النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ کتاب الولاء فثبت أنَّ المعتق الذي صادف العتقُ ملكه، والمأمور لم يكن له ملك، فیعتق من جهته. * ولا فرق بين العثْق بالكتابة أو التدبير أو الوصية؛ لأن كل ذلك إنما صح من جهة المالك، أو بإيقاعه(١). مسألة : [ولاء السائبة لمن أعتق] قال أبو جعفر : (ومَن أعتق مملوكاً سائبةً(٢): كان ولاؤه له أيضاً، كأنه أعتقه غير سائبة). وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنما الولاء لمن أعتق))(٣). وقد ذُكر أنَّ عائشة كانت شَرَطت ولاء بَرِيرة لمواليها، فأبطل ذلك النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وجعله للمعتق، فكذلك إذا شرط سائبة. والسائبة: أن يعتقه على أن لا ولاء له، وأن ولاءه لجماعة (٤) المسلمین (٤). مسألة : [ولاء العبد المعتَق بأمر آمرٍ] قال أبو جعفر: (ومَن قال لرجل: أعتِقْ عبدَك عني على ألف درهم، فأعتقه: كان ولاؤه للآمر). (١) بدائع الصنائع ١٥٩/٤، الهداية والعناية ١٥٤/٨، الجوهر النقي ٣٣٦/١٠، عمدة القاري ١٣/ ١٢١. (٢) سيأتي تعريف السائبة في كلام المصنف بعد قليل. (٣) سبق. (٤) ينظر: الهداية مع شرحها العناية ١٥٥/٨، بدائع الصنائع ١٦٦/٤. ٤٠٢ کتاب الولاء وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسن بن المثنى بن معاذ قال: حدثنا عفان قال: حدثنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: ((قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الولاء لمن أعطىُ الثمن))(١). ورواه محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام مثله. وعموم هذا الخبر يقتضي كون الولاء للآمِر؛ لأنه أعطى الثمن. وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا الحسن بن العباس الرازي قال: حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا أبي عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الولاء لمن أعطىُ الوَرِقَ، ووليَ النِّعمة))(٢). وأيضاً فإن قوله: أعتِقْه عني على ألف درهم: يتضمن معنى التمليك؛ لأن العتق لا يقع عنه إلا وهو مالِكٌ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم))(٣). فصار كأنه قال: بِعْنيه بألف درهم، وأعتقه عني، فكان تحت اللفظ (١) كنز العمال ٣٣٩/١٠، وكذا في مشكل الآثار بمعناه رقم (٤٣٧٢) ١٧٥/١١). عن عائشة رضي الله عنها: ((الولاء لمن اشترى))، وفي الهامش: قال محققه الشیخ الأرناؤوط : إسناده صحيح. (٢) صحيح البخاري ١٢٦/٥، صحيح مسلم ١٤٦/١٠، السنن الكبرى ١٨٥/٦، وليس فيها: لمن أعطى الورق، كنز العمال (٢٩٦٢٢) ٣٢٤/١٠. (٣) سبق. ٤٠٣ كتاب الولاء معنيان: الشراء، والأمر بالعتق، ولو صَرَّح بذلك: جاز البيع والعتق جميعاً، كذلك إذا أطلق لفظاً يتضمنهما. فإن قيل: فكيف يجوز أن يقع الملك والعتق جميعاً معاً بلفظة واحدة، ومعلومٌ أنَّ العتق لا ينفذ إلا في ملك قد ثبت قبله، فأما ورود العتق والملك معاً في شخص واحد فمحال؟ قيل له: إن الملك إنما يقع من جهة الحكم، لا حقيقةً، وقد قالوا في رجل قال الرجل: قد بعتُك عبدي هذا بألف درهم، فقال: فهو حرٌّ: أنَّ البیع یتمُّ، ویقع العتق. والأصل في نظائر ذلك من المسائل: أنَّ رجلاً لو أَمَرَ رجلاً بقضاء دَیْن عليه، فقضاه: كان قبض الطالب متضمِّناً لمعنيين: أحدهما: حصول ملك المقبوض قرضاً على الآمر، ويحصل له بذلك حكم الملك، لاستحالة أن يثبت عليه حكم القرض، دون حصول الملك له(١). والمعنى الثاني: اقتضاء القابض له عمَّا له في ذمة الغريم ، ويستحيل مع ذلك ورود الملکین علیه في حال واحدة. وعلى هذا قالوا فيمن تزوج امرأةً علىُ عبدِ زيدٍ، فأجازه: أنَّ العبد يخرج من ملك المجيز إلى ملك المرأة، من غير أن يحصل فيما بينهما ملك للزوج في الحقيقة، إلا أنه مع ذلك لابدَّ من أن يحصل للزوج فيه حكم الملك؛ لأنه يلزمه به ضمان القيمة، وإذا ضمن البدل، حصل له حكم ملك الأصل. (١) في خ (د، م): ((ملك فيه)). ٤٠٤ کتاب الولاء ومن نظائره: رجل أوصى لرجل بعبدٍ، ومات، والموصى له غائب، فمات قبل أن يقبل الوصية: أنَّ العبد يصير لورثته، ويحصل بموته للموصى له حكم الملك، ويملکه الورثة أيضاً من جهته. ونظائر هذه المسألة كثيرةٌ، وفيما ذکرنا تنبيه عليها. وقالوا: لو قال لرجل: أعتِق عبدَك عني: ولم يذكر مالاً، فأعتقه: كان العتق عن المعتِق دون الآمر، وهذا صحيحٌ على ما قدَّمنا؛ لأنه بمنزلة مَن قال لرجل: هَبْ لي عبدك، وأعتقه عني: فلا يصح العتق عنه؛ لأن عقد الهبة لا يوجب الملك إلا بالقبض، ولا يصح أن يكون الواهب هو القابض، فوقع العتق في ملكه، دون ملك الآمر. * وقد يشكل على هذا، قولهم فيمن قال لرجل: أعتق عبدَك عني على مائة رطل خمراً: فأعتقه: أنَّ الولاء للآمِر، وعليه القيمة. وهذا في معنى عقد فاسد، والعقد الفاسد لا يقع الملك فيه إلا بالقبض، كالهبة لا توجب الملك إلا بالقبض، فكان يجب على ما قدَّمنا من الأصل: أن لا يقع العتق عن الآمر، كما قالوا في الهبة، وهذا هكذا إذا کان البیع فاسداً، لا عتق فیه. فأما إذا كان العقد مشروطاً فيه العتق، فإن فساد الشرط لا يبطله، ولا يكون بمنزلة مَن اشترى عبداً شراء فاسداً، وأَمَر البائع بعتقه، فأعتقه: أنَّ العتق واقع عن البائع، دون المشتري. وذلك لأن مسألتنا عَقْدٌ على عِثْقٍ مشروط فيه حكم الملك، وليس بمحض الشراء في الحقيقة، وإنما استشهدنا بمسألة الشراء عليها على جهة التقريب، وليس هو شراء في الحقيقة. ألا ترى أنه لو قال في جوابه: قد بعتُك بألف درهم: لم يقع بينهما ٤٠٥ کتاب الولاء بيع، ولو قال له: قد اشتريت عبدك: بألف درهم، فأعتقه عني، فقال: قد بعتك: وقع الشراء وإن لم يعتقه. فثبت أنَّ قوله: أعتِق عبدَك عني على ألف درهم: ليس بعقدِ شراءٍ في الحقيقة، وإنما هو علىُ عَقْدِ عِثْقٍ مشروطٍ فيه المال، فلا يبطله فساد البدل، كما لا يَبطل عقدُ الخلع، والعتقُ على مال، ونحوهما من العقود بفساد أبدالها(١). مسألة: [ولاء العتق عن كفارة ظهار] قال أبو جعفر : (وإذا أعتق عبده عن ظهارٍ، أو كفارة: فولاؤه له). بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: ((الولاء لمن أعتق)) (٢). مسألة : قال: (ومَن أعتق عبدَه عن غيره: كان حرَّاً عن نفسه، وله ولاؤه، أجاز ذلك الذي أعتقه عنه، أو لم يجزه). وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((الولاء لمن أعتق))(٣). وقولُه: عن فلان: لغوٌ: لأنه لا سبيل له إلىُ نَقْل الولاء عن نفسه إذا وقع العتق في ملكه، ولا يعتبر فيه إجازة المعتَق عنه؛ لأن الإجازة إنما تعمل في الأمور الموقوفة، فأما ما قد صحَّ وثبت، فلا اعتبار فيه بالإجازة. (١) ينظر: بدائع الصنائع ١٦٠/٤. (٢) سبق. (٣) سبق. ٤٠٦ كتاب الولاء مسألة: [الولاء لمن أعتق إلا أنه لا توارث إذا اختلفا ديناً] قال : (والكافر والمسلم في العتق سواء). وذلك لما قدَّمنا في المسلم من قوله عليه الصلاة والسلام: ((الولاء لمن أعتق))، إلا أنّ المسلم لا يرث الكافر بالولاء، ولا الكافر المسلم، کما لا یتوارثان بالنسب. وقد جعل النبي عليه الصلاة والسلام الولاء بمنزلة النسب(١)، بقوله: ((الولاء لُحْمةٌ كلُحْمة النسب))(٢). مسألة: [للمرأة ولاء مَن أعتقته، أو أعتق من أعتقته ] قال: (وليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أَعتق من أعتقن). وإنما كان لهن ولاء مَن أعتقن، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الولاء لمن أعتق)). ولما روي ((أنَّ بنت حمزة أعتقت عبداً لها، فمات، وتَرَكَ ابنته، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام نصفَ ميراثه لبنته، والنصف الباقي لبنت حمزة)) (٣). وإنما كان لها ولاء مَن أعتق معتِقُها، من قِبَل أنَّ عِثْق الثاني تعلَّقت صحته بعتقها للأول، فكان لها ولاء الثاني إذا مات الأول. (١) بدائع الصنائع ١٦٠/٤، إعلاء السنن ٢٨٢/١٦. (٢) سبق. (٣) السنن الكبرى ٢٤١/٦، سنن ابن ماجه (٢٧٦٨) ١٢٢/٢، نصب الراية ١٥٠/٤ وذكر طرقه، وأشار لبعض رواة السند، وما قيل عنهم. ٤٠٧ کتاب الولاء وليس لها ولاءً من غير هذين الوجهين؛ لأن الولاء تعصيبٌ، وليست المرأة من أهل التعصيب(١). مسألة : قال أبو جعفر: (ومَن تزوج من العبيد - بإذن مولاه - مولاةً لقوم، فولدت منه ولداً: كان ولاؤه لموالي أمه). وذلك لأنه ولدُ مولاتهم. ورُوي نحوه عن عمر، وعبد الله (٢)، وجماعة من الصحابة. وأيضاً لمَّا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الولاء لُحْمة كلُحمة النسب))، أفاد بذلك لَحَاق ولائه بموالي أمه، كما أنَّ له نسباً من ذوي أنساب أمه. * قال أبو جعفر : (فإن أُعتق أبوه بعد ذلك: جرَّ ولاءَه). وذلك لأن الولاء ضربٌ من التعصيب، والتعصيب من قِبَل الأب أولى منه من قِبَل الأم، فإذا اجتمع ولاءً من قِبَل الأم، ومن قِبَل الأب: كان الذي من قِبل الأب أولى. فإن قيل: لمَّا كان الولاء لُحْمة كالنسب، وقد ثبت كونه من موالي الأم، وَجَبَ أن لا ينفسخ بعتق الأب. (١) ينظر: مصنف عبد الرزاق ٣٦/٩، بدائع الصنائع ١٦٣/٤. (٢) أي ابن مسعود رضي الله عنه، وينظر: مصنف عبد الرزاق ٤٠/٩، السنن الكبرى ٣٠٦/١٠، وانظر موسوعة فقه عمر ص٨٨١، وموسوعة فقه عبد الله بن مسعود ص٥٨٢. ٤٠٨ کتاب الولاء قيل له: لم نقل: إنه انفسخ، وإنما حدث ولاءٌ هو أولى منه، كما أنَّ الأخ من أهل الميراث بالنسب الذي بينه وبين الميت، فإن حدث له ابنٌ، كان أولى من الأخ، ولم ينفسخ نسب الأخ(١). وقد روي ذلك عن جماعة من السلف، منهم عمر، وعلي، وعبد الله، وزيد بن ثابت، والزبير في آخرين منهم(٢). مسألة : [اقتصار جر الولاء على الأب] قال أبو جعفر: (ولا يجرُّ الولاء الجد). قال أحمد : معناه أنَّ عبداً لو تزوج مولاةً لقوم، فولدت منه، وله أبٌ عبد، فأُعتق أبوه، وهو جدُّ الصبي: أنَّ موالي الجد لا يلحق بهم ولاء هذا الولد، وذلك لأن الولاء كالنسب. لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((الولاء لُحْمة كلُحْمة النسب))(٣). ومعلومٌ أنَّ نسباً لم يثبت للابن، لا يجوز ثبوته للأب، فكذلك الولاء، لما لم يثبت من جهة أبي الولد، لم يجز ثبوته لجده. وأيضاً: لما كان الولاء تابعاً للعتق، ومعلومٌ أنَّ الولد لا يستحق الحرية بحرية الجد، ويستحقها بحرية الأب، ما لم ينتقل بالأم إلى الرق، (١) الهداية والعناية ١٥٥/٨، بدائع الصنائع ١٦٧/٤، الفتاوى الهندية ٢٨/٥. (٢) مصنف عبد الرزاق ٩ / ٤٠-٤٢. (٣) سبق. ٤٠٩ كتاب الولاء وجب أن لا يلحق بالجد في حكم الولاء، كما لا يلحق به في حكم الحرية(١). مسألة : [أعتق أمة وتزوجها مسلم ليس بعربي ولا مولى عتاقة لعربي] قال أبو جعفر: (وإذا أَعْتَقَ الرجلُ أمةً، فتزوجها رجلٌ مسلم ليس بعربي، ولا مولى عتاقة لعربي، فولدت منه ولداً، فإن أبا حنيفة كان يقول: ولاؤه لموالي أمه؛ لأن أباه لا نسب له، ولا ولاء عليه. وقال أبو يوسف ومحمد: حكمه في هذا حكم أبيه، ولا ولاء عليه في هذا لموالي أمه). قال أحمد: محمد مع أبي حنيفة في كتب الأصول، وأبو يوسف وحده في هذه المسألة، وعسى أن يكون ما ذكره أبو جعفر رواية وقعت إلیه عن محمد خلاف ما عندنا. وإنما شُرط أن لا يكون الأب عربياً، ولا مولى عربي عتاقة؛ لأن الأب إذا كان من العرب، فلا خلاف بينهم أن عَقْله على قوم أبيه؛ لأنهم عاقلته، وكذلك إذا كان مولى عربي؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((مولى القوم من أنفسهم))(٢). فهذا موضعٌ لا خلاف بينهم فیه. وإنما الخلاف إذا كان الأب لا عاقلة له: فقال أبو حنيفة: هو مولى لموالي أمه، كما أنَّ أباه لو كان عبداً: كان ولاؤه لموالي أمه؛ لأن العبد لا (١) بدائع الصنائع ١٦٧/٤، الفتاوى الهندية ٢٨/٥. (٢) صحيح البخاري مع الفتح ٤٨/١٢. ٤١٠ کتاب الولاء عاقلة له، كذلك الأب الحرُّ إذا لم تكن له عاقلة: فولاء الولد لموالي أمه. وقال أبو يوسف: إذا كان الأب حراً: لم يكن مولى لموالي أمه، كما لا يكون مولاهم إذا كان الأب عربياً، أو مولى عربي(١). مسألة : [ولاء ولد أمةٍ تزوجت بعبدٍ ثم أعتقها مولاها وهي حامل] قال أبو جعفر: (ولو أنَّ عبداً تزوج أمةً لقوم، فحملت منه، ثم أعتقها مولاها وهي حامل: كان له ولاؤها وولاء ولدها، ولم يتحول ذلك الولاء إلى موالي أبيه، وإن أُعتق أبوه). قال أحمد : وذلك لأن العتق صادفه بنفسه، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((الولاء لمن أعتق))(٢). وليس هذا بمنزلة الحمل الحادث بعد عتقها، فيكون ولاء الولد لموالي أمه. ثم إذا أُعتق الأب جَرَّ الولاء، من قِبَل أن هذا الولد ها هنا لم يصادفه العتق؛ لأنها حَمَلت به وهي حرة، فاستحق موالي الأم ولاءه بالتعصيب، فإذا حدث له ولاء من جهة الأب: كان أولى؛ لأن التعصيب من جهة الأب أولى(٣). * قال أبو جعفر: (المدة التي يُعلم بها أنها كانت حاملاً بالولد يوم العتق: أن تأتي به بعد عتقها لأقل من ستة أشهر). (١) الجامع الصغير مع شرحه لأبي الحسنات اللكنوي ص٢٥٣، بدائع الصنائع ١٦٢/٤، الهداية ١٥٨/٨. (٢) سبق. (٣) الهداية والعناية ٨ /١٥٥. ٤١١ كتاب الولاء وذلك لأن مدة الحمل لا تكون أقل من ستة أشهر، وقد تكون ستة أشهر، قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾(١)، ثم قال: ﴿وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنِ﴾(٢)، فجعل الحمل ستة أشهر. * قال أبو جعفر: (إلا أن تكون في عِدَّةٍ من طلاق بائن، أو من موت زوجها، فيكون ما جاءت به لأقل من سنتين محكوماً بوقوع العتق عليها، وهي حامل). قال أحمد: الأصل في ذلك: أنَّ الولاء متى كان مباحاً، فكل ولد تأتي به، فهو لأدنى وطء إلى الحمل، وإذا حرم الوطء، ووجبت العدة، فكل ولد تأتي به لأقل من سنتين، فهو محكوم بوجوده قبل تحريم الوطء. ألا ترى أنا نُلحقه به، ولا نحكم بأنه وطئها بعد تحريم الوطء؛ لأن أمور المسلمين محمولة على الصحة والجواز، ولا يجوز حَمْلها على الفساد والبطلان ما وُجد لها مساعٌ في الصحة. ولهذا المعنى قالوا فيمن أوصى بثلث ماله لما في بطن فلانة، وهي تحت زوج: أنها إن جاءت به لأقل من ستة أشهر: صحَّت له الوصية، وإن كان لأكثر: لم تصح. ولو كانت مطلَّقةً معتدةً، فكل ولد تأتي به لأقل من سنتين: فله .. (٣) الوصية(٣). (١) الأحقاف: ١٥. (٢) لقمان: ١٤ . (٣) بدائع الصنائع ١٦٧/٤، الهداية والعناية، ١٥٦/٨-١٥٧. ٤١٢ كتاب الولاء مسألة : [ولاء المعاقدة (١)] قال أبو جعفر: (وجائزٌ لَمَن لا ولاء عليه لأحدٍ أن يواليَ مَن شاء من الأحرار). وذلك لعموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوهُمْ (٢) نَصِيبَهُمْ﴾ (٢). فكان هذا حكماً ثابتاً في استحقاق الميراث بولاء المعاقدة، وهو عندنا ثابت، إلا أن يجيء من النسب، أو من الولاء ما هو أولى بالميراث والعقل منه. وقد روي ((أنَّ تميماً الداري سأل النبيَّ عليه الصلاة والسلام عن الرجل يُسلِم على يدي الرجل، فقال: هو أولى الناس بمحياه ومماته»(٣). وقد رأيت في بعض المواضع: ((أنه سأله عن رجل أسلم على يدي رجل ووالاه))(٤)، إلا أني أنهيت حكايته؛ لأني لم أجده فيما سمعتُه. (١) هو أن يُسلِم رجلٌ على يد رجل، فيقول الذي أسلم على يده أو لغيره: واليتُك على أني إن متُّ: فميراثي لك، وإن جنيتُ: فعَقلي عليك وعلىُ عاقلتك، وقَبِلَ الآخر منه. نتائج الأفكار، نقلاً عن الذخيرة ١٦/٨. (٢) النساء: ٣٣. (٣) سنن أبي داود ١١٥/٢، المستدرك ٢٣٨/٢، سنن الدار قطني ١٨١/٤، وفي التعليق المغني: الحديث مختلف فيه، ليس بمتصل، ضعيف، وذكره البخاري في صحيحه تعليقاً، وينظر الجوهر النقي ٢٩٦/١٠، نصب الراية ٤ /١٥٦. (٤) لم أقف عليه. ٤١٣ كتاب الولاء وعلى أنه لا خلاف بين الفقهاء أنَّ إسلامه على يده: لا يوجب إثبات الولاء؛ لأنه لو كان كذلك، لوجب أن يكون كل مَن دعاه النبي عليه الصلاة والسلام إلى الإسلام، فأسلم: مولى للنبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك مَن دعاه أبو بكر، وعمر، وما فتحاه من البلاد فأسلم أهلها، فدل ذلك على أنَّ عقد الموالاة مشروطٌ في حديث تميم الداري، فمِن أجله کان أولى الناس بمحياه ومماته. وأيضاً: فإن من أصلنا: أنَّ مَن لا وارث له، جازت وصيته بجميع ماله، وقام الموصى له فيه مقام الوارث، ومعاقدة الولاء تتضمن ذلك، فينبغي أن يصح له ذلك بالعقد، كما يصح بعقد الوصية، ومن أجل ذلك احتاج أن يَشرط في عقد الولاء: أنه يرثه، ويَعقِل عنه، وإذا ثبت حكم الميراث من هذا الوجه، ثبت حكم العَقْل. فإن قيل: كيف يجوز له معاقدة على عاقلته في إلزامه إياهم جنايته بقوله؟ قيل له: كما أجاز أن يُلزمهم جنايته بعتقه لو أعتقه وهو عبد. مسألة : [التحول بولاء المعاقدة] قال أبو جعفر: (وله أن يتحوَّل بولائه إلى غيره ما لم يَعْقَل عنه). قال أحمد : وذلك لأنه حقٌّ أوجبه له بقوله، متبرِّعاً لم يعتض عنه عوضاً، فهو بمنزلة الوصية، له أن يرجع فيه قبل موته، وبمنزلة الهبة له الرجوع فيها ما لم يقبض عنها. وإنما لم يكن له أن يتحول بولائه بعد العقل؛ لأنه قد اعتاض عنه، وهو العقل الذي غرموه عنه، فليس له أن يرجع فيما أوجبه له من الولاء، كما أنَّ الهبة إذا اعتاض عنها الواهب: لم يصح له الرجوع فيها. ٤١٤ کتاب الولاء وأيضاً: فقد تعلق بذلك الولاء حكمٌ لا يمكنه فسخه، وهو ما أدَّوه من العَقْل، فإذا حُكْم الولاء ثابت بحيث لا يلحقه الفسخ(١). مسألة : [دخول الأولاد الصغار ضمن ولاء أبيهم] قال أبو جعفر: (ومَن والى رجلاً وله أولاد صغار: فإنهم يكونون بذلك موالي للذي والاه أبوهم). قال أحمد : ولا يكون ولده الكبار موالي للذي والاه الأب، وذلك لأن قوله جائز على الصغار، ولا يجوز على الكبار، ألا ترى أنه يستحق التصرف عليهم بنفسه، ولا يستحقه على الكبار(٢). مسألة : [تقديم عصبة النسب في الميراث على عصبة العتاقة] قال أبو جعفر: (وعصبةُ الميت من ذوي أنسابه أَوْلى بالميراث من مولى العتاقة)، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. [مسألة : ] قال: (ومولى العتاقة عصبةً إذا لم يكن له عصبة من النسب، يستحق فَضْلَ الميراث، كما يستحقه سائر العصبات من ذوي الأنساب). وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام ((أعطى بنتَ حمزة نصف ميراث مولاها الذي أعتقته)) (٣). (١) مصنف عبد الرزاق ١٢١/٩، الهداية وشروحها ١٦٢/٨-١٦٥، بدائع الصنائع ٤ /١٧٠. (٢) بدائع الصنائع ٤ /١٧٢، الفتاوى الهندية ٣٣/٥. (٣) سبق. ٤١٥ كتاب الولاء وإعطاء البنت النصف، يدل على أنه أقامها مقام العصبات من ذوي الأنساب(١). [مسألة : ] قال : (ومولى العتاقة أحق بالميراث من ذوي الأرحام). وذلك لأنه عصبة، والعصبة أولى بالميراث من ذوي الأرحام. [مسألة : ] قال: (وذووا الأرحام أحق بالميراث من مولى الموالاة). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى يَبَعْضٍ﴾(٢). ولأن ما يأخذه مولى الموالاة يشبه(٣) الوصية من الوجه الذي بيَّنَّا، وهو أنه لا يستحقه إلا بالمعاقدة على ذكر التوريث، وفارق مولى العَتّاقة؛ لأنه لا يحتاج في ذکر استحقاقه إلى ذكر التوريث(٤). مسألة : [الأحق بميراث من مات وترك ابن مولاه وأبا مولاه] قال: (ومَن ترك ابنَ مولاه، وأبا مولاه، فإن أبا حنيفة ومحمداً قالا: ميراثُه لابن مولاه دون الأب(٥)، وقال أبو يوسف: هو بينهما: لأبي المولىُ (١) في (د، م): ((مقام العصبات مثل الأخ والعم)). (٢) الأنفال: ٧٥. (٣) في (ر.ح): ((بمنزلة)). (٤) بدائع الصنائع ٤ /١٦٢، الهداية ١٥٩/٨. (٥) في (د،م): ((لأب مولاه دون الابن))، وما في (ر.حـ) هو ما أثبته، وهو موافقٌ للمختصر المطبوع ص ٤٠٠، ولسياق كلام الشارح. ٤١٦ كتاب الولاء السدس، وما بقي فللابن). وجه قولهما: أنَّ الميراث إنما يُستحق بالتعصيب في هذا الوجه، وأقرب العصبة الابن، ولا تعصيب للأب مع الابن؛ لأن معه ذو سهم، ألا ترى أنه يستحق السدس بالتسمية، وما بقي فللابن بالتعصيب. ولأبي يوسف: أنَّ التسمية لا تُخرجه من حكم التعصيب، إذ قد يجوز أن يُجمَع له الأمران، ألا ترى أنَّ رجلاً لو مات، وترك بنتاً وأبوين: أنَّ للبنت النصفَ، وللأبوين السدسين(١)، وما بقي فللأب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُوَلَدٌ﴾(٢). وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((ما أبقت الفرائض فلأَولى عصبةٍ ذکر)»(٣). فاستحق الأب في هذه المسألة بالتسمية والتعصيب معاً، وإذا كان كذلك، لم تخرجه التسمية مع الابن من حكم التعصيب، فوجب أن يستحقا(٤) الميراث على ذلك. مسألة : قال أبو جعفر : (ومَن ترك جدَّ مولاه أبا أبيه، وأخا مولاه لأبيه وأمه، أو لأبيه، فإن أبا حنيفة كان يقول: ميراثه لجدِّ مولاه، دون أخي مولاه). (١) في (ر.حـ): ((السدسان)). (٢) النساء: ١١. (٣) صحيح البخاري ٨/١٢، صحيح مسلم ١١ / ٥٢. (٤) في (د، م): يستحق. ٤١٧ كتاب الولاء وذلك لأن مِن أصله: أنَّ الأخ لا حظَّ له في الميراث مع الجد، وهو عنده بمنزلة الأب. * (وقال أبو يوسف ومحمد: ميراثه بينهما نصفان). لأن مِن أصلهما: أنهما يستحقان ميراثه بالتعصيب نصفين، والجدُّ في هذا الموضع بمنزلة أخٍ آخر معه (١). مسألة : [الولاء للكبير] قال أبو جعفر: (والولاء للكبير(٢)، وتفسيره: أن يترك المتوفى ابنَ مولاه، وابنَ ابنِ مولاه: فيكون ميراثه لابن مولاه، دون ابنِ ابنِهِ). قال أحمد: وأَبْيَنُ من هذا: أن يموت المعتق، ويترك ابنين: فيكون ولاء العبد المعتَق بينهما نصفين. فإن مات أحد الابنين، وترك ابناً: لم يستحق ابنه ما كان لأبيه من الولاء، وصار الولاء كله لابن المعتَق الباقي. وروي أنَّ الولاء للكُبْر عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأُبيِّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبي مسعود الأنصاري، وأسامة بن زيد رضي الله (٣) عنهم(٣). (١) الهداية والعناية ١٦١/٨، بدائع الصنائع ١٦٥/٤. (٢) وفي نسخٍ: ((للكُبْر)): بضم الكاف، وكذلك وقع الاختلاف في كتب السنن، وفي نصب الراية ١٥٥/٤: ((يعنون بالكبير: ما كان أقرب بأم وأب))، وفي بدائع الصنائع ١٦٤/٨: ((ومعنى قولهم: الكبير: أي للأقرب، وهو أقرب العصبة إلى المعتق، يقال: فلان أكبر قومه، إذا كان أقربهم إلى الأصل، الذي يُنسبون إليه)). (٣) السنن الكبرى ٣٠٣/١٠، وفيه: أنه مروي عن عمر، وعلي، وعبد الله، == ٤١٨ كتاب الولاء وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن عبدويه أبو محمد البغلاني قال: حدثنا محمود بن آدم قال: حدثنا الفضل بن موسى قال: حدثنا أبو عصمة نوح بن أبي مريم عن أبي بكر اسمه جبريل عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الولاء للكُبْر))(١). وأيضاً: فإن الولاء لا يُستحق باستحقاق الميراث، بدلالة أنَّ البنت من أهل ميراث المعتق، ولا تستحق الولاء، ويَستحقه الابن، فلما سَقَطَ اعتبار الميراث فيه، وَجَبَ أن يُستحق بقرب التعصيب من المولى المعتِق، وابنُه أقربُ إلیه من ابن ابنه، فكان أولى بالولاء. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حسین بن إسحاق قال: حدثنا ابن مُصَفَّى قال: حدثنا ابن أبي فديك عن عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الولاء نسبٌ لا يصلح بیعه ولا هبته)»(٢). وفي سائر الأخبار: ((الولاء لُحْمة كلُّحْمة النسب، لا تباع ولا (٣) فلما جعله النبيُّ عليه الصلاة والسلام كالنسب، دلَّ على أنه لا توهب)»(٣). وزيد. وينظر: نصب الراية ١٥٤/٤-١٥٥. (١) في نصب الراية ١٥٥/٤، والسنن الكبرى ٣٠٣/١٠ طرق عديدة على أنه موقوف، ولم يرد فيهما أنه مرفوع، لكن المصنف هنا رفعه من طريق ابن قانع. (٢) سنن أبي داود ١١٥/٢، مصنف عبد الرزاق موقوفاً على ابن عمر (١٦١٥٠) ٦٠٥/٩. (٣) سبق. ٤١٩ کتاب الولاء يُورَث، كما لا يورث النسب(١). مسألة: [ميراث مَن أعتقته امرأة ثم ماتت، ولها ولد من غير قومها] قال أبو جعفر: (وما أعتقته المرأة من مملوك، ثم ماتت ولها ولدٌ من غير قومها: كان ميراث مولاها إن مات لولدها إن كان ذكراً، وكان عَقْل جنايات مولاها على قومها، لا على ولدها). وإنما كان العقل على قومها، لأنه منسوبٌ إليهم بالولاء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((مولى القوم من أنفسهم))(٢). ألا ترى أنها لو كانت تميميةً: كان مولاها تميمياً، ولم تُنْسَب إلى قبيلة ابنها(٣). وروي أنَّ علياً والزبير اختصما إلى عمر بن الخطاب في ميراث مولى صفية، فحكم بالميراث للزبير، وجعل العقل على علي رضي الله عنه(٤). وأيضاً: فإن العقل إنما يتعلق لزومه بالنصرة، والنصرة على مَن تقع النسبة إليه؛ لأنه معلوم أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يُرِد بقوله: ((مولى القوم من أنفسهم)): إثبات النسب، فإذاً معناه: أنه في حكمهم في باب ما يلزم من العقل، ولذلك قال أصحابنا فيمن كان له نسب، وعليه ولاء: بأن (١) بدائع الصنائع ٤ /١٦٤. (٢) سبق. (٣) في (ر.حـ): ((ولم ينسب إلى قبيلة أبيها)). (٤) كنز العمال (٢٩٦٩٢) ٣٣٤/١٠، وفيه: رواه ابن راهويه، وانظر موسوعة فقه عمر ص٦٧. ٤٢٠ كتاب الولاء عقل جنايته على ذوي ولائه، دون ذوي نسبه؛ لأنه منسوب إليهم، داخل في نصرتهم(١). مسألة : [إقرار المشتري للعبد بأن بائعه قد كان أعتقه] قال: (ومَن ابتاع عبداً، ثم أقرَّ بأن بائعه قد كان أعتقه، وأنكر ذلك بائعُه: كان حراً، وكان ولاؤه موقوفاً). وذلك لأن تحت قوله معنيين: أحدهما: دعواه لفسخ البيع، وذلك دعوى على غيره، فلا يُصدَّق علیه. والآخر: إقراره بحرية العبد، وهو يملكها؛ لأن العبد في ملكه، فيُصدَّق على نفسه، ولم يُصدَّق في إثبات ولائه من البائع، ولم يعترف بولائه، من قبَل نفسه، فجعلناه موقوفاً (٢). مسألة : قال أبو جعفر: (ومَن أعتق من أهل الكفر عبداً له كافراً في دار الحرب، ثم أسلم: لم يكن بذلك مولاه). وذلك لأن العبد إذا كان حريياً، فالمعنى الموجِب لرِقُّه هو ثبوت اليد عليه، وقهره وغلبته، وقولُ المولىُ له: أنت حُرُّ لا يزيل ذلك، ولا يصح فيه معنى العتق، ألا ترى أنه لو قال له في الحال: أنت عبدي، وقد استرققتك: كان رقيقاً. (١) بدائع الصنائع ١٦٦/٤، الفتاوى الهندية ٢٩/٥. (٢) انظر: بدائع الصنائع ١٦٨/٤، الفتاوى الهندية ٣١/٥.