النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
كتاب الدعاوى والبينات
والانفصال لأبي حنيفة في ذلك: أنَّ الميت لا يثبت له ملك، وإنما
يثبت الملك للحي، فوجب اعتبار تاريخ ملك الوارِثَيْن(١).
مسألة : [تنازَعَ شخصان على دار يدعي كلّ منهما شراءها من الآخر،
ولهما بينة]
قال أبو جعفر رحمه الله تعالى: (وإذا ادعى داراً في يدي رجل أنه
ابتاعها من الذي في يديه بألف درهم - وادعى قبضها، أو لم يدَّع -،
وادعى الذي هي في يديه على المدعي مثل ذلك، وأقام كل واحد منهما
البينة على دعواه، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: يُبطِل القاضي البيِّنتين
جميعاً، ويجعل الدار للذي هي في یدیه.
وقال محمد: إن لم تشهد بينةُ الخارج على قبض الدار: قضى بها
للخارج على الذي هي في يديه، وإن شهدت على قبضٍ منه لها: قضى
بالبينتين(٢) جميعاً، وقضى بالدار للذي هي في يديه).
قال أحمد : لم يختلفوا أنَّ الخارج لو أقام البينة على إقرار الذي في
يديه بها له، وأقام الذي في يديه البينة على إقرار الخارج بها: أنَّ البَيِّنتَيْن
تسقطان، ويترك الدار في يدي الذي هي في یدیه.
فردَّ أبو حنيفة مسألة إقامتهما البينة على الشراء إلى هذه، وذلك لأن
دخوله معه في عقد الشراء، إقرارٌ منه بأن الدار له، فلا فَرْق بين إقامتهما
البينة على صريح الإقرار من كل واحد منهما لصاحبه بها، وبين إقامتهما
(١) بدائع الصنائع ٢٣٧/٦، المبسوط ٤٣/١٧.
(٢) في (د، م): ((بالبيعين))، وسيأتي بعد قليل ذكر الشارح الجصاص لقول
محمد مرة أخرى بلفظ: ((بالبیعین)).

٢٠٢
کتاب الدعاوى والبينات
البينة على شراء يتضمن الإقرار بها له.
وفرَّق محمد بينهما، بأن الإقرار إذا لم يكن من عقد تمليك، فإنه
يوجب الملك له، لا على وجه ابتداء تمليك، بدليل جواز إقرار المريض
بجميع ماله لآخر، وامتناع جواز تمليكه إلا من الثلث.
فلما لم يكن الإقرار تمليكاً من جهته، لم يقتض كونه مالكاً قبل
الإقرار، لا على جهة الحدوث: استحال الحكم بصحة الإقرارين بصحة
الملك، بأن كل واحد منهما مستحِقٌ للملك بالإقرار في الحال الذي
يستحقه فيها صاحبه، فبطل الإقراران جميعاً، وبقيت الدار في يدي الذي
هو في يديه.
وأما الشراء، فإنه عقد تمليك ينتقل به الشيء إلى المشتري، وقد
يمكننا تصحيحهما جميعاً، بأن يحكم بأحدهما قبل الآخر، فمتى أمكننا
تصحيح العقدين جميعاً صحَّحناهما، لأن حكم البينات أنها محمولة على
الصحة، ولا يجوز حملها على التنافي والتضاد ما وجدنا لها وجهاً في
الصحة، فلذلك وجب ما ذكرنا.
والانفصال لأبي حنيفة من ذلك: أنه لا فرق بين الأمرين من الوجه
الذي ذكره محمد؛ لأن كل واحد منهما مستحق للملك بالشراء في الحال
التي يستحق صاحبه فيها الملك، كما يستحق الملك بالإقرار.
وما فَصَل به محمد بين الإقرار والشراء، فإنما يمكن إذا أثبتا تاريخاً
للعقدَيْن، ولا جائز إثبات تاريخ ليس في لفظ الشهود، كما لا يجوز إثبات
قبضٍ لم يشهد به الشهود، وليس بمشاهَد معلوم.
ألا ترى أنَّ خارجَيْن لو ادعيا الشراء من جهة الذي هي في يديه: لم
يجز لنا أن نثبت لأحدهما تاريخاً لعقده، ليس للآخر مثله، إذ ليس في

٢٠٣
کتاب الدعاوى والبينات
لفظ الشهادة تاريخ، بل حَكَمْنا بالعقدين لهما معاً، فكذلك الخارج والذي
في يديه، إذا أقاما البينة على الشراء، كل واحد منهما من صاحبه، ولا
تاریخ مع واحدٍ منهما.
ولمحمد: أنا لا نحتاج في الخارجَيْن إذا ادعيا الشراء من جهة الذي
في يديه، إلى(١) إثبات تاريخ(٢) في تصحيح عقدهما، وقبول بينتهما؛ لأنه
لا يمتنع الحكم بوقوع عقدهما معاً، ويمتنع ذلك في الخارج، والذي في
يديه، فاحتجنا إلى إثبات التاريخ في تصحيح البيِّتين، فصحَّحناهما من
الوجه الذي یمکن تصحیحهما.
* قال: (وليس التاريخ في ذلك كالقبض)(٣).
لأن العقد لابدَّ من أن يكون له وقت يقع فيه، وقد علمنا استحالة
وقوعهما معاً، فحَكَمْنا بتقدُّم أحدهما على الآخر، على حسب ما يقتضيه
الحكم، وأما القبض فإن صحة العقد لا تفتقر إلى وجوده، فلذلك لم يلزم
الحكم بالقبض، من حيث حَكَمْنا بالتاريخ.
* وأما ما ذكره أبو جعفر من قول محمد: ((إنها إذا لم تكن مقبوضة:
قضى بها للخارج على الذي في يديه، وإن شهدت على القبض: قضى
بالبیعین، وقضى بها للذي في یدیه)):
فإنه لا فرق عند محمد في قيام البينة على القبض أو عدمه، في أنه
متى أمكنه تصحيح البيعين: صحَّحهما، سواء كانت قد قبضت أو لم
(١) توجد هنا كلمة غير واضحة كأنها: ((عين))، والله أعلم.
(٢) في (د،م): التاريخ.
(٣) ما بين الهلالين غير موجود في مختصر الطحاوي ص ٣٥٤.

٢٠٤
كتاب الدعاوى والبينات
تقبض، إلا أنه يقول: إن لم تقم البينة على القبض: فإنه يقضي بشراء الذي
في يديه أولاً من الخارج، ويحكم له بالقبض؛ لأنها في يديه، فيحكم بأن
هذا القبض هو قبض بيع، إذ قد قامت البينة على الشراء.
فلا جائز أن يحكم بأنها مقبوضة على غير الوجه المستحق، مع إمكان
تصحيح القبض من الوجه الذي يجوز القبض فيه، فكأنه اشترى وقبض،
ثم باعها من الخارج، ولم يسلّم، فيؤمر بتسليمها إليه، ويصير الثمنان
قصاصاً بعضهما ببعض.
وإن قامت البينة على القبض: جعل الخارج كأنه اشترى وقبض، ثم
باعها من الذي هي في يديه، وسلَّمها؛ لأنه يجعل القبض المشاهَد هو
القبض الثاني، لأنه يحمله على الصحة، ولا يجعله قبضَ غصب(١).
مسألة: [تنازعا على دار، وأقام أحدُهما بينة بالنصف والآخر بالكل]
قال أبو جعفر : (وإذا ادعى رجلان داراً في يدي رجل، فأقام أحدهما
البينة على نصفها أنه له، والآخر على جميعها، فإن أبا حنيفة قال: أقضي
بها للمدعيين أرباعاً: لصاحب النصف ربعها، وللآخر ثلاثة أرباعها، وقال
أبو يوسف ومحمد: يقضي بها بينهما أثلاثاً).
قال أحمد : لهذه المسألة نظائر على مذهب أبي حنيفة، ربما خالف
بين أجوبتها مع اشتباهها في الظاهر، وأنا ذاكرها ومبيِّنٌ اختلافَ معاني ما
اشتبه منها في الظاهر، واختلف في الجواب، ليقف الناظر على طريق
الاعتبار منها.
(١) الهداية ونتائج الأفكار ٢٥٥/٧، بدائع الصنائع ٢٣٣/٦، المبسوط ٦٠/١٧
تبیین الحقائق ٣٢٢/٤.

٢٠٥
کتاب الدعاوى والبينات
فمن نظائر مسائل الدعوى: ما قال أبو حنيفة في رجل أوصى الرجل
بجميع ماله، ولآخر بنصف ماله، وأجازت الورثة: فالنصف لصاحب
الجميع، والنصف الباقي بينهما نصفان(١)، فيحصل لصاحب الجميع ثلاثة
أرباعه، ولصاحب النصف الربع، وقال أبو يوسف ومحمد: هو بينهما
أثلاثاً.
وقال أبو حنيفة: إذا أوصى بعبده لرجل، وبنصفه لآخر، وهو يخرج
من الثلث: فالنصف يسلم لصاحب الجميع، والنصف الآخر بينهما
نصفان، وقال أبو يوسف ومحمد: هو بينهما أثلاثاً.
وقال أبو حنيفة في عبد قَتَلَ رجلاً خطأ، وآخرَ عمداً، ولصاحب
العمد وليَّان، فعفا أحدهما: أنه إن دَفَعَه، دفعه أثلاثاً في قول أبي حنيفة،
وفي قولهما أرباعاً.
وكذلك قال أبو حنيفة: في أُمِّ ولدٍ قَتَلتْ مولاها، وأجنبياً عمداً، ثم
عفا أحد ولييِّ المولىُ، وأحد ولييِّ الأجنبي، أحدُهما قبل صاحبه: أنَّ
الولي الذي لم يعف منهما أولاً، قد ثبت له نصف القيمة في رقبتها، ثم
عفا ولي الآخر، فثبت له أيضاً نصف القيمة، نصفه في النصف الفارغ،
وهو الربع، فيأخذه، ونصفُه في النصف المشغول، وللأول فيه نصف
القيمة، فيقتسمان ذلك النصف من القيمة أثلاثاً، وعند أبي يوسف
ومحمد: والنصف المشغول بينهما أرباعاً.
وقال أبو حنيفة في رجلين بينهما عبدٌ أَذِنَا له في التجارة، ثم أدانه
أحدهما مائة درهم، وأدانه أجنبي مائة درهم، ثم بِيْع العبد بمائة: أنّ الثمن
(١) في نسخ المخطوط نصفين، وكذا في غيره من المواضع المماثلة.

٢٠٦
کتاب الدعاوى والبينات
يُقسم بينهما أثلاثاً في قول أبي حنيفة، وفي قولهما أرباعاً.
وقالوا جميعاً: في رجل أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بسدس
ماله، فلم يُجِز الورثة: أنهما يقسمان الثلث بينهما على ثلاثة.
وكذلك الوصية المرسلة(١)، والعتق: يَضرب كلّ واحد منهما بما
و
سُمِّي له بلا خلاف.
وقالوا جميعاً: في عبدٍ قَتَل رجلاً خطأ، وفَقَاً عين الآخر، فاختار
المولى دفعه إليهما: فإنه يدفعه أثلاثاً.
قال أحمد : فهذه المسائل نظائر، قد خولف بينها في الجواب، واتفق
الجميع على بعضها، واختلفوا في البعض، والمعنى الذي بنى عليه أبو
حنيفة رحمه الله هذه المسائل، ويستمر الجواب عليه: أنّ كل مَن أدلىُ
بسببٍ صحيح ثابت في الحال: ضرب به في الجميع.
والأصل فيه: المواريثُ والعَوْل(٢) فيها، والديون التي يتضارب بها
الغرماء بعد الموت، والابن يستحق جميع المال، والبنت النصف، فإذا
اجتمعا ضَرَبَ كل واحد منهما في المال بنصيبه، فكان بينهما أثلاثاً،
لصحة السبب الذي به أدلى كل واحد منهما، فاعتبر ذلك في نظائره من
المسائل التي ذكرناها.
فقلنا على هذا: إذا أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بسدس ماله: أنَّ
الميت يملك الوصية بالثلث، والوصية بالسدس، كلّ واحدة على حِيَالها،
(١) الوصية المرسلة: هي التي لم تقيد بنسبة كثلث أو ربع مثلاً، كما إذا أوصى
بمائة مثلاً، ينظر الفقه الإسلامي وأدلته ١٤٠/٨.
(٢) فى (ر.حـ): ((والقول)).

٢٠٧
کتاب الدعاوى والبينات
فذلك سببٌ يجوز أن يضرب به كل واحد من الموصى لهما، كما يضرب
أصحاب الديون بديونهم، وكما يضرب أصحاب المواريث بأنصبائهم،
إذا كان ذلك سبباً صحيحاً غير موقوف على معنی یصححه ويثبته.
وكذلك الوصية بالعتق، وبالدراهم المرسلة، إذ لم تكن وصية واقعة
في غير(١) ملك الوارث.
* وأما الوصية بالعتق، فليست بثابتة؛ لأنها موقوفة على خروج العبد
من الثلث، وهي عين يستحقها الوارث، ما لم تخرج من الثلث، فلم
يضرب بالجميع، لكنه يُسلّم له النصف الذي لا منازعة فيه، ومن الباقي
نصفه.
وكذلك الوصية إذا زادت على الثلث، إذ كانت موقوفة على إجازة
الورثة.
وكذلك مسألة الدعوى التي نحن فيها، حُكم البيِّنة فيها موقوف على
صحة القضاء بها، فما لم يقض بها: لم يصح حكمها، فاستحال أن
يضرب في الجميع، وهو لم يستحق الجميع ببيِّنته، فلم يضرب به في
الجميع بل في النصف.
* وأما مسألة أم الولد والعبد اللتان قدَّمنا: فإن لكل واحد من الوليين
سبباً صحيحاً، فأشبهت ديون الغرماء والعول(٢) في المواريث.
وكذلك العبد إذا قتل رجلاً، وفقأ عين آخر: فلولي القتيل الدية في
رقبته، وللمفقوء عينه نصف الدية، فاقتسما الرقبة أثلاثاً.
(١) في (د، م): ((عين)).
(٢) في (ر): ((والقول)).

٢٠٨
کتاب الدعاوى والبينات
* وأما مسألة العبد بين رجلين، إذا أدانه أحدهما مائة درهم، وأدانه
أجنبي مائة درهم، ثم بِيْع بمائة، فإن أبا حنيفة قال: إن للمولى خمسين
درهماً في الثمن، وللأجنبي مائة درهم، فاقتسماه أثلاثاً.
* وقال أبو يوسف ومحمد: الثمن بدلٌ من جميع العبد، فنصف
الثمن بدل من النصف الذي للمولى الغريم، فلا شيءَ للمولى فيه، فيسلم
للأجنبي، والنصف الآخر بدل من نصيب المولىُ الذي لم يدَّنْه، وللمولى
الغريم فيه خمسون درهماً، وللأجنبي فيه مثل ذلك، فهو بينهما نصفان.
وكرهتُ الإطالة ببيان وجه قول أبي يوسف ومحمد في جميع هذه
المسائل، إذ كان شأننا الاختصار في هذا الكتاب، والتنبيه على المعنى،
فاقتصرتُ على ما نبهنا عليه من قول أبي حنيفة (١).
مسألة : [تنازع المدعيين داراً في أيديهما]
قال أبو جعفر: (وإذا كانت الدار في يدي رجلين، فادعى أحدُهما
نصفَها، والآخرُ جميعَها، وأقاما البينة: فإنه يقضي لمدعي الجميع بالنصف
الذي في يدي صاحبه منها، ولا يقضي لصاحبه بشيءٍ مما في يديه).
قال أحمد : وذلك لأن في يد كل واحد منهما نصفها، فأقام صاحبُ
الجميع البينة على النصف الذي في يديه، ولا يحتاج فيه إلى بينة؛ لأنه في
يديه، وبينته غير مقبولة على ما في يده، فيُتُرك ما في يده ما لم يَرِدْ عليه ما
يوجب الاستحقاق.
وأما النصف الذي في يد صاحب النصف، فقد أقام الذي في يده
(١) مختصر اختلاف العلماء ٩/٥، تبيين الحقائق ٣٢٣/٤، الهداية ونتائج
الأفكار ٢٥٩/٧، بدائع الصنائع ٢٣٩/٦، المبسوط ٨٣/١٧.

٢٠٩
كتاب الدعاوى والبينات
البينة عليه، فلا تُقبل بينته فيه، وقد أقام عليه صاحب الجميع البينة،
فاستحقه عليه، فحصلت الدار لصاحب الجميع، نصفها باستحقاقٍ منه
على صاحب النصف، والنصف الآخر كان في يده، فلم يستحقه غيرُه،
فُيُتُرَك في يده على ما كان عليه(١).
مسألة : (إذا تنازع صاحبي دارين حائطاً بينهما]
قال أبو جعفر: (وإذا كان الحائط بين دارين، فادعاه كل واحد من
صاحبي الدارين، فإن كان داخلاً في ترابيع (٢) بناء إحدى الدارين: كان
لصاحبها).
وذلك لأن جميعه حائط واحد، فإذا ثبت له بعضه، ثبت له جمیعه،
وكالأزج(٣) الواحد، أنه متى استحق شيئاً منه استَحقَّ جميعَه.
وجملة الأمر في هذه المسائل: أنَّ اليد إنما هي التصرف، فمَن كان
أظهر تصرفاً في الحائط: فهو أولى باليد، وقد ظهر لصاحب الاتصال
ضرب من التصرف، فكان أولى.
(١) تبيين الحقائق ٣٢٤/٤، الهداية والعناية ٢٦٠/٧.
(٢) قال الإمام قاضي زادة: ((وتفسير التربيع إذا كان الحائط من مدر أو آجر، أن
تكون أنصاف لبن الحائط المتنازع فيه داخلة في أنصاف لبن غير المتنازع فيه،
وأنصاف لبن غير المتنازع فيه داخلة في المتنازع يه. وإن كان من خشب، فالتربيع: أن
تكون ساجة أحدهما مركبة في الأخرى، وأما إذا ثقب فأدخل: لا يكون تربيعاً ...
وإنما سمي هذا اتصال التربيع؛ لأنهما يبنيان ليحيطا مع جدارين آخرين بمكان مربع)).
نتائج الأفكار ٢٦٧/٧، وسيأتي بعد قليل من كلام الشارح شرح التربيع.
(٣) الأزج: بيت يبنى طولاً، ويقال بالفارسية أوستان. المغرب ص٢٤.

٢١٠
کتاب الدعاوى والبينات
مسألة :
قال: (وإن لم يكن داخلاً في ترابيع بناءٍ واحدةٍ منهما، وكان متصلاً
ببناء أحدهما، دون بناء الآخر: قضى به لصاحبها).
قال أحمد: اتصال الترابيع: أن يكون آجرُّ الحائط مداخِلاً لآجرٍّ حائط
صاحب الدار من وجهين، ثم يكون حائط الدار أيضاً متصلاً بحائط بيته،
أو داره بالمداخلة من وجهين آخرين، وكذا كان يفسر أبو الحسن
رحمه الله معنى قولهم: تربيع دار أو بيت، فإذا كان كذلك، كان كالحائط
الواحد، وكالأزجّ الواحد.
وأما ما ذكر أبو جعفر من الاتصال بغير تربيع، وأن صاحب الاتصال
أيضاً أولى: فهو أن يكون آجرَّه مداخِلاً لآجرِّ حائط صاحب الدار من
طرفيه، أو من أحدهما، فيكون صاحب الاتصال أَوْلى؛ لأنه قد ثبت له
في الحائط ضرب من التصرف، وليس للآخر فيه تصرف.
ألا ترى أنهما لو تنازعا عرصة(١)، وقد حفر أحدها فيها حفيراً أو بنى
فيها بناء، كان صاحب البناء والحفر أولى باليد، لظهور تصرفه فيها دون
الآخر.
مسألة :
قال: (فإن لم يكن كذلك، وكان عليه خشب لأحدهما: قضى به
لصاحب الخشب).
لأنه متصرِّفٌ فيه بحمله الخشب عليه، فهو أولى باليد، ألا ترى أنهما
(١) عرصة: كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء. القاموس المحيط (عرص).

٢١١
کتاب الدعاوئ والبینات
لو تنازعا دابة، وأحدُهما راكبها، أو آخذٌ بلجامها: أنَّ الراكب والآخذ
باللجام أولی بالید فیھا من الآخر.
مسألة :
قال: (فإن لم يكن لأحدهما عليه خشب، وكان لأحدهما عليه
هرادي(١): فإن صاحب الهرادي لا يستحق بها من الحائط شيئاً).
وذلك أنه غير متصرف في الحائط بالهرادي؛ لأنها غير محمولة على
الحائط، ألا ترى أنَّ الحائط لو وقع: كانت الهرادي بحالها.
والهرادي هي أطنان القصب التي تُطرح فوق البواري (٢) والخشب،
فيماسُ رؤوسُها(٣) الحائطَ من غير أن يحملها.
مسألة :
قال: (فإن كان لكل واحد منهما عليه خشب، وهو غير متصل ببناء
أحدهما: فهو بينهما نصفين).
لأنهما جميعاً متصرِّفان فيه، كراكبَيْ بعيرٍ أو دابةٍ، إذا تنازعاه: يكون
بینھما نصفین.
* قال: (ولا يُنظَر في ذلك إلى كثرة الخشب، ولا إلى قِلَّته، إلا أن
يكون لأحدهما عليه خشبة واحدة، والآخرُ عددٌ من الخشب: فيكون
(١) هرادي، والهردية: قصبات تُضم ملوية بطاقات الكَرْم، تحمل عليها قضبانه.
المغرب ص٥٠١، وسيشرحها المؤلف بعد قليل جداً.
(٢) البواري: البوري والبورية: الحصير المنسوج. القاموس المحيط ٣٩١/١.
(٣) في (د، م، حـ): ((فيما بين رؤوسها)).

٢١٢
کتاب الدعاوى والبينات
لصاحب الخشبة الواحدة موضع خشبته، وبقيته للآخر).
قال أحمد : الخشبة الواحدة والخشبتان سواء، لا يستحق بذلك شيئاً
من الحائط، والحائط لصاحب الخشب الكثير، إلا أنه يُترك للآخر خشبة
إن کانت واحدة أو ثنتين.
وإن كان لأحدهما ثلاث خشبات، وللآخر أكثر منها: فهو بينهما
نصفان، وذلك مرويٌّ عنهم على ما بيًّّا في اعتبار عدد الخشب.
وإنما كان كذلك، لما بيَّنَّا من أنَّ التصرف هو عَلَم اليد ودلالتها، فمَن
كان أظهر تصرفاً: فهو أولى باليد والملك.
فإذا كان لأحدهما عليه حِذْعٌ أو جذعان، وللآخر عليه أجذاع كثيرة:
فصاحب الأجذاع أظهر تصرفاً، فهو أولى بملك الحائط.
كما أنَّ بعيراً لو كان لرجل عليه حِمْل، ولآخر عليه هراوة (١)، أو
سطيحة(٢)، أو حَبْل: كان البعير في يدي صاحب الحِمْل دون الآخر، إلا
أنَّ صاحب الجذع لا يؤمر بنزع جذعه؛ وذلك لأنه مثله، قد يجوز أن
يُثبت حقاً في الحائط، بأن تقع القسمة في الابتداء على أن يترك جذعه،
فيكون ذلك حقاً له في الحائط.
وإذا كان كذلك، وكانت يده مشاهَدة في موضع الجذع: لم يَجُزْ لنا أن
نأمره بنزعه، إذ كنا إنما حكمنا للآخر باليد في الحائط من جهة ظهور
(١) هراوة: الهراوة العصا، وقيل: العصا الضخمة. لسان العرب ٣٦٠/١٥.
(٢) سطيحة، المزادة تكون من جلدين لا غير، ومنها: اختلفا في الدابة،
وأحدهما راكبها، وللآخر عليها سطيحة، وهي من أواني المياه، المغرب ص٢٢٥.
لسان العرب ٤٨٤/٢.

٢١٣
کتاب الدعاوئ والبينات
تصرفه وظاهر يده، والظاهر لا يُبطل به حق الغير.
وليس ذلك مثل أن يقيم أحدهما البينة على ملك الحائط، فيؤمر
الآخر الذي لم يُقِم البينة بنزع جذوعه؛ لأن هذا قد استحق الحائط ببيِّنته،
والبينة يجوز أن يُستحق بها على الغير، واليد لا يُستحق بها على الغير،
وإنما تدفع دعوى المدعي.
وليس الجذع المشاهَد في الحائط بمنزلة الهراوة التي على البعير،
الذي للآخر عليه حِمْل، فيؤمر برفعها، إذا حكمنا بالبعير لصاحب
الحمل؛ لأن حَمْل الهراوة لا يجوز أن يَثبت بها حق في البعير، ووَضْع
الجذع يجوز أن يكون حقاً في نفس الحائط.
والذي قلنا من أنَّ صاحب الجذع لا ملك له في الحائط، وإنما ملكه
للآخر، ولصاحب الجذع حق الوضع، قد كان أبو الحسن رحمه الله
يقوله.
وقد قال محمد في الأصل: إذا كان لأحدهما عليه عشر خشبات،
وللآخر عليه خشبة واحدة: فلكل واحد منهما ما تحت خشبه، ولا يكون
بينهما: قد كان أبو الحسن يتأوَّله أيضاً على ما ذكرنا، ويقول: إن معناه: أنّ
لصاحب الجذع الواحد حقاً في وضعه، ولا يؤمر بنزعه، فأما ملك
الحائط، فلصاحب العشرة(١).
مسألة : [التنازع على بناء، أو خُصِّ له قُمُط]
قال أبو جعفر: (ولا يقضي بوجه البناء ولا بظهره، ولا يقضي
(١) المبسوط ٨٧/١٧، الهداية ونتائج الأفكار ٢٦٦/٧، تبيين الحقائق
٣٢٦/٤ .

٢١٤
کتاب الدعاوى والبینات
بالخُصِّ(١) لصاحب القُمُطُ (٢) في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف
ومحمد: يقضي بالخُصِّ لصاحب القُمُط).
قال أحمد : ويعتبران أيضاً وجه البناء، فيقضيان بالحائط لمن إليه
وجه البناء، وأنصاف اللبن.
وجه قول أبي حنيفة: أنه لا يجوز إثبات الأيدي بالدلالة إذا لم يكن
هناك تصرّفٌ مشاهَد من أحدهما، ألا ترى أنَّ عطَّاراً ودبَّاغاً لو تنازعا
مِسْكاً: لم يقض باليد للعطَّار دون الدباغ فيما ليس له فيه يدٌ ظاهرة، ولا
تصرُّفٌ؛ لأجل الدلالة، كذلك وجه البناء والقُمُطُ أكثر ما فيهما: أن يُجعلا
دلالة على أنه هو الباني، واليد لا تَثبت بالدلالة.
وأيضاً: فإن وجه البناء قد يُجعل إلى غير مالك، وكذلك القُمُط، ألا
ترى أنَّ الحائط الذي يلي الطريق يُجعل وجه بنائه إلى الطريق، وكذلك
القُمُط، فإذاً ليس فيهما دلالة على یده فیه، دون ید الآخر.
* وذهب أبو يوسف ومحمد فيه إلى حديثٍ يرويه أبو بكر بن عياش
عن دهثم بن قران عن نمران بن جارية عن أبيه، ((أنَّ رجلين اختصما إلى
النبي صلى الله عليه وسلم في خُصِّ، فبعث بحذيفة، فقضى به لمن إليه
(١) الخُصُّ: بيتُ شجر أو قصب، وقيل: الخُص: البيت الذي يسقف عليه
بخشبة على هيئة الأزج، سمي بذلك؛ لأنه يُرى ما فيه من خصاصه، أي فُرَجه. لسان
العرب ٢٦/٧.
(٢) القُمُط، والقِمَاط: حبل تشد به قوائم الشاة عند الذبح، وكذلك ما يشد به
الصبي في المهد، وقمط الأسير إذا جمع بين يديه ورجليه بحبل، ... والقمط: ما تشد
به الأخصاص، ومنه معاقد القمط. ومعاقد القمط تلي صاحب الخص. لسان العرب
٣٨٥/٧، المغرب ص ٣٩٣، النهاية لابن الأثير ١٠٨/٤.

٢١٥
کتاب الدعاوى والبينات
القُمُط، فأجازه النبي عليه الصلاة والسلام))(١).
وهذا الحديث لو ثبت لم يدل على ما قالا؛ لأنه ليس فيه أنه قضى
به، لأجل القمط، وعسى أن يكون قد شاهد من ظهور يده فيه من غیر
هذه الجهة ما أوجب الحكم له به.
على أن: دهثماً: مجهول، وكذلك: نمران بن جارية.
مسألة : [تصرفات صاحب السُّفْل في الحائط بينه وبين صاحب العُلْو]
قال أبو جعفر: (ومَن كان له سُفْل، ولآخر عُلْوه من حائط: فإنه ليس
لصاحب السفل أن يوتد فيه وتداً، ولا يَنقُب فيه كُوَّةً إلا بإذن الآخر، في
قول أبي حنيفة)(٢).
وذلك لأن لصاحب العلو حقَّ الحمل على الحائط، فقد ثبت له الحق
في جميع الحائط، فليس للآخر أن يُتلف منه شيئاً له فيه حق.
وأيضاً: فلما كان له في الحائط حق، لم يجز له أن يَنْقُب فيه وإن كان
مالكَه، كما أنَّ المرتهن لما كان له حقٌّ في الجارية الرهن، لم يكن للراهن
وطؤها ولا استخدامها وإن كان مالكاً، لتعأَّق حق المرتهن بها، كذلك ما
وصفنا.
* (وقال أبو يوسف ومحمد: له أن ينفعل ما لا يضرُّ بالعُلْو).
لأن حق صاحب العُلْو بقاءُ حَمْله بما(٣) لا يضرُّ بحمله، فله فَعْلُه؛
(١) ذكره ابن الأثير في النهاية ١٠٨/٤ عن شريح.
(٢) المبسوط ٩٠/١٧، بدائع الصنائع ٢٥٨/٦.
(٣) في خ (د،م): ((لأن صاحب العلو بقي حمله بما لا يضر)).

٢١٦
کتاب الدعاوى والبينات
لأنه ملکه(١).
مسألة : [باع عبداً وُلِد في ملكه، ثم ادعاه، فكذبه المشتري]
قال أبو جعفر: (ومَن باع عبداً قد وُلد في يده من حَمْلٍ كان في
ملكه، ثم ادعاه، وكذَّبه المشتري: قُبلت دعواه فيه، وفسخ البيع.
وكذلك إذا باعها حاملاً، فولدت لأقل من ستة أشهر منذ يوم باع).
قال أحمد : الأصل في ذلك: أنَّ الدِّعوة على وجهين: دعوة استيلاد،
ودعوة ملك.
ودِعوة الاستيلاد: كأنها حقٌّ فيما يبطل بها من حق الغير، ودعوة
الملك بمنزلة عَتَاق موقَّع.
فأما دعوة الاستيلاد، فهي أن يكون ابتداء العلوق في ملكه، ودعوة
الملك أن يكون ابتداء العلوق في ملك غيره.
والدليل على أنَّ دعوة الاستيلاد كأنها حقٌّ فيما يبطل بها من حق
الغير: أنَّ جاريةً بين رجلين، لو حَمَلت في ملكهما، وولدت، فادعى
أحدُهما ولدَها: ضَمِنَ نصفَ قيمتها، ونصفَ عُقْرها (٢)، ولم يضمن من
قيمة ولدها شيئاً؛ لأنه ضَمِن قيمة الأم بالعلوق، ولم يكن للولد حينئذ
قیمة، فصُدِّق في حرية الولد بغیر ضمان، إذ كانت دعوته دعوة استیلاد.
ولو كانا اشترياها وهي حامل، ثم ادعى أحدُهما ولدَها: ضَمِن نصفَ
(١) المبسوط ١٧ /٩١.
(٢) العقر بالضم: دية الفرج المغصوب. القاموس المحيط ٩٦/٢، وفي المغرب
(عقر): العُقر: صداق المرأة إذا أُتيت بشبهة.

٢١٧
کتاب الدعاوى والبينات
قيمتها، ونصفَ قيمة الولد لشريكه إن كان موسراً؛ لأن دعوته دعوة
ملك، إذ لم يكن أصل العلوق في ملكه، فصار الولد کعبدٍ بين رجلين،
أعتقه أحدهما.
وكذلك لو أنَّ رجلاً مريضاً استولد جارية له في مرضه: كان ولدها حرَّ
الأصل، وكانت أمَّ ولد له من جميع المال، ولو اشترى عبداً، فادعاه:
کان عتقه وصية.
فبان بما وصفنا أنَّ دعوة الاستيلاد، كأنها حقٌّ فيما يبطل بها من
حق الغير، فقلنا على هذا الأصل في مسألتنا: إن أصل العلوق لما كان
في ملكه، كانت دعوته دعوة استيلاد، فصُدِّق على فسخ البيع
بالدِّعوة.
وكذلك الأمة المبيعة إذا جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر، لهذه العلة
بعينها.
فإن قيل: هلاَّ كان بيعه إياها نفياً منه لنسبه، فلا يُصدَّق بعد ذلك على
الدِّعوة.
قيل له: ليس لنفي النسب تأييد في منع الدِّعوة بعده؛ لأنه لو نفى
نسب صبي في يده منه، ثم ادعاه: صُدِّق على الدِّعوة، ألا ترى أنَّ ولد
الملاعَنة منتفي النسب من الزوج، وإن ادعاه بعد ذلك: صُدِّق على
الدِّعوة.
ووجهٌ آخر للمسألة: وهو أنَّ المشتري لما كان مأموراً بالاستبراء، دل
لزوم ذلك له على أنه استبرأ من البائع، لئلا تكون حاملاً منه، على
أنه يُصدَّق على الدِّعوة إذا ادعاه.
قال أحمد: وهذا ليس بمرضيٍّ، ولكنه قد قيل، والمعنى الأول

٢١٨
کتاب الدعاوى والبينات
صحيح، وعليه كان يعتمد شيخنا أبو الحسن الكرخي رحمه الله (١).
مسألة : [ادعاء البائع الولد بعد إعتاق المشتري الأم]
قال أبو جعفر: (فإن أَعتق المشتري الأمَّ، ثم ادعى البائعُ الولدَ:
صُدِّق على الدِّعوة، ورُدَّ إليه الولد حرَّاً بحصته من الثمن، ولا تُرَدُّ إليه
الأم، وهي حرة).
قال أحمد : وذلك لأن ثبوت نسب الولد، ليس بشاهد على ثبوت
الاستيلاد في الأم، لجواز انفراده عنه، ألا ترى أنَّ ولد المغرور ثابتُ
النسب من أبيه، وهو حُرُّ الأصل، ولا يثبت الاستيلاد في الأم، فكل
شيئين(٢) جاز انفراد أحدهما عن صاحبه: لم يكن ثبوت أحدهما شاهداً
على ثبوت الآخر.
مسألة :
قال: (ولو كان المشتري قد أعتق الولد، ولم يعتق الأم، والمسألة
على حالها: كانت دعوته باطلةً، والبيع على حاله).
وذلك لأن العتق لا يلحقه الفسخ بعد وقوعه، وليس هناك شاهد
يشهد على بطلانه، وإنما يريد فسخه بقوله، فلا يجوز.
وليس بمنزلة أحد التوأمين إذا أعتقه المشتري، ثم ادَّعى البائع
الباقي(٣)، فيثبت نسبهما، ويفسخ عتق المشتري؛ لأن أحد التوءمين شاهد
(١) الجامع الصغير ص ٤١٣، المبسوط ١٠١/١٧، تبيين الحقائق ٣٢٩/٤.
(٢) في (ر.حـ): ((نسبين)).
(٣) كذا: ((الباقي)): في جميع النسخ، ولو أنه قال: (الثاني): لكان أَوْلى.

٢١٩
کتاب الدعاوى والبينات
على صاحبه، لاستحالة ثبوت نسب أحدهما دون الآخر، مع كونهما
حَمْلاً واحداً، فلما صار شاهداً عليه، أشبه من هذا الوجه البينة لو قامت
بصحة نسبه من البائع، فيوجب ذلك فسخ عتق المشتري(١).
مسألة: [ادعاء كل من الزوجين صبياً في أيديهما، أنه ابنه من غير
زوجه]
قال أبو جعفر: (ومَن ادعىُ صبياً في يده وفي يد امرأته، أنه ابنه من
غيرها، وادعت المرأة أنه ابنها من غيره: فإنه يكون ابن هذين اللذين هو
في أيديهما).
قال أحمد: المسألة مبنية على أنَّ المرأة امرأة الرجل، وليست
أجنبية؛ لأنها لو كانت أجنبية لم تُصدَّق على الولادة إلا بشهادة امرأة
تشهد لها علیھا.
ووجه المسألة: أنّ الصبي لما كان في أيديهما، وكان الرجل مصدَّقاً
على النسب، إذ لا يُتوصل إلى ثبوته منه إلا من جهته، فصار قوله فيه
كالبينة، ثم كان للمرأة فيه يدٌ، وهي فراشه: لم يُصدق على إزالة يدها،
وثبت النسب منها، إذ ليس هناك فراش آخر يجوز إثبات النسب منه
غيرها.
ولا تُصدَّق هي أيضاً على أنه من غيره؛ لأن له فيه يداً، ولأنها
فراشه، فيلحق النسب به(٢).
(١) المبسوط ١٧ / ١٠٢، تبيين الحقائق ٣٣٠/٤.
(٢) الجامع الصغير ص٤١٤، تبيين الحقائق ٣٣٤/٤، الهداية ونتائج الأفكار
٢٩٢/٧.

٢٢٠
کتاب الدعاوى والبینات
مسألة : [تغيير دعوى شخص لعبد صغير في يده]
قال أبو جعفر: (ومَن قال لعبدٍ صغير في يده: هذا ابن عبدي
الغائب، ثم قال: هو ابني: لم يُصدَّق أبداً على دعوته، سواء ادعى الغائبُ
النسب أو جحد، في قول أبي حنيفة).
وذلك لأن تحت إقراره معنيين: أحدهما: صحة ثبوت النسب من
العبد، والآخر: أنَّ رد العبد لإقراره لا يوجب فسخه ولا بطلانه؛ لأن
النسب لا يلحقه الفسخ بعد ثبوته، فأشبه الإقرار بعبدٍ في يديه أنه لزيد
أعتقه، فلا يبطل العتق الذي أقرَّ به بردِّ المقرِّ له إقراره.
كذلك إقراره بصحة نسب الصبي من العبد، قد تضمن اعترافاً منه،
فإنه لا يلحقه الفسخ بردِّه له، فلم يُصدَّق هو على الدِّعوة؛ لأن إقراره
بصحة نسبه من غيره لم يبطل.
وأيضاً: فإن نفي العبد نسبه، لا يمنع صحة دعوته بعد ذلك، ألا ترى
أنَّ مَن نفى نسب صبي في يديه، لم يمنعه نفيه إياه من صحة دعوته،
كذلك العبد المقَرُّ له بالنسب.
وإذا كان كذلك، فحكم إقرار المولى قائمٌ فيما أقرَّ به له، فلم يُصدَّق
على الدِّعوة، ألا ترى أنهم متفقون على أنَّ العبد لو لم يُعلم منه جحودٌ ولا
اعتراف بما أقرَّ له به، أنَّ المولى لا يُصدَّق على الدِّعوة، كذلك ما وصفنا.
: وقال أبو يوسف ومحمد: إذا جحد العبد النسب: بطل إقرار
المولىُ، فصُدِّق على الدِّعوة(١).
(١) الجامع الصغير مع شرحه النافع الكبير ص٤١٣، الهداية ونتائج الأفكار
٢٨٥/٧، تبيين الحقائق ٣٣٣/٤.