النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
في جزاء الصيد
وإذا اشترىُ بالقيمة طعاماً: تصدَّقَ على كلِّ مسكينٍ نصفَ صاعٍ من
بُرِّ، أو صاعاً من تمرٍ أو شعيرٍ، ولا يجوزُ أن يُطعِمَ المسكينَ أقلّ من
نصف صاع.
وإن اختار الصيامَ: يُقوَّمُ المقتولُ طعاماً، ثم يصومُ عن كلَّ نصفٍ
صاعٍ من بُرَّ، أو صاعٍ من تمرٍ أو شعيرٍ يوماً.
فإن فَضَلَ من الطعام أقلّ من نصف صاعٍ: فهو مخيَّرٌ : إن شاء تصدَّق
به، وإن شاء صام عنه يوماً كاملاً.
ولو جَرَحَ صيداً، أو نَتَفَ شعرَه، أو قَطَعَ عضواً منه: ضَمِنَ ما نَقَصَه.
قال: (وإذا اشترىُ بالقيمة طعاماً: تصدَّقَ على كلِّ مسكين نصفَ صاعٍ
من بُرِّ، أو صاعاً من تمرِ أو شعيرِ، ولا يجوزُ أن يُطعِمَ المسكينَ أقلّ من
نصف صاع)؛ لأن الطعامَ المذكورَ يَنصرفُ إلى ما هو المعهودُ في الشرع.
(وإن اختار الصيامَ: يُقوَّمُ المقتولُ طعاماً، ثم يصومُ عن كلِّ نصفٍ
صاعٍ من بُرٍّ، أو صاعٍ من تمرِ أو شعيرِ يوماً)؛ لأن تقديرَ الصيامِ بالمقتول
غيرُ ممكنٍ، إذ لا قيمةَ للصيام، فقدَّرناه بالطعام، والتقديرُ على هذا الوجه
معهودٌ في الشرع، كما في باب الفدية.
(فإن فَضَلَ من الطعام أقلّ من نصفِ صاعٍ: فهو مخيّرٌ: إن شاء تصدَّق
به، وإن شاء صامَ عنه يوماً كاملاً)؛ لأن الصومَ أقلّ من يومٍ غيرُ مشروعٍ.
وكذلك إن كان الواجبُ دونَ طعامٍ مسكينٍ: يُطعِمُ قَدْرَ الواجب، أو
يصومُ يوماً كاملاً؛ لِمَا قلنا.
قال: (ولو جَرَحَ صيداً، أو نَتَفَ شعرَه، أو قَطَعَ عضواً منه: ضَمِنَ ما
نَقَصَه)؛ اعتباراً للبعض بالكل، كما في حقوق العباد.

٤٦٢
في جزاء الصيد
ولو نَتَفَ ريشَ طائرٍ، أو قَطَعَ قوائمَ صيدٍ، فخَرَجَ من حَيِّز الامتناع :
فعليه قيمتُه كاملةً.
ومَن كَسَرَ بیضَ نعامةٍ : فعليه قیمتُه.
فإن خَرَجَ من البيضِ فَرْغٌ ميتٌ: فعليه قيمتُه حياً.
قال: (ولو نَتَفَ ريشَ طائرٍ، أو قَطَعَ قوائمَ صيدٍ، فخَرَجَ من حَيِّز
الامتناع: فعليه قيمتُه كاملةً)؛ لأنه فوَّتَ عليه الأمنَ بتفويت آلةِ الامتناع،
فَيَغرَمُ جزاءَه.
قال: (ومَن كَسَرَ بيضَ نعامةٍ: فعليه قيمتُه).
وهذا مرويٌّ عن عليٍّ وابن عباس رضي الله عنهم(١).
ولأنه أصلُ الصيد، وله عَرَضِيَّةُ أن يصيرَ صيداً، فتُزِّل مَنْزلةَ الصيد؛
احتياطاً ما لم يفسد.
(فإن خَرَجَ من البيضِ فَرْغٌ ميتٌ: فعليه قيمتُه حياً).
وهذا استحسان، والقياسُ أن لا يَغرَمَ سوى البيضة؛ لأن حياةَ الفرخ
غيرُ معلومة.
وجهُ الاستحسان: أن البَيْضَ مُعَدٌّ لَيَخرِجَ منه الفَرْغُ الحيُّ، والكسرُ
قبلَ أوانه: سببٌ لموته، فيُحالُ به عليه؛ احتياطاً.
وعلى هذا: إذا ضَرَبَ بَطْنَ ظَبْيةٍ، فألقتْ جنيناً ميتاً، وماتت: فعليه
قیمتُهما.
(١) قال في الدراية ٤٣/٢: لم أجده عن علي رضي الله عنه، وأورد عدة آثار.

٤٦٣
في جزاء الصيد
وليس في قَتْل الغُراب، والحِدَاةِ، والذئب، والحيَّةِ، والعقربِ، والفأرةِ،
والكلبِ العقورِ : جزاء.
قال: (وليس في قَتْل الغُراب، والحِدَأَةِ، والذِّئْبِ، والحَيَّةِ، والعقربِ،
والفأرةِ، والكلبِ العقورِ: جزاءً).
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((خمسٌ من الفواسق يُقْتَلْنَ في الحِلِّ
والحَرَمِ: الحِدَأَةُ، والحَيَّةُ، والعَقْرِبُ، والفأرةُ، والكلبُ العقور))(١).
وقال عليه الصلاة والسلام: ((يَقْتُلُ المُحْرِمُ الفأرةَ، والغرابَ، والحِدَّةَ،
والعقربَ، والحيةَ، والكلبَ العقور))(٢).
وقد ذُكِرَ الذئبُ في بعضِ الروايات (٣).
وقيل: المرادُ بالكلب العقور: الذئبُ، أو يقالُ: إن الذئبَ في معناه.
والمرادُ بالغراب: الذي يأكُلُ الحِيَفَ، ويَخْلِطُ(٤)، لأنه يَبتدئ بالأذى.
أما العَقْعَقُ: فغيرُ مستثنىَ؛ لأنه لا يُسمَّى غراباً، ولا يَبتدئُ بالأذىُ.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: أن الكلبَ العَقورَ وغيرَ العقور، والمستأنِسَ
والمتوحِّشَ منهما: سواءً؛ لأن المعتبرَ في ذلك: الحِنْسُ.
(١) تقدم، وهو في صحيح البخاري (١٨٢٨)، وصحيح مسلم (١١٩٨).
(٢) سنن النسائي (٢٨٢٩)، سنن ابن ماجه (٣٩٨٧)، مسند أحمد (٢٦٥٧٨).
(٣) شرح معاني الآثار ١٦٣/٢، مصنف عبد الرزاق (٨٣٨٤)، وينظر التعريف
والإخبار ١٦١/٢، سنن الدارقطني ٢٣٢/٢ (٢٤٢٦)، وفيه: الحجاج بن أرطاة.
(٤) أي يخلط الحَبَّ بالنجس.

٤٦٤
في جزاء الصيد
وليس في قَتْل البَعوضِ والثَّمْلِ والبراغيثِ والقُرَادِ شيءٌ.
ومَن قَتَلَ قَمْلةً : تصدَّق بما شاء.
وفي ((الجامع الصغير)): أَطْعَمَ شيئاً.
وكذا الفأرةُ الأهليةُ والوحشيةُ: سواءٌ.
والضبُّ واليَربوعُ ليسا من الخَمْسة المستثناةِ؛ لأنهما لا يبتدئان بالأذى.
قال: (وليس في قَتْل البَعوضِ والثَّمْلِ والبراغيثِ والقُرَادِ شيءٌ)؛ لأنها
ليست بصيودٍ، وليست بمتولَّةٍ من البَدَن(١).
ثم هي مؤذِيَةٌ بطِباعها.
ءُ
والمرادُ بالنمل: السوداءُ والصفراءُ التي تُؤذِي، وما لا يُؤذي: لا يَحِلّ
قتلُها، ولكن لا يجبُ الجزاءُ؛ للعِلَّةِ الأُولى(٢).
قال: (ومَن قَتَلَ قَمْلةً: تصدَّق بما شاء)، مثلَ كَفٍّ من طعامٍ؛ لأنها
متولِّدَةٌ من التَّفَثِ الذي على البدن.
(وفي ((الجامع الصغير(٣)): أَطْعَمَ شيئاً).
وهذا يدلُّ على أنه يُجزئه أن يُطْعِمَ مسكيناً شيئاً يسيراً على سبيل
الإباحة وإن لم يكن مُشْبعاً.
(١) يعني حتى تكون من قضاء التفث، واحتُرز به عن القملة. البناية ٣٠٤/٥.
(٢) وهي أنها ليست متولِّدة من البدن.
(٣) ص٩٣، وفيه: وإن قتل قملةً: أطعم شيئاً.

٤٦٥
في جزاء الصيد
ومَن قَتَلَ جرادَةً: تصدَّق بما شاء، وتَمْرَةٌ : خيرٌ من جَرَادةٍ .
ولا شيءَ عليه في ذَبْحِ السُّلَحْفاةِ.
ومَن حَلَبَ صيدَ الحرم : فعليه قيمتُه.
قال: (ومَن قَتَلَ جرادَةً: تصدَّق بما شاء)؛ لأن الجرادَ من صيد البرِّ،
فإن الصيدَ: ما لا يُمكن أخذُه إلا بحِيْلةٍ، ويقصِدُه الآخِذُ.
(وَتَمْرةُ: خيرٌ من جَرَادةٍ)؛ لقول عمرَ رضي الله عنه: تَمْرةٌ خيرٌ من جرادة(١).
قال: (ولا شيءَ عليه في ذَبْح(٢) السُّلَحْفَاةِ)؛ لأنها من الهَوَامِّ
والحشرات، فأشبهتِ الخَنَافسَ والوَزَغات، ويُمكنُ أَخْذُها من غيرِ حِيْلةٍ،
وكذا لا تُقْصَدُ بالأخذ، فلم تكن صيداً.
قال: (ومَن حَلَبَ صيدَ الحرم: فعليه قيمتُه)؛ لأن اللبنَ من أجزاء
الصيد، فأشبَهَ كلَّه(٣).
(١) في موطأ مالك ٤١٦/١: أن رجلاً جاء إلى عمر رضي الله عنه، فسأله عن
جرادات قَتَلَها وهو مُحرِم؟ فقال عمر لكعب ـ الأحبار -: تعالَ حتى نحكم، فقال
كعب: درهم، فقال عمر لكعب: إنك لتجد الدراهم !! لتمرةٌ خيرٌ من جرادة.
ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥٨٦٨)، وعبد الرزاق (٨٢٤٦)، ورُويت
هذه المقولة أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما، كما في المصنف لابن أبي شيبة
(١٥٨٧٣)، ينظر نصب الراية ١٣٧/٣.
وذكر الزرقاني في شرح الموطأ ٢٧٠/٢ أن مقولة عمر رضي الله عنه هذه، هي
من أمثال العرب المشهورة، وينظر كشف الخفاء ٣٧٩/١.
(٢) وفي نُسخ: قَتْل.
(٣) أي فأشبه لبنُه كلَّه؛ لأنه يتولد من عينه، اعتباراً للكل بالبعض.

٤٦٦
في جزاء الصيد
ومَن قَتَلَ ما لا يؤكَلُ لحمُه من الصيد، كالسِّبَاع ونحوِها : فعليه
الجزاء، ولا يُجاوَزُ بقيمته شاةٌ.
و
قال: (ومَن قَتَلَ ما لا يؤكَلُ لحمُه من الصيد، كالسِّبَاع ونحوِها: فعليه
٩
الجزاء)، إلا ما استثناه الشرعُ، وهو ما عَدَدْناه.
وقال الشافعي(١) رحمه الله: لا يجبُ الجزاءُ؛ لأنها جُبِلتْ على
الإيذاء، فدَخَلَتْ في الفواسِقِ المستثناة.
وكذا اسمُ الكلبُ: يتناولُ السباعَ بأَسْرها، لغةً.
ولنا: أن السَّبْعَ صيدٌ؛ لتوحُشِهِ، وكونه مقصوداً بالأخذ، إما لحِلْده،
أو ليُصطادَ به، أو لدفع أذاه.
والقياسُ على الفواسق: ممتنعٌ؛ لِمَا فيه من إيطال العَدَد(٢).
واسمُ الكلب: لا يقعُ على السَّبْعِ عُرْفاً، والعُرْفُ أملَكُ.
قال: (ولا يُجاوَزُ بقيمته(٣) شاةٌ (٤)).
وقال زفر رحمه الله: تجبُ قيمتُه بالغةً ما بلغت؛ اعتباراً بمأكول اللحم.
ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((الضَّبْعُ: صيدٌ، وفيه الشاةُ)(٥).
(١) نهاية المطلب ٣٤١/٤.
(٢) أي الذي نصَّ عليه الشارع، وهو خمسٌ. البناية ٣١٠/٥.
(٣) أي قيمة ما لا يُؤكل لحمه من الصيد.
(٤) قال في البناية ٣١٠/٥: ويجوز النصب في: شاة: على أنه مفعول ثان.
(٥) تقدم، وهو في سنن أبي داود (٣٨٠١)، سنن الترمذي (٨٥١)، وصححه ابن
حبان (٣٩٦٤)، وينظر الدراية ٤٣/٢.

٤٦٧
في جزاء الصيد
وإِذا صال السَُّعُ على المُحرِمِ، فقَتَلَه: لا شيءَ عليه.
وإن اضطُرَّ المُحرِمُ إلى قَتْلِ صيدٍ، فقَتَلَه: فعليه الجزاءُ.
ولأن اعتبارَ قيمتِهِ: لمكان الانتفاعِ بجلده، لا لأنه محاربٌ مُؤْذٍ.
ومن هذا الوجه: لا يُزادُ على قيمةِ الشاةِ ظاهراً.
قال: (وإذا صال السَّبْعُ على المُحرِمِ، فقَتَلَه: لا شيءَ عليه).
وقال زفر رحمه الله: تجبُ قيمتُهُ(١)؛ اعتباراً بالجَمَل الصائل.
ولنا: ما رُوي عن عمر رضي الله عنه أنه قَتَلَ سَبُعاً، وأهدى كَبْشاً،
وقال: إنا ابتدأناه(٢).
ولأنَّ المُحرِمَ ممنوعٌ عن التعرُّض للصيد، لا عن دَفْعِ الأذى، ولهذا
كان مأذوناً في دَفْع المتوهَّمِ من الأذى، كما في الفواسق الخمس، فلأَنْ
يكونَ مأذوناً في دَفْع المتحقَّقِ منه أولى.
ومع وجودِ الإذنِ من الشارع: لا يجبُ الجزاءُ؛ حقّاً له(٣).
بخلاف الجَمَلِ الصائل؛ لأنه لا إذنَ له من صاحبِ الحَقِّ، وهو العبدُ(٤).
قال: (وإن اضطُرَّ المُحرِمُ إلى قَتْلِ صيدٍ (٥)، فقَتَلَه: فعليه الجزاء)؛ لأن
(١) وفي نُسخ: يجب عليه الجزاء. أي قيمته. البناية ٣١١/٥.
(٢) قال في الدراية ٤٤/٢: لم أجده.
(٣) أي للشارع.
(٤) أي صاحب الجمل ومالكه.
(٥) وفي نُسخ: أَكْلٍ صيدٍ، وكذلك في نُسخ بداية المبتدي ص١٩٤، ثم وجدتُ
العينيَّ في البناية ٣١٢/٥ أثبتَ لفظ: قتل، وقال شارحاً: أي إن اضطرَّ إلى أكل لحم
=

٤٦٨
في جزاء الصيد
ولا بأس للمُحرِمِ أن يَذْبِحَ الشاةَ والبقرةَ والبعيرَ والدجاجةَ والبَطَّ
الأهليَّ.
ولو ذَبَحَ حَمَاماً مُسَرْولاً: فعليه الجزاءُ، وكذا إذا قَتَلَ ظَبْياً مستأنساً.
الإذنَ مقيَّدٌ بالكفارة بالنصِّ؛ على ما تلوناه من قبل.
قال: (ولا بأس للمُحرِمِ أن يَذْبِحَ الشاةَ والبقرةَ والبعيرَ والدجاجةَ
والبَطَّ الأهليَّ)؛ لأن هذه الأشياءَ ليست بصيودٍ؛ لعدم التوحُّش.
والمراد بالبَطُّ: الذي يكونُ في المساكِنِ والحِيَاض؛ لأنه أَلُوفٌ بأصل
الخِلقةِ.
قال: (ولو ذَبَحَ حَمَاماً مُسَرْولاً: فعليه الجزاء).
خلافاً لمالك(١) رحمه الله.
له: أنه أَلُوفٌ مستأنِسٌ، ولا يَمتنعُ بجناحَيْه؛ لِبُطْءِ نهوضِهِ.
ونحنُ نقولُ: الحَمَامُ متوحِّشٌ بأصل الخِلقة، ممتنعٌ بطيرانه وإن كان
بطيءَ النهوض، والاستئناسُ: عارِضٌ، فلم يُعتَبَر.
قال: (وكذا إذا قَتَلَ ظَبْياً مستأنساً)؛ لأنه صيدٌ في الأصل، فلا يُبطِلُه
الاستئناسُ، كالبعير إذا ندَّ: لا يأخذُ حكمَ الصيدِ في الحُرمة علىُ المَحْرِمِ.
الصيد، وبه صُرِّح في بعض نُسخ القدوري. اهـ، قلت: غالب نُسخ القدوري التي
عندي: أكل صيد، وينظر القدوري مع اللباب للميداني ٤٨٧/٢.
(١) التلقين ص٦٣.

٤٦٩
في جزاء الصيد
وإذا ذَبَحَ المُحرِمُ صيداً: فذبيحتُه ميتةٌ، لا يَحِلُّ أكلُها.
فإن أَكَلَ المُحْرِمُ الذابحُ من ذلك شيئاً: فعليه قيمةُ ما أَكَلَ عند أبي
حنيفة رحمه الله، وقالا : ليس عليه جزاءُ ما أَكَلَ.
وإن أَكَلَ منه مُحْرِمٌ آخَرُ: فلا شيءَ عليه، في قولِهم جميعاً.
قال: (وإذا ذَبَحَ المُحرِمُ صيداً: فذبيحتُه ميتةٌ، لا يَحِلُّ أكلُها).
وقال الشافعي(١) رحمه الله: يَحِلُّ ما ذَبَحَه المُحْرِم لغيره؛ لأنه عاملٌ
له، فانتقل فِعْلُه إلیه.
ولنا: أن الذَّكَاةَ فِعْلٌ مشروعٌ، وهذا فِعْلُ حرامٌ، فلا يكون ذكاةً،
كذبيحة المجوسي، وهذا لأنَّ المشروعَ هو الذي قامَ مَقامَ المُمَيِّزِ بين الدم
واللحم؛ تيسيراً، فینعدِمُ بانعدامه.
قال: (فإن أَكَلَ المُحْرِمُ الذابحُ من ذلك شيئاً: فعليه قيمةُ ما أَكَلَ عند
أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: ليس عليه جزاءُ ما أَكَلَ.
وإن أَكَلَ منه مُحْرِمٌ آخَرُ: فلا شيءَ عليه، في قولِهِم جميعاً).
لهما: أن هذه ميتةٌ، فلا يلزمُه بأَكْلِها إلا الاستغفارُ، وصار كما إذا
أُكَلَه مُحْرِمٌ غیرُه.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن حُرمتَه باعتبار كونه ميتةً، كما ذكرنا(٢)،
(١) هذا هو القول القديم، أما قوله الجديد: فلا يحل، كقول الحنفية. فتح
العزيز ٤٩٤/٧، المجموع ٣٠٤/٧.
(٢) من أن المذبوح ميتة. البناية ٣١٥/٥، وفي نُسخ: كما ذَكَرا.

٤٧٠
في جزاء الصيد
ولا بأس بأن يأكلَ المُحْرِمُ لحمَ صيدٍ اصطادَه حلالٌ، وذَبَحَه، إذا لم
يَدُلِّ المُحْرِمُ عليه، ولا أَمَرَه بصيدِهِ.
وباعتبار أنه محظورُ إحرامِه؛ لأن إحرامَه هو الذي أخرج الصيدَ عن
المَحَلِّية، والذابحَ عن الأهلية في حَقِّ الذكاة، فصارت حُرْمةُ التناول بهذه
الوسائط مضافةً إلى إحرامِهِ، بخلاف مُحْرِمٍ آخَرَ؛ لأن تناوُلَه ليس من
محظورات إحرامه.
قال: (ولا بأس بأن يأكلَ المُحْرِمُ لحمَ صيدٍ اصطادَه حلالٌ، وذَبَحَه،
إذا لم يَدُلَّ المُحْرِمُ عليه، ولا أَمَرَه بصيدِهِ).
خلافاً لمالك(١) رحمه الله فيما إذا اصطادَه لأجل المُحْرِم.
له: قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا بأس بأكل المَحْرِم لحمَ صيدٍ ما لم
يَصِدْه، أو يُصَدُ له))(٢).
ولنا: ما رُوي أن الصحابةَ رضي الله عنهم تذاكروا لحمَ الصيد في حقِّ
المُحرِم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا بأس به))(٣).
واللامُ فيما روى(٤): لامُ تمليكٍ، فيُحمَلُ على أن يُهدَىُ إليه الصيدُ،
دونَ اللحم، أو معناه: أن يُصادَ بأمره.
(١) التلقين ص٦٣.
(٢) سنن أبي داود (١٨٥١)، سنن الترمذي (٨٤٦)، وصححه ابن حبان
(٣٩٧١)، وينظر الدراية ٢/ ٤٤.
(٣) الآثار لمحمد بن الحسن ١ / ٣٥٠، الآثار لأبي يوسف (٥٠٧).
(٤) أي الإمامُ مالك في قوله صلى الله عليه وسلم: أو يُصَدْ له.

٤٧١
في جزاء الصيد
وفي صيدِ الحرمِ إذا ذَبَحَه الحلالُ: فعليه قيمتُه، يَتَصَدَّقُ بها على
الفقراء، ولا يجزئه الصومُ.
ثم شَرَطَ(١) عدمَ الدلالةِ، وهذا تنصيصٌ على أن الدلالةَ مُحَرِّمةٌ.
قالوا(٢): فيه(٣) روايتان.
ووجْهُ الحُرمة: حديثُ أبي قتادة رضي الله عنه، وقد ذكرناه.
قال: (وفي صيدِ الحرمِ إذا ذَبَحَه الحلالُ: فعليه قيمتُه، يَتَصَدَّقُ بها
على الفقراء)؛ لأن الصيدَ استَحَقَّ الأمنَ بسبب الحرم، قال عليه الصلاة
والسلام في حديث فيه طُوْلٌ: ((ولا يُنفَّرُ صيدُها))(٤).
قال: (ولا يجزئه الصومُ)؛ لأنها غرامةً(٥)، وليست بكفارةٍ، فأشبه
ضمانَ الأموال.
وهذا لأنه يجبُ بتفويت وَصْفٍ في المَحَلِّ، وهو الأمنُ، والواجبُ
على المُحرِمِ بطريق الكفارةِ جزاءٌ علىُ فِعْلِهِ؛ لأن الحُرْمةَ باعتبار معنىً
فيه، وهو إحرامُه، والصومُ يَصلُحُ جزاءَ الأفعال، لا ضمانَ المَحَالِّ.
وقال زفر رحمه الله: يُجزئه الصومُ؛ اعتباراً بما وَجَبَ علىُ المُحْرِمِ،
والفَرْقُ قد ذكرناه، وهل يُجزئه الهَدْئُ؟ ففيه روايتان.
(١) أي الإمام القدوري. البناية ٣١٨/٥.
(٢) أي المتأخرون من أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
(٣) أي في حرمة لحم صيد اصطاده حلالٌ بدلالة المحرم.
(٤) صحيح البخاري (١٣٤٩)، صحيح مسلم (١٣٥٥).
(٥) أي لأن قيمة الصيد غرامةٌ، وفي نُسخ: تجب غرامةً، لا كفارةً.

٤٧٢
في جزاء الصيد
ومَن دَخَلَ الحرمَ بصيدٍ : فعليه أن يُرسِلَه فيه إذا كان في يدِه.
و
فإن باعه : رُدَّ البيعُ فيه إن كان قائماً، وإن كان فائتاً: فعليه الجزاء.
وكذلك بيعُ المُحْرِمِ الصيدَ من مُحْرِمٍ أو حلالٍ .
ومَن أحرم وفي بيتِه أو في قَفَصٍ معه صيدٌ: فليس عليه أن يُرسِلَه.
قال: (ومَن دَخَلَ الحرمَ بصيدٍ: فعليه أن يُرسِلَه فيه إذا كان في يدِه).
خلافاً للشافعي(١) رحمه الله، فإنه يقولُ: حقُّ الشرع لا يَظهرُ في
مملوكِ العبد؛ لحاجةِ العبد(٢).
ولنا: أنه لَمَّا حَصَلَ في الحرمِ: وَجَبَ عليه تَرْكُ التعرُّض لحُرمةِ
الحَرَم، إذْ صار هو من صيدِ الحرم، فاستَحَقَّ الأمنَ، لِمَا رويناه.
قال: (فإن باعه (٣): رُدَّ البيعُ(٤) فيه إن كان قائماً)؛ لأن البيعَ لم يَجُزُ؛
لِمَا فيه من التعرُّضِ للصيد، وذلك حرامٌ.
(وإن كان فائتاً: فعليه الجزاءُ)؛ لأنه تعرَّضَ للصيد بتفويت الأمنِ
الذي استحقَّه.
قال: (وكذلك بيعُ المُحْرِمِ الصيدَ من مُحْرِمٍ، أو حلالٍ)؛ لِمَا قلنا.
قال: (ومَن أحرم وفي بيتِه أو في قَفَصِ معه صيدٌ: فليس عليه أن
يُرسِلَه).
(١) نهاية المطلب ١٦/٤.
(٢) لأن الله تعالى غنيٌّ، والعبدَ محتاجٌ.
(٣) أي فإن باع الحلالُ الصيدَ الذي أدخله من الحِلِّ إلى الحرم: ردَّ البيع فيه.
(٤) وضُبط في نُسخ أخرى: رَدَّ البيعَ. قلت: ولكل وجهةٌ.

٤٧٣
في جزاء الصيد
فإن أصاب حلالٌ صيداً، ثم أحرم، فأرسَلَه من يدِه غيرُه :
وقال الشافعي(١) رحمه الله: يجبُ عليه أن يُرْسِلَه؛ لأنه متعرِّضٌ
للصيد بإمساكه في مِلْكِهِ، فصار كما إذا كان في يدِهِ.
ولنا: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يُحْرِمون وفي بيوتِهم صُيُودٌ
ودَواجنٌ(٢)، ولم يُنقَلْ عنهم إرسالُها.
وبذلك جَرَتْ العادةُ الفاشيةُ، وهي من إحدىُ الحُجَجِ(٣).
ولأن الواجب(٤) تَرْكُ التعرُّض، وهو (٥) ليس بمتعرَّضٍ(٦) من جهته؛
لأنه محفوظٌ بالبيت والقَفَصِ، لا به(٧)، غيرَ أنه في مِلْكِه.
ولو أرسله في مَفازَةٍ: فهو علىُ مِلْكِهِ، فلا مُعتبرَ ببقاء الملك.
وقيل: إذا كان القَفَصُ في يدِهِ: لزِمَه إرسالُه، لكن على وجْهٍ لا يَضيعُ.
قال: (فإن أصاب حلال صيداً، ثم أحرم، فأرسَلَه من يدِه غيرُه:
(١) أسنى المطالب ٥١٥/١.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣٥٣/٣، الدراية ٤٥/٢.
(٣) أي أن العادة الفاشية المنتشرة: هي من إحدى الحُجَج التي يُحكَمُ بها،
وجَعَلَها الكاكيُّ مثلَ الإجماع القولي. البناية ٥ /٣٢٢.
(٤) أي علىُ المُحْرِمِ.
(٥) أي المحرِم الذي في بيته أو قفصه صيدٌ.
(٦) أي للصيد.
(٧) أي لا بالحرم.

٤٧٤
في جزاء الصيد
يضمنُ عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: لا يضمَنُ.
وإن أصاب مُحرِمٌ صيداً، فأرسَلَه من يدِهِ غيرُه: لا ضمانَ عليه،
بالاتفاق .
يضمنُ عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: لا يضمَنُ)؛ لأن المرسِلَ آمِرٌ
بالمعروف، ناهٍ عن المُنْكَرِ، وما علىُ المُحسنين من سبيلٍ(١).
وله: أنه مَلَكَ الصيدَ بالأخذ مِلْكاً مُحترَمَاً، فلا يبطلُ احترامُه بإحرامه،
وقد أتلفه المرسِلُ، فيضمنُه.
بخلاف ما إذا أَخَذَه في حالةِ الإحرام؛ لأنه لم يَملِكْه، والواجبُ عليه
ها هنا تَرْكُ التعرُّض، ويُمكِنُه ذلك بأن يُخلِيَه في بيتِهِ، فإذا قَطَعَ يدَه عنه:
كان متعدِّياً(٢).
ونظيرُهُ: الاختلافُ في كَسْرِ المَعازِف(٣).
قال: (وإن أصاب مُحرٌ صيداً، فأرسَلَه من يدِه غيرُه: لا ضمانَ عليه،
بالاتفاق)؛ لأنه لم يَملِكْه بالأخذ، فإن الصيدَ لم يَبْقَ مَحَلاً للتملُّكِ فِي حَقِّ
و
المُحرِم؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أُلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. المائدة/ ٩٦،
فصار كما إذا اشترى الخمرَ.
(١) أي سبيل الضمان. حاشية سعدي.
(٢) وفي نُسخة ٧٦٩هـ: وصار ضامناً.
(٣) فإنه لا ضمانَ فيها عندهما؛ لأنه آمِرٌ بالمعروف، ناهٍ عن المنكر، وعند أبي
حنيفة رحمه الله: يجب الضمان بغير لهو؛ لأنه مملوكٌ لصاحبه، كما إذا قَتَلَ الجاريةَ
المُغنَِّةَ خطأً. البناية ٥ /٣٢٤.

٤٧٥
في جزاء الصيد
فإن قَتَلَه مُحرِمٌ آخَرُ في يدِهِ : فعلى كلَّ واحدٍ منهما جزاؤه، ويرجعَ
الآخِذُ على القاتل.
فإن قَطَعَ حَشِيْشَ الحرم، أو شجرَه الذي ليس بمملوكٍ، وهو مما لا يُنِبتُه
الناسُ: فعلیه قیمتُه، إلا فيما جفَّ منه.
قال: (فإن قَتَلَه مُحرٌِ آخَرُ في يدِهِ: فعلى كلِّ واحدٍ منهما جزاؤه)؛ لأن
الآخِذَ متعرِّضٌ للصيد بتفويت(١) الأمن، والقاتلَ مقرِّرٌ لذلك، والتقريرُ:
كالابتداء في حَقِّ التضمين، كشهود الطلاقِ قبلَ الدخولِ إذا رجعوا.
(ويرجعُ الآخِذُ على القاتل).
وقال زفرُ رحمه الله: لا يرجعُ؛ لأن الآخِذَ مؤاخَذٌ بصُنْعه، فلا يرجعُ
على غيرِه.
ولنا: أن الأخذَ إنما يصيرُ سبباً للضمان عند اتصال الهلاك به (٢)، فهو
بالقتل جَعَلَ فِعْلَ الآخِذْ عِلَّةً، فيكونُ في معنى مباشرةَ عِلَّةِ العِلَّة، فيُحالُ
بالضمان علیه.
[الجنايةُ على حَشِيش الحرم :]
قال: (فإن قَطَعَ حَشِيْشَ الحرم، أو شجرَه الذي ليس بمملوكٍ، وهو مما
لا يُنْبِتُه الناسُ: فعليه قيمتُه، إلا فيما جَفَّ منه)؛ لأن حُرْمتَهما (٣) ثبتت بسبب
(١) وفي نُسخ: بإزالة.
(٢) أي بالأخذ.
(٣) أي حشيش الحرم وشجره.

٤٧٦
في جزاء الصيد
الحَرَم، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يُختَلَى خَلاها، ولا يُعضَدُ شوكُها))(١).
ولا يكونُ للصوم في هذه القيمة مَدخَلٌ؛ لأن حرمةَ تناولها بسبب
الحرم، لا بسبب الإحرام، فكان من ضمانِ المَحَالِّ (٢)، على ما بيًّا.
ويَتصدَّقُ بقيمته على الفقراء، وإذا أدَّاها: مَلَكَه، كما في حقوق العباد.
ويكره بيعُهُ بعد القطع؛ لأنه مَلَكَه بسببِ محظورٍ شرعاً.
فلو أُطلق له في بيعِهِ: لَتَطَرَّقَ الناسُ إلى مثله، إلا أنه يجوزُ البيعُ مع
الكراهة، بخلاف الصيد، والفرقُ ما نذكرُه إن شاء الله تعالى.
والذي يُنبِتُه الناسُ عادةً: عَرَفْناه غيرَ مُستَحِقٍّ للأمن، بالإجماع.
ولأن المُحَرَّمَ: المنسوبُ إلىُ الحَرَمِ(٣)، والنسبةُ إليه على الكمال عند
عدم النسبةِ إلى غيرِه بالإنبات.
وما لا يُنْبَتُ عادةً إذا أنبتَه إنسانٌ: التَحَقَ بما يُنْبَتُ عادةً.
ولو نَبَتَ بنفسه في مِلْكِ رجلٍ: فعلى قاطِعِه قيمتان: قيمةٌ لحُرمة الحرم؛
حقاً للشرع، وقيمةٌ أخرى؛ ضماناً لمالكِهِ، كالصيدِ المملوك في الحرم.
وما جفَّ من شجر الحرم: لا ضمانَ فيه؛ لأنه ليس بنامٍ.
(١) تقدم، وهو في صحيح البخاري (١٣٤٩)، وصحيح مسلم (١٣٥٥).
(٢) لا ضمان الفعل.
(٣) أي إن الذي يَحْرُمُ قَطْعه: هو الشجرُ الذي يُنسب إلى الحرم.

٤٧٧
في جزاء الصيد
ولا يُرْعَىُ حشيشُ الحرم، ولا يُقطعُ إلا الإذْخِرُ.
وقال أبو يوسف رحمه الله : لا بأس بالرّعي فيه .
وكلُّ شيءٍ فَعَلَه القارنُ مما ذكرنا أن فيه على المفرد دماً: فعليه
دمان : دمٌّ لحَجَّته، ودمٌ لعُمرته.
قال: (ولا يُرْعَى حشيشُ الحرم، ولا يُقطعُ إلا الإذْخِرُ.
وقال أبو يوسف رحمه الله: لا بأس بالرَّعي فيه)؛ لأن فيه ضرورةً،
فإن مَنْعَ الدوابِّ عنه مُتَعَذِّرٌ.
ولنا: ما روينا.
والقطعُ بالمَشَافِرِ: كالقطع بالمَنَاجِل.
وحَمْلُ الحشيشِ من الحِلَّ: ممكنٌ، فلا ضرورةَ.
بخلاف الإذْخِر: لأنه استثناه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (١)،
فيجوزُ قَطْعُه، ورَعُه.
وبخلاف الكَمْأة: لأنها ليست من جملة النبات(٢).
قال: (وكلُّ شيءٍ فَعَلَه القارنُ مما ذكرنا أن فيه على المفرِد دماً: فعليه
دمان: دمٌّ لحَجَّته، ودمٌ لعُمرته).
(١) تقدم، وهو في صحيح البخاري (١٣٤٩)، وصحيح مسلم (١٣٥٥).
(٢) وإنما هو شيء مودَعٌ في الأرض ينبت من ماء السماء، لا من الأرض،
والنباتُ تنبت من الأرض. البناية ٣٢٩/٥.

٤٧٨
في جزاء الصيد
إلا أن يتجاوَزَ الميقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ بالعمرة أو الحج : فيلزَمُه دمٌ واحدٌ.
وإذا اشترك مُحرِمَان في قَتْلِ صيدٍ : فعلى كلِّ واحدٍ منهما جزاءٌ كاملٌ.
وإذا اشترك حلالان في قَتْلٍ صيدِ الحرم : فعليهما جزاءٌ واحدٌ.
وقال الشافعي(١) رحمه الله: دمٌ واحدٌ؛ بناءً على أنه مُحْرِمٌ بإحرامِ
واحدٍ عنده، وعندنا: بإحرامَيْن، وقد مَرَّ من قبلُ.
قال: (إلا أن يتجاوَزَ الميقاتَ غيرَ مُحْرِمِ بالعمرة أو الحج: فيلزَمُه دمٌ
واحدٌ).
خلافاً لزفر رحمه الله؛ لِمَا أنَّ المُستَحَقَّ عليه عند الميقات: إحرامٌ
واحدٌ، وبتأخيرِ واجبٍ واحدٍ: لا يجبُ إلا جزاءٌ واحدٌ(٢).
قال: (وإذا اشترك مُحرِمَان في قَتْلِ صيدٍ: فعلى كلِّ واحدٍ منهما جزاءً
كاملٌ)؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما بالشركة يصيرُ جانياً جنايةً تَفُوقُ الدلالةَ؛
فيتعدّدُ الجزاءُ بتعدُّدِ الجناية.
قال: (وإذا اشترك حلالان في قَتْلِ صيدِ الحرم: فعليهما جزاءٌ واحدٌ).
لأن الضمانَ بَدَلٌ عن المحَلِّ، لا جزاءٌ على(٣) الجناية، فيتَّحِدُ باتِّحادِ
المَحَلِّ، كرجلَيْن قَتَلا رجلاً خطأ: تجبُ عليهما ديةٌ واحدةٌ، وعلى كلّ
واحدٍ منهما كفارةً.
(١) أسنى المطالب ٤٦٤/١.
(٢) وفي نُسخ: إلا جزاءً واحداً.
(٣) بمعنىُ: عن.

٤٧٩
في جزاء الصيد
وإذا باع المُحرِمُ الصيدَ، أو ابتاعه : فالبیعُ باطلٌ.
ومَن أخرج ظَبْيَةً من الحرم، فولدتْ أولاداً، فماتَتْ هي وأولادُها :
ء
فعليه جزاؤهنَّ، فإن أدَّی جزاءَها، ثم وَلَدَتْ: ليس عليه جزاء الولد.
قال: (وإذا باع المُحرِمُ الصيدَ، أو ابتاعه: فالبيعُ باطلٌ)؛ لأن بيعَه حياً:
تعرُّضٌ للصيد بتفويت الأمن، وبيعَه بعد ما قَتَلَه: بيعُ ميتةٍ.
قال: (ومَن أخرج ظَبْيَةً من الحرم، فولدتْ أولاداً، فماتَتْ هي
وأولادُها: فعليه جزاؤهنَّ)؛ لأن الصيدَ بعد الإخراج من الحرم: بقِيَ
مُسْتَحِقاً للأمن شرعاً، ولهذا وَجَبَ رَدُّ إلى مَأْمَنه، وهذه صفةٌ شرعيةٌ،
فتَسْرِي إلى الولد.
(فإن أدَّى جزاءَها، ثم وَلَدَتْ: ليس عليه جزاء الولد)؛ لأن بعدَ أداء
و
الجزاء: لم تَبْقَ آمِنةً؛ لأن وصولَ الخَلَف(١): كوصول الأصل، والله تعالى
أعلم بالصواب.
(١) أي وصول القيمة إلى الفقراء: كوصول الصيد إلى الحرم.

٤٨٠
باب
باب
مجاوزة المیقات بغیر إحرام
ءِ
وإذا أتى الكوفيّ بستانَ بني عامِرٍ، فأحرم بعمرةٍ : فإن رَجَعَ إلى ذات
عِرْق، ولَّى : بَطَلَ عنه دمُ الوقت، وإن رَجَعَ إلیه، ولم يُلَبِّ حتى دخل
مكةَ، وطاف لعمرته : فعليه دمٌ، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله .
وقالا: إِن رَجَعَ إليه مُحْرِماً: فليس عليه شيء، لَّى أو لم يُلَبِّ.
باب
مجاوزة الميقات بغير إحرام
قال: (وإذا أتى الكوفيّ بستانَ بني عامِرٍ (١)، فأحرم بعمرةٍ: فإن رَجَعَ
إلى ذات عِرْقٍ (٢)، ولبَّى: بَطَلَ عنه دمُ الوقت.
وإِن رَجَعَ إليه، ولم يُلَبِّ حتى دخل مكةَ، وطاف لعمرته: فعليه دمّ،
وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: إِن رَجَعَ إليه مُحْرِماً: فليس عليه شيءٌ، لَبَّى أو لم يُلَبِّ).
(١) موضعٌ قريبٌ من مكة المكرمة باتجاه مدينة الطائف، في الحِلِّ خارجَ الحرم،
يبعد عن مكة نحو ٥٠ كم، فيما بين الطريقين إلى الطائف: طريق السيل وطريق ذات
عِرْق الطريقِ الجبلي.
(٢) وهو ميقات أهل العراق.