النص المفهرس
صفحات 1-20
ـر (شَرَحُ بِدَايَةِ المُتَدِّيّ) لِلإِمَامِ عَلَيّبْن أَنيَكْالمَرَغِينَانِي (٥١١ هـ - ٥٩٣هـ) حُقِّقَ عَلى أَكْثَ مِنْ عِشْرِينَ نُشِخَةٍ خَطِيَةٍ تحمیں أ.د. سَائِدبكداش المُجَلَّدُ الأَوَّلُ دَارُ السَّم بَشِ اللَّهَالرُّ عَنْ الرَّحْمِ طِرَازاً لِمَذْهَبِنا المُذْهَبِ هدایتنا هذه قد غَدَتْ وما مِلُهَا قَطُّ فِي مَذْهَبٍ فألفاظُها دُرَرٌ حُّها (زُيِّنَت بهذَيْن البيتَيْن غُرَّةُ نسخة ٧٣٢هـ) (شَرَحُ بِدَايَةِ الْمُتَدِّيّ) 4 ١ ـر ٥ جَمْعُ الحقوق محفوظة لِلُمِقِق الطَّبْعَةُ الأولى ١٤٤٠ هـ -٢٠١٩م دَارُ السَّمَ - المَدِيْنَةُ الْمُنَوَّرَةُ يُطلَبُ الكِتَابُ مِنْهَا عَلَى العنَوَانِ التَّالى: البَرِيدُ الإلكترُوني: SRAJ1000@hotmail.com جوال : ٠٠٩٦٦٥٠٥٣١٣٣٢٠ ٥ مقدمة المحقّق بِسْمِ اللهِ الرَّحْمِ الرَّحْمَةِ مقدمة المحقّق الحمدُ للهِ الكريمِ الأكرَم، الهادي إلى الطريقِ الأَقْوَم، المُنْعِمِ الوهَّابِ المَنَّان، ذي الطَّوْلِ والفضلِ والإحسان، صاحبِ المعروفِ الذي لا يَنقطِعِ، والعطاءِ والإمدادِ الذي عَمَّ الوجودَ وكلاّ وَسِعٍ، يَمُنُّ على مَن شاء من عباده بما شاء، ويرفعُ درجاتٍ مَن یشاء. بنعمته وفضلِه جلَّ وعلا تَتِمُّ الصالحات، وتَنْزِلُ الرَّحماتُ والبركات، وتَحصُلُ المَبرَّاتُ والخيراتُ، وتكون كُبرى السعادات. وأفضلُ الصلاةِ وأكملُ التسليم على سيدِنا محمدٍ سيدِ السادات، وفَخْرِ الكائنات، إمامِ الأنبياءِ وأُولِي الرسالات، وعلى آله الكِرامِ الأطهار، وأصحابه البَرَرَةِ الأخيار، والتابعينَ لهم بإحسانٍ من الأئمة الفقهاء، والسادةِ العلماءِ ورثةِ الأنبياء، ومَن تَبِعَهم إلى يومٍ تُّبَدَّلُ فيه الأرضُ والسماء، وبعد: فإن كتابَ ((الهداية)) شرحَ ((بداية المُبْتدي))، للإمام الجليلِ الحُجَّةِ عليٍّ ابن أبي بكرِ المَرْغِيْناني، المولودِ سنة (٥١١هـ)، والمتوفى سنة (٥٩٣هـ)، رحمه الله تعالى، من أشهر كُتُب الحنفية وأعلاها، وأهمها وأزكاها، وأكثرِها تداولاً واعتماداً، بل هو بَدْرُها المنيرُ الطالع، ونَجْمُها الزاهرُ الساطع، وهو في مَتَانته ورِفعةِ مكانٍتِهِ كالذَّرَى الشاهِقَة، والجبال الشامخة، التي لا يُمكنُ الوصول إليها إلا بجدِ کبیرٍ لا يتناهى، ونشاطٍ وعَزْم أکیدٍ لا یترامیُ. كتابٌ جليلُ القَدْرِ، عظيمُ الفائدة، دُرٍّ أنيقٌ، وبحرٌ عميقٌ، بلا ساحلٍ. ٦ مقدمة المحقّق مسائلُه غزيرةٌ، ودلائلُه كثيرةٌ، مع حُسنِ تعبيرِه الرائق، وجمال تركيبه الفائق، فيه تلخيصُ كلامِ القوم، مع تحقيقِ المذهب، وتدقيقِ المَطْلَب. وقيل في وَصْف كتاب ((الهداية)) بأنه كتابُ الكبار، إذ هو دقيقُ المَعَاني، وَيَّيْقُ المَبَاني، لا يَبْلُغُ كُنْهَ دقائقِه إلا مَن فَتَحَ الله عليه ووفَّقَه، وألهمه رُشدَه وفَهَّمَه، إذ فيه من المسائل الصِّعَاب العُجَاب، ما تَحَارُ منها الألباب. كتابٌ تباهَجَ به العلماءُ، وتفاخَرَ به الفضلاءُ، وتلقَّاه الأساتذةُ والطلابُ بالرضا والقبول، ولم تَغِبْ شمسُه عن الإشراق، وذاع صيتُه في الآفاق، وقبلوا جملةَ ما فيه باتفاق، حتى صار عمدةَ المدرِّسين المعتَمَدِين باستحقاق. وهكذا كَثُرَتْ عليه الشروحُ والحواشي والتعليقات والإفادات، من كبار الأئمة الفقهاء الثقات، حتى بَلَغَتِ العشرات، بل جاوزتِ المائة، كما توجّه عددٌ من أشهر المحدِّثين لتخريج أحاديثه وآثاره المستَدَلَ بها، وبيان حالِها. * وقد وَصَفَ المرغينانيّ كتابَه ((الهداية)) بأنه كتابٌ مختصَرٌ، وذلك أنه أَلَّف أوَّلاً كتابَ: ((بداية المبتدي))، وشَرَحَه شرحاً كبيراً في ثمانين مجدداً، سمَّه: ((كفاية المنتهي))، ثم إنه لَمَّا رأى فيه نَبْذاً من الطَّوْل والإسهاب: اختصره في مجلدَيْن، وسمَّاه: ((الهداية))، مع تحريره وتنقيحِه لبداية المبتدي. و وسَبَقَ أن أكرمني الله تعالى ووفّقني لتحقيق ((بداية المبتدي)»، الذي ألَّفه المرغيناني أولاً، وطَبَعْتُه سنةَ ١٤٣٧ هـ، وستصدر قريباً إن شاء الله تعالى طبعتُه الثانية، وفيها تصحيحٌ لِمَا نَدَّ من أخطاءٍ في طبعته الأُولىُ. وهذا المتنُ هو من أهمِّ المتونِ المعتمدةِ المعتبرةِ في الفقه الحنفي، وهو لُبُّ كتاب ((الهداية)) وخلاصتُه، وحَبَّةُ قلبه، وسُويداءَ فؤادِهِ، ومَن اطّلع على ((بداية المبتدي)) ودَرَسَه: وَقَفَ على زبدة ((الهداية)) وعَسَلِها، وحَصَّل غالبَ مضمونِها وفحواها، لكن مجرَّداً عن الشرح والتدليل. ٧ مقدمة المحقّق : والذي دَفَعَ المرغينانيّ لتأليف كتابٍ ((بداية المبتدي)): هو تطلُّعُه إلى أن يَجمعَ العِلمَ الغزيرَ: في القولِ الوجيز، مع التحقيق في أقوالِ أئمةٍ المذهب، والتدقيقِ الفقهيِّ في مسائله، بعبارةٍ عاليةٍ، وأسلوبٍ رفيع. وقد حقَّق المؤلِّفُ ذلك بجَمْعه بين ((الجامع الصغير))، للإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذِ الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمهما الله تعالى، (ت١٨٩ هـ)، و((مختصرِ القُدُوري))، (ت٤٢٨هـ)، مع زيادةِ مسائلَ مُهمَّةٍ كَثُرَ وقوعُها، ودَعَتِ الضرورةُ إليها، جَمَعَها من ((الأصل)) وغيره. فقد جاء في مُستَهَلِّ خُطبته: ((كان يَخطرُ ببالي عند ابتداءِ حالي: أن يكونَ في الفقهِ كتابٌ فيه من كلِّ نوعٍ: بابٌ، ثم هو صغيرُ الحجمِ، كبيرُ الرَّسْمِ، يتحفّظُه الشادي المُبتدي، ويتأمَّلُه الهادي المُهتدي. وحيث وَقَعَ الاتفاقُ بتَطْواف العراق، وجدتُ ((المختصرَ)) المنسوبَ إلى الإمام القدوريِّ رحمه الله أجملَ كتابٍ، في أحسنِ إيجازٍ وإعجاب. ورأيتُ كُبَراءَ الدهرِ بما وراء النهرِ يُرَغِّبون الصغيرَ والكبيرَ في حِفْظِ (الجامع الصغير))، فهَمَمْتُ أن أجمعَ بينهما، ولا أتجاوَزَ عنهما، إلا ما دَعَتِ الضرورةُ إليه، وحَمَلَتْني كثرةُ وقوعِه عليه، وأتحرَّزُ فيه عن إيرادِ المُعَاد؛ لیَرْغَبَ فيه كلِّ حاضرِ وبادٍ)). اهـ * وأسوقُ هنا أيضاً مقدمةَ كتاب ((الهداية))؛ لنتعرَّف بَدْءاً على ما قَصَدَه المؤلفُ فيه، حيث قال رحمه الله تعالى: ((وقد جَرَىُ عليَّ الوعدُ في مَبَدَأ ((بداية المُبْتدِي)) أن أشرحَها بتوفيق الله شَرْحاً أرسُمُه بـ: ((كِفاية المنتهي)»، و فشَرَعْتُ فيه، والوَعْدُ يُسَوِّغُ بعضَ المَسَاغِ. وحين أكادُ أَتَّكِئُ عنه اتِّكَاءَ الفراغ: تبيَّنتُ فيه نَبْذاً من الإطناب، وخَشِيْتُ أن يُهْجَرَ لأَجْلِه الكتابُ، فصَرَفْتُ العِنانَ والعِنايةَ إلى شرحٍ آخَرَ ٨ مقدمة المحقّق مَوسومٍ بـ: ((الهداية))، أَجْمَعُ فيه بتوفيق الله بين عُيُونِ الرواية، ومُتُونٍ الدِّرَاية، تاركاً للزوائد في كلِّ بابٍ، مُعرِضاً عن هذا النوع من الإسهاب، مع ما أنه يشتملُ على أصول تَنْسَحِبُ عليها فصولٌ، وأسألُ اللهَ تعالى أن يُوَفَّقَني لإتمامِها، ويَخْتِمَ لي بالسعادة بعد اختتامها. حتى إنَّ مَن سَمَتْ هِمَّتُه إلى مزيدِ الوقوف: يَرْغَبُ في الأَطْولِ والأكبر، ومَن أعْجَلَه الوقتُ عنه: يَقتصِرُ على الأقصرِ والأصغرِ، وللناسِ فيما يَعشقون مذاهبٌ، والفَنُّ: خيرٌ كلَّه)». اهـ وعليه: فإن كتابَ ((الهدايةُ)) هو في الحقيقة شرحٌ لـ ((مختصر القدوري))، وكتابٍ (الجامع الصغير)). * أما مؤلِّفُ ((الهداية)) فهو الإمامُ المرغينانيّ رحمه الله تعالى، الذي وَصَفَه عارفوه بأنه عَلَمٌ من كبار أعلام الحنفية، وأنه الإمامُ الصَّدْرُ، البارِعُ المقدَّمُ الحَبْرِ، الأجلَّ الأوحدُ، شيخُ شيوخِ الإسلام، مَلْجأُ العلماء، وأستاذُ الفقهاء، حُجَّةُ الله على الخَلْق، برهانُ الإسلام والمسلمين، افتخارُ العلماء العامِلين، المخصوصُ بالعناية والرعايةِ والقبول. الفقيهُ الأصوليُّ، الحافظُ المحدِّثُ، الأديبُ المفسُِّ، المُفْرِطُ في الذكاء، كان جامعاً للعلوم، ضابطاً للفنون، مُتْقِناً محقّقاً نِحْريراً، نظَّاراً مُدَقِّقاً كبيراً، زاهداً وَرِعاً مُوقِناً، والداً لثلاثةِ أنجال كرام، كانوا من كبار الأئمةِ الفقهاء. صاحبُ التصنيفات الفائقة، وله اليدُ الطولىُ الباسطةُ في الخلاف، والباعُ المُمْتَدُّ في المذهب الحنفي، المجتهِدُ فيه، والمرجِّحُ بين رواياته وأقوالِهِ، وله آراؤه واختياراتُه، وهو مَن حاز قَصَبَ السَّبَقِ في العلوم الثمانية، علومٍ مَنْصِبِ الاجتهاد، وستأتي إن شاء الله هذه الأوصافُ كلّها في ترجمته العالية ءِ من كلام مُترجميه، ممن صَحِبَه وعايَنَه وعَرَفَه، ودَوَّن وَصْفَه وخَبَرَه. ٩ مقدمة المحقّق وهكذا قدَّر الله تعالى لهذا الكتابِ العظيم مع أنه يُدرَّس في كلِّ الآفاق، وفي عشرات آلافِ المدارسِ باتفاق، قدَّر الله له أنه لم يُخدَم إلى الآن خدمةً علميةً تليقُ بمَقَامِه في هذا الزمان، وتُصلِحُ من حالِهِ وشأنه، وتيسِّرُ فهمَه وإدراكَه، مما تصبو إليها القلوبُ، وتنشرحُ لها الصدور. ولم يُطْبَعِ مُحقَّقاً على أصولِ خَطَيَّةٍ معتمدةٍ كافية، ولم يَنَل الرعايةَ المطلوبةَ، والعنايةَ المَرْجُوَّةَ، من إثباتِ نصٍّ صحيحٍ غيرِ منقوص، وضَبْطٍ مشكِلِ كلماتِ نصِّه وعباراتِهِ، وجَعْلِ مسائلِهِ وجُمَلِه في فِقَرَاتٍ متتالية، واضحةٍ مرتَّبةٍ منظّمة، مع حَلِّ ألفاظِهِ الصعبة، وبيان ضمائرِ كلماته الكثيرةِ المشكلة، وشَرْحِ ما لا بدَّ من غامضِهِ، وفَتْحِ مُغلَقاته، وإيضاح مشكلاته العلمية، وكَشْفِ ما خَفِيَ منها، وإظهارِ مَكامِنِها بقَدْرِ ما، مع التأكدِ من صحةِ نسبةِ المذاهبِ والأقوالِ لقائليها، وعَزْوِها إلى مصادرها، والتثُبُّت منها. كذلك لم يُوضَعَ في حواشي طبعات ((الهداية)) تخريجٌ مختصرٌ لطيفٌ مناسِبٌ لحاله لِمَا جاء فيه من الأحاديثِ والآثارِ المذكورةِ في أدلته، والتي بلغت نحو (١٥٠٠) حديثاً وأثراً، وأحمدُ الله تعالى أنْ أكرمني بعمل ذلك، وبالوقوف على تخريج نحوٍ ثلاثين حديثاً لم يتعرَّض لتخريجها الإمامُ الزيلعي، ولا غيرُهُ ممن اعتنى بتخريج أحاديث ((الهداية))، ولم أستحسِنْ جَمْعَها في مكانٍ واحد، وتركتُ المُطَّلِعَ الكريمَ يقفُ عليها مَبْثوثةً في مواضعها. وأيضاً مما وفَّقْني الله تعالى إليه في مجالِ التخريج: أنني وقفتُ على تخريج أحاديث عديدةٍ نَصَّ مخرِّجو أحاديثِ ((الهداية)) على أنه: ((لا أصل له»، أو قالوا: «لم نجده))، أو: ((غريبٌ))، ونحو هذا، وقد كَشَفَ غالبَ هذا الجانبِ الإمامُ العلامةُ الفحلُ الفقيهُ المحدِّثُ قاسم بن قُطلوبُغا (ت٨٧٩هـ) في تخاريجه الكثيرة، وهو إمامٌ جبلٌ عَجَبٌ في الاستدراك علىُ مَن قَبْلَه. ١٠ مقدمة المحقّق وكان من الخدمات العلمية والطباعية التي قمتُ بها مما تستلزمه خدمةُ هذا الكتاب: أني وَضْعتُ متنَ ((بداية المبتدي)) الذي حرَّرَه المؤلفُ وضمَّنْه في ((الهداية)) في أعلى الصفحات؛ وهو يختلفُ بوضوحٍ عن الذي أَلَّفه أوَّلاً، وذلك لتيسير الوقوف عليه كاملاً مستقلاً، متتالياً متابعاً، وكذلك أبرزتُ نصَّه المضمَّنَ في ((الهداية)) مميّزاً بجَعْلِهِ بين هلالَيْن بلونٍ أحمرَ. : وهكذا قمتُ بعمل دراسةٍ خاصةٍ لكتاب ((الهداية))، جامعةٍ لجوانبَ متعددةٍ، تُبرِزُ مكانته، وثناءَ العلماء عليه، وتَكشِفُ حالَه العلميَّ العالي، وأسرارَه وخباياه، وتبيِّنُ منهجَ مؤلَّفه الذي سار عليه في طريقة عَرْضِه لمادة الكتاب، وجَمْعِه لمسائل ((القدوري)) مع مسائل ((الجامع الصغير))، وتوزيعِه لها على طول الكتاب، مع بيان عاداته العلمية التي سار عليها في ((الهداية))، وإيضاح مصطلحاته ومجریاتِه، هذا مع بیان مصادره ومراجعه. وكذلك بيَّنْتُ حالَ ترجيحاته واختياراته، ومنهجَه في استدلالاته، وأوضحتُ طريقتَه في عرضِ خلافِ الفقهاء، داخلَ المذهب وخارجه، وكيفيةَ ذِكْرِه لأدلة كلّ منهم، مع تركيزه على أدلة الحنفية، وتوسُّعِه فيها. كما جَمَعتُ في هذه الدراسة شروحَ كتاب «الهداية» المطبوعةَ، والأعمالَ العلميةَ المتصلةَ به التي قامت عليه، مما ذُكر في كُتب التراجم أو وقفتُ عليه، وذكرتُ أهمَّ شروحِهِ المخطوطةِ التي لم تُطبع بعد، وكُتُبَ تخريج أحاديثه، والتي بلغ مجموعها كلها (١٢٠) شرحاً وعملاً. * وتضمُّ الدراسةُ أيضاً الكلامَ عن النُّسَخ الخطية الكثيرة للهداية، وما يسَّر الله ليَ الوقوفَ عليه من نُسَخِه النفيسةِ النادرةِ العالية، نُسَخِ العلماءِ وخزائنِ السلاطين، مع وَصْفِها وبيانِ حالها، وكذلك بيان حال ما سبق من طبعاته، وبيَّنْتُ بالتفصيل منهجي في تحقيق نصِّ الهداية، وتعليقي عليه. ١١ مقدمة المحقّق * وقدَّمتُ قبلَ هذا كلُّه ترجمةً وَسَطاً للإِمامِ المرغيناني رحمه الله، وقد وقفتُ فيها على زياداتٍ غاليةٍ، وإفاداتٍ عاليةٍ نادرةٍ تتعلق بأوصافه العلمية العالية، من خلال مقدمات شروح كتاب ((الهداية))، ونُسَخِهِ الخطية، وزياداتٍ في أسماء مصنَّفات الإمام المرغيناني، مما لم أُسجِّلْه من قبل في مقدمة تحقيق ((بداية المبتدي))، ولم أجده عند غيري، ولله الحمد. * والذي دعاني للقيام بخدمة هذا الكتاب العظيم: هو توفيقُ الله تعالى أوَّلاً، فهو سبحانه الذي ألهمني اختيارَه على غيره، وأعانني ويسَّر ليَ الأسبابَ والظروفَ والأمورَ من حيث لا أدري، وبارَكَ ليَ في الأوقات وفي كلَّ شيء، فله الحمد والمنّة سبحانه وتعالى. ومن ناحيةٍ أخرى: فإن الناظرَ في حال طبعاتِ كتابِ الهداية، القديمةِ منها والحديثة بعد أن عَرَفَ حقيقتَها: لِيُحزَنُ قلبُه، ويَضيقُ صدرُه لِمَا يرى فيها من تحريفاتٍ عجيبةٍ، وأسقاطٍ ليست بيسيرة، فقد سَقَطَتْ منها كلماتٌ كثيرةٌ ضيَّعَتِ المعنى، وغابَتْ عنها جُمَلٌ جَمَّةٌ، وسطورٌ عِدَّةٌ، ومسائلُ متتالية، حتىُ وَصَلَ قَدْرُ بعض الأسقاط إلى أكثرَ من صفحةٍ، مما يكسِفُ الخاطرَ، ويُؤْرِّقُ البالَ على هذه الحال، ويَجعلُ القارئَ متحسِّراً متأسّفاً. وهذه الأسقاطُ والتحريفاتُ ما انكشفت ولله الحمد إلا بتوفيق من اللهِ تعالى وتسديدِه وعونِه، وكان من الأسباب: تلك النُّسَخُ الخطية النفيسة الكثيرة، التي يسَّر الله ليَ تصويرَها والحصولَ عليها من أماكنَ مختلفة، والتي بلغت أكثر من سبعينَ نسخةٍ انتقيتُها من مئات النُّسَخ. وكان النفيسُ النادرُ منها أكثرَ من عشرين نسخة، أقدَمُها نسخةُ تلميذٍ المؤلف، التي نُسخت بتاريخ (٦٠٥هـ) ببلدة بخارى، ومنها نسخةً بتاریخ (٦٠٩هـ)، مع التذكير بأن وفاة المؤلف كانت سنة (٥٩٣هـ)، رحمه الله ١٢ مقدمة المحقّق تعالى، وكان منها نُسَخٌ مفيدةٌ للغاية، حيث زَيَّنَها وصحَّحَها قلمُ كبار العلماء، وشيوخِ الإسلام ممن مَلَكَها، حتى صارت لا مثيل لها في الدنيا، وعلَّقوا عليها حواشيَ وفوائدَ غاليةَ نادرةً لا تجدُها فيما طُبع من الشروح. * ومما دعاني أيضاً لخدمته أنَّ كتابَ ((الهداية)) كتابٌ مختصرٌ مُعتَصَر، قد بقيَ مؤلّفُه في اختصاره من ((كفاية المنتهي)) ثلاث عشرة سنةً وهو صائمٌ، وهو حقيقةً صَعْبُ المَنال، لا يُدْرَكُ إلا بعد تجريدِ فِكْرٍ، وتدقيقِ نظرٍ، بل هو كتابُ الكبار، كما قال شارحُه الإتقانيّ رحمه الله وهو في القرن الثامن!، وصعوبتُه تَكمُنُ في وجوهٍ متعددةٍ يَضِيْقُ المقامُ عن بيانها. ومن هنا كان لا بدَّ من خدمةِ ((الهداية)) من ناحيةٍ كَشْفِ مُغلَقاته، وبيان أسراره وخفيَّاته، بما لا يَسَعُ تَرْكُه، وقد قال الإمام الصِّغْناقيُّ في مقدمة كتابه العظيم ((النهاية شرح الهداية)): ((وبعدُ: فإنَّ إيضاحَ ما انغَلَقَ من كُتُبِ السَّلَف: من أهمِّ الأمور، وأشرفِ الخِصالِ في هذه الأزمنة والدهور، إذِ الأساتذةُ الذين هم خُبْرٌ بمكامِنِ خفائها، واطّلاعُ بدَرْك دقائقِها، قد أُكرموا بالوصال إلى مَثوبات ذي الجلال». اهـ * وهكذا كان من دواعي الفرحِ والغبطةِ والسُّرُورِ في خدمة ((الهداية))، وحُلُولِ الأُنسِ والبهجةِ والحُبُور، أني قد تشرَّفْتُ بكريم صُحبةِ صاحبِه ليلَ نهار، وأوقاتٍ رائقةٍ طِوَال، وفُزْتُ بخدمةِ كتابِهِ المِفضال؛ لأهتديَ بمَآئِه الخالدةِ، وأقتفِيَ بآثارِه الذاخِرة؛ بِرَّاً به، ووفاءً له ولغيره من السادةِ العلماء، رجاءَ أن أُنْظَمَ في سِلكهم، وأحيا بذِكْرهم، وأُحشَرَ في فريقِهم، مع سيِّد الأنبياءِ والمرسلين، وحبيبِ ربِّ العالمين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلَّم في الأَوَّلِين والآخِرِين، فالمرءُ يُحشَر مع مَن أحبَّ. ١٣ مقدمة المحقّق هذا وأسألُه سبحانَه أن يرزقَنا العلمَ النافعَ والعملَ الصالحَ بحَوْله وقوَّته، مع الهدايةِ والحكمةِ والسَّدادِ والصواب، وأن يجعلَنا ممَّن يُبلِّغون رسالاتِ الله جَلَّ وعلا، وأن يُقِيمَنا من المبلِّغين عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع الإخلاصِ والخشيةِ والرضا والقبول والعافية. * وأشكر في الختام كلَّ مَن أسدى إليَّ معروفاً في خدمة الهداية، وأخصُّ منهم الأخَ المَجِدَّ النابِهَ الشيخَ الحارثَ بنَ الطاهرِ الحافظ، مَن صَحِبَني في رحلةٍ مقابلةِ مخطوطاتِ الهداية، كما أخصُّ بالشكر الأستاذَ الفاضلَ محمد زاهد تغلي أُوغلو القونوي، وأخاً كريماً آخَر في اسطنبول أبىُ ذِكْرَ اسمِهِ، إذ كانا سبباً لتيسير الحصول على صورِ مخطوطاتِ الهداية وشروحها. ورَحِمَ اللهَ ناظراً مُحِبَّا أهدى إليَّ عيوبي، فالسلامةُ من النسيانِ والخطأ أَمْرٌ يَعِزُّ على البشر، وشرَحَ اللهُ صدرَ هذا الناظر الكريم لقبول ما هو رَحْبٌ واسعٌ مما هو مجتَهَدٌ فيه، مما تختلِفُ فيه القرائحُ والأنظارُ والمَطالِع. وأرجو اللهَ من فضله وكرمه أن يجعلنا من عباده المُكْرَمين، وأن يغفرَ لنا ولوالدينا ولمشايخنا وأزواجنا وأولادنا وأحبابنا، ولكلِّ مَن له حقٌّ علينا، وللمسلمين أجمعين، وأن يُفرِّج عنهم، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلىُ آله وأصحابه وسلَّم تسليماً كثيراً دائماً أبداً، والحمد لله أولاً وآخِراً. وكَتَبَه ٠٠ سائد بن محمّد يَحَ بَكْداش ١٢/ربيع الأول / ١٤٤٠ هـ جامعة طيبة بالمدينة المنورة ١٤ ترجمة المؤلِِّ الإمامِ المَرْغِيْناني ترجمة المؤلّفِ الإمامِ المَرْغِيْناني كُتِبَتْ عن الإمامِ المَرغِينانيِّ رحمه الله عِدَّةُ ترجماتٍ قديمة وحديثة، مفردةً ومضمَّنَةً في كُتُب التراجم، فقد جاءت ترجمتُه مُمَسَّكةً مطيَّةً مُعطَّرةً، تفوحُ بشَذَى عَرْفها في كُتُب تراجم الحنفية، كالجواهر المضية للقرشي ٦٢٧/٢، وكذلك في مقدمته لكتابه: تهذيب الأسماء الواردة في الهداية والخلاصة، وجاء نحوها في تاج التراجم ص٢٠٦، للعلامة قاسم بن قُطلوبُغا، وطبقات الحنفية لابن الحِنَّائي ١٥٩/٢، والفوائد البهية للعلامة اللكنوي ص١٤١ - ١٤٤، وأيضاً في مقدمة حاشيته على الهداية: السِّقايةُ لعطشان الهداية. وهكذا ظَهَرَت ترجمتُه تَعبَقُ بأَرَج طِيْبِها، وتتضوَّعُ مِسكاً في كُتُب التراجم العامة، مثل تاريخ إربل، لابن المستوفي المبارك بن أحمد (ت٦٣٧ هـ)، وسير أعلام النبلاء ٢٣٢/٢١ للذهبي، وتاريخ الإسلام له ١٠٠٢/١٢ (ط بشار عواد)، وغيرها. وكان مِن أجودِها: ترجمةٌ مُفرَدةٌ حديثةٌ دقيقةٌ، مركّزةٌ عاليةٌ، كَتَبَها فضيلةُ العلامةُ الحَبْرُ المحقُّقُ الكبيرُ الأستاذُ الشيخُ محمد عوامة حفظه الله، في دراسته الحديثية المقارنة لنصب الراية وفتح القدير ومُنية الألمعي، والتي طُبعت مع نصب الراية في مجلدٍ خاص. وقد ألمع فيها إلى مَن أفرد المرغينانيَّ بالترجمة، كالإمام محب الدين ١٥ ترجمة المؤلِّفِ الإمامِ المَرْغِيْناني ابن الشِّحْنة الحلبي (ت٨٩٠هـ) في أول شرحه على الهداية: نهاية النهاية، (مخطوط)، والعلامةِ الفقيهِ مفتي الحنفية بدمشق الشيخ حامد بن علي العمادي (ت١١٧١ هـ) صاحبِ الفتاوى الحامدية، سمَّاها: ((العِقْد الثمين في ترجمة صاحب الهداية برهان الدين))، ومنها نسخةً بدار الكتب المصرية بالقاهرة، ضمن مجموع برقم (٣٤٤٥)، وذلك من ورقة ١٤٦ - ١٤٩. وممن ترجم له من المعاصرين بسَعَةٍ: الدكتور محمد أمين مكي، في مقدمة رسالته للماجستير، وهي تحقيق قطعةٍ من كتاب: ((التجنيس والمزيد))، للمرغیناني، من أوله إلى آخر کتاب الحج، وقد طُبع في مجلدین. ومِن آخِرِ مَن تَبَّع ترجمةَ المرغيناني، وجَمَعَ فيها زياداتٍ لطيفةً مفيدةً: الأخُ الكريم الأستاذ أسامة محمد شيخ، في مقدمة رسالته للماجستير في جامعة أم القرى، بعنوان: ((الضوابط الفقهية لأحكام فقه الأسرة من كتاب الهداية للإمام المرغيناني))، سنة ١٤٣١هـ. وهكذا كتب الأستاذ محمد حفظ الرحمن الكُمِلاَّئي من بنغلادش بحثاً سمَّاه: (ما ينبغي به العناية لمن يُطالع الهداية)، جاء في ٣٥٢ صفحة، تقدم به لنيل شهادة التخصص في الفقه الإسلامي، بجامعة العلوم الإسلامية، في كراتشي بباكستان، سنة ١٤٠٨هـ، وقد ترجم فيه للإمام المرغيناني، وتوسع في ذكر شيوخه وأسانيده، ثم عَدَّ مَن اعتنى بالهداية شرحاً وتعليقاً وتخريجاً، وغير هذا. كما كَتَبَ الأستاذ محمد عبد المعصوم في الجامعة الشرعية مالي باغ، في دكًا ببنغلادش، سنة ١٤١٧ هـ، كَتَبَ بحثاً مفيداً سمَّه: ((نبذة من حياة الإمام المرغيناني، وكتابه الهداية))، جاء في أربع وعشرين صفحة كبيرة ١٦ ترجمة المؤلِّفِ الإمامِ المَرْغِيْناني مرصوصة، وبحرفٍ صغير الحجم، وكل صفحة في جدولَيْن اثنين، وقد اجتهد جزاه الله خيراً في ذلك، مستفيداً ممن كتب قبله. ولهذا كله رأيتُ أن أذكر هنا ملخَّصاً وسطاً لطيفاً لترجمته، جامعاً الفوائد مَن تقدَّم ذِكْرهم، ومضيفاً إليها ما وقفتُ عليه من زيادات مهمةٍ في شأنه العلمي، وفي مصنفاته، مما يسَّر الله لي جمعَه، والله المستعان. * أما اسمه: فهو برهانُ الدين أبو الحسن عليُّ بنُ أبي بكر بن عبد الجليل بن الخليل بن أبي بكرٍ، الصدِّيقيُّ، نسبةً لسيدنا أبي بكرِ الصديق رضي الله عنه. واشتهر بالفَرْغانيِّ، المَرْغِينانيِّ، الرِّشْدانيِّ، نسبةً إلى فَرْغانةَ، وهي كُوْرَةٌ كبيرةٌ، وولايةٌ واسعةٌ ببلادٍ ما وراء النهر، فيما يسمى اليوم: جمهورية أُوْزبكِستان. ومَرْغِيْنان: مدينةٌ من أشهر بلاد فَرْغانة، وتسمى الآن: مِرْغِلان، متاخِمةٌ لتُركستان. والرِّشْداني: بكسر الراء: نسبةً إلى رِشْدان، قريةٌ من قُرِى مَرْغِينان. وُلد الإمامُ المرغيناني عَقِبَ صلاة العصرِ من يومِ الاثنين، الثامن من رجب، سنة ٥١١هـ، كما ذكره اللكنوي في مُذيلة الدراية، نقلاً عن مكتوبات بعض أجداده عن خط العلامة علاء الدين نُبَيْرة. وأما ما ذَكَرَه الزِّرِكْليُّ في الأعلام ٢٦٦/٤ من أن ولادتَه كانت سنة ٥٣٠ هـ: فهو وَهمٌ واضحٌ، والله أعلم. وهكذا بعد عُمُر عامرٍ بالعلم والعمل توفي رحمه الله ليلة الثلاثاء، الرابع عشر من ذي الحجة، سنة ٥٩٣هـ، وجعل الله له لسانَ صدق في الآخِرِين. ١٧ ترجمة المؤلِّفِ الإمامِ المَرْغِيْناني * أما عن مَدْفَنه: فكان في سمرقند، في جمهورية أوزبكستان اليوم، وقبرُهُ ظاهرٌ معروفٌ هناك، قال الإمامُ القرشي في مقدمة ((الجواهر المضية))، وهو يتكلّم عن كثرة علماء الحنفية، وذَكَرَ مَدَفَنَ الإمامِ المرغينانيّ، قال: ((ذَكَرَ ليَ الثقةُ من أصحابنا ممن طاف البلادَ، أنَّ بـ: جَاكَرْ دِيْزَه، محلَّةٌ كبيرةٌ بسمرقند، يُقال لها: تُرْبَة المُحمَّدين، دُفِن فيها نحوٌ من أربعمائةِ نفسٍ، كلّ واحدٍ منهم يُقال له: محمدٌ، ممن صنَّف وأفتىُ، وأَخَذَ عنه الجمُّ الغفيرُ، - وزادني غيرُه: أن كلّ واحدٍ يُسمىُ: بمحمدِ بنِ محمد - جَمَعَهم أهلُ سمرقند في هذه التُّرْبة. ولمَّا مات الإمامُ الجليلُ صاحبُ الهداية حَمَلوه إلى هذه التُّرْبةِ، وأرادوا دَفْتَه بها: فمُنعوا من ذلك، فدُفِن بالقُرب منها)). اهـ وما تزال هذه التربة تربة المُحمَّدين معروفة مشهورة إلى الآن. * ثناءاتُ العلماءِ على الإمام المرغيناني : لقد أقرَّ للمرغيناني بالفضل والتقدُّمِ في العلوم شيوخُه وأقرانُه، ونبلاء دهره، و وفضلاءَ مَن جاء بعدهم، وذكروا أنه فاق شيوخَه وأقرانه، وأذعنوا له كلّهم بعلمه وفضله، حتى قال المرغينانيّ عن نفسه: ((إنما فُقْتُ على شركائي: بأني لم تقع لي الفترةُ في التحصيل))، كما في تعليم المتعلم ص٤٢، والفوائد البهية ص١٤٢. وأذكر هنا ما وقفتُ عليه من ذلك، مقدِّماً الأقدمَ فالأقدم. ١ - قال المرغيناني عن نفسه في كتابه: ((المشيخة))، الذي ألَّفه لنفسه، وقد نقل عنه القرشي في ((الجواهر المضية)) في مواضع عديدة، قال المرغيناني كما في ((الجواهر المضية)) ٥٩١/٢ في ترجمة الإسبيجابي علي ١٨ ترجمة المؤلّفِ الإمامِ المَرْغِيْناني ابن محمد - شيخ المرغيناني -، المتوفى سنة ٥٣٥هـ: ((اختلفتُ إلى شيخي - الإسبيجابي - مدةً مديدةً، وحصَّلتُ من فوائده: من فوائد الدرس، ومَحافِلِ النَّظَر نصاباً وافياً، وتلقَّفتُ من فَلْق فِيه، وشرَّفني رحمه الله بالإطلاق في الإفتاء، وكَتَبَ لي بذلك كتاباً بالَغَ فیه وأطنب ... )). اهـ قلتُ: وكانت ستُّه آنذاك وقت إجازته له في نحو العشرين من عمره، وسبحان الفتاح الوهاب. ٢- وجاء في النسخة التي تملّكها الإمام العلامة سعدي جلبي (ت٩٤٥هـ)، وحشَّى عليها بقلمه، وقد نَسَخَها كاتبُها سنة ٦٠٩ هـ، جاء بخط ناسخها في آخر الثلثِ الأولِ من الجزء الأول من الهداية، لوحة ١٣٦، ولوحة ٢٥٦، وهو يَصِفُ مصنِّفَها الإمامَ المرغيناني ما يلي: ((تأليفُ الشيخِ الإمامِ، العالِمِ الأوحدِ، برهانِ الإسلامِ والمسلمين، مفتي الشام والصين، حُجَّةِ اللهِ الحَقِّ على الخَلْق: أبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني الرِّشْداني)». اهـ ٣- وقال الإمام العلامة المحدِّث، المعروف بابن المستوفي، المبارك ابن أحمد اللخمي الإربلي (ت٦٣٧هـ)، في كتابه: تاريخ إربل ٥٩٢/٢، وهو يَصِفُ الإمامَ المرغیناني : ((كان من أكابر الحنفية، حافظاً، مفسِّراً، محقِّقاً، أديباً، مجتهداً، له عدة مؤلفات، أشهرها: بداية المبتدي، وشَرْحُه: الهداية)). اهـ ١٩ ترجمة المؤلِّفِ الإمامِ المَرْغِيْناني وهذه الأوصافُ من هذا الإمام لم تأتِ هكذا، بل جاءت من إمامٍ عالمٍ عارفٍ بالحديث، مفنَّنِ في العلوم، كما جاء في ترجمته عند الذهبي في سير أعلام النبلاء ٤٩/٢٣، فهي أوصافٌ من خبيرٍ بما يقول. ٤- ونَقَلَ في الجواهر المضية ٦٢٧/٢ عن العلامة جمال الدين ابنِ مالكٍ الإمام اللغوي النحوي محمد بن عبدالله (ت٦٧٢ هـ) أنه قال: إن صاحبَ الهداية الإمامَ المرغينانيّ كان يَعرِفُ ثمانيةَ علومٍ. اهـ وأراد بالعلوم الثمانية: أي العلومُ التي يُستفاد بها مَنْصِبُ الاجتهاد، وهي: معرفةُ الكتاب، ومعرفةُ السَّنَّة، والإجماعِ، وعلمِ العقل والقياس، وعلمِ الحَدِّ والبرهان، ومعرفةُ النحوِ واللغةِ والتصريف، وعلم الناسخ والمنسوخ، وأسبابِ النزول، وعلمِ الجرح والتعديل، وأحوالٍ رواة الأحاديث. وينظر لها: كشفُ الأسرار لعلاء الدين البخاري ١٦/٤، والمستصفى للغزالي ٣٤٤/١، وبديع النظام نهاية الوصول (٣٨٢٧). وللإمام ابن فَرْكون قاضي الجماعة أحمد بن محمد، من صدور القضاة بالأندلس، المتوفى سنة ٧٢٩هـ، ترجم له في نيل الابتهاج ٨٧/١، له رسالةً في العلوم الثمانية. ولأحد فقهاء الحنفية المتأخرين في دمشق، وهو العلامة الشيخ أمين ابن محمد خليل السَّفَرْ جَلاني، المتوفى سنة ١٩١٦م، له كتابٌ لطيفٌ مطبوعٌ سمَّاه: القُطوف الدانية في العلوم الثمانية. ٥- وقال الإمام الصِّغناقي (ت ٧١٤هـ) في مقدمة كتابه النهاية شرح الهداية في وَصْف المرغيناني: ٢٠ ترجمة المؤلِّفِ الإمامِ المَرْغِيْناني ((الإمامُ العالِمُ، البارعُ المتقِنُ، الورِعُ الموقِنُ، مفتي البشر، سيفُ النَّظَرِ، مَلْجأُ العلماء، أستاذُ الفقهاء، رئيسُ أهل السُّنّة والجماعة، عُمدةُ أهلِ التقوى والنَّزاهة، شيخُ الإسلام، افتخارُ العلماءِ العاملين، برهانٌ الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل بن الخليل بن أبي بكر الفَرْغاني الرِّشداني رحمه الله ... )). اهـ ٦- وهكذا جاء وَصْفُ المرغيناني في آخر الجزء الأول من نسخة الهداية بتاريخ ٧١٨هـ، المنسوخة بدمشق بقول الناسخ: ((تصنيف الشيخ الإمامِ الأجلَ، الصدرِ الأكبر، برهانِ المِلَّة والدين، سيدِ الأئمةِ والعلماء، محيي السنة علي بن أبي بكر المرغيناني ... )). اهـ ٧- وقال الذهبي (ت٧٤٨هـ) في سير أعلام النبلاء ٢٣٢/٢١ في a وَصْف المرغيناني: العلامة، عالم ما وراء النهر، كان من أوعية العلم. اهـ ٨- وقال الإمام قوام الدين الكاكي، (ت٧٤٩هـ) في مقدمة كتابه: معراج الدراية في شرح الهداية، واصفاً صاحبَ الهداية بقوله: ((إلا أن كتاب الهداية للإمام الأعظم، والحَبْرِ المقدَّم، شيخٍ شيوخ الإسلام، حجةِ اللهِ على الأنام، شيخِ الإسلام برهان الدين المرغيناني ... )). اهـ ءِ ٩ - وقال الإمام الإتقانيّ أميرُ كاتب بن أمير عمر، (ت٧٥٨هـ) في آخر شرحه للهداية غاية البيان في وَصْف المرغيناني: ((الإمام المحقَّق النِّحرير، العلامة الكبير، شيخ الإسلام)). اهـ ١٠- وقال الإمام البابرْتي (ت٧٨٦هـ) في مقدمة العناية شرح الهداية واصفاً المرغينانيّ بقوله: ((شيخُ شيوخِ الإسلام، حُجَّةُ اللهِ على الأنامِ، مُرْشِدُ علماءِ الدهر، المَخصوصُ بالعناية، صاحبُ الهداية ... )). اهـ