النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
باب الخُلْعِ
ولو قالت: خالِعني على ما في يدي من دراهمَ، أو من الدراهم،
و
ففعل : فلم يكنْ في يدِها شيء : فعليها ثلاثة دراهمَ.
فإن اختلعت على عبدٍ لها آبقٍ، على أنها بريئةٌ من ضمانه: لم تَبْرأ،
وعليها تسليمُ عينِهِ إِن قَدَرَتْ، وتسليمُ قيمتِه إن عَجَزَتْ.
وإذا قالت: طلِّقني ثلاثاً بألفٍ، فطلَّقَها واحدةً: فعليها ثلثُ الألف،
والطلاقُ بائنٌ .
قال: (ولو قالت: خالِعني على ما في يدي من دراهمَ، أو من
الدراهم، ففعل: فلم يكنْ في يدِها شيء: فعليها ثلاثة دراهم)؛ لأنها
سَمَّتِ الجَمْعَ، وأقلَّه ثلاثةٌ.
وكلمةُ: مِن: ها هنا؛ للصلة، دونَ التبعيض، لأن الكلامَ يَختَلُّ بدونه.
قال: (فإن اختلعت على عبدٍ لها آبقٍ، على أنها بريئةٌ من ضمانه: لم
تَبْرأ، وعليها تسليمُ عينِه إن قَدَرَتْ، وتسليمُ قيمتِهِ إِن عَجَزَتْ)؛ لأنه عقدُ
معاوضةٍ، فيقتضي سلامةَ العوض.
واشتراطُ البراءةِ عنه: شرطٌ فاسدٌ، فَيَبطُلُ، إلا أن الخلعَ لا يَبطلُ
بالشروط الفاسدة.
وعلى هذا: النكاحُ.
قال: (وإذا قالت: طلِّقني ثلاثاً بألفٍ، فطلَّقَها واحدةً: فعليها ثلثُ
الألف)؛ لأنها لَمَّا طَلَبَتِ الثلاثَ بألفٍ: فقد طلبتْ كلَّ واحدةٍ بَثُلُث
الألف، وهذا لأنَّ حرفَ الباء يَصحَبُ الأعواضَ، والعِوَضُ ينقسمُ على
المعوَّض، (والطلاقُ بائنٌ)؛ لوجوب المال.

٢٨٢
باب الخُلْع
وإن قالت: طلِّقْنى ثلاثاً على ألفٍ، فطلَّقَها واحدةً: فلا شيءَ عليها
عند أبي حنيفة رحمه الله، ويَملِكُ الرجعةَ.
وقالا : هي واحدةٌ بائنةٌ بُثُلُث الألفِ.
ولو قال الزوجُ: طلِّقِي نفسَكِ ثلاثاً بألفٍ، أو : علىُ ألفٍ، فطلَّقت
نفسَها واحدةً : لم يقع شيء.
قال: (وإن قالت: طلِّقْني ثلاثاً على ألفٍ، فطلَّقَها واحدةً: فلا شيءً
عليها عند أبي حنيفة رحمه الله، ويَملِكُ الرجعةَ، وقالا: هي واحدةٌ بائنةٌ
بُثُلُث الألفِ)؛ لأن كلمةَ: على: بمنزلة الباء في المعاوضات، حتى إنّ
قولَهم: احمِلْ هذا الطعامَ بدرهمٍ، و: على درهمٍ: سواء.
وله: أن كلمةَ: على: للشرط، قال الله تعالى: ﴿ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ
بِاللَّهِ شَيْئًا﴾. الممتحنة / ١٢.
ومَن قال لامرأته: أنتِ طالقٌ على أن تَدخُلِي الدارَ: كان شَرْطاً، وهذا
لأنه لِلُّزوم حقيقةً، واستُعير للشرط؛ لأنه يُلازِمُ الجزاءَ، وإذا كان للشرط:
فالمشروطُ (١) لا يتوزَّعُ على أجزاء الشرط، بخلاف حرف الباء؛ لأنه
للعوض، على ما مرَّ.
وإذا لم يجب المالُ: كان مبتدِئاً، فوَقَعَ الطلاقُ، ويَملِكُ الرجعةَ.
قال: (ولو قال الزوجُ: طلِّقِي نفسَكِ ثلاثاً بألفٍ، أو: علىُ ألفٍ،
فطلَّقت نفسَها واحدةً: لم يقع شيء)؛ لأن الزوجَ ما رضيَ بالبينونة إلا
لتَسْلَمَ له الألفُ كلُّها.
(١) أي الطلاق.

٢٨٣
باب الخُلْع
ولو قال: أنتِ طالقٌ على ألفٍ، فقَبَلَتْ: طلُّقَتْ، وعليها الألفُ،
وهو كقوله : أنتِ طالقٌ بألفٍ.
ولو قال لامرأته: أنتِ طالقٌ وعليكِ ألفٌ، فقَبِلَتْ، أو قال لعبده:
أنتَ حٌُّ وعليك ألفٌ، فقَبَلَ: عَتَقَ العبدُ، وطلُقَتِ المرأةُ، ولا شيءَ
علیھما عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا : على كلِّ واحدٍ منهما الألفُ إذا قَبِلَ.
بخلاف قولِها: طلَّقْني ثلاثاً بألفٍ، لأنها لَمَّا رضيتْ بالبينونة بألفٍ:
کانت ببعضها أَرْضی.
قال: (ولو قال: أنتِ طالقٌ على ألفٍ، فقَبَلَتْ: طلُّقَتْ، وعليها
الألفُ، وهو كقوله: أنتِ طالقٌ بألفٍ).
ولا بد من القبول في الوجهَيْن؛ لأن معنى قولِه: بألفٍ: بعوضِ ألفٍ
يجبُ لي عليك.
ومعنى قوله: على ألفٍ: علىُ شَرْطِ ألفٍ يكون لي عليك، والعوضُ
لا يجبُ بدون قَبولِه، والمعلَّقُ بالشرط لا ينزِلُ قبلَ وجودِهِ، والطلاقُ
بائنٌ؛ لِمَا قلنا.
قال: (ولو قال لامرأته: أنتِ طالقٌ وعليكِ ألفٌ، فقَبَلَتْ، أو قال
لعبده: أنتَ حُرٍّ وعليكَ ألفٌ، فقَبَلَ: عَتَقَ العبدُ، وطلُّقَتِ المرأةُ، ولا
شيء عليهما عند أبي حنيفة رحمه الله)، وكذا إذا لم يَقْبَلا.
(وقالا: على كلّ واحدٍ منهما الألفُ إذا قَبلَ).

٢٨٤
باب الخُلْعِ
ولو قال : أنتِ طالقٌ على ألفِ درهمٍ على أني بالخيار، أو: على أنكِ
بالخيار ثلاثةَ أيامٍ، فقَبِلَتْ: فالخيارُ باطلٌ إذا كان للزوج، وهو جائزٌ إذا
كان للمرأة.
فإِن رَدَّتِ الخيارَ في الثلاث: بَطَلَ، وإن لم تَرُدَّ : طلُقَتْ، ولَزِمَها
الألفُ، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا : الخيارُ باطلٌ في الوجهَيْن، والطلاقُ واقعٌ، وعليها ألفُ درهم.
وإذا لم يقبل: لا يقعُ الطلاقُ، والعتاقُ.
لهما: أن هذا الكلامَ يُستعمَلُ للمعاوضة، فإن قولَهم: احْمِلْ هذا
المتاعَ ولكَ درهمٌ: بمنزلة قولهم: بدرهمٍ.
وله: أنه جملةٌ تامةٌ (١)، فلا تَرتبطُ بما قبلَها إلا بدلالةٍ، إذِ الأصلَ
فيها(٢) الاستقلالُ، ولا دلالةَ؛ لأنَّ الطلاقَ والعتاقَ يَنفكّان عن المال،
بخلاف البيع والإجارة؛ لأنهما لا يوجَدان دونَه.
قال: (ولو قال: أنتِ طالقٌ على ألفِ درهمٍ على أني بالخيار، أو: على
أنكِ بالخيار ثلاثةَ أيام، فقَبَلَتْ: فالخيارُ باطلٌ إذا كان للزوج، وهو جائزٌ
إذا كان للمرأة.
فإن رَدَّتِ الخيارَ في الثلاث: بَطَلَ، وإن لم تَرُدَّ: طلَقَتْ، ولَزْمَها
الألفُ، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: الخيارُ باطلٌ في الوجهَيْن، والطلاقُ واقعٌ، وعليها ألفُ درهمٍ).
(١) أي مستقلة بنفسها؛ لأنها مبتدأ وخبرٌ.
(٢) أي الجملة.

٢٨٥
باب الخُلْعِ
ومَن قال لامرأته : طلَّقتُكِ أمسٍ على ألفِ درهمٍ، فلم تَقبَلِي، فقالت :
قَبِلْتُ : فالقولُ قولُ الزوج.
ومَن قال لغيره : بِعْتُ منكَ هذا العبدَ بألف درهمِ أمسٍ، فلم تَقبَلْ،
فقال : قَبِلْتُ : فالقولُ قولُ المشتري .
لأن الخيارَ للفسخ بعد الانعقاد، لا للمنع من الانعقاد، والتصرُّفان لا
يحتملان الفسخَ من الجانبَيْن؛ لأنه في جانبِه يمينٌ، ومِن جانبها شَرْطٌ.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الخلعَ في جانبها: بمنزلة البيع، حتى يصحّ
رجوعُها، ولا يتوقفُ على ما وراءَ المجلس، فيصحُّ اشتراطُ الخيارِ فيه.
أمَّا في جانبه: فيمينٌ، حتى لا يصحُّ رجوعُه عنه، ويتوقفُ على ما
وراءَ المجلس، ولا خيارَ في الأيمان.
وجانبُ العبدِ في العَتّاق: مثلُ جانِها في الطلاق.
قال: (ومَن قال لامرأته: طلَّقتُكِ أمسِ على ألفِ درهمٍ، فلم تَقْبَلِي،
فقالت: قَبِلْتُ: فالقولُ قولُ الزوج.
ومَن قال لغيره: بِعْتُ منكَ هذا العبدَ بألفِ درهم أمسٍ، فلم تَقبَل،
فقال: قَبِلْتُ: فالقولُ قولُ المشتري).
ووجهُ الفَرْقِ: أن الطلاقَ بالمال يمينٌ من جانبه، فالإقرارُ به لا يكونُ
إقراراً بالشرط؛ لصحته بدونه، أما البيعُ فلا يتمُّ إلا بالقبول، والإقرارُ به
إقرارٌ بما لا يتمُّ إلا به، فإنكارُه القبولَ: رجوعٌ منه.

٢٨٦
باب الخُلْعِ
والمبارأةُ: كالخلع، كلاهما يُسقِطان كلَّ حَقٌّ لكلّ واحدٍ من الزوجين
علىُ الآخَر مما يتعلَّقُ بالنكاح عند أبي حنيفة رحمه الله.
ومَن خَلَعَ ابنته وهي صغيرةٌ بمالِها : لم يَجُزْ عليها.
قال: (والمبارأةُ: كالخلع، كلاهما يُسقِطان كلٌّ حَقِّ لكلّ واحدٍ من
الزوجين على الآخَر مما يتعلَّقُ بالنكاح عند أبي حنيفة رحمه الله).
وقال محمدٌ رحمه الله: لا يسقطُ فيهما إلا ما سمّياه.
وأبو يوسف رحمه الله معه في الخلع، ومع أبي حنيفة رحمه الله في المبارأة.
لمحمدٍ رحمه الله: أن هذه معاوضةٌ، وفي المعاوضات يُعتبر المشروطُ،
لا غیرُه.
ولأبي يوسف رحمه الله: أنَّ المباراةَ مفاعلةٌ من البراءة، فتقتضيها(١)
من الجانبَيْن، وأنه مطلقٌ قيَّدناه بحقوق النكاح؛ لدلالة الغرض.
أما الخلع فمقتضاه: الانخلاعُ، وقد حَصَلَ في نفس(٢) النكاح، ولا
ضرورةً إلى انقطاع الأحكام.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الخلعَ يُنبِئُ عن الفصل، ومنه: خَلْعُ
الثَّعْلِ، وخَلْعُ العملِ، وهو مطلَقٌ، كالمباراة، فيُعمَلُ بإطلاقهما في النكاح
وأحكامِه وحقوقِه.
قال: (ومَن خَلَعَ ابنته وهي صغيرةٌ بمالِها: لم يَجُزْ عليها)؛ لأنه لا نَظَرَ
(١) أي المبارأة.
(٢) هكذا: نفس: في النُّسخ الخطية، لكن في طبعات الهداية القديمة: في نقض.
قلت: والمعنى واحدٌ.

٢٨٧
باب الخُلْعِ
وإن خلَعَها على ألفٍ، على أنه ضامِنٌ: فالخلعُ واقعٌ، والألفُ على
الأب.
لها فيه، إذِ الْبُضْعُ في حالة الخروجِ غيرُ متقَوِّم، والبدلُ متقوِّمٌ، بخلاف
النكاح؛ لأن البُضْعَ متقوِّمٌ عند الدخول، ولهذا يُعتبرُ خُلْعُ المريضةِ من
الثلث، ونكاحُ المريض بمهر المثل من جميع المال.
وإذا لم يَجُزْ: لا يسقط المهرُ، ولا يُستحَقُّ مالُها(١).
ثم يقع الطلاقُ في روايةٍ، ولا يقع في روايةٍ، والأولُ أصحُّ؛ لأنه
تعليقٌ بشرطِ قبولِه، فيُعتبرُ بالتعليق بسائر الشروط.
قال: (وإن خلَعَها على ألفٍ، على أنه ضامِنٌ: فالخلعُ واقعٌ، والألفُ
على الأب(٢))؛ لأنَّ اشتراطَ بدلِ الخلع على الأجنبيِّ صحيحٌ، فعلى الأبِ
أولى.
ولا يسقطُ مهرُّها؛ لأنه لم يدخلْ تحتَ ولايةِ الأب.
وإن شَرَطَ الألفَ عليها: تَوقَّفَ على قَبولِها إن كانت من أهل القبول،
فإن قَبِلَتْ: وقع الطلاقُ؛ لوجود الشرط.
ولا يجبُ المالُ؛ لأنها ليست من أهلِ الغَرامة.
فإن قَبلَه الأبُ عنها: ففيه روايتان.
(١) وضبطها سعدي جلبي في حاشيته بالمجهول، كما ضبطها بالمعلوم هكذا:
يَستَحِقُّ مالَها. وكتب: أي الزوج.
(٢) وفي نسخة ٦٣٣ هـ من بداية المبتدي زيادة: بحكم الضمان.

٢٨٨
باب الخُلْعِ
وكذا إن خالَعَها على مهرها، ولم يَضمنِ الأبُ المهرَ: توقَّف على
قبولِها، فإن قَبِلَتْ: طَلُقَتْ، ولا يسقطُ المهرُ.
فإن قَبلَ الأبُ عنها: فعلى الروايتين.
وإِن ضَمِنَ الأبُّ المهرَ، وهو ألفُ درهم: طلُقَتْ؛ لوجودٍ قَبولِه، وهو
الشرطُ.
ويلزمُه خمسمائة؛ استحساناً، وفي القياس: يلزمُه الألفُ.
وأصلُهُ(١): في الكبيرة(٢) إذا اختلعتْ قبلَ الدخولِ على ألف درهمٍ،
ومهرُها ألفُ(٣): ففي القياس: عليها خمسمائةٍ زائدةً، وفي الاستحسان: لا
شيءَ عليها؛ لأنه يُرادُ به عادةً: حاصلُ ما يلزمُ لها، والله تعالى أعلم.
(١) أي أصل ما ذُكر في هذه المسألة.
(٢) أي في المرأة الكبيرة. البناية ١٩٦/٧.
(٣) أي ولم تقبض شيئاً. حاشية سعدي على الهداية.

٢٨٩
باب الظِّهَار
باب الظِّهَار
وإذا قال الرجلُ لامرأتِه : أنتِ عليَّ كظَهْر أُمِّي: فقد حَرُّمَتْ عليه، لا
يحِلُّ له وطؤها، ولا مَسُّها، ولا تقبيلُها حتى يُكفِّرَ عن ظِهاره.
باب الظِّهَار
قال: (وإذا قال الرجلُ لامرأتِه: أنتِ عليَّ كظَهْر أُمِّ: فقد حَرُمَتْ
عليه، لا يحِلّ له وطؤها، ولا مَسُّها، ولا تقبيلُها حتى يُكفِّرَ عن ظِهاره).
لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ... ﴾. إلى أن قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيُ
رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَا﴾. المجادلة/ ٣.
والظهارُ كان طلاقاً في الجاهلية، فقرَّرَ الشرعُ أصلَه(١)، ونَقَلَ حُكْمَه
إلى تحريمٍ مؤقّتٍ بالكفارة، غيرِ مزيلٍ للنكاح.
وهذا لأنه جنايةٌ؛ لكونه مُنكَراً من القول وزُوراً، فيناسِبُ المجازاةَ
عليها بالحُرمة، وارتفاعُها بالكفارة.
ثم الوطءَ إذا حَرُمَ: حَرُمَ بدواعيه؛ كي لا يقعَ فيه، كما في الإحرام.
بخلاف الحائض والصائم؛ لأنه يكثُر وجودُهما، فلو حَرُّمَتِ (٢)
الدواعي: يُفضِي إلى الحَرَج، ولا كذلك الظِّهارُ، والإحرامُ.
(١) وهو التحريم. الكفاية للخوارزمي ٧٦/٤، وحاشية نسخة ٩٧٧ هـ.
(٢) وفي نُسخ: حَرُمَ.

٢٩٠
باب الظِّهَار
فإن وطئها قبلَ أن يُكفَِّ : استغفرَ اللهَ تعالىُ، ولا شيءَ عليه غيرُ
الكفارةِ الأُولىُ، ولا يُعاوِدُه حتى يُكفِّرَ.
وهذا اللفظُ : لا يكونُ إلا ظهاراً، ولو نوىُ به الطلاقَ: لا يصحّ.
وإذا قال: أنتِ عليَّ كبطن أُمِّي، أو: كَفَخِذِها، أو: كَفَرْجِها: فهو مُظاهِرٌ.
قال: (فإن وطئها قبلَ أن يُكفَِّ: استغفَرَ اللهَ تعالىُ، ولا شيءَ علیه غيرُ
الكفارةِ الأُولىُ، ولا يُعاودُه حتى يُكفِّرَ)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام للذي
واقَعَ امرأتَه في ظِهَارِه قبلَ الكفارة: ((استغفِرِ اللهَ، ولا تَعُدْ حتى تُكفِّر))(١).
ولو كان شيءٌ آخَرُ واجباً: لنَّه عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
قال: (وهذا اللفظُ (٢): لا يكونُ إلا ظهاراً)؛ لأنه صريحٌ فيه.
(ولو نوى به الطلاقَ: لا يصحُّ)؛ لأنه منسوخٌ(٣)، فلا يَتمكَّنُ من
الإتيان به.
قال: (وإذا قال: أنتِ عليَّ كبطن أُمِّي، أو: كفَخِذِها، أو: كفَرْجها:
فهو مُظاهِرٌ)؛ لأن الظهارَ ليس إلا تشبيهَ المُحلَّةِ بالمُحَرَّمة، وهذا المعنى
يتحقَّقُ في عضوٍ لا يجوز النظرُ إليه.
(١) سنن الترمذي (١١٩٨)، وقال: حسن صحيح غريب، سنن أبي داود
(٢٢١٦)، وينظر نصب الراية ٢٤٦/٣.
أما لفظ الاستغفار: فقال مخرِّجو أحاديث الهداية: لم نجد في شيءٍ من طرقه
ذكر الاستغفار، لكن العلامة قاسم في منية الألمعي ص٣٩١، وفي التعريف والإخبار
٧٢/٣ نقله في بلاغٍ عن محمدٍ في الأصل.
(٢) يعني قوله: أنتِ عليَّ كظهر أمي.
(٣) أي إن الطلاق بهذا اللفظ منسوخ.

٢٩١
باب الظِّهَارِ
م
وكذا إذا شبَّهها بمَن لا يَحِلَّ له النظرُ إليها على التأبيد من محارمه، مثلُ
أُخِتِه، أو عمَّته، أو أُمِّه من الرَّضاعة.
وكذلك إذا قال : رأسُكِ عليَّ كظهر أُمِّي، أو فَرْجُكِ، أو وَجْهُك، أو
رقبتُكِ، أو نصفُكِ، أو ثُلُثُكِ.
قال: (وكذا إذا شبَّهها بمَن لا يَحِلَّ له النظرُ إليها على التأبيد من
محارمه(١)، مثلُ أُختِهِ، أو عمَّته، أو أُمِّه من الرَّضاعة)؛ لأنهنَّ في التحريم
المؤَّد کالأم.
قال: (وكذلك إذا قال: رأسُكِ عليَّ كظهر أُمِّي، أو فَرْجُكِ، أو
وَجْهُك، أو رقبتُكِ، أو نصفُكِ، أو ثُلُثُكِ)؛ لأنه يُعبّر بها عن جميع
البدن، ويثبتُ الحكمُ في الشائع، ثم يتعدَّى، كما بيَّنَّاه في الطلاق.
(١) أي إذا شبَّهها بجزءٍ لا يحلّ له النظرُ إليه. فتح القدير ٨٩/٤.
وبعبارة: ((لا يَحِلِّ له النظر إليها)): جاء في بداية المبتدي، وفي طبعة المكتبة
الإسلامية للهداية ١٨/٢، وكذلك في النسخ الخطية للقدوري، وفي كل شروحه التي
هي عندي، بدءاً بالأقطع ومَن بعده، وقد شَرَحَ هذه العبارةَ الميدانيّ في اللباب ١٦٧/٤
بقوله: ((بمَن لا يحل له النظر إليها: نَظَرَ الزوجِ للزوجة)». اهـ، وبهذا حمَّل الميدانيّ النصَّ
ليُصحِّح المعنى الظاهر منه، في حين أن عبارة القدوري في الجوهرة النيرة ٥٣٤/٤
جاءت مناسبة جداً، وبدون تحميلٍ لها لفهم معناها، وهي كما يلي: ((إذا شبَّهها بمَن لا
تَحِلُّ له مناكحتُها)). اهـ، وبهذا اللفظ من القدوري الذي انفرد به الإمام الحداد في
الجوهرة: زال إشكال ظاهر العبارة.
ولذا قال ابن الهمام في فتح القدير ٤ / ٨٩: ((فعبارتُه: إذا شبَّهها بمَن لا يحل له
النظر إليها: ليست جيدة؛ لأن ظاهرها: حُرمةُ النظر إلى هؤلاء، وإنما المعنى: إذا
شبّهها بجزءٍ لا يحل له النظر إليه)). اهـ

٢٩٢
باب الظِّهَار
ولو قال : أنتِ عليَّ مثلُ أمي، أو كأمي: يُرجَعُ إلى نيّته.
فإن قال : أردتُ الكرامةَ : فهو كما قال.
وإن قال : أردتُ الظُّهارَ: فهو ظهارٌ.
وإن قال : أردتُ الطلاقَ : فهو طلاقٌ بائنٌ.
وإن لم تكن له نيةٌ : فليس بشيءٍ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما
الله، وقال محمدٌ رحمه الله : يكون ظهاراً.
قال: (ولو قال: أنتِ عليَّ مثلُ أُمِّي، أو كأمي: يُرجَعُ إلى نيِّته)؛
لینکشِفَ حکمه.
(فإن قال: أردتُ الكرامةَ: فهو كما قال)؛ لأن التكريمَ بالتشبيه فاشٍ
في الكلام.
(وإن قال: أردتُ الظُّهارَ: فهو ظهارٌ)؛ لأنه تشبيهٌ بجميعها، وفيه تشبيهٌ
بالعضو؛ لكنه ليس بصريحٍ، فيَفتَقِرُ إلى النية.
(وإن قال: أردتُ الطلاقَ: فهو طلاقٌ بائنٌ)؛ لأنه تشبيهٌ بالأم في
الحُرمة، فكأنه قال: أنتِ عليَّ حرامٌ، ونوى الطلاقَ.
(وإن لم تكن له نية: فليس بشيءٍ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما
الله)؛ لاحتمال الحَمْلِ على الكرامة.
(وقال محمدٌ رحمه الله: يكون ظهاراً)؛ لأن التشبيهَ بعضو منها لَمَّا
كان ظهاراً: فالتشبيهُ بجميعها أولى.

٢٩٣
باب الظِّهَار
ولو قال: أنتِ عليَّ حرامٌ كأمي، ونوى ظهاراً، أو طلاقاً: فهو على
ما نوی.
وإن قال: أنتِ عليَّ حرامٌ كظَهْر أُمي، ونوى به طلاقاً أو إيلاءً: لم
یکن إلا ظهاراً عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : هو على ما نوى.
وإن عَنَى به التحريمَ، لا غيرَ: فعند أبي يوسف رحمه الله: هو إيلاء؛
ليكونَ الثابتُ به أدنىُ الحُرْمَتَيْنِ.
وعند محمدٍ رحمه الله: ظِهَارٌ؛ لأن كافَ التشبيهِ تختصُّ به.
قال: (ولو قال: أنتِ عليَّ حرامٌ كأمي، ونوى ظهاراً، أو طلاقاً: فهو
على ما نوى)؛ لأنه يحتملُ الوجهين: الظهارَ: لمكان التشبيه، والطلاقَ:
لمكان التحريم، والتشبيهُ تأکیدٌ له.
وإن لم تكن له نيةً: فعلى قول أبي يوسف رحمه الله: إيلاء، وعلى
قول محمدٍ رحمه الله: ظهارٌ، والوجهان بيَّنَّاهما.
قال: (وإن قال: أنتِ عليَّ حرامٌ كظَهْر أُمي، ونوى به طلاقاً أو إيلاءً:
لم يكن إلا ظهاراً عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: هو على ما نوى)؛ لأن التحريمَ يحتملُ كلَّ ذلك، على ما بيًَّا،
غيرَ أنَّ عندَ محمدٍ رحمه الله إذا نوى الطلاقَ: لا يكونُ ظهاراً، وعند أبي
يوسف رحمه الله: يكونان جميعاً، وقد عُرِفَ في موضعه(١).
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه صريحٌ في الظهار، فلا يَحتملُ غيرَه، ثم
هو مُحكَمٌ، فَيُرَدُّ التحریمُ إليه.
(١) أي في مبسوط شمس الأئمة شرح الكافي، قاله الأترازي. البناية ٢٠٧/٧.

٢٩٤
باب الظِّهَار
ولا يكونُ الظهارُ إلا من الزوجة، حتى لو ظاهَرَ من أمته: لم يكن مظاهِراً.
فإن تزوَّجَ امرأةً بغير أَمْرها، ثم ظاهَرَ منها، ثم أجازتِ النكاحَ :
فالظهارُ باطلٌ .
ومَن قال لنسائه : أنتُنَّ عليَّ كظهر أمي: كان مظاهِراً منهنَّ جميعاً،
وعليه لكلِّ واحدةٍ منهنَّ كفارةٌ.
قال: (ولا يكونُ الظهارُ إلا من الزوجة، حتى لو ظاهَرَ من أمته: لم
يكن مظاهِراً)؛ لقوله تعالى: ﴿مِن نِسَآءِهِمْ﴾. المجادلة/٣.
ولأن الحِلَّ في الأمة تابعٌ، فلا تُلْحَقُ بالمنكوحة.
ولأن الظهارَ منقولٌ عن الطلاق، ولا طلاقَ في المملوكة.
قال: (فإن تزوَّجَ امرأةً بغير أَمْرها، ثم ظاهَرَ منها، ثم أجازتِ النكاحَ:
فالظهارُ باطلٌ)؛ لأنه صادِقٌ في التشبيه وقتَ التصرُّف، فلم يكن منكَراً من
القول، والظهارُ ليس بحَقٍّ من حقوقِه حتى يتوقّفَ عليه.
بخلاف إعتاق المشتري من الغاصب؛ لأنه من حقوقِ الملك.
قال: (ومَن قال لنسائه: أنتُنَّ عليَّ كظهر أمي: كان مظاهِراً منهنَّ
جميعاً)؛ لأنه أضاف الظهارَ إليهنَّ، فصار كما إذا أضاف الطلاقَ.
(وعليه لكلِّ واحدةٍ منهنَّ كفارةٌ)؛ لأن الحُرْمَةَ تثبتُ في حقِّ كلِّ
واحدةٍ، والكفارةُ لإنهاء الحُرْمة، فتتعدّدُ بتعَدُّدِها.
بخلاف الإيلاء منهنَّ؛ لأن الكفارةَ فيه لصيانة حُرمة اسم الله تعالى عن
الهَتْك، ولم يتعدَّد ذِكْرُ الاسم، والله تعالى أعلم.

٢٩٥
فصلٌ في الكفَّارة
فصلٌ في الكفَّارة
وكفارةُ الظهار : عِثْقُ رقبةٍ، فإن لم يجدْ: فصيامُ شهرين متتابعَيْن، فإن
لم يستطِعْ : فإطعامُ ستينَ مسكيناً.
وكلَّ ذلك قبلَ المَسِيْس.
فصلٌ في الكفَّارة
قال: (وكفارةُ الظهار: عِثْقُ رقبةٍ، فإن لم يجدْ: فصيامُ شهرين
متتابعَيْن، فإن لم يستطِعْ: فإطعامُ ستينَ مسكيناً)؛ للنصِّ الواردِ فيه(١)، فإنه
يفيدُ الكفارةَ على هذا الترتيب.
قال: (وكلّ ذلك قبلَ المَسِيْس)، وهذا في الإعتاق والصومِ ظاهرٌ؛
للتنصیص علیه.
وكذا في الإطعام(٢)؛ لأن الكفارةَ فيه(٣) مُنِهِيَةٌ للحُرْمة، فلا بدَّ من
تقديمها على الوطء؛ ليكونَ الوطءُ حلالاً.
(١) وهو قوله تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن ذِسَابِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَأْ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِّهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ فَن لَّمْيَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاًّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِينًا﴾. آية ٣-٤ / المجادلة.
(٢) أي بالقياس. حاشية نسخة ٦٤٤ هـ.
(٣) أي في الإطعام. البناية ٢١١/٧.

٢٩٦
فصلٌ في الكفَّارة
وتُجزىء في العتق: الرقبةُ الكافرةُ والمسلمةُ، والذَّكَرُ والأنثى،
والصغيرُ والكبيرُ، ولا تُجزىءُ العمياءُ، ولا المقطوعةُ اليدين أو الرِّجْلَيْن.
أما إذا اختلَّتِ المنفعةُ: فهو غيرُ مانعٍ، حتى تجوزُ العوراءُ، ومقطوعةُ
إحدى اليدين وإحدى الرِّجْلين من خلافٍ.
قال: (وتُجزىء في العتق: الرقبةُ الكافرةُ والمسلمةُ، والذَّكَرُ والأنثى،
والصغيرُ والكبيرُ)؛ لأن اسمَ الرقبةِ يُطلَقُ على هؤلاء، إذ هيَ عبارةٌ عن
الذاتِ المَرْقوقِ المملوكِ من کلِّ وجهٍ.
والشافعىُّ(١) رحمه الله يخالفُنا في الكافرة، ويقول: الكفارةُ حَقُّ الله
تعالى، فلا يجوزُ صَرْفُها إلى عدوِّ الله، كالزكاة.
ونحنُ نقول: المنصوصُ عليه إعتاقُ مطلَق الرقبة، وقد تحَقَّقَ، وقَصْدُه
من الإعتاق: التمكّنُ من الطاعة، ثم مُقارفتُه(٢) المعصيةَ: يُحالُ به(٣) إلى
سوء اختياره.
قال: (ولا تُجزئُ العمياءُ، ولا المقطوعةُ اليدين أو الرِّجْلَيْن)؛ لأن
الفائتَ جنسُ المنفعة، وهو البصرُ، أو(٤) البَطْشُ، أو المشيُ، وهو المانعُ.
م
قال: (أما إذا اختلَّتِ المنفعةُ: فهو غيرُ مانع، حتى تجوزُ العوراءَ،
ومقطوعةُ إحدى اليدين وإحدى الرِّجْلين من خلافٍ)؛ لأنه ما فات جنسُ
المنفعةِ، بل اختلَّت.
(١) مغني المحتاج ٣٦٠/٣.
(٢) أي بقاؤه على ما كان من الكفر: يُحال به إلى سوء هذا الاختيار.
(٣) الضمير يرجع إلى المقارفة، أي الاقتراف والكسب. البناية ٢١٢/٧.
(٤) أو: هنا بمعنى الواو، وكذلك التي بعدها. سعدي جلبي.

٢٩٧
فصلٌ في الكفَّارة
ويجوزُ الأصمُّ، ولا يجوزُ مقطوعُ إبهامَي اليدين، ولا المجنونُ الذي
لا يَعْقِلُ.
والذي يُجَنُّ، ويُفِيقُ : يُجزئه.
ولا يجزئُ عِتْقُ المدبَّرِ، وأُمِّ الولد.
بخلاف ما إذا كانتا مقطوعتَيْن من جانبٍ واحدٍ: حيث لا يجوزُ؛
لفوات جنسٍ منفعةِ المشي، إذ هو عليه(١) متعذِّرٌ.
قال: (ويجوزُ الأصمُ)، والقياسُ: أن لا يجوزَ، وهو روايةُ النوادر؛
لأن الفائتَ جنسُ المنفعة، إلا أنَّا استحسنًا الجوازَ؛ لأن أصلَ المنفعة
باقٍ؛ فإنه إذا صِيْحَ عليه: يَسمَعُ، حتى لو كان بحالٍ لا يسمعُ أصلاً، بأن
وُلِد أصمَّ، وهو الأخرسُ: لا يجزئه.
قال: (ولا يجوزُ مقطوعُ إبهامَي اليدين)؛ لأن قوةَ البَطْشِ بهما،
فبفواتِهما: يفوتُ جنسُ المنفعة.
قال: (ولا) يجوزُ (المجنونُ الذي لا يَعقِلُ)؛ لأن الانتفاعَ بالجوارح لا
يكونُ إلا بالعقل، فكان فائتَ المنافع.
(والذي يُجَنُّ، ويُفِيقُ: يُجزئه)؛ لأن الاختلالَ غيرُ مانع.
قال: (ولا يجزئُ عِتقُ المدبَّرِ، وأُمِّ الولد)؛ لاستحقاقِهما الحريةَ
بجهةٍ (٢)، فكان الرِّقُّ فيهما ناقصاً.
(١) أي العبد.
(٢) أي هي جهة التدبير، وهي لا تقبل الفسخ.

٢٩٨
فصلٌ في الكفَّارة
وكذا المكاتَبُ الذي أدَّى بعضَ المال.
فإن أَعتق مكاتَباً لم يُؤدِّ شيئاً : جاز.
(وكذا (١) المكاتَبُ الذي أدَّىُ بعضَ المال)؛ لأن إعتاقَه يكونُ ببدل.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه يجزئه؛ لقيام الرقِّ من كل وجهٍ، ولهذا
تَقبلُ الكتابةُ الانفساخَ.
بخلاف أُموميةِ الولدٍ، والتدبير؛ لأنهما لا يحتمِلان الانفساخَ.
قال: (فإن أَعتق مكاتباً لم يُؤدِّ شيئاً: جاز).
خلافاً للشافعي(٢) رحمه الله.
له: أنه استحقَّ الحريةَ بجهة الكتابة، فأشبه المدبَّرَ.
ولنا: أن الرِّقَّ قائمٌ من كل وجهٍ، على ما بيَّنًا.
ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((المكاتَبُ عبدٌ ما بقيَ عليه درهمٌ) (٣).
والكتابةُ لا تُنافيه، فإنه(٤) فَكُّ الحَجْرِ، بمنزلة الإذنِ في التجارة، إلا
أنه بعِوَض، فيلزمُ من جانبه، ولو كان مانعاً: ينفسخُ بمقتضى الإعتاق، إذ
هو يحتملُه، إلا أنه تَسْلَمُ له(٥) الأكسابُ والأولادُ؛ لأن العتقَ في حقِّ
(١) أي لا يجزئ.
(٢) الحاوي الكبير ٣٢٨/١٥.
(٣) سنن أبي داود (٣٩٢٦)، وصححه ابن الملقن في البدر المنير ١٦٧/٢٦،
وحسَّنه النووي في روضة الطالبين ٢٣٦/١٢، وينظر نصب الراية ١٤٣/٤.
(٤) أي عَقْد الكتابة.
(٥) أي المكاتب.

٢٩٩
فصلٌ في الكفَّارة
وإن اشترى أباه، أو ابنَه ينوي بالشراء الكفارةَ : جاز عنها.
وإن أعتَقَ نصفَ عبدٍ مشترَكٍ، وهو موسِرٌ، وضَمِنَ قيمةَ باقِيْه: لم
يَجُزْ عند أبي حنيفة رحمه الله، ويجوزُ عندهما.
المَحَلِّ ثَبَتَ(١) بجهة الكتابة، أو لأنَّ الفسخَ ضروريٌّ لا يظهرُ في حقِّ الولدِ
والکسب.
قال: (وإن اشترى أباه، أو ابنَه ينوي بالشراء الكفارةَ: جاز عنها) عندنا.
وقال الشافعي(٢) رحمه الله: لا يجوز.
وعلى هذا الخلاف: كفارة اليمين، والمسألةُ تأتيكَ في كتاب الأيمان إن
شاء الله تعالى.
قال: (وإن أعتَقَ نصفَ عبدٍ مشترَكٍ، وهو موسِرٌ، وضَمِنَ قيمةَ باقِيْه:
لم يَجُزْ عند أبي حنيفة رحمه الله.
ويجوزُ عندهما)؛ لأنه تَمَلَّكَ نصيبَ صاحبه بالضمان، فصار معتِقاً
كلَّ العبدِ عن الكفارة وهو مِلْكُه.
بخلاف ما إذا كان المعتِقُ معسِراً؛ لأنه وَجَبَتْ عليه السعايةَ في نصيب
الشريك، فيكون إعتاقاً بعوض.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن نصيبَ صاحبه يَنتقصُ على ملکِهِ، ثم
يتحوَّلُ إليه بالضمان، ومثلُه يَمنعُ الكفارةَ.
(١) لفظ: ثبت: مثبتٌ في النسخة السلطانية ٧٩٧هـ.
(٢) مغني المحتاج ٣٦١/٣.

٣٠٠
فصلٌ في الكفَّارة
وإن أعتق نصف عبده عن کفارته، ثم أعتق باقيه عنها : جاز.
وإن أعتق نصفَ عبدِه عن كفارته، ثم جامَعَ التي ظاهَرَ منها، ثم أعتق
باقِيَه : لم يَجُزْ عند أبي حنيفة رحمه الله.
وإذا لم يجدِ المظاهِرُ ما يَعِقُ: فكفارتُه صومُ شهرَیْن متتابعَيْن، ليس
فيهما شهرُ رمضان، ولا يومُ الفِطْر، ولا يومُ النحر، ولا أيام التشريق.
قال: (وإن أعتق نصفَ عبدِه عن كفارته، ثم أعتق باقِيَه عنها: جاز)؛ لأنه
أعتقه بكلامَيْن، والنقصانُ متمكِّنٌ على ملكِهِ؛ بسبب الإعتاق بجهة الكفارة،
ومثلُه غيرُ مانع، كمن أضجع شاةً للأضحية، فأصاب السّكِّينُ عينَها.
بخلاف ما تقدَّم؛ لأن النقصانَ تمكَّنَ على ملكِ الشريك، وهذا على
أصل أبي حنيفة رحمه الله.
أما عندهما: فالإعتاقُ لا يتجزَّأَ، فإعتاقُ النصفِ: إعتاقُ الكلِّ، فلا
یکون إعتاقاً بكلامَیْن.
قال: (وإن أعتق نصفَ عبدِه عن كفارته، ثم جامَعَ التي ظاهَرَ منها، ثم
أعتق باقِيَه: لم يَجُزْ عند أبي حنيفة رحمه الله)؛ لأن الإعتاقَ يتجزّأُ عنده،
وشَرْطُ الإعتاق: أن يكونَ قبلَ المَسِيسِ بالنص، وإعتاقُ النصفِ حَصَلَ بعدَه.
وعندهما: إعتاقُ النصف: إعتاقُ الكلِّ، فحَصَلَ الكلُّ قبلَ المَسيس.
قال: (وإذا لم يجدِ المظاهِرُ ما يَعِقُ: فكفارتُه صومُ شهرَيْن متتابعَيْن،
ليس فيهما شهرُ رمضان، ولا يومُ الفِطْر، ولا يومُ النحر، ولا أيامُ التشريق).
أما التتابعُ: فلأنه منصوصٌ علیه.
الهداية شرح بداية المبتدي — pages 281-300 | ScribeTools Library