحْضةٌ، والكفارةُ عبادةٌ، حتى تتأدَّى بالصوم،
وتُشترَطُ فيها النية، فلا تُناطُ بها.
بخلاف المعقودَةِ؛ لأنها مباحةٌ، ولو كان فيها ذنبٌ: فهو متأخِّرٌ متعلَّقٌ
باختيارِ مبتَدأٍ، وما في الغموس ملازِمٌ، فيمتنعُ الإلحاقُ.
قال: (والمُنْعَقِدَةُ: هي الحلِف (١) على أمرِ في المستقبلِ أن يَفعَلَه، أو
لا يَفْعَلَه، فإذا حَنِثَ في ذلك: لزِمَتْه الكفارةُ).
لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيِّ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا
عَقَّدتُّهُ الْأَيْمَنَ ﴾. المائدة/ ٨٩، وهو ما ذَكَرْنا(٢).
قال: (ويمينُ اللَّغْوِ: أن يحلِفَ على أمرِ ماضٍ، وهو يَظُنُّ أن الأمرَ كما
و
قال، والأمرُ بخلافِه، فهذه اليمينُ نرجو أن لا يؤاخِذَ اللهَ بها صاحبَها).
ومن اللغو: أن يقولَ: واللهِ إنه لزَيْدٌ، وهو يَظُنُّه زيداً، وإنما هو عَمرُو.
والأصلُ فيه: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيّ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِنْ
يُؤَاخِذُكُم .. ﴾. الآيةَ. المائدة/٨٩.
(١) وفي نُسخ: ما يحلف.
(٢) أي المراد من هذه الآية ما ذكرنا من تعريف اليمين المنعقدة، فهذا المراد
هو حقيقة ما نُصَّ عليه في الآية. ينظر البناية ٨ / ١٥٠ بتصرف.

٤٧٧
كتاب الأَيْمَان
والقاصِدُ في اليمينِ، والمُكْرَهُ، والنَّاسي : سواء.
ومَن فَعَلَ المَحلوفَ عليه مُكْرَهاً، أو ناسياً: فهو سواءً.
إلا أنه علَّقَه بالرَّجاء؛ للاختلاف في تفسيره.
قال: (والقاصِدُ في اليمينِ، والمُكْرَهُ، والنَّاسي: سواءً)، حتى تجبُ
الكفارةُ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ، وهَزْلُهُنَّ جِدٍّ:
النكاحُ، والطلاقُ، واليمينُ)(١).
والشافعي(٢) رحمه الله يخالفُنا في ذلك، وسنُبِيِّنُ ذلك في الإكراه إن
شاء الله تعالی.
قال: (ومَن فَعَلَ المَحلوفَ عليه مُكْرَهاً، أو ناسياً: فهو سواءٌ)؛ لأن
الفعلَ الحقيقيَّ لا ينعدِمُ بالإكراه، وهو الشرطُ.
وكذا إذا فَعَلَه وهو مُغْمَىَّ عليه، أو مجنونٌ؛ لتحقّق الشرطِ حقيقةً.
ولو كانت الحكمةُ رفْعَ الذنب: فالحُكُمُ يُدارُ على دليله، وهو الحِنْثُ،
لا على حقيقة الذنب، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) بلفظ: اليمين: غريبٌ لا يوجد، وهو مكان الشاهد في الاستدلال، وقد جاء
بلفظ: الرجعة: بدل: اليمين: في سنن أبي داود (٢١٩٤)، سنن الترمذي (١١٨٤)،
وقال: حسن غريب، ينظر البدر المنير ٥٣٣/١٩، الدراية ٩٠/٢، وينظر ما استدل
به ابن الهمام في فتح القدير ٤ /٣٥٢ من أثرٍ لعمر وعلي رضي الله عنهما.
(٢) المهذب ٩٤/٣.

٤٧٨
باب
باب
ما يكون يميناً، وما لا يكون يميناً
واليمينُ : بالله تعالى، أو باسمٍ آخَرَ من أسماء الله تعالى، کالرحمن،
والرحيمِ، أو بصفةٍ من صفاتِه التي يُحلَفُ بها عُرْفاً، كعِزَّة الله، وجلالِهِ،
وكبريائه، إلا قولَه : وعِلْمِ الله: فإنه لا يكون يميناً.
باب
ما يكون يميناً، وما لا يكون يميناً
قال: (واليمينُ: بالله تعالى، أو باسمٍ آخَرَ من أسماءِ الله تعالى،
كالرحمن، والرحيمٍ، أو بصفةٍ من صفاتِه التي يُحلَفُ بها عُرْفاً، كعِزَّة الله،
وجلالِه، وكبريائه)؛ لأن الحَلِفَ بها متعارَفٌ.
ومعنى اليمين، وهو القوةُ: حاصِلٌ؛ لأنه يَعتقِدُ تعظيمَ اللهِ وصفاتِهِ،
فصَلَحَ ذِكْرُه حامِلاً، ومانعاً(١).
قال: (إلا قولَه: وعِلْم الله: فإنه لا يكون يميناً(٢))؛ لأنه غيرُ متعارَفٍ.
ولأنه يُذكَرُ ويُرادُ به المعلومُ، يُقال: اللهمَّ اغفِرْ علمَكَ فينا، أي
معلومَكَ.
(١) أي حاملاً على اليمين، ومانعاً عنه.
(٢) في بداية المبتدي ص٣١٨: لا يكون يميناً إلا أن ينويَ صفةً الله تعالى.

٤٧٩
ما يكون يميناً، وما لا يكون يميناً
ولو قال : وغضبِ اللهِ، وسُخْطِهِ: لم يكن حالفاً.
ومَن حَلَفَ بغير الله: لم يكنْ حالِفاً، كالنبيِّ، والكعبةِ، وكذا إذا
حَلَفَ بالقرآن.
والحَلِفُ: بحروفِ القسم، وحروفُ القسم: الواوُ، كقوله: واللهِ،
م
والباءَ : كقوله : بالله، والتاءَ، كقوله : تالله.
قال: (ولو قال: وغضبِ اللهِ، وسُخْطِه: لم يكن حالفاً).
وكذا: ورحمةِ الله؛ لأن الحَلِفَ بها غيرُ متعارَفٍ.
ولأن الرحمةَ قد تُذكَرُ ويُرادُ بها أثرُها، وهو المطرُ، أو الجنَّةُ.
والغضبُ والسَّخَطُ يُرادُ بهما العقوبةُ.
قال: (ومَن حَلَفَ بغير الله: لم يكنْ حالِفاً، كالنبيِّ، والكعبةِ)؛ لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((مَن كان منكم حالفاً: فليَحلِفْ بالله، أو لَيَذَرْ))(١).
قال: (وكذا إذا حَلَفَ بالقرآن)؛ لأنه غيرُ متعارَفٍ.
قال رضي الله عنه: معناه: أن يقولَ: والنبيِّ، والقرآنِ، أمَّا لو قال: أنا
بريءٌ منهما (٢): يكونُ يميناً؛ لأن التبرُّؤَ منهما كفرٌ.
قال: (والحَلِفُ: بحروفٍ (٣) القَسَم.
٩
و
وحروفُ القَسَمِ: الواوُ، كقوله: والله، والباءَ: كقوله: بالله، والتاء،
كقوله: تالله)؛ لأن كلّ ذلك معهودٌ في الأيمان، ومذكورٌ في القرآن.
(١) صحيح البخاري (٢٦٧٩)، صحيح مسلم (١٦٤٦).
(٢) وفي نُسخ: منه.
(٣) وفي نُسخ: بحرف. بالإفراد.

٤٨٠
ما يكون يميناً، وما لا يكون يميناً
وقد يُضمَرُ حَرْفُ القسم، فيكونُ حالِفاً، كقوله : الله لا أفعلُ كذا.
وقال أبو حنيفة رحمه الله : إذا قال : وحَقِّ اللهِ: فليس بحالفٍ.
قال: (وقد يُضمَرُ حَرْفُ القسم، فيكونُ حالِفاً، كقوله: الله لا أفعلَ
كذا)؛ لأن حَذْفَ الحرفِ من عادةِ العرب؛ إيجازاً.
ثم قيل: يُنصَبُ لانتزاعِ حرفِ الخافض(١)، وقيل: يُخْفَضُ، فتكونُ الكسرةُ
دلالةً على المحذوفة.
وكذا إذا قال: للهِ، في المختار؛ لأنَّ الباءَ تُبدَلُ بها(٢)، قال الله تعالى:
ءَامَنْتُ لَهُو ﴾. طه / ٧١، أي آمنتُم به.
قال: (وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا قال: وحَقِّ الله: فليس بحالفٍ).
وهو قولُ محمدٍ رحمه الله، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمه الله.
وعنه(٣) روايةٌ أخرى: أنه يكونُ يميناً؛ لأن الحَقَّ من صفات الله
تعالى، وهو حَقَيِّتُه، فصار كأنه قال: واللهِ الحَقِّ، والحَلِفُ به متعارَفٌ.
ولهما: أنه يُرادُ به طاعةُ الله تعالى، إذِ الطاعات حقوقُه، فيكون حَلِفاً
بغير الله.
قالوا (٤): لو قال: والحَقِّ: يكون يميناً.
(١) وفي نُسخ: حرفٍ خافضٍ.
(٢) أي اللام.
(٣) أي عن أبي يوسف رحمه الله. البناية ١٦٤/٨.
(٤) أي أصحابُنا كلهم. البناية ١٦٤/٨.
الهداية شرح بداية المبتدي — pages 461-480 | ScribeTools Library