النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ في الأعذار المُبيحةِ للفطر في الصوم ولو احتَجَمَ، وظنَّ أن ذلك يُقطَّرُه، ثم أَكَلَ متعمداً: فعليه القضاء، والكفارةَ. قال: (ولو احتَجَمَ، وظنَّ أن ذلك يُفطِّرُه، ثم أَكَلَ متعمداً: فعليه القضاءُ، والكفارةُ)؛ لأن الظنَّ ما استند إلى دليلٍ شرعيٍّ، إلا إذا أفتاه فقيهٌ(١) بالفساد؛ لأن الفتوى دليلٌ شرعيٌّ في حَقِّه. ولو بَلَغَه الحديثُ(٢)، فاعتمده: فكذلك عند محمدٍ رحمه الله؛ لأن قولَ الرسول عليه الصلاة والسلام لا يَنزِلُ عن قول المفتي. وعن أبي يوسف رحمه الله خلافُ ذلك؛ لأن على العاميِّ الاقتداء بالفقهاء؛ لعدم الاهتداءِ في حَقِّه إلى معرفة الأحاديث. وإِن عَرَفَ تأويلَه: تجبُ الكفارةُ؛ لانتفاء الشبهة. وقولُ الأوزاعيّ(٣) رحمه الله: لا يورِثُ الشبهةَ؛ لمخالفته القياسَ. (١) أي حنبلي المذهب، إذ الحجامة تُفطِّر عند الحنابلة. (٢) أي قوله صلى الله عليه وسلم: ((أفطر الحاجم والمحجوم)). رواه أبو داود (٢٣٦٧)، والنسائي في الكبرى (٣١٢٠)، وابن ماجه (١٦٧٩) بأسانيد صحيحة، كما في المجموع للنووي ٣٤٩/٦، بل عُدَّ من المتواتر، ينظر المصنَّف لابن أبي شيبة ٢٠٢/٦، مع تعليقات محققه فضيلة العلامة الشيخ محمد عوامة. (٣) الإمام الشهير عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ت١٥٧ هـ، وكان يقول: إن الحجامة تُفطِّر، أخذاً بظاهر حديث الحجامة. ينظر مختصر اختلاف العلماء للجصاص ١٣/٢، وهو قولُ الإمام أحمد أيضاً، ينظر الروض المربع ص ١٤٠. ٣٠٢ في الأعذار المُبيحةِ للفطر في الصوم ولو أَكَلَ بعد ما اغتابَ متعمِّداً: فعليه القضاء والكفارةُ كيفما كان. وإذا جُومعت النائمةُ أو المجنونةُ، وهي صائمةٌ : عليها القضاءُ، دونَ الكفارة . قال: (ولو أَكَلَ بعد ما اغتابَ متعمِّداً: فعليه القضاء والكفارةُ كيفما كان)؛ لأن الفطرَ يخالفُ القياسَ، والحديثُ(١) مؤوَّلٌ بالإجماع. قال: (وإذا جُومعت النائمةُ أو المجنونةُ(٢)، وهي صائمةً: عليها القضاءُ، دونَ الكفارة). وقال زفر والشافعي(٣) رحمهما الله: لا قضاءَ عليهما؛ اعتباراً بالناسي، والعُذرُ هنا أبلغُ؛ لعدم القصد. ولنا: أن النسیان یغلِبُ وجودُه، وهذا نادرٌ. ولا تجبُ الكفارةُ: لانعدامِ الجناية، والله تعالى أعلم. (١) وهو: ((الغيبةُ تفطّر الصائم)). قال في نصب الراية ٤٨٢/٢: ورد في ذلك أحاديث كلها مدخولةٌ. اهـ قلت: أي ضعيفةٌ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنَّف ١٠٢/٦ (٨٩٨٣) بلفظ: ((ما صام مَن ظلَّ يأكل لحوم الناس)). وفيه: الرقاشي: وهو ضعيفٌ، وينظر البناية ٣٧١/٤. (٢) وفي بداية المبتدي نسخة ٦٣٣ هـ زيادة: أو المُكرَهة. (٣) أسنى المطالب ٤١٧/١، ولم تُفطر أصلاً. ٣٠٣ فصل فصل فيما يوجبُه على نفسِهِ وإذا قال : لله عليَّ صومُ يومِ النحر : أفطر، وقضىُ. فصل فيما يوجِبُه على نفسِهِ قال: (وإذا قال: لله عليَّ صومُ يوم النحر: أفطر، وقضىُ)، فهذا النذرُ صحيحٌ عندنا. خلافاً لزفر والشافعيّ(١) رحمهما الله. هما: يقولان: إنه نَذْرٌ بما هو معصيةٌ؛ لورود النهي عن صومِ هذه الأيام(٢). ولنا: أنه نَذْرٌ بصومٍ مشروعٍ (٣)، والنهيُ لغيره، وهو تَرْكُ إجابةِ دعوةٍ الله تعالى(٤)، فيصح نَذْرُه، لكنه يُفطِرُ؛ احترازاً عن المعصيةِ المجاورة، ثم يقضي؛ إسقاطاً للواجب. (١) الحاوي الكبير ٥٣/٤. (٢) صحيح البخاري (٥٥٧١)، صحيح مسلم (١١٣٨). (٣) أي بعموم الأدلة المرغِّبة بالصيام. (٤) لأن الناسَ أضيافُ الله تعالى في هذه الأيام. العناية ٢٩٨/٢؛ حيث أكرمهم الله، ودعاهم للأكل بنهيهم عن الصيام في يومي العيدين وأيام التشريق. ٣٠٤ فيما يوجِبُهُ على نفسِهِ وإن صام فيه : يَخرُجُ عن العُهدة. وإن نوى يميناً : فعليه كفارة يمينٍ . (وإن صام فيه: يَخرُجُ عن العُهدة)؛ لأنه أدَّاه كما التزمه. قال: (وإن نوى يميناً(١): فعليه كفارةُ يمينٍ (٢))، يعني إذا أفطر. وهذه المسألة على وجوهٍ ستةٍ : ١ - إن لم ينوِ شيئاً. ٢- أو نوى النذرَ، لا غيرَ. ٣- أو نوى النذرَ، ونوى أن لا يكون يميناً: يكون نذراً (٣). لأنه نَذْرٌ بصيغته، کیف وقد قرَّره بعزیمته. ٤- وإن نوى اليمينَ، ونوى أن لا يكون نذراً: يكون يميناً. لأن اليمينَ مُحتمَلُ كلامِه، وقد عَّنه، ونفی غیرَه. ٥- وإن نواهما: يكون نذراً ويميناً عند أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله. (١) يعني نوى يميناً في قوله: لله عليَّ صوم يوم النحر. (٢) غيَّر المؤلف رحمه الله هنا صياغةَ نصِّ بداية المبتدي، حيث أخَّر ذِكْر قول أبي يوسف، وجَعَلَه من ضمن كلام الهداية، لا من بداية المبتدي، ينظر ص ١٦٧ من بداية المبتدي، ومن هنا زاد الناسخُ في نسخة الهداية برقم ٦٤٤ السليمانية نصَّ قول أبي يوسف رحمه الله على أنه من المتن. (٣) يعني في هذه الوجوه الثلاثة. ٣٠٥ فیما یوجِبُه على نفسِهِ ولو قال: لله عليَّ صومُ هذه السَّنَة : أفطر يومَ الفطرِ ويومَ النحر وأيامَ التشريق، وقضاها. وعند أبي يوسف رحمه الله: يكون نذراً. ٦۔ ولو نوی اليمينَ: فكذلك عندهما، وعنده يكون يميناً. لأبي يوسف رحمه الله: أن النذرَ فيه حقيقةٌ، واليمينَ مجازٌ، حتى لا يتوقَّفُ الأولُ على النية، ويتوقَّفُ الثاني، فلا ينتظمُهما. ثم المجازُ يتعيَّن بنيته، وعند نيتهما (١): تترجَّح الحقيقة. ولهما: أنه لا تنافيَ بين الجهتَيْن؛ لأنهما يقتضيان الوجوبَ، إلا أن النذرَ يقتضيه لعَيْنِه، واليمينَ لغيره، فجَمَعْنا بينهما؛ عملاً بالدليلَيْن، كما جَمَعْنا بين جهتي التبرعِ والمعاوضةِ في الهبة بشرط العوض. قال: (ولو قال: لله عليَّ صومُ هذه السَّنَة: أفطر يومَ الفطرِ ويومَ النحر وأيام التشريق، وقضاها). لأن النذرَ بالسَّنَة المعيَّنة: نَذْرُ بهذه الأيام. وكذا (٢) إذا لم يُعيِّن، لكنه شَرَطَ التتابعَ؛ لأن المتابعةَ لا تَعرى عنها، لكن يقضيها في هذا الفصلِ (٣) موصولةً؛ تحقيقاً للتتابع بقَدْر الإمكان. (١) أي النذر واليمين. (٢) أي يفطر الأيام الخمسة، وقضاها. (٣) احترازٌ عن الفصل الذي قبله، وهو ما إذا عيَّن السنة: فإنه لا تجب موصولةً. فتح القدير ٣٠٢/٢. ٣٠٦ فيما يوجِبُه على نفسِهِ وعليه كفارةُ يمينٍ إن أراد يميناً. ومَن أصبح يومَ النحرِ صائماً، ثم أفطر: لا شيءَ عليه. ويتأتَّى في هذا (١) خلافُ زفرَ والشافعيّ(٢) رحمهما الله؛ للنهي عن الصوم فيها، وهو قولُه عليه الصلاة والسلام: ((ألا! لا تصوموا في هذه الأيام (٣)، فإنها أيامُ أَكْلٍ، وشُرْبٍ، وبعَال(٤))(٥). وقد بيَّنَّا الوجهَ فيه(٦)، والعذرَ عنه. ولو لم يَشترطِ التتابعَ: لم يُجْزِهِ صومُ هذه الأيام؛ لأن الأصلَ فيما يلتزمه: الكمالُ، والمؤدّى: ناقصٌ؛ لمكان النھي. بخلاف ما إذا عيَّنها؛ لأنه التزم بوَصْفِ النقصان، فيكونُ الأداءُ بالوصف الملتَزَم. قال: (وعليه كفارةُ يمينِ إن أراد يميناً)، وقد سَبَقَتْ وجوهُه. قال: (ومَن أصبح يومَ النحرِ صائماً، ثم أفطر: لا شيءَ عليه. (١) أي في قضاء صوم هذه الأيام. البناية ٣٧٦/٤، لكن في حاشية نسخة ٧٩٧هـ قال: أي في السنة المعينة وغيرها. اهـ (٢) الوسيط ٣٦٧/٧. (٣) أي يوم النحر وأيام التشريق. (٤) أي وقاع النساء. (٥) المعجم الكبير للطبراني (١١٥٨٧)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥٢٤٠): إسناده حسن، كما في التعريف والإخبار ١٠٠/٢. (٦) أي في قوله: لله عليَّ صوم يوم النحر، وبيّنًا العذر عن وجه النهي. ٣٠٧ فیما يوجبُه على نفسِهِ وعن أبي يوسف ومحمدٍ رحمهما الله في ((النوادر)): أن عليه القضاء. وعن أبي يوسف ومحمدٍ رحمهما الله في ((النوادر(١))): أن عليه القضاءَ)؛ لأن الشروعَ مُلزِمٌ كالنذر، وصار كالشروع في الصلاة في الوقت المكروه. والفَرْقُ لأبي حنيفة رحمه الله، وهو ظاهرُ الرواية: أنّ بنفس الشروعِ في الصوم: يسمىُ صائماً، حتى يحنَثُ به الحالفُ على الصوم، فيصيرُ مرتكِباً للنهي، فيجبُ إبطالُه، فلا تجبُ صيانتُهُ (٢)، ووجوبُ القضاءِ يُبْتَنِى عليه(٣). ولا يصيرُ مرتكباً للنهي بنفس النذر، وهو الموجبُ، ولا بنفس الشروع في الصلاة؛ لأنه لا يسمىُ مصلياً حتى يُتِمَّ ركعةً واحدةً. ولهذا لا يحنثُ به الحالفُ على الصلاة، فتجبُ صيانةُ المؤدَّى، ويكونُ مضموناً بالقضاء. وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا يجبُ القضاءَ في فصل الصلاة أيضاً، والأظهرُ هو الأولُ، والله تعالى أعلم بالصواب. ءِ (١) أوضح هذه النوادرَ الإتقانيّ في غاية البيان عند شرحه لهذه المسألة، فقال: روى ابنُ سماعة عن أبي يوسف ومحمد في النوادر. اهـ (٢) لكونه معصية. (٣) أي على وجوب صيانة المؤدَّى. ٣٠٨ باب الاعتكاف باب الاعتكاف الاعتكافُ: مُستَحَبٌّ، وهو اللَّبْثُ في المسجدِ، مع الصومِ، ونيةِ الاعتكاف . باب الاعتكاف قال: (الاعتكافُ: مُستَحَبٌّ)، والصحيحُ أنه سُنَّةٌ مؤكدةً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام واظَبَ عليه في العشر الأواخر من رمضان(١)، والمواظبةُ دليلُ السُّنَّة. قال: (وهو اللَّبْثُ في المسجدِ، مع الصومِ، ونيةِ الاعتكاف). أما اللَّبْتُ: فرُكْنُه؛ لأنه يُنبِئُ عنه، فكان وجودُه به. والصومُ: من شَرْطِهِ عندنا، خلافاً للشافعي(٢) رحمه الله. والنيةُ: شرطٌ في سائر العبادات. هو (٣) يقولُ: إن الصومَ عبادةٌ، وهو أصلٌّ بنفسه، فلا يكونُ شرطاً لغيره. ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لا اعتكافَ إلا بالصوم)) (٤). (١) صحيح البخاري (٢٠٢٦)، صحيح مسلم (١١٧٢). (٢) كفاية الأخيار ١/ ٤١١. (٣) أي الإمام الشافعي رحمه الله. (٤) سنن أبي داود (٢٤٧٣)، سنن الدار قطني ١٨٧/٣، وفيه كلام، وله شواهد عديدة، ينظر نصب الراية ٤٨٦/٢، التعريف والإخبار ١٣٦/٢. ٣٠٩ باب الاعتكاف ولو شَرَعَ فيه، ثم قَطَعَه: لا يلزمُه القضاءَ، في روايةِ ((الأصل)). والقياسُ في مقابلة النصِّ المنقولِ: غيرُ مقبول. ثم الصومُ شرطٌ لصحة الواجب منه، روايةً واحدةً. ولصحة التطوع فيما روى الحسنُ عن أبي حنيفة رحمه الله؛ لظاهر ما روینا. وعلى هذه الرواية: لا يكون(١) أقلّ من يومٍ؛ لضرورة الصوم. وفي رواية ((الأصل))، وهو قولُ محمدٍ رحمه الله: أقلَّه ساعةٌ، فيكونُ من غير صوم؛ لأن مبنى النفلِ على المساهلة، ألا ترى أنه يَقعدُ في صلاة النفل مع القدرة على القيام. قال: (ولو شَرَعَ فيه، ثم قَطَعَه: لا يلزمُهُ القضاءُ، في روايةِ (الأصل(٣)))؛ لأنه غيرُ مقدَّرِ، فلم يكنِ القطعُ إبطالاً. وفي رواية الحسن رحمه الله: يلزمُه؛ لأنه مقدَّرٌ باليوم، كالصوم. ثم الاعتكافُ لا يصحُّ إلا في مسجدِ الجماعة؛ لقول حذيفة رضي الله عنه: ((لا اعتكافَ إلا في مسجدٍ جماعةٍ))(٣). (١) أي الاعتكاف. (٢) ١٨٨/٢. (٣) المعجم الكبير للطبراني (٩٥٠٩)، وروي مرفوعاً بلفظ: ((كل مسجد له إمام ومؤذِّن: فإنه يُعتكف فيه)): أخرجه محمد بن الحسن في الأصل ٢٦٩/٢، والدار قطني في السنن (٢٣٥٧)، وينظر لتقويته التعريف والإخبار ١٣٨/٢. ٣١٠ باب الاعتكاف أما المرأة فتَعتَكِفُ في مسجدٍ بيتها . ولا يَخرجُ من المسجدِ إلا لحاجةِ الإنسان، أو الجمعةِ. وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا يصحُّ إلا في مسجدٍ تُصلَّى فيه الصلواتُ الخمس؛ لأنه عبادةُ انتظارِ الصلاة، فيَختَصُّ بمكانٍ تُؤدّی فیه. قال: (أما المرأة فتَعتَكِفُ في مسجدٍ بيتها)؛ لأنه هو الموضعُ لصلاتها، فيتحقَّقُ انتظارُها فيه. ولو لم(١) يكن لها في البيت مسجدٌ: تَجعلُ موضعاً فيه، فتَعتكفُ فيه. قال: (ولا يَخرجُ من المسجدِ إلا لحاجةِ الإنسان، أو الجمعةِ). أما الحاجةُ: فلحديث عائشةَ رضي الله عنها، كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام لا يخرجُ من مُعتكفه إلا لحاجة الإنسان(٢). ولأنه معلومٌ وقوعُها، ولا بدَّ من الخروج في تقضيتها، فيصيرُ الخروجُ لها مستثنىَ. ولا يَمكثُ بعد فراغه من الطَّهور؛ لأنَّ ما ثَبَتَ بالضرورة: يتقدَّرُ بقَدْرها. (١) هذه المسألة: ولو لم يكن لها ...: مثبتةٌ في نسخةٍ أشار إليها طابعو الهداية مع فتح القدير، طبعة بولاق ٣٠٩/٢، وكذلك مثبتة في طبعات أخرى للهداية متأخرة، وينظر البناية ٣٨٦/٤. (٢) بلفظٍ قريب في صحيح البخاري (١٩٢٥، ٢٠٢٩)، صحيح مسلم (٢٩٧)، وينظر التعريف والإخبار ٢/ ١٤٠. ٣١١ باب الاعتكاف وأما الجمعة: فلأنها من أهمِّ حوائجه، وهي معلومٌ وقوعُها. وقال الشافعي (١) رحمه الله: الخروجُ إليها مفسِدٌ؛ لأنه يُمكنُه الاعتكافُ في الجامع. ونحن نقول: الاعتكافُ في كلِّ مسجدٍ: مشروعٌ، وإذا صحَّ الشروع: فالضرورةُ مطلِقٌ (٢) في الخروج. ويَخرجُ حين تزولُ الشمسُ؛ لأن الخطابَ يتوجَّه بعدَه. وإن كان منزلُه بعيداً عنه: يَخرجُ في وقتٍ يُمكِنُه إدراكُها. ويصلي قبلَها أربعاً، وفي رواية: ستاً: الأربعُ سُنَّةٌ، والركعتان تحيةُ المسجد، وبعدَها أربعاً، أو ستاً، على حسب الاختلاف في سنّة الجمعة (٣)، وسنَنُها توابعُ لها، فأُلْحِقَتْ بها. ولو أقام في مسجدِ الجامع أكثرَ من ذلك: لا يَفسُدُ اعتكافُه؛ لأنه موضعُ اعتكافٍ، إلا أنه لا يُستحبُّ(٤)، لأنه التزم أداءَه في مسجدٍ واحدٍ، فلا يُتِمُّه في مسجدَيْن من غيرِ ضرورة. (١) المجموع ٥١٤/٦. (٢) بكسر اللام: أي مُجوِّزة على الإطلاق. البناية ٣٨٨/٤. (٣) فإن عند أبي حنيفة ومحمد: يصلي أربعاً، وعند أبي يوسف: يصلي ستاً. البناية ٣٨٨/٤. (٤) بل يكره له ذلك. البناية ٣٨٨/٤. ٣١٢ باب الاعتكاف ولو خَرَجَ من المسجد ساعةً بغير عُذرٍ : فَسَدَ اعتكافُه عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: لا يفسُدُ حتى يكونَ أكثرَ من نصف يومٍ. وأما الأَّكْلُ، والشُّرْبُ، والنومُ: يكونُ في مُعتَكَفِه. ولا بأس بأن يبيعَ ويبتاعَ في المسجدِ من غيرِ أن يُحضِرَ السِّلعةَ. قال: (ولو خَرَجَ من المسجد ساعةً بغير عُذر: فَسَدَ اعتكافُه عند أبي حنيفة رحمه الله)؛ لوجود المنافي(١)، وهو القياسُ. (وقالا: لا يفسُدُ حتى يكونَ أكثرَ من نصف يومٍ)، وهو الاستحسان؛ لأن في القليلِ ضرورةً. قال: (وأما الأَكْلُ، والشُّرْبُ، والنومُ: يكونُ في مُعتَكَفِه)؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن له مأوىً إلا المسجد(٢). ولأنه يُمكنُ قضاءَ هذه الحاجةِ في المسجد، فلا ضرورةَ إلى الخروج. قال: (ولا بأس بأن يبيعَ ويبتاعَ في المسجدِ من غيرِ أن يُحضِرَ السِّلعةَ)؛ لأنه قد يَحتاجُ المعتكِفُ إلى ذلك، بأن لا يجدَ مَن يقومُ بحاجته، إلا أنهم قالوا: يكره إحضارُ السلعةِ للبيع والشراء؛ لأن المسجدَ حَرَّرُ(٣) عن حقوق العباد، وفيه (٤) شَغْلُه بها. (١) وهو منافاة اللَّبث في المسجد. (٢) قال في الدراية ٢٨٨/١: لم أجده هكذا، وكأنه مستقراٌ من الأخبار. (٣) أي أن بقعة المسجد خالصة لله تعالى، وفي نُسَخ: مُحْرَزٌ. بمعنىَ. (٤) أي في إحضار السلعة شغل المسجد بها. ٣١٣ باب الاعتكاف ولا يَتَكلَّمُ إلا بخيرٍ، ويكره له الصمتُ. ويَحرمُ على المعتكِف الوطءُ، وكذا اللَّمْسُ، والقُبْلةُ. فإن جامَعَ ليلاً أو نهاراً، عامداً أو ناسياً : بَطَلَ اعتكافُه. ھ ويكره لغير المعتكف البيعُ والشراءَ فيه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((جنِّبُوا مساجدكم صِبْانكم)) (١)، إلى أن قال: ((وبيعكم، وشراءَكم)). قال: (ولا يَتكلَّمُ إلا بخير، ويكره له الصمتُ)؛ لأن صومَ الصمتِ ليس بقُربةٍ في شريعتنا، لكنه يتجانَبُ ما يكون مَأْثَماً (٢). قال: (ويَحرمُ على المعتكِف الوطءَ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ و وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾. البقرة/ ١٨٧. (وكذا اللَّمْسُ، والقُبْلةُ)؛ لأنه من دواعيه، فَيَحْرُم عليه، إذ هو محظورُه، كما في الإحرام. بخلاف الصوم؛ لأن الکَفَّ رکنُه(٣)، لا محظورُه، فلم يتعدّ إلى دواعیه. قال: (فإن جامَعَ ليلاً أو نهاراً، عامداً أو ناسياً: بَطَلَ اعتكافُه)؛ لأن الليلَ ءِ مَحَلّ الاعتكافِ، بخلاف الصوم، وحالةُ العاكِفِيْن مذكِّرةٌ، فلا يُعذَر بالنسيان. (١) سنن ابن ماجه (٧٥٠)، المعجم الكبير للطبراني (٧٦٠١)، مصنف عبد الرزاق (١٧٢٦)، قال في الدراية ٢٨٨/١: أسانيده كلها ضعيفة، التعريف والإخبار ١٨٤/٣. (٢) قال العلامة سعدي في حاشيته على الهداية: فائدة هذا الكلام: هو الإعلام بتناول الخير: للمباحات أيضاً. (٣) أي ركن الصوم. ٣١٤ باب الاعتكاف ولو جامَعَ فيما دون الفرج، فأنزل، أو قبَّل، أو لَمَسَ، فأنزل: بَطَلَ اعتكافُه. ومَن أوجب على نفسِهِ اعتكافَ أيامٍ: لَزِمَه اعتكافُها بلياليها، وكانت متتابعةً وإن لم يَشترطِ التتابعَ . ومَن أوجب على نفسِهِ اعتكافَ يومَيْن : لزمه بليلتَيْهما. قال: (ولو جامَعَ فيما دون الفرج، فأنزل، أو قبَّل، أو لَمَسَ، فأنزل: بَطَلَ اعتكافُه)؛ لأنه في معنى الحِماع، حتى يفسُدُ به الصومُ. ولو لم يُنزِلْ: لا يَفسُدُ وإن كان مُحرَّمَاً؛ لأنه ليس في معنى الجماع، وهو المفسِدُ، ولهذا لا يفسُدُ به الصومُ. قال: (ومَن أوجب على نفسِهِ اعتكافَ أيامٍ: لَزِمَه اعتكافُها بلياليها)؛ لأَن ذِكْرَ الأيامِ على سبيلِ الجَمْعِ: يتناولُ ما بإزائها من الليالي، يقال: ما رأيتُكَ منذ أيامٍ، والمرادُ بلياليها. (وكانت متتابعةً وإن لم يَشترطِ التتابعَ)؛ لأن مبنى الاعتكافِ على التتابع؛ لأن الأوقاتَ كلَّها قابلةٌ له. بخلاف الصوم؛ لأن مَبناه على التفرُّق؛ لأن اللياليَ غيرُ قابلةٍ للصومِ، فيجبُ على التفرُّق حتى يَنُصَّ على التتابع. وإن نوى الأيامَ خاصةً: صحَّتْ نيتُه؛ لأنه نوىُ الحقيقةَ. قال: (ومَن أوجب على نفسِه اعتكافَ يومَيْن: لزمه بليلتَيْهما. ٣١٥ باب الاعتكاف وقال أبو يوسف رحمه الله : لا تدخُلُ الليلةُ الأُولىُ. وقال أبو يوسف رحمه الله: لا تدخُلُ الليلةُ الأُولى)؛ لأن المُثَنَّى غيرُ الجمع، وفي المتوسطةِ(١): ضرورةُ الاتصال. وجهُ الظاهر: أنَّ في المُثَنَّى: معنى الجمع، فيُلْحَقُ(٢) به احتياطاً؛ الأمر العبادة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) أي في الليلة الوسطى بين اليومين. (٢) أي يُلحق المثنى بالجمع. ٣١٦ كتاب الحَجِّ كتاب الحَجِّ الحَجُّ واجبٌ على الأحرار، البالغِيْن، العقلاءِ، الأصِحَّاءِ، إذا قَدَروا علىُ الزادِ والرَّاحلةِ، فاضلاً عن المَسْكنِ، وما لا بدَّ منه، وعن نفقةِ عِیاله، إلى حين عَوْده، وكان الطريقُ آمِناً. كتاب الحَجِّ قال: (الحَجُّ واجبٌ على الأحرار، البالغِيْن، العقلاءِ، الأصِحَّاءِ، إذا قَدَروا على الزادِ والرَّاحلةِ، فاضلاً عن المَسْكنِ، وما لا بدَّ منه، وعن نفقةٍ عِياله، إلى حين عَوْده، وكان الطريقُ آمِناً). وَصَفَه(١) بالوجوب، وهو فريضةٌ مُحكَمَةٌ، ثَبَتَتْ فرضيَّتُه بالكتاب، وهو قولُه تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ .. ﴾. الآية. آل عمران / ٩٧. ولا يجبُ في العُمُرُ إلا مرَّةً واحدةً؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قيل له: الحجّ في كلَ عامٍ، أم مرَّةً واحدةً؟ فقال: ((لا، بل مَرَّةً واحدةً، فما زاد: فهو تطوُّعٌ)(٢). ولأن سببَه البيتُ(٣)، وإنه لا يتعدَّد(٤)، فلا يتكرَّرُ الوجوبُ. (١) أي الإمام القدوري رحمه الله. (٢) سنن أبي داود (١٧٢١)، مسند أحمد (٢٣٠٤)، المستدرك للحاكم ٤٤١/١، وصححه، ووافقه الذهبي، الدراية ٣/٢. (٣) لإضافته له في قوله تعالى: ﴿حِبُّ الْبَيْتِ﴾، والسببُ إذا لم يتكرر: لم يتكرر المسبب. البناية ٣/٥. (٤) أي إن البيت لا يتعدد. العناية ٣٢٣/٢. ٣١٧ كتاب الحَجِّ ثم هو واجبٌ على الفورِ عند أبي يوسف رحمه الله، وعن أبي حنيفة رحمه الله ما يدلّ علیه. وعند محمدٍ والشافعي (١) رحمهما الله: على التراخي؛ لأنه وظيفةً العُمُر، فكان العُمُرُ فيه: كالوقتِ في الصلاة. وَجْهُ الأول: أنه يَختصُّ بوقتٍ خاصٍّ، والموتُ في سَنَةٍ واحدةٍ غيرُ نادر، فيتضيَّقُ الوجوبُ؛ احتياطاً، ولهذا كان التعجيلُ أفضلَ، بخلاف وقتِ الصلاة؛ لأن الموتَ في مثلِهِ نادرٌ. وإنما شَرَطَ الحريةَ والبلوغَ: لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أيُّما عبدٍ حَجَّ عَشرَ حِجَجٍ، ثم أُعْتِقَ: فعليه حَجَّةُ الإسلام، وأيما صبيِّ حجَّ عَشرَ حِجَجٍ، ثم بَلَغَ: فعليه حَجَّةُ الإسلامِ))(٢). ولأنه عبادةٌ، والعباداتُ بأَسْرِها موضوعةٌ عن الصبيان. والعقلُ شرطٌ لصحة التكليف. وكذا صحةُ الجوارح؛ لأن العجزَ دونَها (٣): لازمٌ. (١) أسنى المطالب ٤٤٤/١. (٢) مسند الحارث بن أسامة (بغية الحارث) ٤٣٩/١، وفيه ضعفٌ، وبدون لفظ: عَشْر: في سنن البيهقي (١٤٧٩)، وغيره، ينظر التعريف والإخبار ١٤٥/٢، وأما ابن حجر في الدراية ٣/٢ فقال: لم أجده بذكر: عَشْر حِجَج في الصبي. (٣) أي دون الصحة. ٣١٨ كتاب الحَجِّ والأعمى إذا وَجَدَ مَن يَكفيه مؤنةَ سفره، ووَجَدَ زاداً وراحلةً: لا يجبُ عليه الحجُّ عند أبي حنيفة رحمه الله، خلافاً لهما، وقد مَرَّ في كتاب الصلاة(١). وأما المُقْعَد: فعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه يجبُ عليه؛ لأنه مستطيعٌ بغيره، فأشبه المستطيعَ بالراحلة. وعن محمدٍ رحمه الله: أنه لا يجبُ؛ لأنه غيرُ قادر على الأداء بنفسه، بخلاف الأعمى؛ لأنه لو هُدِيَ: يؤدِّيه بنفسه، فأشبه الضالَّ عنه(٢). ولا بدَّ من القدرة على الزاد والراحلة، وهو قَدْرُ ما يكتَرِي به شِقَّ مَحْمِلٍ، أو رأسَ زامِلَةٍ(٣)، وقَدْرُ النفقة ذاهباً وجائياً؛ لأنه عليه الصلاة والسلام سُئل عن السبيل إليه، فقال: ((الزادُ، والراحلة))(٤). وإن أمكنه أن يكترِيَ عُقْبَةً(٥): فلا شيء عليه (٦)؛ لأنهما إذا كانا (١) في باب صلاة الجمعة. (٢) أي الضالَّ عن الطريق. (٣) أي البعير الذي يَحملُ عليه المسافر متاعَه وطعامَه. البناية ٨/٥. (٤) أخرجه الترمذي (٨١٣) وقال: حديث حسن، سنن ابن ماجه (٢٨٩٧)، وله طرقٌ عديدة، التعريف والإخبار ١٤٦/٢. (٥) أي نوبة، فيكون الجمل بين اثنين يتعاقبان عليه في الركوب. (٦) أي فلا حجَّ عليه. ٣١٩ كتاب الحَجِّ يتعاقبان في الركوب: لم توجدِ القدرةُ على الراحلةُ في جميع السفر. ويُشترطُ أن يكون فاضلاً عن المسكن، وعما لا بدَّ منه، كالخادم، وأثاثِ البيت، وثيابه؛ لأن هذه الأشياءَ مشغولةٌ بالحاجة الأصلية. ويُشترطُ أن يكون فاضلاً عن نفقةِ عِيالِه إلى حين عَوْده؛ لأن النفقةَ حَقٌّ مُستَحَقٌّ للمرأة، وحَقُّ العبدِ مُقَدَّمٌ علىُ حَقِّ الشرع بأمره (١). وليس مِن شَرْطِ الوجوبِ على أهل مكة ومَن حولهم الراحلةُ، لأنه لا تلحقُهم مشقةٌ زائدة في الأداء، فأشبه السعيَ إلى الجمعة. ولا بدَّ من أَمْنِ الطريق؛ لأن الاستطاعةَ لا تثبتُ دونه. و ثم قيل: هو شرطُ الوجوب، حتى لا يجبُ عليه الإيصاء، وهو مرويّ عن أبي حنيفة رحمه الله. وقيل: هو شَرْطُ الأداء، دونَ الوجوب؛ لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام فسَّر الاستطاعةَ بالزاد والراحلة(٢)، لا غير. (١) أي أمر الشرع، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الذي دُعي للطعام وهو صائم: ((أخوك تكلّف وصنع لك طعاماً، أفطِر، واقضٍ يوماً مكانَه)). من حاشية نسخة ٧٩٧هـ، والحديث رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (٢٣١٧)، والبيهقي (١٤٥٣٧)، وفيه كلامٌ في ضعفه، وينظر نصب الراية ٤٦٥/٢، وتقدم الحديث قريباً. (٢) تقدم الحديث قريباً جداً. ٣٢٠ كتاب الحَجِّ ويُعتبرُ في المرأةِ أن يكونَ لها مَحْرَمٌ تَحُجُّ به، أو زوجٌ، ولا يجوزُ لها أن تَحُجَّ بغيرهما إذا كان بينها وبين مكةَ مَسيرةُ ثلاثة أيام. قال: (ويُعتبرُ في المرأةِ أن يكونَ لها مَحْرَمُ تَحُجُّ به(١)، أو زوجٌ، ولا يجوزُ لها أن تَحُجَّ بغيرهما إذا كان بينها وبين مكةَ مَسيرةُ ثلاثةِ أيام). وقال الشافعي(٣) رحمه الله: يجوزُ لها الحجُّ إذا خرجت في رُفْقَةٍ، ومعها نساءً ثقاتٌ؛ لحصول الأمنِ بالمرافقة. ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لا تَحُجَّنَّ امرأةٌ إلا ومعها مَحرَمٌ)) (٣). ولأنها بدون المَحرَم يُخاف عليها الفتنةُ. وتَزْدادُ(٤) بانضمام غيرِها(٥) إليها، ولهذا تَحرُمُ الخَلْوة بالأجنبية وإن كان معها غيرُها (٦). بخلاف ما إذا كان بينها وبين مكة أقلّ من ثلاثة أيامٍ؛ لأنه يُباحُ لها الخروجُ إلى ما دون السفر بغير مَحْرَم. (١) هكذا في طبعات الهداية القديمة: تحجُّ به، وفي النسخ الخطية: يحج بها. (٢) أسنى المطالب ٤٤٩/١. (٣) مسند البزار (٥٢٥٩)، سنن الدار قطني ٢٢٧/٣، وإسناده صحيح، كما في التعريف والإخبار ١٤٧/٢، وينظر نصب الراية ١٠/٣. (٤) هذا جوابٌ عن استدلال الشافعي رحمه الله بجواز الحج برفقة نساء ثقات. (٥) من النساء، إذ تُعَلِّمُها ما عسى أن تعجز عنه بنفسها وفِكْرها. البناية ١٦/٥. (٦) أي وإن كان مع الأجنبية غيرُ الأجنبية، وينظر بتأمُّلِ ابن عابدين ٢٣٦/٥.