النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كتاب الولاء
هذا إذا علمنا العتق، فلا يصح معنى العتق مع وجود ما ينافيه،
وكذلك التدبير؛ لأن مَن لا يصح عتقه: لا يصح تدبيره، إذ كان العتق آكد
من التدبير في باب الإثبات.
مسألة :
قال: (ولو استولد الحربيُّ أمةً، ثم أخرجها إلى دار الإسلام، وهما
مسلمان، أو دَخَلا بأمانٍ: كانت أمَّ ولدٍ له).
وذلك لأن الاستيلاد قد ثبت حكمه في ملك الغير، حتى إذا مَلَكَ،
استحق به العتق، كمن تزوج جاريةَ غيرِهِ، فاستولدها، ثم مَلَكَها: ثبت لها
حق الاستيلاد، وهو في هذا الباب يجري مجرى النسب(١).
مسألة : [بطلان عتق المسلم لعبده الحربي في دار الحرب]
قال أبو جعفر : (ومَن أعتق من المسلمين في دار الحرب عبداً له هناك
حربياً: كان عتقه باطلاً، ولم يستحق به ولاءَه؛ للمعنى الذي ذكرنا(٢)،
وهو بقاء اليد المنافي للعتق، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد(٣)).
ولا فَرْق في ذلك بين أن يكون المولى مسلماً أو كافراً بعد أن يكون
العبد حربياً؛ لوجود العلة التي ذكرنا في الجميع.
(وقال أبو يوسف: يكون مولاه في هذا إذا خَرَجَا إلينا مسلمين؛
استحساناً، وليس بقياس).
(١) بدائع الصنائع ١٦١/٤.
(٢) وفي المختصر ص ٤٠٢: ((لأن له أن يسبيَه بعد ذلك فيسترقَّه)).
(٣) وفي المختصر ص ٤٠٢ جعل محمداً مع أبي يوسف، وفي بدائع الصنائع
١٦١/٤ : أن قول محمد في هذه المسألة مضطرب.

٤٢٢
كتاب الولاء
واحتج أبو يوسف بما روي أنَّ أبا بكر الصديق أعتق تسعةً ممن كان
يُعذَّب في الله بمكة: صهيباً وبلالاً وغيرَهم، فكان ولاؤهم لأبي بكر،
و کانت مکة يومئذ دار حرب.
قال أحمد : هذا لا يدل على موضع الخلاف بينهم، من قِبَل أنَّ أبا
بكر أعتقهم وهم مسلمون، وكذا يقول أبو حنيفة فيمن أعتق عبداً مسلماً
في دار الحرب: أنّ له ولاءه، وإنما الخلاف بينهم في العبد الحربي إذا
أعتقه المسلم.
وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام أعتق زيد بن حارثة، وزيدٌ مسلم
حينئذ، فلذلك ثبت ولاؤه منه.
وأيضاً: فإن ذلك كان قَبْلَ فَرْض القتال، وإباحةِ الغنائم، فأما بعد
إباحة الغنائم، وفَرْضِ القتال، فإن رِقاب أهل الحرب قد صارت مباحةً،
معرّضةً للسبي والاسترقاق، فإذا ثبت الرق في شيء منها، لم يصح
إسقاطه مع وجود ما ينافيه من القهر والغلبة.
مسألة :
قال أبو جعفر: (ولو سُبي العبد المعتَق بعد عتق مولاه إياه: كان
مملوكاً للذي سباه، في قولهم جميعاً).
وذلك لأنه باقٍ على حكم الحرب، وجواز عتقه عند أبي يوسف لم
يُخْرجه عن حكم الحرب، فهو كسائر أحرار أهل الجرب إذا سُبُوا: جرى
عليهم الرق(١).
(١) بدائع الصنائع ١٦١/٤.

٤٢٣
كتاب الولاء
مسألة : [ميراث العبد المعتق الذي ترك بني بني مولاه]
قال: (ومَن أعتق عبدَه ثم مات المعتِقِ، ثم مات العبد المعتَق بعد
ذلك، وتَرَكَ بني بني مولاه ذكوراً كلهم: ورثوا بالسوية، ولا يُنظر فيه إلى
مواريثهم بآبائهم، وذلك أنهم إنما يرثونه بجدّهم الذي كان أعتقه، وهم
متساوون في القرب من الجد)(١).
مسألة: [مَن مَلَكَ ذا رحمٍ مَحْرم فهو حرًّا
قال: (ومَن مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرم منه: فهو حرٌّ عليه، وله ولاؤه).
قال أحمد : روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((مَن مَلَكَ ذا
رَحِمٍ مَحْرم، فهو حرٌّ)(٢)، رواه ابن عمر وعائشة وسَمُرة.
فأما حديث ابن عمر: فحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حسين
بن إسحاق قال: حدثنا أبو عمير عيسى بن محمد النحاس قال: حدثنا
ضمرة عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((مَن ملك ذا رَحِمٍ مَحْرم عَتَق)).
فإن قيل: هذا حديث تفرَّد به ضَمْرة، لم يروه غیرُه عن سفيان.
(١) بدائع الصنائع ١٦٤/٤.
(٢) سنن أبي داود ٣٥١/٢، جامع الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي
٢٩٠/٢، سنن ابن ماجه ٧٨/٢، وفي الزوائد: في إسناد طريق ابن عمر مَن
تُكلم فيه، وقال ابن التركماني: مَن شك ليس بحجة على مَن لم يشك، كيف
والذي لم يشكُّوا جماعة ... إلخ الجوهر النقي ٢٨٩/١٠، نصب الراية ٢٨٠/٣،
الهداية على البداية للغماري ٣٤٨/٨، وفيه التأكيد على صحة الحديث، والرد
على مَن تكلم فيه.

٤٢٤
کتاب الولاء
قيل له: ضمرة ثقة، وروايته مقبولة وإن تفرَّد بها(١)؛ لأن من أصلنا
جميعاً قبول أخبار الآحاد.
وأما حديث عائشة: فحدثناه عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن
محمد بن الجعد قال: حدثنا محمد بن بكار قال: حدثنا إسماعيل بن
عياش عن عطاء بن عجلان عن ابن أبي مُلَيْكة عن عائشة قالت: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن مَلَكَ ذا رَحِم مَحْرم: فهو حُرٌّ)(٢).
قال لنا عبد الباقي: هذا حديث صحيح من حديث عطاء.
وأما حديث سمرة: فحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال:
حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا حماد بن سلمة
عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((مَن
مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرم: فهو حرٌّ)(٣).
قال أبو داود(٤): ((روى محمد بن بكر البرساني عن حماد بن سلمة
عن قتادة وعاصم يعني الأحول عن الحسن عن سمرة عن النبي عليه
الصلاة والسلام مثل ذلك)).
قال أحمد: وهو قول عمر وعبد الله بن مسعود وعطاء والشعبي(٥).
(١) ينظر: الجوهر النقي ٢٩٠/١٠.
(٢) انظر نصب الراية ٢٨٠/٣، قال الزيلعي: وروي بإسناد ضعيف من حديث
عائشة اهــ
(٣) سنن أبي داود ٣٥١/٢.
(٤) سنن أبي داود ٣٥١/٢.
(٥) السنن الكبرى ٢٩٠/١٠، شرح معاني الآثار ١١٠/٣.

٤٢٥
کتاب الولاء
* ووجهه من طريق النظر: اتفاق الجميع على أنَّ مَن مَلَكَ وَلَدَه، أو
والده: عَتَق عليه، والمعنى فيه ما تعلَّق بالنسب من تحريم النكاح، وهو
موجودٌ في كل ذي رَحْمٍ مَحْرم.
وعلة أخرى: وهي أنَّ مِن أصلنا: أنه تلزمه نفقته عند الحاجة بغير
بدل، فوجب أن يعتق عليه بالملك قياساً على الأب(١).
(١) شرح معاني الآثار ٣/ ١٠٩، الهداية والعناية عليها ٨ / ١١٧.

٤٢٧
كتاب المفقود
كتاب المفقود
مسألة: [التوقف في التصرف في مال المفقود(١)، وفي زواج امرأته]
قال أبو جعفر: (وإذا فُقِد الرجلُ: لم يُقْسَم ماله، ولم تتزوج امرأتُه
حتى يُعلم موته).
قال أحمد: وهو قول علي رضي الله عنه، وقال: ((أيما امرأة ابتليت:
فلتصبر حتى يستبِيْن موتٌ أو طلاق))(٢).
وروي عن عمر: «أنها تتربص أربع سنين، ثم تعتد، فإذا انقضت
عدتها، تزوجت))(٣).
والأصل فيه: أنَّ الرجل قد كان معلوماً حياته يقيناً، فلا يجوز الحكم
بزوالها إلا بيقين، كما أنَّا متى علمنا مِلْكاً لإنسان: لم يجز لنا الحكم بزواله
إلا بيقين.
(١) يقال: فقدتُ الشيء: غاب عني، والمفقود في الشريعة: هو غائبٌ لم يُدْرَ
موضعه، وحياته، وموته. ينظر: المغرب ص٣٦٣، فتح القدير ٣٦٨/٥، بدائع
الصنائع ١٩٦/٦.
(٢) نصب الراية ٤٧٣/٣، وعزاه إلى عبد الرزاق في مصنفه، موسوعة فقه علي
ص٥٦٢، فتح القدير ٣٧٢/٥.
(٣) السنن الكبرى ٤٤٥/٧، نصب الراية ٤٧٢/٣.

٤٢٨
كتاب المفقود
مسألة : [من يصح الإنفاق عليهم من مال المفقود]
قال أبو جعفر: (وإن احتاج مَن يرثه لو صحت وفاته إلى نفقة من
ماله، : فإنه لا يُنْفَق على أحدٍ منهم من ماله إلا على زوجته أو صغارِ
ولده، ومَن يستحق عليه النفقة لو كان حاضراً بالمعروف).
وذلك لأنهم غير مستحقين لماله بالميراث، ما لم يُعلَم موته، فلا
يُفرَض لأحدٍ منهم نفقة في ماله، إلا لمن يستحقها لو كان المفقود حياً
حاضراً، أو غائباً معلوماً حياته.
[يستحسن الاستيثاق بكفيل ممن أُنفق عليه من مال المفقود]
قال: (وإن استَوْثق القاضي ممن أعطاه النفقة بكفيل ثقة(١)، كان
حسناً، وإن ضمنهم ذلك من غير كفيل أخذه منه، كان حَسَناً).
وذلك لأن في تضمينه احتياطاً للغائب، لئلا يَتْوىُ مالُه إذا حضر،
وقد أنفق عليه من ماله على مَن عسى أن يكون قد أخذ ذلك مرة.
مسألة : [التصرف في مال المفقود بأمر القاضي]
قال(٢): (ولا يباع من عقاره، ولا من دوره، ولا من أرضه شيء دون
القاضي).
لأنه لا ولایة لأحد من هؤلاء علیه، والمال باقٍ علی حکمٍ ملکه حتى
یتیقَّن موته.
(١) في (د، م): والمختصر ص ٤٠٣: ((بكفيل))، بدون: ((ثقة)).
(٢) ذكر الإمام الطحاوي قبل قوله: (ولا يباع من عقاره) بعض الأحكام، وترك
الجصاص ذكرها هنا، وضمَّنها فيما بعدها. انظر المختصر ص٤٠٣ - ٤٠٤.

٤٢٩
كتاب المفقود
مسألة : [محافظة القاضي على مال المفقود]
قال أبو جعفر: (وإذا رُفع ذلك إلى القاضي، جَعَلَ فيه قَيِّماً يحفظه،
ويبيع ما يخاف عليه الفساد منه، ولا يبيع ما لا يخاف عليه الفساد منه في
نفقةٍ، ولا في غيرها لزوجة، ولا لولد صغير، ولا لغيرهما).
قال أحمد : القاضي منصوبٌ لحفظ أموال الناس وإيصال ذوي
الحقوق إلى حقوقهم، فمتى خاف التّوى والهلاك على مال الغائب: جاز
له أن یبیعه.
ولا يبيع العقار، ولا ما لا يخاف عليه الفساد، لأنه لا حظًّ فيه
للغائب، وهو محفوظ بنفسه، لا يُحتاج إلى بيعه للتوصل إلى حفظه.
مسألة : [ما يُرخَّص فيه للأب المحتاج من مال ابنه المفقود]
قال: (وكان أبو حنيفة يقول: إذا غاب الرجل وأبواه محتاجان: فلأبيه
أن يبيع من ماله فيما يكتسي به، ويأكل من متاع ابنه، ما خلا عقاره، فإنه
لا يبيع منه شيئاً، وكذلك قياس قوله في المفقود).
قال أحمد : وهذا استحسان من قول أبي حنيفة، ووجهه: قولُ النبي
عليه الصلاة والسلام: ((أنت ومالك لأبيك))(١)، وقوله: ((إنما أولادكم مِن
كَسْبُكم، فكلوا مِن كَسْب أولادكم»(٢).
ورُوي في تأويل قوله تعالى(٣): ﴿مَآ أَغْنَ عَنْهُ مَالُهُ، وَمَا
(١) سبق.
(٢) سبق.
(٣) في (ر.ح): ((وروي في تأويل قوله تعالى: ﴿مَآ أَغْنَى عَّ مَالِيَهْ﴾، و﴿ مَآ أَغْنَى
=

٤٣٠
كتاب المفقود
كَسَبَ﴾(١): أنه يعني: ما وُلد، مع ما(٢) كان استحق عليه من الولاية
في البيع والتصرف في حال الصغر، فأجاز مثل ذلك فيما استحقه لنفقته،
مما يجوز أن يستحق به الولاية عليه لأجل غيبته، وهو ما سوى العقار.
ألا ترى أنَّ القاضي يستحق عليه من الولاية في البيع والتصرف في حال
الصغر، فأجاز مثل ذلك فيما استحقه لنفقته، مما يجوز أن يستحق عليه
الولاية في حال غيبته، في بيع ما سوى العقار، مما يُخاف عليه التّوى.
وأن وصيَّ الأب على الكبير الغائب يبيع ما سوى العقار، ولا يبيع
العقار.
وكذلك وصي الأم والأخ، وإن لم يستحق عليه هذه الولاية لو كان
حاضراً، فلذلك خصَّ أبو حنيفة الأب بجواز بيعه لمال ابنه الغائب، ما
عدا العقار لنفقته، ولم يُجزه في العقار.
* قال: (وأما أبو يوسف ومحمد: فكانا لا يجيزان ذلك له، إلا أن
يقضي به القاضي).
وذلك لأن الأب لا ولاية له على الكبير في بيع متاعه في حال الغيبة
والحضور جميعاً لو لم يستحق النفقة، واستحقاقه النفقة عليه لا يوجب له
ولاية في بيع ماله، كسائر ذوي الرحم المَحْرم، الذين يستحقون النفقة
على الغائب ولا يبيعون.
عَنْهُ مَالُهُ، وَمَا كَسَبَ))).
(١) المسد: ٢.
(٢) في (د، م): ((وما ولد لما قد كان)).

٤٣١
كتاب المفقود
[ما يُرخَّص للقاضي من التصرفات في مال المفقود، والقضاء على
الغائب]
قال أبو جعفر: (وينفق القاضي على مَن تجب له النفقة من مال
المفقود، من ودائعه وديونه اللاتي يُقِرُّ بها مَن هي عنده، ومَن هي عليه،
فأما ما كان مِن ذلك لا يُقِرُّ به مَن هو عنده أو عليه، فإن القاضي لا يسمع
من بينته، ولا خصومة بينه وبين مَن عنده ذلك).
قال أحمد: لا يفرض عليه في الوديعة والدّيْن، إلا أن يعترف الذي
عنده ذلك بالمال للمفقود، وبالسبب الذي به يستحق المفروض له ذلك،
من نكاحٍ، أو نسبٍ، فإن جحد أحدُهما: لم يكن بينهما خصومة، وذلك
لأنه إن جَحَد المال، فالمدعي للنفقة يريد إثبات الملك للغائب، وليس
هو بوکیلٍ له، ولا خصم عنه، فلا يلتفت إلى دعواه.
وإن أقرَّ بالمال، أو جحد السبب الذي به يستحق ذلك، من نكاح، أو
نسبٍ، فليس هذا المدعى عليه خصماً في إثبات نسب الغائب، ولا في
إثبات النكاح بينها وبينه، والبينات لا تُسمع إلا على خصمٍ حاضر؛ لأن
القضاء على الغائب لا يجوز عندنا، لما روى حماد بن سلمة عن سماك
بن حرب عن حنش بن المعتمر عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن: ((لا تقضٍ لأحد الخصمين حتى
تَسمع من الآخر))(١).
(١) سنن أبي داود ٢٧٠/٢، جامع الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي
٢٧٧/٢، وقال الترمذي: حديث حسن، الهداية على البداية ٦٦٩/٨، السنن الكبرى
والجوهر النقي عليه ١٠ / ١٤٠.

٤٣٢
كتاب المفقود
فإن قيل: رُوي في بعض الأخبار أنه قال: ((إذا ارتفع إليك الخصمان،
فلا تقضٍ لأحدهما حتى تسمع من الآخر))(١).
قيل له: اللفظان صحيحان، وهما مستعملان جميعاً، لا يسقط
أحدهما بالآخر، ويُحمل الأمر على أنه قال الأمرين جميعاً، فإذا ارتفعا
جميعاً، لم يقض لأحدهما حتى يسمع من الآخر، وإذا جاء أحدهما: لم
يقض له أيضاً حتى يسمع من الآخر بالخبر المطلق، الذي لم يذكر فيه
حال ارتفاعهما إلیه.
وأيضاً: فإذا ثبت بالاتفاق أنه لا يقضي لأحدهما إذا كانا حاضرين،
حتى يسمع من الآخر، قِسْنا على ذلك حال الغيبة، ويكون المعنى فيه: أنه
جائزٌ أن تكون للخصم حجةٌ يُدلي بها في إسقاط بينته.
فإن قيل: هذا المعنى موجود عند حضور وكيله، وفي سائر ما تقضون
به على حاضر، ويبيع به على الغائب.
قيل له: الوكيل ومَن يتوجه عليه القضاء من الحاضرين، فيلزم الغائب
قائمٌ مقامَ الغائب في الخصومة، فكأن الغائب حضر، فخوصم، فإذا توجه
القضاء عليه، لا ينتظر كون حجةٍ يُدْلي بها في الثاني، كذلك إذا حضر
و کیله، أو من يتوجه بحضوره القضاء عليه.
وعلى أنه لو كان جواز القضاء على الغائب بحضور الوكيل والخصم
الذي يتوجه بحضوره القضاء على الغائب أصلاً فيما اختلفنا فيه، لكان
جواز القضاء للغائب بحضور خصم تُسمع منه البينة عليه أصلاً في جواز
القضاء للغائب وإن لم يحضر عنه خصم.
(١) السنن الكبرى ١٤٠/١٠.

٤٣٣
كتاب المفقود
فلما اتفق الجميع على أنَّ القضاء للغائب قد يصح بحضور خصم
عنه، مثل أن يحضر أحد الورثة، ويدعي حقاً للميت، فيكون خصماً في
إثباته، ويثبت ذلك لسائرهم بخصومته، ثم لم يجز مع ذلك القضاء للغائب
من غير خصم، كذلك جاز أن يُقضى على الغائب بحضور خصم، ولا
يجوز قياساً عليه القضاء على الغائب من غير خصم حاضر.
فإن قيل: قال النبي عليه الصلاة والسلام لهند امرأة أبي سفيان حين
قالت له: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال:
((خُذِي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدَك بالمعروف)) (١)، وذلك قضاء
على الغائب.
قيل له: ومِن أين لك أنَّ أبا سفيان كان غائباً حين قال لها النبي عليه
الصلاة والسلام هذا القول، حتى تجعله أصلاً لجواز القضاء على الغائب؟
وقد رُوي لنا في حديث لا يحضرني سنده، ((أنّ أبا سفيان كان
حاضراً)(٢).
وعلى أنه لو سلمنا لك أنه كان غائباً، لم يدل على شيء مما ذكرت،
من قِبَل أنَّ ذلك لم يكن على وجه القضاء، وإنما كان على وجه الفتيا،
والإخبار بما يسعها فِعْله فيما بينها وبين الله تعالى.
والدليل على ذلك: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يسألها البينة على
ما ادَّعت على أبي سفيان، من مَنْع حقها من النفقة، ومعلومٌ أنّ النبي عليه
(١) صحيح مسلم ١٢/ ٧.
(٢) فتح الباري ٤٢١/٩، الطبقات الكبرى ١٨٩/٨، المستدرك ٥٢٨/٢،
إعلاء السنن ١١٠/١٥.

٤٣٤
كتاب المفقود
الصلاة والسلام لم يكن ليصدِّقها على دعواها بغير بينة، فعُلِم أنَّ ذلك لم
يكن على جهة القضاء.
ويدل على ما ذكرنا: أنه قال لها: ((خُذِي من ماله ما يكفيك وولدَك
بالمعروف))، فجعل التقدير إليها فيما تأخذه، ومعلومٌ أنَّ ما كان مِن فَرْض
النفقة على وجه القضاء، لا يكون تقديره إلى مستحقه؛ لأن قضاء الإنسان
س
لا يجوز لنفسه، فدلَّ أنه لم يكن على وجه القضاء.
وأيضاً: فإن لم نختلف أنَّ مَن له على إنسان مال، فوَجَدَ له من جنسه
مثله، أنه يأخذه قضاءً مما له عليه، فما في ذلك من القضاء على الغائب،
والنبيُّ عليه الصلاة والسلام إنما أخبرها بشيءٍ لها أن تفعله من غير قاض.
أرأيتَ رجلاً له على رجل ألف درهم، فوَقَعَ له في يده ألف درهم
مثلها، أليس له أن يقبضها مما له علیه؟
فأيُّ قضاء في ذلك، وإنما يكون القضاء على الغائب، بأن يثبت عليه
القاضي مالاً، أو عقداً ببينة تشهد عنده عليه مع غيبته، وبعد حضور
خصم عنه(١).
مسألة : [المدة التي يُحكم فيها بموت المفقود]
قال أبو جعفر: (ولو أنَّ هذا المفقود أتى عليه من المدة وهو مفقودٌ
ما لا يعيش مثلُه إلى مثلها: قُضي بموته، ثم قُسم مالُه يوم قُضي بموته
بين ورثته الموجودين يومئذ)، ولا يرثه مَن مات قبل ذلك، ولا يرث
(١) انظر: الهداية وفتح القدير ٣٦٨/٥، بدائع الصنائع ٢٦/٤، ٣٧، ١٩٦/٦،
الجوهر النقي ١٤١/١٠، فتح الباري ٤١٨/٩-٤٢٢، إعلاء السنن ١٠٩/١٥.

٤٣٥
كتاب المفقود
المفقودُ منه (١) أيضاً.
: (ولم يوقّت محمدٌ في ذلك وَقْتاً)، وأكثر ما قال: إن مَن فُقْدَ
بصفِّين(٢)، أو الجَمَل(٣)، فإن هذا قد مات.
* (وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا مضت مائة وعشرون
سنة من يوم ولد: قضي بموته، ولا يُقضى بموته فيما دون ذلك).
قال أحمد : ويشبه أن تكون رواية محمد موافقة لهذه الرواية؛ لأن
الوقت الذي ذكره من أَمْر الجَمَل، وصِفِين، قد يكون بينه وبين الوقت
الذي ذكره محمد لموت المفقود فيهما مائة وعشرون سنة.
وإنما اعتبر ذلك، لأنه معلوم أنَّ أَمْر الجَمَل وصِفِين، كان من الأمور
العِظَام المشهورة التي لا تَخفى على أحدٍ كان في دار الإسلام وهو يعقل،
وأنه لو كان بقي أحدٌ ممن أدرك ذلك، لشُهِر أمره، ولم يَخْفَ حاله، فإذا
لم يجدوا واحداً يُذكر عنه أنه شَهِد ذلك، عَلِمْنا أنه ليس في العادة بقاء
الإنسان في هذا العصر هذه المدة، فيُحكم حينئذ بموته في الوقت الذي
(١) أي لا يرث المفقود ممن مات قبل أن يُقضى بموت المفقود، كما سيذكر
الشارح بعد قليل.
(٢) صِفِّين: موضع بقرب الرقة شمال سورية، على شاطئ الفرات من الجانب
الغربي بين الرقة، وكانت وقعة (صِفُّين) بين علي ومعاوية رضي الله عنهما سنة ٣٧هـ.
ينظر معجم البلدان ٤١٤/٣، تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) ص٥٣٧.
(٣) الجَمَل: كانت وقعة بين علي رضي الله عنه من جهة، وبين أم المؤمنين
عائشة رضي الله عنها، والزبير بن العوام وطلحة، وكانت الوقعة يوم الجمعة خارج
البصرة، وذلك سنة ٣٦هـ. ينظر تاريخ الطبري ١١/٣، تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء
الراشدین) ص ٤٨٣.

٤٣٦
كتاب المفقود
يُتيقن أنَّ مثلَه لا يعيش إلى مثله في العادة.
* ثم يكون ميتاً في هذه الحال، فيما يُستحق عليه من ميراثه.
* ولا يكون محكوماً بحياته أيضاً فيما يستحقه هو من ميراثٍ مَن مات
مِن ورثته قَبْل هذه المدة، بل يرث كلَّ واحد منهم ورثتَه، لأنا لم نتيقن
تقدُّم موت أحدهما على الآخر، فصار كالقوم يغرقون جميعاً، أو يقع
عليهم البيت، فيُورَّث الأحياء من الأموات، ولا يرث الأموات بعضهم من
بعض، وصاروا في هذا الوجه كأنهم ماتوا جميعاً معاً (١).
مسألة : [كيفية توزيع ميراث مَن ترك أولاداً بينهم مفقود]
قال أبو جعفر : (ومَن مات وله ابنتان، وابنُ ابنٍ أبوه مفقود لا يُدرى
ما حاله: فإن القاضي يجعل تَرِكَتَه في يد رجلٍ يحفظها، فإن طلبت الابنتان
ميراثَهما منه: فإن القاضي يعطيهما النصف؛ لأنه لا يدري لعل المفقود
حي، ويجوز أن يكون مات قبله، فيعطيهما أقل النصيبين؛ لأنه يقينٌ،
ويوقِف ما سوى ذلك؛ لأنا لا نعرف المستحَقَّ له، حتى يتبيَّن الأمر في
المفقود)(٢).
(١) الهداية وفتح القدير ٣٧٣/٥، بدائع الصنائع ١٩٦/٦، ولم يذكر أبا
يوسف، والمروي عنه مائة سنة، وقدَّره بعضهم بغير هذا، وهل المعتبر موت أقرانه
في بلده، أو جميع البلاد، فإن الأعمار قد تختلف طولاً وقصراً؟
(٢) هذه المسألة من المسائل القليلة التي اقتصر فيها الجصاص على كلام أبي
جعفر، مع تصرُّف قليل، وذلك لوضوحها.

٤٣٧
كتاب الإكراه
کتاب الإكراه
[أنواع الإكراه]
قال أحمد: نقدِّم مقدمةً في الإكراه، تشتمل على عامة مسائله،
ويَقْرُب بها فَهْم معانیه على قارئها، فنقول:
إن الإكراه من المسلِّط النافذِ الأمرَ يكون بثلاثة أشياء:
١ - إما بوَعِيدٍ بتلف نَفْس المكرَه، أو تلف بعض أعضائه.
٢- أو بحَبْسٍ وقَيْدٍ يُلْحِقِ به الاغتمامَ الشديد، والمشقّةَ العظيمة، من
غير خوف منه على النفس، ولا على بعض الأعضاء، أو بحَبْس يومٍ، أو
تقیید یوم، أو نحوه.
٣- أو لَطْمةٍ، أو سَوْطِ أو سَوْطين، مما لا يَلْحق الإنسان فيه كبيرٌ
ضررٍ، أو مشقةٌ شديدة.
فأما الوجه الأول: وهو الإكراه بالقتل، أو بإتلاف بعض الأعضاء:
فإنه ينتقل حُكْم فِعْل المكرَه إلى المكرِهِ، فيما يتعلق به من الضمان، أو
یجب من القصاص.
ويلزم الفاعلَ حُكْمُ فِعْله فيما يستوي فيه جِدُّ وهَزْله بالقول، ويجب
ضمان ما أتلف من المال على المكرِهِ.
وليس يلزم على ما أصَّلْنا: الإكراه بالقتل على الكفر، من حيث
كان جدُّه وهَزْله سواء؛ لأنا شرَطْنا ما كان جِدُّه وهَزْله سواء من جهة

٤٣٨
كتاب الإكراه
القول، وجِدُّ الكفر وهَزْله لم يتعلق حكمه بالقول، وإنما تعلَّق بالقصد
قبل أن يقول؛ لأن من قَصَدَ أن يَجِدَّ بالكفر، أو يهزل به: فقد كفر قَبْل
أن يقوله.
وإن قلتَ بَدَل قولك: جِدُّه وهزله: سهوه وعمده: سَقَطَ هذا السؤال
أصلاً.
وأما الوجه الثاني: وهو الإكراه بالحبس: فلا تأثير له في حكم الأفعال
رأساً، وحُكْمه ثابت في سقوط حكم الأقوال(١)، التي شَرْطُها الطَّوْع
والرضا، كالبيع، والهبة، والإقرار، ونحوها، ولا يتعلق فيه حكم
الضمان، لا في إيجابه، ولا في إسقاطه على واحدٍ منهما على المكرِهِ،
ولا على المكرَه.
فأما ما لا يختلف حكم جِدِّه وهَزْلِه من جهة القول: فهو واقعٌ مع
الإكراه بالحبس، كوقوعه مع الإكراه بالقتل، إلا أنّ حكمه لا ينتقل إلى
المكرِه في الحبس، وينتقل إليه حكمه في الإكراه بالقتل، في باب وجوب
الضمان علیه بالإتلاف.
وأما الوجه الثالث: وهو الإكراه بضرب سَوْطِ، أو لَطْمَةٍ، أو حَبْس
يوم ونحوه: فإنه لا تأثير له في شيء من الأقوال والأفعال، ووجوده
وعدمه سواء فيما يتعلق بالفعل من الحكم، فهذه العقود عليها تدور
مسائل الإكراه لمن راعاها وتبيّنَها.
* والدلالة على صحة ما ذكرنا من الوجه الأول: قولُ الله تعالى:
(١) في خ (د، م): ((الأفعال)).

٤٣٩
كتاب الإكراه
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَبِنٌّ بِآلْإِيمَنِ﴾(١).
روي أنها نزلت في شأن عمار بن ياسر، وذلك أنَّ المشركين أخذوه
وعذَّبوه، حتى أظهر لهم الكفر، فذَكَرَه للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال
له: ((كيف وجدتَ قلبك؟ قال: مطمئناً بالإيمان، قال: فإن عادوا فعُدْ))(٢).
فأسقط الله تعالى عنه حكم اللفظ الموجب لتكفيره، إذا ظهر منه على
غير وجه الإكراه بالإكراه الذي كان من القوم، فدل ذلك على صحة ما
ذكرنا، من أنَّ الإكراه بالقتل: ينقل حُكْمَ فِعْل المكرَه إلى المكرِهِ، فيما
يختلف فيه جِدُّهُ وهَزْلُه، وخطؤه وعمده من القول.
وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((رُفع عن أمتي الخطأ
والنسيان وما استكرهوا عليه))(٣).
٠
(١) النحل: ١٠٦.
(٢) أسباب النزول للواحدي ص٣٢٦، التفسير الكبير ١٢١/٢٠، فتح الباري
٢٦٢/١٢، وأورد طرقه، فبعضها مرسل، ولكن رجاله ثقات، وبعضها ضعيف، ثم
قال ابن حجر: وهذه المراسيل تقوى بعضها ببعض.
(٣) سنن الدارقطني ١٧٠/٤، المستدرك ٢١٦/٢، السنن الكبرى ٣٥٦/٧،
والحديث صححه الحاكم، وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وفي التعليق
المغني نقل روايات الحديث، وما ورد حولها، فمنهم من جوَّده، ومنهم من أنكره،
بل كأنها أحاديث موضوعة ... إلخ، وفي الهداية على البداية للغماري ١٦٧/١ قال:
وحسنه النووي، وأشار المؤلف إلى رواية الكثير له بإسقاط لفظ الجلالة، بينما هو:
((رفع الله))، أو: ((وضع الله))، ثم نبه بعدم الاغترار بثبوته هكذا عن الطبراني، كما ذكره
السيوطي في الجامع الصغير، وذكر الغماري بأنه وهم في ذلك، وينظر فيض القدير
للمناوي ٣٥/٤، بأنه لم يُسلَّم للنووي القول بحسنه.

٤٤٠
كتاب الإكراه
وروي أنَّ حذيفة بن اليمان وأباه أَخَذَهما المشركون، وحلّفوهما أن لا
يُعينا النبيَّ عليه الصلاة والسلام عليهم، فلما دَخَلا المدينة، ذكرا ذلك
لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام أراد الخروج
إلى بدر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((نَفِي لهم بعهدهم، ونستعين
الله علیھم))(١).
فهذا هو الأصل في حكم الإكراه بالقتل ونحوه.
* وأما الإكراه بالقيد والحبس: فقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه
قال: ((ليس الرجل بأمين على نفسه إذا ضُرِبَ، أو أُوثِق، أو جُوِّع))(٢).
وقال شريح: ((الحبس كُرْهٌ، والقيد كُرْهٌ)(٣).
ويدل على أنَّ الحبس إكراه: اتفاق الفقهاء على حَبْس مَن امتنع من
قضاء دينه، فوقع الإجبار على الخروج عن الحق بالحبس، فدل على أنه
إكراه.
فقلنا على هذا: إن ما كان شَرْطه الطَّوْعِ والرضا من الأقوال: فحُكْمه
ساقطٌ عن القائل مع وجود الإكراه بالحبس والقيد؛ لأنه إذا كان شَرْطه
الرضا، والحبس يدل على الكُرْه، وينافي الرضا والطّوْع: لم يثبت عليه
حكم قوله في هذه الحال.
* وإنما قلنا: إن الحبس لا يكون إكراهاً في الأفعال، من قِبَل أنَّ
(١) صحيح مسلم ١٢ / ١٤٤.
(٢) مصنف عبد الرزاق (١١٤٢٤) ٤١١/٦، ١٩٣/١٠، وانظر موسوعة فقه
عمر ص١٢٤.
(٣) مصنف عبد الرزاق (١١٤٢٣) ٤١١/٦، ١٩٣/١٠.