النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
كتاب المكاتبة
أو لا نجعله دَيْناً صحيحاً على الضمين، وذلك لا يجوز، لأن ما يلزم
الحر من الدَّيْن، فهو صحيح، بخلاف ما يلزم العبد لمولاه، فلما بطل
هذان الوجهان، لم تصح الكفالة بمال الكتابة (١).
مسألة :
قال أبو جعفر : (وللمكاتب أن يكاتب عبده).
وذلك لأنه جائز التصرف فيما يستعين به على أداء الكتابة، ما لم يكن
في تصرفه إتلاف لماله، وليس في الكتابة إتلاف لماله، من قِبَل أنه لا
يعتق إلا بعد حصول بدل الرقبة للمكاتب.
والكتابة تشبه البيع أيضاً، من جهة أنَّ له الرجوع فيها قبل قبول الآخر.
وتفارق العتق على مال؛ لأنه لا يصح رجوعه قَبْل قبول الآخر،
فأشبه اليمين، إذ لا يصح الرجوع فيها وإن لم يوجد شرطها، ويفارقه على
العلة الأولى، من جهة أنَّ العتق فيه إتلاف الرقبة في الحال قَبْل حصول
البدل للمكاتب.
قال أحمد: وللأب، ووصي الأب، والجد، ووصي الجدِّ إذا لم يكن
أبٌّ، ولا وصيُّ الأب أن يكاتب عبدَ الصغير، وكذلك للمفاوض(٢) أن
يكاتب.
وليس لأحدٍ من هؤلاء أن يَعتق على مالٍ، للعلة التي ذكرنا في
المكاتب.
(١) المبسوط ٢١٠/٧، ١٦/٨، اللباب شرح الكتاب ١٥٩/٢.
(٢) أي للشريك في شركة المفاوضة.

٣٨٢
كتاب المكاتبة
وليس للمضارب(١)، ولا لشريك العِنَان، ولا للمأذون له في التجارة
أن يكاتبوا، ولا يعتقوا على مال، من قِبَل أن تصرف هؤلاء مقصور على
التجارة خاصة، وليست الكتابة من التجارة وإن كان فيها توصل إلى
التکسب، وتحصيل المال.
وكل مَن له أن يكاتب من هؤلاء، فله أن يزوِّج الأمة التي يتصرف
فیها، ولیس له تزويج العبد.
ومَن لا تجوز كتابته منهم: فليس له تزويج الأمة في قول أبي حنيفة
ومحمد، وقال أبو يوسف: للمضارب، وشريك العنان، والمأذون تزويج
أمة التجارة.
مسألة : [ولاء المكاتب الثاني إذا أدى قبل عتق الأول]
قال أبو جعفر: (فإذا أدى المكاتَب الثاني قبل عِثْق الأول: فولاؤه
المولى الأول).
لأن الأول عبدٌ لا يصح العتق من جهته، فصار كوكيل المولى في العتق.
* وإن أدى الثاني كتابته بعد عِثْق الأول: كان ولاؤه له؛ لأنه قد صحَّ
ملکه، فنفذ العتق فيه من جهته(٢).
مسألة : [كسب ولد المكاتب لأبيه]
قال أبو جعفر: (وإذا وُلد للمكاتَب ولدٌ من أمة ابتاعها: كان كسْبه
(١) أي الشريك شركة مضاربة.
(٢) الأصل ٤٤٤/٣، الهداية وشروحها ١١٢/٨، المبسوط ٢٢٨/٧، ٢٦/٨
بدائع الصنائع ٤ /١٤٤.

٣٨٣
كتاب المكاتبة
لأبيه، وعَتَق بعتق أبيه).
وذلك لأن حكم الولد أن يكون تابعاً للأب، ما لم ينتقل بالأم، إذ
كانت الأم في ملكه، كذلك ولد المكاتب من أمته، ينبغي أن يكون داخلاً
في كتابته، ويكون کَسْبه لأبيه، لدخوله في عَقْده على وجه الشّع.
وأيضاً: فلو لم يدَّعه، لكان هو وكَسْبه له، فلا يبطل ملكه عن كسبه
بدعوته؛ لأنه لا يملك إخراج ملكه إلى غيره بغير بدل، فوجب أن يستحق
كَسْبه بعد الدِّعوة.
وأيضاً: لو مَلَك كَسْب نفسه، لصار بمنزلة مَن تناوله عقد الكتابة
بنفسه، لا على وجه التَّبَع، وهو لم يدخل فيها إلا تابعاً، ألا ترى أنه لا
حصة له من المكاتبة، ولو أعتقه المولى لم يسقط بعتقه من مال الكتابة
شيء.
مسألة : [يخلف ولدُ المكاتب أباه الميت في الكتابة]
قال: (وإن مات المكاتب، ولم يترك مالاً: خَلَفَه ابنُه هذا في
المكاتبة، فيسعى على نجومها).
وذلك لأنه داخل في كتابة الأب، فقام فيها مقامه، كأن الأبَ حيٌّ؛
لأن ذلك الحق بعينه قد سرى فيه، ألا ترى أنَّ ولدَ أمّ الولد بمنزلتها
بسريان حق الاستيلاد فيها، وكذلك ولد المدبّرة بمنزلة أمه.
فإن قيل: هلاًّ كان كولد الجارية المشتراة، إذا ولَدَتْه قبل القبض، ثم
ماتت(١) الأم: فيبقى الولد بالحصة.
(١) في المخطوط: ((يموت)).

٣٨٤
كتاب المكاتبة
قيل له: لأن الميتة لا يبقى لها حكمٌ في العقد بعد موتها، وينتقض
البيع فيها، فلا يجوز أن تبقى حصتها بعد انتقاض البيع فيها، وموت
المكاتب لا يوجب فَسْخ الكتابة إذا كان الأداء ممكناً.
ألا ترى أنه لو ترك مالاً: لم تنفسخ الكتابة، وأُدِّيت منه كتابته، وبقيَ
الولد الذي سرى فيه حق الكتابة بمنزلته لو مات وتَرَكَ وفاء.
وأيضاً: فإن كَسْب الولد كَسْبٌ للأب على ما بيَّنَّا، ولم يَحِلَّ(١) المال
الذي على المكاتب بموته؛ لأن الابن قائمٌ مقامه في السعي فيها على
النجوم، فصار كمَن ترك وفاءً.
ومِن أجل بقاء الكسب على حكم ملك الميت قالوا: إنه لو كان على
المكاتب دَيْن: سعى فيه الابن؛ لأن کَسْبه لأبيه، فيقضي منه دَیْنه.
وليس موت المكاتب في هذا، كموت الحرِّ إذا كان عليه دَیْن مؤجَّل،
فَيَحِلّ عليه بموته؛ لأن حق الكتابة لما سرى في الولد، ثبت له حق
التأجيل في مال الكتابة حسبما كان لأبيه، ولو لم يترك المكاتب ولداً
مولوداً في الكتابة، لَحَلَّ المال عليه، وبطل التأجيل، كالحرِّ إذا مات،
وعليه دَیْن مؤجّل.
فإن قال قائل: ما الفرق بين الولد المولود في الكتابة، وبين الولد
المشترى عند أبي حنيفة، حين لم يجعل للولد المشترى أن يسعى فيها
على النجوم، وقال: إن أدَّاها حالَّة، وإلا: رُدَّ في الرقِّ، وأوجب للولد
المولود في الكتابة السعي فيها على النجوم؟
قيل له: الفرق بينهما: أنَّ الولد المولود في الكتابة، ثبت حق الكتابة
(١) حَلَّ الدَّينِ: يَحِلُّ: بالكسر: أي صار حالاً، وبطل أَجَله وتأخيره.

٣٨٥
كتاب المكاتبة
له من طريق السراية، فصار بمنزلة الأب.
والدليل على ذلك: أنَّ الحرَّ إذا استولد جارية له، ثبت للولد حق
الحرية من جهة السراية، فكان حرَّ الأصل بمنزلة الأب، كذلك ولد
المكاتب من أمته، وأما الولد المشترى، فلم يثبت له هذا الحق من طريق
السراية، ولا يصير فيه بمنزلة الأب.
ألا ترى أنَّ الحرَّ إذا اشترى ابنَه: لم تَسْرِ فيه الحرية التي هي له، ولا
يصير حرَّ الأصل كأبيه، بل تثبت له حرية موقَعة يثبت بها للأب ولاؤه،
فكذلك الولد المشترى في الكتابة.
وأيضاً: فإن الثمن الذي نَقَدَه بدلاً عن الولد المشترى، لو كان باقياً
بعد موته: استُوفي منه كتابته حالَّة، ولا يسقط حق المولى بدخوله في كتابة
الأب.
فإن قال قائل: فأنتَ لا تفرِّق بين أن يشتريَه، أو يوهَب له، وليس في
الهبة بدل.
قيل له: كذلك هو، وليس هو نقضاً للعلة، وإنما هو إيجاب ذلك
الحكم بعلة أخرى، وذلك غير ممتنع(١).
مسألة: [ملك المكاتب لأصله أو فرعه أو ذا رحم مَحْرم]
قال أبو جعفر: (وإذا مَلَكَ المكاتبُ والدَه وإن عَلاَ، أو ولدَه وإن
سَفَل: لم يكن له أن يبيعه، وكان له كَسْبه، ويَعتق بعتقه من ملكه منهم).
قال أحمد : وهذا استحسانٌ من قول أبي حنيفة، وكان القياس عنده
(١) الأصل ١١٧/٤، بدائع الصنائع ١٥٦/٤، الهداية مع العناية ١١٨/٨.

٣٨٦
كتاب المكاتبة
أنَّ له أن يبيعهم، وذلك لأن المكاتب عبدٌ لا ملْك له على الحقيقة.
وجهةُ الاستحسان: أنَّ كل واحدٍ من أبٍ أو ولدٍ، قد يستحق العتق
بعتق صاحبه، ألا ترى أنَّ الولد قد يستحق الحرية بحرية الأم، وأن مَن
استولد جاريةً: كان ولده حرَّ الأصل، ويعتق الأم والأب أيضاً يَعتق الولد،
ألا ترى أنَّ رجلاً وامرأته لو كانا مكاتبَين كتابة واحدة، فوَلَد لهما ولدٌ في
كتابتهما، ثم ماتا: سعى الولد فيما عليهما، وعَتَق بعتقه أبواه.
فلما كان كل واحد من هؤلاء، قد يعتق بعتق صاحبه، ثم اشتراهم،
تعلّق لهم الحق الذي قد ثبت للمكاتب، فلم یکن له بیعھم.
* (وأما سائر ذوي الرَّحم المَحْرم: فإنه يبيعهم عند أبي حنيفة).
لأن واحداً منهم لا يعتق بعتق صاحبه من جهة الكتابة، ولا يدخل
فيها، وإنما يستحق بعضُهم العتق على بعض بالملك، وليس للمكاتب
ملك، فيعتقوا به، أو يتعلق لهم به حق.
مسألة : [حكم بيع المكاتب أم ولده]
وقال أبو حنيفة: له أن يبيع أمَّ ولده إذا لم يكن معها ولد، فإذا كان
معها ولد، لم يكن له أن يبيعها هذا إذا اشتراها.
فإن كان استولدها في ملكه (١)، ثم مات الولد: لم يكن له أن يبيعها،
وذلك لأنها لما ولدت عنده، تعلّق لها حق الاستيلاد ، فلا يبطله موت
الولد.
وأما إذا اشتراها، فما دام الولد باقياً: فليس له أن يبيعها؛ لأنها يتعلق
(١) في (ر، حـ): ((ملكهم)).

٣٨٧
كتاب المكاتبة
لها حقٌّ في أن تَعتق بعتق ولدها، ألا ترى أنَّ المكاتب لو مات، فأدى
الولد الكتابة: عَتَقَت الأم أيضاً، فما دام هذا الحق متعلقاً لها، فليس له أن
يبيعها، فإذا مات الولد، فقد عُدمت العلة التي من أجلها مُنع البيع، ولم
يكن ثبت لها حق الاستيلاد بالولادة، فيمنع من بيعها مع عدم الولد.
* (وأما في قول أبي يوسف ومحمد: فليس للمكاتب أن يبيع أحداً
من ذوي الرحم المحرم منه إذا ملكه).
لأنهم يعتقون بعتقه، وكل هؤلاء يسعى في كتابته على النجوم إذا
مات؛ لأنهم قد دخلوا في کتابته في حياته.
* وإذا ملك أمَّ ولده: لم يبِعْها عندهما، سواء كان معها ولد أو لم
يكن.
مسألة : [إذا مات المكاتب وفي ملكه أصل أو فرع أو ذو رحم محرم]
قال أبو جعفر: (فإن مات المكاتب، ولم يترك وفاء، فإن أبا حنيفة
قال: يباع هؤلاء كلهم، وسواء بين الوالدين وغيرهما(١)، إلا في ولده،
فإنه يقال له: إن أديت الكتابة حالَّة، وإلا رُدِدْتَ في الرِّقِّ).
وذلك لأن الولد قد ثبت له حق السعي في الكتابة إذا وُلد له في
كتابته، وليست هذه المزية لأحد غير الولد، فاستَحسن أن يجعل الولد
الميت(٢) أن يؤديَ الكتابة بعد الموت، فيعتق الميت بعتقه(٣).
(١) في (ر.ح): ((الوالدين، وبين غيرهما)).
(٢) في (د،م): ((للولد المشترى)).
(٣) الأصل ١١٦/٤، مختصر اختلاف العلماء ٤٢٢/٤، الهداية وشروحها
١١٦/٨، بدائع الصنائع ٤ / ١٤٤.

٣٨٨
كتاب المكاتبة
مسألة : [شراء المكاتب لزوجته]
قال أبو جعفر: (وإذا اشترى المكاتَب زوجته: لم ينفسخ بذلك
نكاحه).
وذلك لأن المكاتَب ليست له حقيقة الملك، وإنما له حقُّ الملك(١)،
وحقُّ الملك لا يمنع بقاء النكاح، ويمنع الابتداء، وقد بيَّا ذلك في
(٢)
مواضع(٢).
مسألة :
قال أبو جعفر: (وإذا اشترى المكاتب أمةً، فوطئها، ثم استُحِقَّت:
فعليه عُقْرها في الكتابة).
لأن الوطء في الملك بمنزلة إتلاف جزء منها، ألا ترى أنه يمنع الرد
بالعيب.
ولو وطئها على وجه النكاح: كان عليه العُقْر إذا عَتَق؛ لأنه غير مأذون
له في النكاح، والبضع لا قيمة له إلا من جهة العقد، وهو محجور عليه
فيه، فصار كالعبد المحجور عليه إذا وطئ على وجه النكاح، فلا يلزمه
العُقْر في الرق.
ولأنه(٣) لو لزمه بقوله وهو غير مأذون له في هذا القول، والموطوءةُ
على وجه الشراء: لزم العُقّر فيه بالشراء عند الوطء وهو مأذون له فيه.
(١) حقيقة الملك: أي هو مالكٌ، ويتصرف في ملكه، وأما حق الملك: فهو
ليس بمالكِ، لكن له حق وأهلية التملك.
(٢) ينظر المبسوط ٢١٢/٧.
(٣) في (ر.د): «لأنه)). بدون واو.

٣٨٩
كتاب المكاتبة
* (والعبد المأذون في ذلك: كالمكاتب؛ للعلة التي وصفنا)(١).
مسألة : [مكاتبة الأمة على نفسها وعلى ولدها]
قال أبو جعفر: (ومَن كاتب أمته على نفسها، وعلىُ ابنَين لها.
صغيرَيْن: جاز، فإن كَبِرا، فأدَّيًا، أو أدَّت الأم: لم يرجع مَن أداها منهم
على بقيتهم منها بشيء).
وذلك بمنزلة مَن كاتب على نفسه، وعلى عبدٍ غائب، فيلزم
الحاضر، ولا يرجع بها على الغائب.
وكذلك لو أدى الغائبُ: لم يرجع بها على الحاضر.
كذلك الأولاد مع الأم.
فإن قيل: قد قالوا: إنها لو ماتت: سعِىُ الولدُ على النجوم، وقالوا:
في الغائب: إذا مات الحاضر: إن أدَّيَتَه حالاً، وإلا: رُدِدتْ في الرق.
قيل له: افتراقهما من هذا الوجه، لا يمنع اتفاقهما من الوجه الذي
ذكرنا، وإنما افترق من هذا الوجه، من جهة أنّ الصغير قد دخل في كتابتها
على وجه التبع، كالولد المولود في الكتابة، والغائبُ لا يدخل فيها على
وجه التبع.
فإن قيل: إنما جاز أن ينعقد على الغائب بقبول الحاضر؛ لأنه له
مجيزٌ، وفي الصغير لا مجیزَ له.
قيل له: ليس يحتاج إلى مجيزٍ، ألا ترى أنها قد صحت بغير إجازة
(١) المبسوط ٢٢٥/٧، الهداية ١٢٠/٨، وينظر مختصر الطحاوي ص٣٩٣.

٣٩٠
كتاب المكاتبة
الغائب، فهذا فصل(١) ساقط.
وأيضاً: فلما جاز دخولهما في كتابتها لو ولدتهما فيها، كذلك إذا
شرطت إلحاقهما بكتابتها: جاز؛ لأنهما صغيران لا قول لهما(٢).
مسألة : [مكاتبة النصراني على الخمر، ثم إسلام أحدهما]
قال أبو جعفر: (ومكاتبة النصراني على أرطالٍ من خمر مسمَّة:
جائزة، فإن أسلم أحدُهما قبل أداء المكاتبة: بطلت الخمر، ولم تبطل
المكاتبة، وعليه قيمة الخمر لمولاه، يؤديها على النجوم).
وإنما جازت كتابتهم على الخمر، كما يجوز تصرفهم في الخمر بالبيع
ونحوه، وإنما لم تبطل بإسلام أحدهما، كما لا تبطل تسمية الخمر بإسلام
أحد الزوجين.
وتجب القيمة في قول أبي حنيفة، ألا ترى أنها تصح على أبدالٍ
مجهولة، نحو عبدٍ بغير عينه، فيكون له عبدٌ وسط، وليست الكتابة في
هذا كالبيع؛ لأنه لا يصح على المجاهيل والأخطار.
وأيضاً: نفس الكتابة معقودة على خطر؛ لأن فيها: إن أدَّيتَ عَتَقت،
وإن عَجَزَتَ رُددتِ في الرق، فجاز بقاؤها على قيمة الخمر، ولم تبطل
بالإسلام.
فإن قيل: شَرْط العتق أداء الخمر، فلا يجوز أن يعتق بأداء القيمة.
(١) في (ر.ح): ((سؤال)).
(٢) الأصل ٤٣٠/٣، ٢٣/٤، شرح الجامع الصغير للصدر الشهيد (خ)، لوحة
١٨٦ أ، المبسوط ١٤/٨، الهداية وشروحها ١٢٩/٨.

أ
٣٩١
كتاب المكاتبة
قيل له: ليست مثل شروط الأيمان، بدلالة أنَّ المولى لو مات، فأدى:
عتق، وفي اليمين لا يعتق بوجود شرطها بعد الموت(١).
فإن قيل: لا يصح ابتداء الكتابة على الخمر، فينبغي أن لا تبقى على
الخمر.
قيل له: ولا يصح الكتابة على ميت، فينبغي أن لا تبقى على ميت.
وأيضاً: قد يجوز أن يبقى عقد السلم على قيمة الرطب بانقطاعه بعد
حلول الأجل، لتَعَذَّر تسليمه، فكذلك تَعَذّر تسليم الخمر، ينقله إلى
القيمة (٢).
مسألة: [مكاتبة المريض عبده على ثمن يخالف قيمته](٣)
قال أبو جعفر: (وإذا كاتب المريضُ عبده على ثلاثة آلاف إلى سنة،
وقيمةُ العبد ألف درهم، ثم مات المولى، فإنه يقال له: إن أدَّت ثلثي(٤)
الكتابة حالاً، وإلا: رُددتَ في الرقِّ، وقال محمد: يقال له أدٌّ ثلثي القيمة
حالاً، وإلا: رُددتَ في الرق).
لأبي حنيفة: أنَّ جميع مال الكتابة قد صار بدلاً من العبد، والتأجيل
فيه وصية، فلا يجوز إلا من الثلث، ولم يعتبر القيمة؛ لأن ما فَضَل عنها
(١) في (ر.ح): ((العتق)).
(٢) الأصل ٣٧/٤، المبسوط ٥٦/٨، تبيين الحقائق ١٥٥/٤.
(٣) المراد بهذه المسألة: أن يكاتب المولى وهو مريض عبده، ولا مال للمولى
غير العبد المكاتب، ثم مات المولى، ولم تُجز الورثة الأجل. ينظر الهداية وشرحها
العناية ١٢٨/٨
(٤) في (ر.حـ): ((باقي)).

٣٩٢
كتاب المكاتبة
أيضاً، فهو بدل من رقبة المكاتب، فلا فَرْق بينه وبين مقدار القيمة.
وقال محمد: ما زاد على القيمة، فإنما صار مالاً له بالعقد، فصار
كالجُعل في الخلع، والمهر، والصلح من دم العمد، فيجوز التأجيل في
جميعه.
وفرَّق أبو حنيفة بينهما من جهة أنَّ البضع، ودم العمد ليس بمال،
فحصل الجُعل والمهر بدلاً عما ليس بمال، فجاز التأجيل فيه.
وأما مال الكتابة فجميعه بدل عن رقبة العبد، وهي مال، ولا جائز أن
يقال: إن بعضَه بدل عنها، وبعضَه ليس ببدل عنها، واعتبر جميعَه من مال
المريض(١).
مسألة : [حكم وصية المكاتب قبل عتقه]
قال أبو جعفر: (ولا تجوز وصية المكاتب في ماله وإن خلَّف وفاء).
قال أحمد : قال محمد في كتاب المكاتب: إذا قال المكاتَب: ثلثُ
مالي لفلانٍ وصية، ثم مات عن وفاءٍ: أنَّ الوصية باطلة، ولم يذكر خلافاً.
وإذا أدَّى، فعَتَق: لم تَجُزْ وصيتُه في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف
ومحمد : تجوز.
وقال في الزيادات في المسألتين جميعاً: الوصية باطلة في قياس قول
أبي حنيفة، وجائزةٌ في قول أبي يوسف ومحمد في المسألتين جميعاً.
* وهذا على اختلافهم في العبد أو المكاتب يقول: كلّ عبد أملكه
(١) الأصل ٨٨/٤، المبسوط ٢٣٢/٧، الهداية والعناية ١٢٨/٨، تبيين
الحقائق ٤/ ١٦٣.

٣٩٣
كتاب المكاتبة
فيما أستقبل: فهو حرٌّ، فهذا عند أبي حنيفة على ملكه في حال الرِّقِّ، ولا
يدخل فيه ما يستفيده بعد العتق.
وقال أبو يوسف ومحمد: يدخل فيه.
* ولا خلاف بينهم أنه لو قال: إذا أُعتقتُ، فقد أوصيتُ لفلان بثلث
مالي، فأدى، فعتق: أنَّ وصيته تصح.
ولو مات عن وفاء: لم تصح وصيته؛ لأنه عَتَقَ حالَ لا يصح منه ابتداءً
الوصية، كمكاتبٍ قال: إذا أُعتِقتُ، فعبدي هذا حرٌّ، ثم مات عن وفاء،
فأُدِّيت كتابته بعد موته: أنه لا يعتق؛ لأن تلك حالٌ لا يصح فيها عتق.
* ولو أوصى بشيءٍ بعينه من ماله، ثم أدى، فعتق: لم تجز وصيته في
قولهم؛ لأنه بمنزلة مَن أوصى بمال غيره، ثم مَلَكَه(١): فلا تنفذ وصيته(٢).
مسألة : [حكم وصية المكاتب على ابنه الصغير]
قال أبو جعفر: (ولا تجوز وصيته على ابنه الصغير، إلا أن يعتق قبل
وفاته، فإن لم يعتق قبل وفاته: لم تكن وصية، بمنزلة وصية الحرِّ).
قال أحمد: إذا عَتَقَ قبل وفاته، فقد ملك التصرف على ابنه،
والوصية تستند إلى حال الموت، فقام الوصي فيها مقامه، وأما إذا أُديت
كتابته بعد موته، فهو لم يستفد بهذا العتق تصرفاً على ولده؛ لأنه عَتَقَ قبل
الموت، فلا فصل، وتلك الحال لا يصح فيها تصرف، فوصيته على ابنه
الصغير، بمنزلة وصي الأب على الكبير الغائب، وبمنزلة وصي الأم،
(١) في (ر.ح): ((لم يملكه)).
(٢) الأصل ٧٢/٤، بدائع الصنائع ١٤٦/٤، المبسوط ٢٣٣/٧.

٣٩٤
كتاب المكاتبة
ووصي الأخ، يكون وصياً في الحفظ خاصة، لا في التصرف(١).
مسألة : [مكاتبة العبد بشرط الخيار، وحقه في الشفعة]
قال: (ويجوز الخيار في الكتابة، كما يجوز في البياعات).
لأنها مما يلحقها الفسخ، والخيار مشروطٌ للفسخ(٢).
* قال: (والمكاتب في الشفعة بمنزلة الحرّ).
لأنه يملك الشراء والبيع.
مسألة : [ما يلزم المكاتب الذي أعتقه مولاه في مرض موته]
قال: (ومَن أعتق مكاتبه وهو مريض، ثم مات ولا مال له غير ما كان
بقيَ عليه من مكاتبته: فعليه أن يسعى لورثة مولاه في الأقل من ثلثي ما
بقي عليه من المكاتبة، ومن ثلثي قيمته).
وذلك لأن عتقه براءة من السعاية، ولا يجوز براءته منها إلا من
الثلث، ولو عجز عن الكتابة: كان عليه ثلثا قيمته، فلذلك لزمه الأقل(٣).
مسألة : [مَن أعتق مكاتبا بينه وبين آخر]
قال أبو جعفر : (ومَن أعتق مكاتباً بينه وبين آخر: فلا ضمان عليه في
قول أبي حنيفة، موسِراً كان أو معسراً).
لأن نصيب الآخر باقٍ في ملكه مكاتباً على ما كان عليه، إلا أن
يعجز، فيكون كعبدٍ بين رجلين أعتقه أحدهما؛ لأنه لولا عتقه، أمكنه
(١) الكتاب مع اللباب ١٧٨/٤، تبيين الحقائق ١٨٥/٦، ٢١١.
(٢) ينظر الأصل ١٠٩/٤، ١٣٧، المبسوط ٧٢/٨.
(٣) الأصل ٨٨/٤، المبسوط ٣٣٢/٧.

٣٩٥
كتاب المكاتبة
التصرف بعد العجز في نصيبه، فمَنَعَه منه بعتقه.
: (وقال أبو يوسف: قد بطلت الكتابة بالعتق، وصار كعبدٍ بين
رجلين غيرَ مكاتب، أعتقه أحدُهما).
لأن مِن أصله: أنَّ العتق لا يتبعَّض، فيعتق جميعُه على المعتِق،
وبطلت الكتابة، فصار كعبدٍ بين رجلين أعتقه أحدهما.
* (وقال محمد: إن كان المعتق موسراً: ضمن لشريكه الأقل من قيمة
نصيبه من العبد، ومما بقي له عليه من الكتابة، وإن كان معسراً: سعى
المکاتب في ذلك.
والولاء للمعتِق في الوجهين جميعاً).
قال أحمد: وذلك لأن من أصله: أنَّ العبد كله قد عَتَق عليه، وانتقل
نصيب شريكه إليه، إلا أنَّ الشريك لم يكن له في رقبة العبد إلا ما بقيَ من
كتابته، فلا يجوز أن يضمّنه نصف القيمة إذا كان أكثر من بقية نصيبه من
الكتابة، وإن كان نصف القيمة أقل: لم يضمن أكثر منه، كما لو قتله: لم
يضمن أكثر من نصف قيمته (١).
(١) المبسوط ٣٢/٨، بدائع الصنائع ١٤٩/٤.

٣٩٧
كتاب الولاء
کتاب الولاء
مسألة : [الأحقُّ بالولاء (١)]
قال أبو جعفر: (الولاء لمن أعتق، وسواء في ذلك الرجال والنساء،
وسواء فيه مَن عَتَق من مولاه، أو بعتاق عنه بأمره في حیاته أو بعد وفاته،
أو بأداء مكاتبه إليه، أو بتدبيرٍ في حياته(٢)).
قال أحمد : الأصل في ذلك: ما رُوي أنَّ عائشة رضي الله عنها أرادت
أن تشتريَ بَرِيرة، وتعتقها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اشتريها،
(١) الولاء لغة: مشتق من الولي، وهو القرب، ويسمى ولاء العتاقة، وولاء
الموالاة به؛ لأن حكمهما وهو الإرث يقرب ويحصل عند وجود شرطه من غير فصل.
وشرعاً: عبارة عن التناصر، سواء كان بالإعتاق أو بعقد الموالاة.
وبعبارة أخرى: الولاء: من آثار العتق، مأخوذ من الولي بمعنى القرابة، فالولاء
نوعان: ولاء عتاقة، ويسمى: ولاء نعمة، وسبب هذا الولاء: الإعتاق عند الجمهور.
وولاء الموالاة، وسببه: العقد الذي يجري بین اثنین.
والحليف: وهو الذي يقال له: مولى الموالاة، والمعتق، وهو مولى النعمة.
المغرب، ص ٤٩٤، أنيس الفقهاء للقونوي ص٢٦١، نتائج الأفكار ١٥٢/٨.
(٢) وكذا في الحكم: ما أعتق بعد وفاته من أمهات أولاده، كما أشار إليه أبو
جعفر، إلا أنَّ الجصاص لم يذكره هنا، ولم يضمنه شرح المسألة. انظر المختصر
ص٣٩٧.

٣٩٨
كتاب الولاء
وأعتقيها، فإن الولاء لمن أعتق)) (١)، فأفاد ذلك معاني ثلاثة:
أحدها: ثبات الولاء للمعتق.
والثاني: إثبات الولاء للنساء، وأنهن بمنزلة الرجال في ذلك؛ لأن
الكلام خرج على تلك الحال، فلا محالة هي داخلة فيها، وإن كان قد
يُكتفى بعمومه في إثباته للفريقين، إذا وُجد منهم العِثْق.
والثالث: أنَّ شَرْط الولاء لغير المعتِق: لا يمنع كونه للمعتق؛ لأن
عائشة شَرَطت لهم الولاء، ثم أعتقتها، فأبطل النبيُّ عليه الصلاة والسلام
الشرطَ، وجَعَلَ الولاءَ لها.
وألفاظ هذا الحديث مضطربةٌ، والذي يُشبه أن يكون هو الصحيح: أنَّ
عائشة اشترتها، واشترطت لهم الولاء، وأعتقتها، ثم سألت النبيَّ عليه
الصلاة والسلام فقال: الولاء لمن أعتق.
وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت لرسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((إن مواليها قد أبَوْا أن يبيعوها إلا أن يكون الولاء
لهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اشتريها، وأعتقيها، واشترطي لهم
الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، ثم خَطَبَ فقال: ما بال أقوامٍ يشترطون
شروطاً ليست في كتاب الله، كلّ شرطٍ ليس في كتاب الله، فهو باطل،
شَرْطُ الله أحقُ وأوثق))(٢).
وهذا غلطٌ فاحشٌ من راويه؛ لأنه لا يجوز أن يقول النبي عليه الصلاة
والسلام لها: اشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق.
(١) صحيح البخاري مع الفتح ١٤١/٥ صحيح مسلم ١٤٥/١٠.
(٢) صحيح البخاري مع فتح الباري ١٤١/٥، صحيح مسلم ١٤٦/١٠.

٣٩٩
کتاب الولاء
وهذا عنده شرطٌ فاسدٌ لا يجب الوفاء به؛ لأنه عليه الصلاة والسلام
لا يأمر بما لا يجوز، ولا يصح.
ومن جهة أخرى: أنه تغريرٌ للقوم في شرط الولاء لهم، حتى يدخلوا
على ذلك معها في العقد، ثم لا يثبت ذلك لهم.
ووجه آخر: وهو أنَّ شَرْط الولاء لهم إذا لم يكن له حقيقة على ما
شرطت: فهو كذب، فكأنه قال: قولي لهم: إن الولاء لكم، وليس الولاء
لهم في الحقيقة، وحاشا النبي عليه الصلاة والسلام أن يجوز عليه شيء
من هذه الوجوه التي ذکرنا.
ويدل على فساد الحديث الذي ذُكر فيه هذا اللفظ: أنَّ فيه: أنَّ النبي
عليه الصلاة والسلام بعد هذا القول صَعِدَ المنبر، فقال: ((ما بال أقوام
يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، كلّ شرط ليس في كتاب الله، فهو
باطل، وإن كان مائة شرط)).
فَأَنكره أشدَّ النكير، وأخبر ببطلانه، فكيف يجوز أن يأمر به غيره؟
وهذا اللفظ إنما تفرَّد به هشام بن عروة، ولم يتابعه عليه فيما نعلمه
غيرُهُ(١)، وقد رواه جماعة غيرُه، ولم يذكروا فيه أنّ النبي عليه الصلاة
(١) فيكون الجمع بين هذه الطرق كما روي عن الشافعي قال: (حديث يحيى
عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها أثبت من حديث هشام، وأحسبه غلط في قوله:
(واشترطي لهم الولاء))، وأحسب حديث عمرة أنَّ عائشة كانت شرطت ذلك لهم بغير
أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ترى ذلك يجوز، فأعلمها رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنها إن أعتقتها: فالولاء لها، وقال: لا يمنعك عنها ما تقدم، ولا أرى
أَمَرَها تشترط لهم ما لا يجوز.
وروي عن الشافعي أيضاً: ((اشترطي لهم الولاء)): معناه اشترطي عليهم الولاء ...
=

٤٠٠
كتاب الولاء
والسلام قال: ((اشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق)).
وكان هشام بن عروة خُولط في عقله في آخر عمره، فيُشبه أن يكون
الغلط دخل عليه من هذا الوجه(١).
* وقوله: ((الولاء لمن أعتق)): ينفي كون الولاء لغير المعتق، لا من
جهة أنَّ المخصوص بالذكر يدل على ما عداه، فحكمه بخلافه، لكن من
جهة أنَّ الولاء إذا أُدخل عليه الألف واللام: صار اسماً للجنس، فيتناول
جميع ما يقع عليه، فلا شيء من الولاء إلا واللفظ مشتمل عليه، وقد
جعل النبي عليه الصلاة والسلام جميعَه للمعتِقِ، فلم يَبْق لغير المعتِق، ولا
يستحقه من غير هذه الجهة.
* ولا فرق بين أن يأمر غيرَه بعتقه، أو يعتقه هو؛ لأن المأمور بالعتق
سفيرٌ قائم مقام الآمر فيه، ألا ترى أنه لا يتعلق به شيء من أحكام العتق،
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا عِثْق فيما لا يملك ابن آدم))(٢).
إلخ، قال البيهقي: وفي صحة هذه اللفظة نظر، والله أعلم.
وعن ابن التركماني أنَّ البيهقي عزا الحديث للصحيحين، وأن ذلك أعلى
درجات الصحيح - عندهم -، فلا نظر إذاً في صحتها، ولا غلط، ولو غلط هشام لما
خرَّج الحديث في الصحيحين، فالوجه إذاً تأويل الحديث كما فعل الشافعي أولاً،
وثانياً، لا ردَّه، والله أعلم. ينظر السنن الكبرى ٣٣٧/١٠، ٣٤٠، والجوهر النقي.
(١) قال الذهبي عنه: في الكِبَر تناقص حفظه، ولم يختلط أبداً، ولا عبرة بما
قاله أبو الحسن بن القطان، من أنه وسهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيّرا، نعم الرجل
تغيَّر قليلاً، ولم يَبْق حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسي بعضَ محفوظه أو وَهِم، فكان
ماذا؟ أهو معصوم من النسيان؟ ميزان الاعتدال ٣٠١/٤.
(٢) سبق.