النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
مجاوزة الميقات بغیر إحرام
وهذا إذا كان يريدُ الحجَّ أو العمرةَ.
وقال زفر رحمه الله: لا يسقطُ، لبَّى أو لم يُلَبِّ؛ لأن جنايتَه لم ترتفع
بالعَوْد، وصار كما إذا أفاض من عرفات، ثم عاد إليه(١) بعد الغروب.
ولنا: أنه تدارَكَ المتروكَ في أَوانه، وذلك قبل الشروعِ في الأفعال،
فيسقطُ الدمُ.
بخلاف الإفاضة: لأنه لم يَتدارَكِ المتروكَ، على ما مَرَّ.
غيرَ أن التداركَ عندهما: بعَوْدِهِ مُحْرماً؛ لأنه أظْهَرَ حقَّ الميقاتِ، كما
إذا مرَّ به مُحْرِماً ساكِتاً(٢).
وعنده رحمه الله: بعَوْده مُحرماً ملبِّياً؛ لأنَّ العزيمةَ في الإحرام: من
دُوَيْرة أهله، فإذا ترخَّصَ بالتأخير إلى الميقات: وَجَبَ عليه قضاءَ حقُّه
بإنشاء التلبية، فكان التلافي بعَوْده ملِّياً.
وعلى هذا الخلاف: إذا أحرم بحَجَّةٍ بعد المجاوَزَةِ مكانَ العمرة، في
جميع ما ذکرنا.
ولو عاد بعد ما ابتدأ بالطواف، واستلم الحَجَرَ: لا يسقطُ عنه الدمُ، بالاتفاق.
ولو عاد إليه قبلَ الإحرام: يسقطُ، بالاتفاق.
قال: (وهذا) الذي ذكرنا: (إذا كان يريدُ الحجَّ أو العمرةَ.
(١) هكذا بالتذكير في كل النسخ الخطية. وتقديره: موضع عرفة.
(٢) فلا يلزمه شيء. البناية ٣٣٥/٥.

٤٨٢
مجاوزة الميقات بغير إحرام
فإن دَخَلَ البستانَ لحاجةٍ : فله أن يدخلَ مكةَ بغير إحرامٍ، ووَقْتُه :
البستانُ، وهو وصاحبُ المنزلِ : سواء.
فإن أحرما من الحِلِّ، ووَقَفَا بعرفة: لم يكن عليهما شيء.
ومَن دخل مكةَ بغير إحرامِ، ثم خَرَجَ من عامِه ذلك إلى الوقت،
وأحرم بحَجَّةٍ عليه : أجزأه ذلك من دخوله مكةً بغير إحرام.
فإن دَخَلَ البستانَ(١) لحاجةٍ: فله أن يدخل مكةَ بغير إحرامٍ، ووَقْتُه:
البستانُ، وهو وصاحبُ المنزل: سواءً).
لأن البستانَ غيرُ واجبِ التعظيم، فلا يلزمُهُ الإحرامُ بقصده، وإذا دخله:
التحق بأهله.
وللبستانيّ أن يدخلَ مكةَ بغيرِ إحرامٍ للحاجة، فكذلك له.
والمرادُ بقوله: ووَقْتُه البستانُ: جميعُ الحِلِّ الذي بينه وبين الحرم،
وقد مرَّ من قبل، فكذا وقتُ الداخلِ الملتَحِقِ به.
قال: (فإن أحرما(٢) من الحِلِّ، ووَقَفَا بعرفة: لم يكن عليهما شيء)،
يريدُ به البستانيَّ، والداخلَ فيه؛ لأنهما أحرما من ميقاتِهما.
قال: (ومَن دخل مكةَ بغير إحرامٍ، ثم خَرَجَ من عامِهِ ذلك إلى
الوقت، وأحرم بحَجَّةٍ عليه: أجزأه ذلك من دخوله مكةَ بغير إحرام).
(١) أي دخل الكوفيّ بستانَ بني عامر.
(٢) أي البستانيّ والملتحِقٍ به، كما سيأتي في كلام المصنف رحمه الله.

٤٨٣
مجاوزة المیقات بغیر إحرام
ومَن جاوز الميقاتَ بغير إحرام، فأحرم بعمرةٍ، وأفسدها : مضى
فيها، وقضاها.
وقال زفر رحمه الله: لا يجزئه(١)، وهو القياسُ؛ اعتباراً بما لَزْمَه
١
بسبب النذر، وصار كما إذا تحوَّلَتِ السَّنَّةُ(٢).
ولنا: أنه تلافى المتروكَ في وقتِه؛ لأن الواجبَ عليه تعظيمُ هذه البُقْعَة
بالإحرام، كما إذا أتاه مُحْرِماً بحجَّةِ الإسلام في الابتداء.
بخلاف ما إذا كانت تحوَّلت السَّنَةُ؛ لأنه صار دَيْناً في ذمته (٣)، فلا
يتأدَّى إلا بإحرامِ مقصودٍ، كما في الاعتكافِ المنذور، فإنه يتأدَّى بصوم
رمضان من هذه السَّنَة، دون العام الثاني.
قال: (ومَن جاوز الميقاتَ بغير إحرام، فأحرم بعمرةٍ، وأفسدها(٤):
مضىُ فيها، وقضاها)؛ لأن الإحرامَ يقعُ لازماً (6)، فصار كما إذا أفسد
لحجَّ.
(١) عن الحالة الأولى، أي فيما إذا لم تتحول السَّنة.
(٢) أي السَّنَةُ التي دخل فيها مكةَ، ثم حجَّ حجةَ الإسلام: فإنه لا يقوم مقام ما
لزمه بدخول مكة، بلا خلاف. البناية ٣٣٧/٥.
(٣) بمضيِّ وقت الحج.
(٤) مثلاً بجماعٍ.
(٥) أي لأن الإحرام عقدٌ لازمٌ، ولا يخرج عنه المرء إلا بأداء الأفعال. المحيط
البرهاني ٤١٦/٣، مع التذكير بالأخطاء الكثيرة في طبعة كراتشي، وطبعة بيروت.

٤٨٤
مجاوزة الميقات بغير إحرام
وليس عليه دمٌّ لتَرْك الوقت.
وإذا خرج المكيُّ من الحرم يريدُ الحجَّ، فأحرم، ولم يَعُدْ إلى الحرم،
ووَقَفَ بعرفة: فعليه شاةً، فإن عاد إلى الحرم، ولَبَّى أو لم يُلبِّ: فهو على
الاختلاف الذي ذكرناه في الآفاقي.
(وليس عليه دمٌّ لتَرْك الوقت(١)).
وعلى قياسِ قولِ زفر رحمه الله: لا يسقطُ عنه الدمُ.
وهو نظيرُ الاختلافِ في فائتِ الحجِّ إذا جاوز الوقتَ بغير إحرام.
وفيمَن جاوَزَ الوقتَ بغير إحرامٍ، وأحرم بالحجِّ، ثم أفسد حجَّته.
هو يَعتبرُ المجاوَزَةَ هذه بغيرها من المحظورات.
ولنا: أنه يصيرُ قاضياً حقَّ الميقاتِ بالإحرام منه (٢) في القضاء، وهو
يحكي الفائتَ، ولا ينعدِمُ به غيرُهُ من المحظورات، فوَضَحَ الفرقُ.
قال: (وإذا خرج المكيُّ من الحرم يريدُ الحجَّ، فأحرم (٣)، ولم يَعُدْ إلى
الحرم، ووَقَفَ بعرفة: فعليه شاةٌ)؛ لأن وقتَه: الحرمُ، وقد جاوزه بغير إحرامٍ.
(فإن عاد إلى الحرم، ولَبَّى أو لم يُلبِّ: فهو على الاختلاف الذي
ذكرناه في الآفاقي.
(١) إذا قضاها بإحرام من أحد مواقيت الإحرام، لا من الحرم، ولكن عليه دمٌ
الفساد العمرة. ينظر حاشية الشرنبلالي على الدرر والغرر ٢٥٦/١.
(٢) أي من الميقات.
(٣) أي من الحِلِّ.

٤٨٥
مجاوزة المیقات بغیر إحرام
والمتمتِّعُ إذا فَرَغَ من عمرته، ثم خَرَجَ من الحرم، فأحرم بالحج،
ووَقَفَ بعرفة : فعلیه دمٌ.
فإِن رَجَعَ إلى الحرم، فَأَهَلَّ فيه قبلَ أن يقفَ بعرفة : فلا شيء عليه.
والمتمتِّعُ إذا فَرَغَ من عمرته، ثم خَرَجَ من الحرم، فأحرم بالحج(١)،
ووَقَفَ بعرفة (٢): فعليه دمٌ)؛ لأنه لَمَّا دخل مكةَ، وأتى بأفعال العمرة: صار
بمنزلةِ المكيِّ، وإحرامُ المكيِّ في الحج من الحرم؛ لِمَا ذكرنا، فيلزمُه الدمُ
بتأخيره عنه(٣).
قال: (فإن رَجَعَ إلى الحرم، فَأَهَلَّ فيه قبلَ أن يقفَ بعرفة: فلا شيء
عليه)؛ وهو على الخلاف الذي تقدَّم في الآفاقيِّ، والله تعالى أعلم.
(١) أي فأحرم من الحِلِّ.
(٢) أي من غير أن يعود إلى الحرم.
(٣) أي عن الحرم.

٤٨٦
باب
باب
إضافة الإحرام إلى الإحرام
قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : إذا أحرم المكيُّ بعمرةٍ، وطاف لها
شوطاً، ثم أحرم بالحجِّ: فإنه يَرفُضُ الحجَّ، وعليه لرَفْضِهِ دَمٌ، وعليه حَجَّةٌ
وعمرةً.
وقالا : رَفْضُ العمرةِ أحبُّ إلينا، وقَضاها، وعليه دمٌ.
باب
إضافة الإحرام إلى الإحرام
قال: (قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا أحرم المكيُّ بعمرةٍ، وطاف
لها شوطاً، ثم أحرم بالحجِّ: فإنه يَرفُضُ الحجَّ، وعليه لرَفْضِهِ دَمٌ، وعليه
حَجَّةٌ وعمرةٌ(١).
وقالا: رَفْضُ العمرةِ أحبُّ إلينا، وقَضَاها(٢)، وعليه دمٌ)؛ لأنه لا بدَّ
من رَفْضِ أحدِهما؛ لأن الجمعَ بينهما في حَقِّ المكي غيرُ مشروعٍ،
والعمرةُ أَوْلى بالرفض؛ لأنها أدنى حالاً، وأقلُّ أعمالاً، وأيسرُ قضاءً؛
لكونها غيرَ مؤقّتةٍ.
(١) سوى العمرة التي شرع فيها. حاشية سعدي على الهداية.
(٢) وفي نُسخ: وقضاؤها. قلت: وفي الجامع الصغير ص ٩٧ : وعليه قضاؤها ودمٌّ.

٤٨٧
إضافة الإحرام إلى الإحرام
وإن مضى عليهما : أجزأه، وعليه دمٌ؛ لجَمْعِه بينهما .
وكذا(١) إذا أحرم بالعمرة، ثم بالحج، ولم يأتِ بشيءٍ من أفعال
العمرة: فإنه يرفضُ العمرةَ بالاتفاق؛ لِمَا قلنا.
وإن طاف للعمرة أربعةَ أشواطٍ، ثم أحرم بالحج: رَفَضَ الحجَّ، بلا
خلافٍ؛ لأنَّ للأكثر حكمَ الكلِّ، فيتَعَذَّرُ رَفْضُها، كما إذا فَرَغَ منها.
ولا كذلك إذا طاف للعمرة أقلّ من ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله.
له: أن إحرامَ العمرة قد تأكَّد بأداء شيءٍ من أعمالها، وإحرامَ الحج لم
يتأكد، ورَفْضُ غيرِ المتأكَّد أيسرُ.
ولأن في رَفْضِ العمرةِ والحالةُ هذه: إيطالَ العمل، وفي رَفْضِ الحج:
امتناعٌ عنه.
وعليه دمٌ بالرفض، أيَّهما رَفَضَه؛ لأنه تحلَّل قبل أوانه؛ لتعذُّر المُضِيِّ
فيه، فكان في معنى المحصَر، إلا أن في رَفْضِ العمرةِ: قضاءَها، لا غيرُ،
وعليه دمٌ، وفي رَفْضِ الحجِّ: قضاؤه، وعمرةً؛ لأنه في معنى فائتِ الحجِّ.
قال: (وإن مضى عليهما: أجزأه)؛ لأنه أدى أفعالَهما كما التزمهما، غيرَ
أنه منهيٌّ عنهما، والنهيُ لا يمنعُ تحقَّقَ الفعلِ، على ما عُرِف من أصلنا.
(وعليه دمٌّ؛ لجَمْعِه بينهما)؛ لأنه تمكَّنَ النقصانُ في عمله؛ لارتكابه
المنھيَّ عنه.
وهذا في حَقِّ المكي: دمُ جَبْرٍ، وفي حَقِّ الآفاقيِّ: دمُ شُكْر.
(١) أي يرفض العمرةَ.

٤٨٨
إضافة الإحرام إلى الإحرام
ومَن أحرم بالحجِّ، ثم أحرم يومَ النَّحْرِ بحَجَّةٍ أخرى: فإن حَلَقَ في
الأُولىُ: لزِمَتْه الأخرى، ولا شيءَ عليه، وإن لم يَحِلِقْ في الأُولىُ: لزِمَتْه
الأخرى، وعليه دمٌ، قصَّر أو لم يُقَصِّر عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا : إن لم يقصِّرْ: فلا شيء عليه.
قال: (ومَن أحرم بالحجِّ، ثم أحرم يومَ النَّحْرِ بحَجَّةٍ أخرى: فإن حَلَقَ
في الأُولىُ: لزِمَتْه الأخرى، ولا شيءَ عليه، وإن لم يَحلِقْ في الأُولىُ:
لزِمَتْه الأخرى، وعليه دمٌّ، قصَّر أو لم يُقَصِّر عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: إن لم يقصِّرْ: فلا شيءَ عليه)؛ لأن الجمعَ بين إحرامي الحجِّ أو
إحراميِ العمرة: بدعةٌ(١).
فإذا حَلَقَ: فهو إن كان نُسُكاً في الإحرامِ الأوَّل: فهو جنايةٌ على
الثاني؛ لأنه في غير أوانه، فلزمه الدمُ، بالإجماع.
وإن لم يحلِقْ حتىُ حَجَّ في العام القابل: فقد أخَّرَ الحَلْقَ عن وقِتِه في
الإحرام الأوَّل، وذلك يوجِبُ الدمَ عند أبي حنيفة رحمه الله.
(١) سيصفُ المؤلفُ بعد قليلٍ جداً حكمَ الجمع بين إحرامي العمرة بأنه مكروهٌ،
وبهذا يتضح أن المراد من لفظ: بدعة: هنا: مكروه، إذ هذا اللفظ ليس من ألفاظ صفة
الحكم الشرعي التكليفي، وبخاصةٍ بعد أن استقرَّت مصطلحات علم أصول الفقه.
وقد استعمل المؤلف هذا اللفظَ كصفةٍ للحكم الشرعي في ثلاثة مواضع أخرى
في الهداية فقط: في العيدين، وفي الطلاق مرتين.

٤٨٩
إضافة الإحرام إلى الإحرام
ومَن فَرَغَ من عمرتِه إلا التقصيرَ، فأحرم بأخرى: فعليه دمٌّ؛ لإحرامه
قبلَ الوقت.
ومَن أَهَلَّ بالحج، ثم أحرم بعمرةٍ : لزماه.
فلو وَقَفَ بعرفاتٍ، ولم يأت بأفعالِ العمرة: فهو رافضٌ لعمرته.
فإن توجّه إليها : لم يكن رافِضاً حتى يقفَ.
وعندهما: لا يلزَمُه شيء، على ما ذكرنا، فلهذا سوَّى بين التقصير
وعدمِهِ عنده، وشَرَطَ التقصيرَ عندهما.
قال: (ومَن فَرَغَ من عمرتِه إلا التقصيرَ، فأحرم بأخرى: فعليه دمٌّ؛
لإحرامه قبلَ الوقت)؛ لأنه جَمَعَ بين إحراميِ العمرة، وهذا مكروهٌ،
فيلزمُهُ الدمُ، وهو دمُ جَبْرٍ، وكفارةٍ.
قال: (ومَن أَهَلَّ بالحج، ثم أحرم بعمرةٍ: لزماه).
لأن الجمعَ بينهما مشروعٌ في حَقِّ الآفاقي، والمسألةُ فيه، فيصيرُ
بذلك قارناً، لكنه أخطأ السُّنَّةَ(١)، فيصير مسيئاً.
قال: (فلو وَقَفَ بعرفاتٍ، ولم يأت بأفعال العمرة: فهو رافضٌ
لعمرته)؛ لأنه تعذّر عليه أداؤها، إذ هي مبنيَّةً (٢) على الحج، غيرُ مشروعة.
(فإن توجَّه إليها(٣): لم يكن رافِضاً حتى يقف)، وقد ذكرناه من قبل.
(١) لأن القارنَ: مَن يُحرِمُ بالحج والعمرة معاً، أو يقدِّم إحرامَ العمرة، لا
العكس. البناية ٣٤٦/٥.
(٢) وفي نُسخ بالنصب: مبنيةً. وتقديرُها على نصب الحال من: هي.
(٣) أي عرفات.

٤٩٠
إضافة الإحرام إلى الإحرام
ومَن طاف للحج، ثم أحرم بعمرةٍ، فمضى عليهما : لزماه، وعليه دمٌ
لجمعه بينهما، ويُستحَبُّ أنْ يَرفُضَ عمرتَه.
وإذا رَفَضَ عمرتَه : يقضيها، وعليه دمٌ.
ومَن أهلَّ بعمرةٍ في يوم النحر، أو في أيام التشريق : لزِمَتْه.
قال: (ومَن طاف للحج، ثم أحرم بعمرةٍ، فمضى عليهما: لزماه، وعليه
دمٌ لجمعه بينهما)؛ لأن الجمعَ بينهما مشروعٌ، على ما مرَّ، فصحَّ الإحرامُ
بهما.
والمرادُ بهذا الطواف: طوافُ التحية، وأنه سُنَّةٌ، وليس برُكْنِ، حتى
لا يلزمُه بتركه شيء.
وإذا لم يأت بما هو ركنٌ: يُمكِنُه أن يأتيَ بأفعال العمرة، ثم بأفعال
الحج، فلهذا لو مضى عليهما: جاز، وعليه دمٌ لجَمْعه بينهما، وهو دمُ
كفارةٍ وجَبْرٍ، هو الصحيحُ؛ لأنه بانٍ أفعالَ العمرةِ على أفعالِ الحجِّ من
و جهٍ.
(ويُستحَبُّ أنْ يَرفُضَ عمرتَه)؛ لأن إحرامَ الحجِّ قد تأكَّدَ بشيءٍ من
أعمالِهِ، بخلاف ما إذا لم يَطُفْ للحجِّ.
(وإذا رَفَضَ عمرتَه: يقضيها)؛ لصحة الشروعِ فيها.
(وعليه دمٌ)؛ لرفضها.
قال: (ومَن أهلّ بعمرةٍ في يوم النحر، أو في أيام التشريق: لزِمَتْه)؛
لِمَا قلنا.

٤٩١
إضافة الإحرام إلى الإحرام
ويرفُضُها، فإن رَفَضَها : فعليه دمٌ وعمرةٌ مكانَها.
فإن مضى عليها : أجزأه، وعليه دمٌ؛ لجَمْعه بينهما.
قال: (ويرفُضُها)، أي يلزمُه الرفضُ؛ لأنه قد أدَّى ركنَ الحج، فيصيرُ
بانياً أفعالَ العمرةِ على أفعال الحجِّ من كل وجهٍ.
وقد كُرهتِ العمرةُ في هذه الأيام أيضاً، على ما نَذْكرُ، فلهذا يلزمُهُ
رفضها.
قال: (فإن رَفَضَها: فعليه دمٌ) لرفضها، (وعمرةٌ مكانَها)؛ لِمَا بِيَّنَا.
قال: (فإن مضى عليها: أجزأه)؛ لأن الكراهةَ لمعنىًّ في غيرِها، وهو
كونُه مشغولاً في هذه الأيام بأداء بقيةِ أعمالِ الحجِّ، فيجبُ تخليصُ الوقتِ
له؛ تعظيماً.
قال: (وعليه دمٌ؛ لجَمْعه بينهما)، إما في الإحرام، أو في الأعمال
الباقية.
قالوا: وهذا دمُ كفارةٍ أيضاً.
وقيل: إذا حَلَقَ للحج، ثم أحرم: لا يرفُضُها، على ظاهر ما ذَكر في
((الأصل)).
وقيل: يرفُضُها؛ احترازاً عن المَنهىّ(١).
قال الفقيه أبو جعفر(٢) رحمه الله: ومشايخُنا رحمهم الله على هذا.
(١) أي المنهيِّ عنه، وهو العمرة أيام النحر والتشريق.
(٢) الهندواني محمد بن عبد الله، من كبار أئمة الحنفية، مات ببخارى، وحُمل
=

٤٩٢
إضافة الإحرام إلى الإحرام
فإن فاتَهُ الحجُّ، ثم أحرم بعمرةٍ أو بحجةٍ : فإنه يرفُضُها.
قال: (فإن فاتَهُ الحجُّ، ثم أحرم بعمرةٍ أو بحجةٍ: فإنه يرفُضُها )؛ لأن
فائتَ الحجِّ: يتحلَّلُ بأفعال العمرة من غير أن ينقلبَ إحرامُه إحرامَ العمرة،
على ما يأتيكَ في باب الفوات إن شاء الله تعالى، فيصيرُ جامِعاً بين
العمرتين من حيث الأفعالُ، فعليه أن يرفُضَها، كما لو أحرم بعمرتين.
وإن أحرم بحجَّةٍ: يصيرُ جامعاً بين الحَجْتَيْن إحراماً، فعليه أن يرفُضَها،
وعليه قضاؤها؛ لصحة الشروع فيها، ودمٌ؛ لرَفْضِها بالتحلِّل قبل أوانه،
93
كما لو أحرم بحَجْتَيْن.
والله تعالى أعلم.

٤٩٣
باب الإحصار
باب الإحصار
وإذا أُحصِرَ المُحرِمُ بعدوٍّ، أو أصابه مرضٌ، فمَنَعَه من المُضِيِّ: جاز
له التحُّلُ.
و يُقالُ له: ابْعَثْ شاةً تُذْبَحُ في الحرم، وواعِدْ مَن تَبعثُه يوماً بعَيْنه
يذبحُ فیه، ثم تحلَّلْ.
باب الإحصار
قال: (وإذا أُحصِرَ المُحرِمُ بعدوٍّ، أو أصابه مرضٌ، فمَنَعَه من المُضِيِّ:
جاز له التحلّلُ).
وقال الشافعي(١) رحمه الله: لا يكونُ الإحصارُ إلا بالعدوِّ؛ لأن
التحلَّلَ بالهدي شُرعَ في حَقِّ المحصَر لتحصيل النجاة، وبالإحلال ينجو
من العدوِّ، لا من المرض.
ولنا: أن آيةَ الإحصارِ وَرَدَتْ في الإحصار بالمرض، بإجماع أهل
اللغة، فإنهم قالوا: الإحصارُ: بالمرض، والحَصْرُ: بالعدو.
والتحلُّلُ قبلَ أوانِهِ: لدفع الحَرَجِ الآتي من قِبَل امتدادِ الإحرامِ،
والحرجُ في الاصطبار عليه مع المرض أعظمُ.
٩
(و) إذا جاز له التحلَّلُ: (يُقالُ له: ابْعَثْ شاةً تُذْبَحُ في الحرم، وواعِدْ
مَن تَبعثُه يوماً بعَيْنِهِ يَذْبَحُ فيه، ثم تحلَّلْ).
(١) مغني المحتاج ١/ ٥٣٣.

٤٩٤
باب الإحصار
وإنما تُبْعَثُ(١) إلى الحرم: لأن دمَ الإحصار قُرْبٌ، والإراقةُ لم تُعرف
قُربةً إلا في زمانٍ أو مكانٍ، على ما مرَّ، فلا يقعُ(٢) قُربةَ بدونه، فلا يقعُ به
التحلل.
وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَخْلِّقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّى بَلُغَ اَلْهَدْىُ مَحِلَّهُ﴾.
البقرة/١٩٦، فإن الهديَ اسمٌ لما يُهدَى إلى الحرم.
وقال الشافعي(٣) رحمه الله: لا يُتَوَقَّتُ به؛ لأنه شُرعَ رُخْصةً، والتوقيتُ
يُبْطِلُ التخفيفَ.
قلنا: إن المُراعَىُ أصلُ التخفيف، لا نهايتُه.
وتجوز الشاةُ؛ لأن المنصوصَ عليه: الهديُ، والشاةُ: أدناه.
وتجزئه البقرةُ والبدنةُ، أو سُبُعُهما، كما في الضحايا.
وليس المرادُ بما ذكرنا: بَعْثَ الشاةِ بعَيْنها؛ لأن ذلك قد يتعذّر، بل له
أن يبعثَ بالقيمة حتى تُشتَرَىُ الشاةُ هنالك، وتُذْبَحَ عنه.
وقولُه: ثم تحلَّلْ: إشارةٌ إلى أنه ليس عليه الحلقُ أو التقصيرُ، وهو
قولُ أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله.
(١) أي الشاة.
(٢) أي لا يقع دمُ الإحصار قربةً دون الحرم.
(٣) مغني المحتاج ٥٣٤/١.

٤٩٥
باب الإحصار
وإن كان قارناً: بَعَثَ بدمَيْن، فإن بَعَثَ بهديٍ واحدٍ ليتحلّل عن الحجِّ،
ويبقى في إحرام العمرة: لم يتحلَّلْ عن واحدٍ منهما.
ولا يجوز ذَّبْحُ دَمِ الإحصارِ إلا في الحرم، ويجوزُ ذَبْحُه قبلَ يومِ النحر
عند أبي حنيفة رحمه الله .
وقال أبو يوسف رحمه الله: عليه ذلك، ولو لم يفعل: لا شيءَ عليه؛
لأنه عليه الصلاة والسلام حَلَقَ عامَ الحُدَيْبية، وكان محصَراً بها، وأَمَرَ
أصحابَه رضي الله عنهم بذلك(١).
ولهما: أن الحلقَ إنما عُرفَ قُرْبةَ مُرَتَّباً على أفعال الحج، فلا يكونَ
نُسُكاً قبلَها.
وفِعْلُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام وأصحابه: ليُعرَفَ استحكامُ عزيمتِهم
على الانصراف.
قال: (وإن كان قارناً: بَعَثَ بدمَيْن)؛ لاحتياجِه إلى التحلّلِ عن إحرامَيْن.
ءِ
قال: (فإن بَعَثَ(٢) بهدي واحدٍ ليتحلَّل عن الحجِّ، ويبقى في إحرام
العمرة: لم يتحلّلْ عن واحدٍ منهما)؛ لأن التحللَ منهما شُرِعَ في حالةٍ
واحدة.
قال: (ولا يجوز ذَّبْحُ دَمِ الإحصارِ إلا في الحرم، ويجوزُ ذَبْحُه قبلَ
يومِ النحر عند أبي حنيفة رحمه الله.
(١) صحيح البخاري (٧٠١٤).
(٢) أي القارن.

٤٩٦
باب الإحصار
وقالا : لا يجوزُ الذبحُ للمحصَر بالحج إلا في يوم النحر.
ويجوزُ للمحصَر بالعمرة أن يذبحَ متى شاء.
والمحصَرُ بالحجِّ إذا تحلَّل : فعليه حَجَّةٌ وعمرةٌ.
وقالا: لا يجوزُ الذبحُ للمحصَر بالحج إلا في يوم النحر.
ويجوزُ للمحصَر بالعمرة أن يذبحَ متى شاء)؛ اعتباراً بهدي المُتْعة والقران.
وربما يَعتبرانه بالحلق، إذْ كلُّ واحدٍ منهما مُحَلِّلٌ.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه دَمُ كفارةٍ، حتى لا يجوزُ الأكلُ منه،
فيُختَصُّ بالمكان، دون الزمان، كسائر دماءِ الكفارات.
بخلاف دمِ المتعة والقران: لأنه دمُ نُسُكٍ.
وبخلاف الحلق: لأنه في أوانه؛ لأنّ معظمَ أفعالِ الحج وهو الوقوفُ
بعرفة: ينتهي به(١).
قال: (والمحصَرُ بالحجِّ إذا تحلَّل: فعليه حَجَّةٌ وعمرةٌ).
هكذا رُوي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم(٢).
ولأن الحَجَّةَ تجبُ قضاءً: لصحة الشروع فيها، والعمرةُ(٣): لِمَا أنه (٤)
في معنى فائتِ الحج.
(١) أي بالحلق.
(٢) قال في الدراية ٤٦/٢: لم أجده، وذكره عن ابن عباس وابن مسعود بدون
إسنادٍ الجصاصُ في أحكام القرآن ٣٤٥/١.
(٣) بالضم؛ عطفاً على الضمير المستتر في: يجب، وضبطت في نُسخ بالنصب.
(٤) أي المُحصر. البناية ٣٧٩/٥.

٤٩٧
باب الإحصار
وعلى المحصَرِ بالعمرة : القضاء.
وعلى القارن: حَجَّةٌ، وعُمْرتان، فإن بَعَثَ القارنُ هَدْياً، وواعَدَهم أن
يذبحوه في يومٍ بعَيْنِهِ، ثم زال الإحصارُ: فإنْ كان لا يُدْرِكُ الحجَّ والهديَ :
لا يلزَمُهُ أن یتوَجَّه، بل يصبرُ حتى يَحِلّ بنَحْرِ الهَدْي.
قال: (وعلى المحصَرِ بالعمرة: القضاءُ(١))، والإحصارُ عنها: يتحقَّقُ عندنا.
وقال مالكٌ رحمه الله: لا يتحقَّقُ(٢)؛ لأنها لا تتوَقَّت.
ولنا: أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي الله عنهم أُحصروا
بالحُدَيْبِيَة، وكانوا عُمَّاراً (٣).
ولأنَّ شَرْعَ التحلُّلِ: لدَفْعِ الحَرَجِ، وهذا موجودٌ في إحرامِ العمرة.
و
وإذا تحقَّقَ الإحصارُ: فعليه القضاء إذا تحلّل، كما في الحج.
قال: (وعلىُ القارن: حَجَّةٌ، وعُمْرتان).
أما الحجُّ وإحداهما: فلِمَا بيَّنَا، وأما الثانيةُ: فلأنه خَرَجَ منها بعد صحةٍ
الشروع فيها.
قال: (فإن بَعَثَ القارنُ هَدْياً، وواعَدَهم أن يذبحوه في يومٍ بعَيْنِهِ، ثم زال
الإحصارُ: فإنْ كان لا يُدْرِكُ الحجَّ والهديَ: لا يلزَمُه أن یتوَجَّه، بل يصبرُ حتى
يَحِلَّ بَنَحْرِ الهَدْي)؛ لفواتِ المقصودِ من التوجُّهِ، وهو أداءُ أفعال الحج.
(١) لا غير. حاشية سعدي على الهداية.
(٢) وفي مواهب الجليل ٣٠٢/٣ أنه يتحقق في العمرة أيضاً.
(٣) صحيح البخاري (١٦٨٥، ١٧١٢)، صحيح مسلم (١٢٣٠).

٤٩٨
باب الإحصار
وإن كان يُدرِكُ الحجَّ والهديَ: لَزِمَه التوجُّهُ.
وإذا أدرك هَدْیَه : صَنَعَ به ما شاء.
وإن كان يُدرِكُ الهديَ، دونَ الحجِّ: يتحلَّل.
وإن كان يُدرِكُ الحجَّ، دونَ الهدىِ: جاز له التحُّلُ؛ استحساناً.
وهذا التقسيمُ لا يستقيمُ على قولهما في المحصَرِ بالحج، وإنما
یستقيم على قول أبي حنيفة رحمه الله.
وإن توجَّه ليتحلَّلَ بأفعال العمرة: له ذلك؛ لأنه فائتُ الحجِّ.
قال: (وإن كان يُدرِكُ الحجَّ والهديَ: لَزِمَه التوجُّهُ)؛ لزوالِ العَجْزِ قبلَ
حصول المقصودِ بالخَلَف(١).
(وإذا أدرك هَدْيَه: صَنَعَ به ما شاء)؛ لأنه مِلْكُهُ، وقد كان عيَّنه لمقصودٍ
استغنى عنه.
(وإن كان يُدرِكُ الهديَ، دونَ الحجِّ: يتحلَّل)؛ لعَجْزِه عن الأصل.
(وإن كان يُدرِكُ الحجَّ، دونَ الهدي: جاز له التحلَّلُ؛ استحساناً.
وهذا التقسيمُ لا يستقيمُ على قولهما في المحصَرِ بالحج)؛ لأن دمَ
الإحصار عندهما يتوقّتُ بيوم النحر، فمَن يُدرِكُ الحجَّ: يُدرِكُ الهديَ،
(وإنما يستقيم على قول أبي حنيفة (٢) رحمه الله).
(١) وهو الهدي.
(٢) لأنه لا يتوقت بيوم النحر.

٤٩٩
باب الإحصار
ومَن وقف بعرفة، ثم أُحصِرَ : لا يكون محصَراً.
وفي المُحصَرِ بالعمرة: يستقيمُ، بالاتفاق؛ لعدم توقَّتِ الدمِ بيومِ النحر.
وجهُ القياس، وهو قولُ زفر رحمه الله: أنه قَدَرَ على الأصل، وهو
الحجُّ قبلَ حصولِ المقصودِ بالبدل، وهو الهديُ.
وجهُ الاستحسان: أنَّا لو ألزمناه التوجَّهَ: لضاع مالُه؛ لأنَّ المَبْعوثَ
على يديه الهديُ: ليذبحَه(١)، ولا يحصُلُ مقصودُه، وحُرمةُ المال: كحُرمة
النفس.
ولو (٢) خاف على نفسه: لا يلزمه التوجُّه، فكذا إذا خاف على ماله؛
لأنه ينبغي أن يُضمِّنَ المبعوثَ على يده بالذبح؛ لفوات مقصودِ المحصر،
ولا وجهَ الإيجاب الضمانِ عليه(٣).
وله الخيارُ: إن شاء صَبَرَ في ذلك المكان، أو في غيره ليُذْبَحَ عنه،
فيتحلَّلَ، وإن شاء توجَّه ليؤدِّيَ النُّسُكَ الذي التزمه بالإحرام، وهو أفضلَ؛
لأنه أقربُ إلى الوفاءِ بما وَعَدَ (٤).
قال: (ومَن وقف بعرفة، ثم أُحصِرَ: لا يكون محصَراً)؛ لوقوع الأمنِ
عن الفوات.
(١) وفي نُسخ: یذبحه. بدون لام.
(٢) من هنا إلى قوله: لإيجاب الضمان عليه: مثبتٌ في نُسخ قديمة من الهداية،
وسَقَطَ من نُسخ عديدة، وكذلك سقط من طبعات الهداية القديمة.
(٣) لوجود الإذن. البناية ٣٨٣/٥، وحاشية سعدي على الهداية.
(٤) وهو أداء ما شرع فيه، ووعد بإتمامه، وهو الحج.

٥٠٠
باب الإحصار
ومَن أُحصِرَ بمكة، وهو ممنوعٌ عن الطوافِ والوقوفِ : فهو محصَرٌ،
وإن قَدَرَ على إدراكِ أحدِهما : فليسَ بمُحصَرٍ .
قال: (ومَن أُحصِرَ بمكة، وهو ممنوعٌ عن الطوافِ والوقوفِ: فهو
محصَرٌ)؛ لأنه تعذَّر عليه الإتمامُ، فصار كما إذا أُحصِرَ في الحِلِّ.
قال: (وإن قَدَرَ على إدراكِ أحدِهما: فليسَ بمُحصَرٍ).
أما على الطواف: فلأنَّ فائتَ الحجِّ: يتحلَّلُ به، والدمُ بَدَلَ عنه في
التحلل، وأما على الوقوف: فلِمَا بيَّ.
وقد قيل: في هذه المسألةِ خِلافٌ بين أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما
الله، والصحيحُ ما أعلمتُك من التفصيل، والله تعالى أعلم.
الهداية شرح بداية المبتدي — pages 481-500 | ScribeTools Library