النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ كتاب الرجوع عن الشهادات فأجازه: لم يكن لمن بعده من الحكّام فَسْخ قضائه، وكان واسعاً للشفيع التصرف في الدار المأخوذة بالشفعة، لأجل حكم الحاكم به. ولو لم يكن حَكَمَ الحاكم به، ثم رُفع إلى حاكم لا يرى الشفعة بالجوار: لم يكن عليه الحكم بالشفعة، بل كان عليه إبطالها إذا كان ذلك من رأيه، فقد صار لحكم الحاكم تأثير في إيقاع العقد، أو فسخه، فصار ذلك أصلاً في نظائره من العقود. * ودليل آخر: وهو أنَّ الذي على الحاكم باتفاق المسلمين إذا شهد عنده شهودٌ - ظاهرهم العدالة - بعقد، أو فَسْخ عقد: إمضاؤه والحكم به، فيصير ذلك عقداً محكوماً بجوازه ونفاذه، من حيث أمَرَ بإنفاذه، ولو تخلَّف الحاكم عن الحكم به، ليقف على حقيقة ما شهدوا به، لكان تاركاً لحكم الله عز وجل، عاصياً في تخلفه عن أمر الله. وإذا وقع الحكم بالعقد من حيث أمر الله تعالى بالحكم به، وجب أن يصح ويقع، إذ كان سائر العقود التي يتعاقد عليها المتعاقدان، إنما وجب إمضاؤهما عليها، ولزومهما أحكامها من حيث أمر الله تعالى بإمضائها، ولزوم أحكامها. فلا فرق حينئذ بين أن يعقدا هما عقد نكاح بشهود حضروهما، وبين أن يأمر الله بالحكم بصحته إذا ألزم الحاكم الحكم به بشهادة شهود شهدوا عنده به، فلا يجوز فَسْخ عقدٍ هذا وصفه، إلا بما يصح به فسخ الحكومات، ويجوز ثبوته عند الحكام. فإن قال قائل: فلو حَكَمَ بذلك بشهادة شهود، ثم تبين أنهم عبيد أو كفار: لم ينفذ حكمه، ولم يقع العقد بقضيته وإن كان مأموراً بإمضائه والحكم به. ١٨٢ كتاب الرجوع عن الشهادات قيل له: لا فرق بينهما في وقوع العقد بما وصفت، وإنما اختلفا من أجل أنَّ هناك سبباً يوجب فسخ العقد الواقع بحكم الحاكم، وهو كون الشهود عبيداً، أو كفاراً، أو محدودين في قذف، وهذه معان يصح ثبوتها ٩ عند الحكّام، وتقوم عليها البينات، فجاز أن يفسخ به العقد الواقع، إذ لا يمتنع فسخ عقد صحیح بمعانٍ توجبه و تقتضيه. وليس كذلك حكم الشهود إذا كانوا شهود زور؛ لأن ذلك معنى لا يصح ثبوته عند الحكام من طريق الحكم، ولا تقوم عليه البينات، ولا يجوز فسخ حكم الحاكم إلا بحكمٍ مثله، والرقُّ، والكفر، والحدُّ في القذف معان یصح ثبوتها من طريق الحکم، فلذلك جاز فسخ الحكم به. * وعلى هذا المعنى قال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم بنكاح امرأة بشهادة شهود شهدوا عنده، وقد كان المشهود عليه طلَّقها ثلاثاً قبل أن تتزوج زوجاً غيره: أنها لا تحل له، وكذلك لو حكم بنكاحها، وهي معتدة من غيره، وذلك لأن هذه معان يصح ثبوتها عند الحاكم من جهة الحكم، وتقوم عليها البينات، فإذا قارنت حكم الحاكم بالعقد منعت جوازه. * ومن جهة أخرى في بطلان الحكم بعقد المعتدة والمطلقة ثلاثاً: وهي أنَّ حكم الحاكم بالعقد، ليس بأكثر من ابتداء عقدٍ منهما، فلا يصح حكمه بالعقد إلا في حالٍ لو ابتدأ العقد فيه صح. فإن قال قائل: يلزمك على هذه العلة إيجاب ملك المال للمحكوم له بقضاء القاضي به له، إذ هو مأمور بالحكم به، ولم يقارنه ما يوجب فسخه من طريق الحكم. قيل له: لو كان حكم الحاكم له بالمال حكماً له بملكه، للزم ما قلت، ولكنا نقول: إن الحاكم إنما يحكم عليه بتسليم المال إليه، ولا يحكم له ١٨٣ كتاب الرجوع عن الشهادات بملك المال، وذلك لأنه لو وجب الحكم له بالملك، لما صح ذلك إلا مع بيان جهة الملك، فلما صح حكمه له به مع عدم بيان جهة الملك، ثبت أنَّ حكم الحاكم، إنما تناول التسليم فحسب، لا ملك المال. ألا ترى أنَّ المحكوم له، لو كان اعترف بملك المال للمحكوم عليه، وادعى انتقاله إليه بجهة من جهات الملك، لما صح له الحكم بالمال بالبينة، إلا مع بيان جهة الملك، حين احتجنا إلى أن نحكم له بالملك. فلو قالوا: انتقل إليه ملك العبد، أو ملكه عليه: لم يحكم الحاكم بذلك حتى يشهدوا له بالجهة التي انتقل بها إليه، من بيع أو هبة أو نحو ذلك، فلو كان إطلاق الشهادة بالملك، يوجب له الحكم بالملك، لما صح الحكم به أو يشهدوا بجهة الملك، فصح بذلك أنّ الحاكم إنما يحكم له بالتسليم إليه، إذا لم يشهدوا بجهة الملك، واستحقاقُ التسليم إليه لا يوجب له الملك، وذلك لأنه قد يستحق تسليم ما لا يملكه، مثل عقد الرهن والإجارة. وإنما ذكرنا حقيقة ما يقتضيه حكم الحاكم من التسليم أو الملك، لا من جهة أنَّ سؤال السائل يقتضيه بحق النظر، لكن لأنا أردنا بيان وجه المسألة. * فأما الذي يوجبه علينا النظر من الجواب، فهو أن نقول: إن حكم الحاكم بشهادة الشهود بمال مطلق، من غير جهة العقد، ليس يقتضي حكماً منه بالملك، فإذا قلنا ذلك: سقط عنا سؤال السائل، ثم الكلام في تصحيح ما ذكرنا من المذهب خروجٌ عن مسألتنا. * وأما وجه ما روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه في الهبة من ١٨٤ كتاب الرجوع عن الشهادات الروايتين، فإن وجه الجواز: أنّ حكم الحاكم تناول العقد، والانتقال به إلیه، فکان کالبيع والنكاح ونحوه. ووجه الرواية الأخرى: أنَّ الحاكم لا ولاية له بحال في تمليك أموال الناس بعقد الهبة، وقد ثبت له ولاية في عقد النكاح والبيع والطلاق ونحوها(١). مسألة : [رجوع الشاهدين على آخرَ بالهبة] قال أبو جعفر: (وإذا شهد شاهدان على رجل بالهبة والقبض، ثم رجعا: ضَمِنا قيمة ما شهدا به للواهب، ولم يكن للواهب أن يرجع في الهبة). قال أحمد : إنما ضمنا القيمة؛ لاعترافهما باستهلاكه عليه بالشهادة، ولا يكون للواهب الرجوع في الهبة، لأنه قد أخذ بدلها من الشاهدين، ومتى حصل للواهب عوض الهبة: لم يصح له الرجوع فيها (٢). مسألة: [إذا تبين للقاضي عدم أهلية مَن حكم بشهادتهما] قال أبو جعفر: (إذا قضى القاضي بشهادة شاهدين على رجل لرجل بمال، ثم وَجَدَ الشهود عبيداً، أو محدودين في قذف: فإن على المحكوم له ردُّ المال إن كان قبضه، ولا ضمان على الشاهدين). وذلك لأنا قد بيَّنَّا أنهما لم يكونا من أهل الشهادة، وكان ذلك خطأً من الحاكم حين حكم بشهادة مَن ليس من أهلها، ويرجع على القابض بما (١) أدب القاضي للخصاف بشرح الجصاص ص٢١٦، المبسوط ١٨٠/١٦، شرح أدب القاضي للخصاف للصدر الشهيد ١٧٢/٣ . (٢) المبسوط ١٩١/١٦، شرح أدب القاضي للخصاف للصدر الشهيد ١٩٠/٣. ١٨٥ كتاب الرجوع عن الشهادات قبض، لحصول العلم ببطلان قضائه من جهة الحكم(١). مسألة: [إذا تبين عدم أهلية البيِّع شهود، الذين شهدوا في قود] قال أبو جعفر : (وإن كان الذي قضى به القاضي في ذلك بشهادتهما قَوَداً، والمسألةُ على حالها: فإن ضمان الدية في ذلك على المشهود له إن كان أخذ القود، وقد اختُلف عن أبي حنيفة رحمه الله، فروي عنه أنها على عاقلته). قال أحمد : وإنما وجب ضمانها على المشهود له؛ لأنه تناول القود على أنه حق له، وقد بيَّنَّا أنه لم يكن حقه فيضمنه، ولا يكون عليه القود، لأنه أَخَذَه بحكم القاضي، وجائزٌ أن يكون المشهود له إنما عمل على قول الشاهدين في أخذ القود، ولم يكن له علم بحقيقة ذلك. ووجه الرواية التي جعلها في ماله: أنَّ المشهود له قد قتل المشهود عليه، وكان حكمه أن يكون عليه القود لولا شهادة الشاهدين، وحُكْم القاضي به، فصار ذلك شبهة في سقوطه، ووجبت الدية في ماله، لأنه عَمَدٌ سقط فيه القود بشبهة، بمنزلة مَن قتل ابنه، فيكون عليه الدية في ماله. ووجه الرواية الأخرى: أنه جعله بمنزلة قَتْل الخطأ، فتكون الدية فيه على العاقلة(٢). (١) الدر المختار، وحاشيته قرة عيون الأخيار ٢٤٣/٧، المبسوط ١٨٣/١٦. (٢) الدر المختار وحاشية قرة العيون ٢٤٣/٧، الكتاب ١٦١/٣. ١٨٧ کتاب الدعاوى والبینات كتاب الدعاوى والبينات مسألة : [بیان من تلزمه البينة ومن يلزمه اليمين] قال أبو جعفر: (البيِّنَةُ على المدعي، واليمينُ على المدَّعى عليه)(١). وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((البيِّنة على المدعي، واليمين على المدَّعىُ عليه))(٢). مسألة: [تنازع المدعيين في دارٍ في يد أحدهما وإقامتهما البينة عليها] قال أبو جعفر : (ومَن ادعى داراً في يدي رجلٍ أنها له، وادَّعاها الذي هي في يده، وأقام كلّ واحد منهما البينة أنها له: فإنه يُقضى بها للخارج). قال أحمد: الأصل فيه: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((البينة على المدعي)). فاحتجنا أن نعرف المدعي من المدعى عليه، فلما اتفق الجميع على أنَّ الذي يطالَب بإقامة البينة بدءاً هو الخارج، وأن الذي يبدأ باليمين هو الذي الشيء في يده، ثبت أنَّ المراد بالمدعي: هو الخارج، وأن المراد بالمدعى عليه: هو الذي الشيء في يده. فقد انتظم هذا اللفظ إيجاب جميع البينات على الخارج، إذ كان هو المدعي. (١) بدائع الصنائع ٥٢٥/٦، المبسوط ٣٠/١٧. (٢) سبق. ١٨٨ كتاب الدعاوى والبينات وقوله: ((البينة)): اسمٌ يتناول الجنس، فلا يبقى شيء من الجنس إلا وقد انتظمه اللفظ، فلا يبقى هناك بينةً تكون على المدعى عليه الذي الشيء في يده. وكذلك لما قال: ((اليمين على المدعى عليه»: نفى به إيجاب يمينٍ على المدعي؛ لاشتماله على جنس اليمين. وليس يمتنع أن يقال: إن قوله: (البينة على المدعي)): لا يتناول غير الخارج، وأنه لا يدخل تحته قط(١) الذي الشيء في يده؛ لأن المدعي يقتضي مدعى عليه، والخارج معلوم أنه ليس بمدَّعى عليه، بدلالة أنّ الذي الشيء في يده لو رَفَعَه إلى القاضي، وقال: أنا أدعي الدار التي في يدي لنفسي، وهو ينكر، فاقبل بيّنتي عليه: لم يُلتفت إليه. فصح أنَّ الذي في يده ليس بمدَّعٍ، إذ كان إطلاق لفظ المدعي يقتضي مدعى عليه، فلما لم يكن الخارج مدعى عليه، لم يكن الذي الشيء في يديه مدعياً. فإذاً قوله: ((البينة على المدعي)): إنما يتناول الخارج دون الذي في يديه، واستغرق سائر البينات بإيجابها عليه، فلم يبق هناك بينة تكون على المدعی علیه. وأيضاً: من الدليل على أنَّ الذي في يديه الشيء لا حكم لبيِّنته على الملك المطلق: أنه لو جاء فأقام البينة على خارج، ورام من القاضي الحكم ببينته، لأنه يجحده: لم يلتفت إلى بينته، وأن المدعي لو جاء بالبينة، قُبلت بينته؛ فدل على أنَّ المخصوص بقبول البينة هو الخارج، (١) في (ر): ((قط إلا الذي ... ))، وما أثبته من باقي النسخ هو ما يقتضيه المعنى. ١٨٩ كتاب الدعاوى والبينات دون الذي في یدیه. وأيضاً: فإن ظاهر اليد والتصرف، يوجب الملك للذي هو في يديه، والبينة التي تشهد له إنما ترجع إلى ظاهر اليد والتصرف، إذ لا سبيل لها إلى معرفة حقيقة الملك، وإذا كان هذا سبيل البينة فيما شهدت به، ولم يمنع ظهور اليد للذي في يديه من استحقاقها ببينة الخارج: كذلك ببینته. وأيضاً: يدل على ما ذكرنا: قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث الأشعث بن قيس، وحديث وائل بن حُجْر: ((شاهداك، أو يمينه، ليس لك إلا ذلك))(١)، فانتفى بذلك قبول بينة الذي في يديه. فإن قيل: إنما أراد: ليس لك حق غيره، ولم ينفِ به قبول بينة الذي في یدیه. قيل له: إنه ليس كذلك، بل المراد أنه ليس لك إلا ذلك في قطع الخصومة بينك وبينه، ألا ترى أنه ذَكَرَ يمين المدعى عليه لقطع الخصومة، لا لاستحقاق ما يدَّعيه، فبان بذلك أنَّ مراده قطع الخصومة، فاقتضى اللفظ نفي قبول بينة المدعى عليه؛ لأن فيه قطع الخصومة بغير ما أو جبه النبي صلى الله عليه وسلم. قال أحمد : ولا يُعترض على ذلك بما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في النِّتاج(٢)، أنه قضى به للذي هو في يديه(٣). (١) سبق. (٢) النتاج: اسم يجمع وضع جميع البهائم، ثم سمي به المنتوج. المغرب (نتج). (٣) سنن الدارقطني ٢٠٩/٣، السنن الكبرى ٢٥٦/١٠، والصحيح أنه روي عن ١٩٠ کتاب الدعاوى والبینات وذلك لأن النِّتاج الذي قامت عليه البينة لهما، ليس أحدهما أولى بأن يكون مدَّعياً فيه من الآخر؛ لأنه معنى مغيب عنا، ليس بظاهر في الحال، إذ لم يكن ظهور اليد عَلَماً للنّتاج، وظهور اليد عَلَم للملك، فلما لم يكن معنى النتاج ظاهراً في الحال، لم يمتنع قبول بينة الذي في يديه عليه لدلالة أوجبته، إذ لم يتناوله لفظ النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: ((البينة على المدعي، والیمین علی المدعى عليه)). وأيضاً: لما كان النِّتاج معنى لا يُستحلف عليه الذي هو في يديه، لم يمتنع قبول بينته عليه، إذ لم يكن فيه مدعى عليه في باب الاستحقاق(١) عليه، وليس كذلك إذا أقام البينة على دعوى الملك المطلق من غير نتاج؛ لأن الملك المطلق يُستحلف الذي في یدیه علی نفیه. ألا ترى أنه لو لم تكن لهما بينة، استُحلف في دعوى الملك على نفي الملك: بالله ما هو ملك للخارج، ولا يُستحلف في النتاج: بالله ما وُلد في ملك الخارج، فلذلك اختلف حكم النتاج، والملك المطلق في باب قبول بينة الذي في یدیه. وأيضاً: ما ذكرنا من خبر الأشعث بن قيس، وخبر وائل بن حجر لا يُعترض عليه بخبر النتاج؛ لأن الخصومة كانت في أرض أو بيت، وليس في ذلك معنى النتاج، فقَبِلْنا خبرَ النتاج على حياله، وخبر الأشعث ووائل على ما ورد فيه، ولم يعترض بأحدهما على الآخر. وأيضاً: للنتاج معنى يفارق به دعوى الملك المطلق، ويوجب أن سماك مرسلاً، كما في التعليق المغني، وانظر الجوهر النقي على السنن الكبرى. (١) فى (ر): ((الاستحلاف)). ١٩١ كتاب الدعاوى والبينات تكون بينة الذي في يده أولى، وهو أنه لما كان كل واحد منهما يدَّعي الملك من الجهة التي ادعاه صاحبه، كان الذي في يده أولى، کرجلين أقام كل واحد منهما البينة أنه اشترى هذا العبد من زيد، وهو في يدي أحدهما: أنَّ الذي في يده أولى؛ لأنه ادعى الملك من الجهة التي ادعاها صاحبه، ومعه يد، وكذلك النتاج، وليس ذلك موجوداً في دعوى الملك المطلق(١). مسألة : [إقامة المدعيين البينة على الدار المتنازع فيها] قال أبو جعفر: (وإذا ادَّعىُ مُدَّعيان داراً في يدي رجل، فأقاما بينة: فإنه يُقضى بها بينهما نصفين). والأصل فيه: ما روى قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى: ((أنَّ رجلين ادَّعيا بعيراً، فبعث كلّ واحد منهما شاهدين، فقَسَمَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بينهما))(٢). وقد رُوي في بعض ألفاظ هذا الحديث: ((أنه كان في يد غيرهما، ولم یکن في يد واحدٍ منهما))(٣). وروى سِمَاك بن حرب عن تميم بن طرفة عن النبي عليه الصلاة (١) بدائع الصنائع ٢٢٤/٦، ٢٣٢، الهداية ١٤٤/٧، المبسوط ٢٩/١٧، شرح أدب القاضي للخصاف للصدر الشهيد ٢١٥/٣. (٢) سنن أبي داود ٢٧٩/٢، المستدرك للحاكم ١٠٧/٤ وصححه، وقال على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي السنن الكبرى ٢٥٧/١٠، نصب الراية ١٠٨/٤. (٣) لم أقف عليه مرفوعاً، بل روي ذلك عن علي رضي الله عنه، مصنف عبد الرزاق ٢٧٨/٨، شرح السنة ١٠٨/١٠. ١٩٢ کتاب الدعاوى والبينات والسلام مثله(١). وأيضاً: فلما تساويا في السبب الموجب للاستحقاق، وَجَبَ أن يتساويا في استحقاقه، فيكون بينهما نصفين، كما أنّ الغرماء لما تساووا في السبب الموجب لهم استحقاق مال الميت، تساووا في استحقاقه، وكما أنَّ كل واحد من الابنَيْن مستحِقٌ جميعَ مال الأب(٢) إذا انفرد، ثم لما اجتمعا وتساويا في سبب الاستحقاق، وهو النسب الموجب لهما ذلك: تساويا في الاستحقاق. فإن قيل: قد علمنا كذب إحدى البيِّنتين، فلا يُحكَم بواحدة منهما، إذ كان في إيجاب الحكم بهما جميعاً، حكمٌ ببينةٍ قد علمنا كذبها. قيل له: هذا الاعتبار ساقط، من قِبَل أنه يؤدي إلى إسقاط جميع البينات؛ لأن رجلاً لو أقام البينة على عبد في يدي رجل أنه له: قُبِلت بينته، وقُضي له به، فإن أقام آخرُ بينةَ على أنه له: قُضي له به أيضاً على المستحق الأول، فقد حكمنا بصحة البينتين جميعاً، مع استحالة كون جميع العبد ملكاً لكل واحد منهما على الانفراد، فسقط بذلك قول مَن أوجب تعارض البينتين إذا قامتا على الملك. وأيضاً: فإن كل واحدة من البيِّنتين لا سبيل لها إلى الوصول إلى حقيقة (١) المعجم الكبير للطبراني (١٨٣٤) ٢٠٤/٢، وفي بغية الألمعي عن مجمع الزوائد عن الأول : وفيه: ياسين الزيات، وهو متروك، وفي هامش المعجم، تحقيق حمدي السلفي قال عن الثاني: فيه: سويد بن عبد العزيز: ضعيف، وحجاج: كثير الخطأ والتدليس. (٢) في (د، م): ((يستحق مال الميت)). ١٩٣ کتاب الدعاوئ والبینات الملك، وإنما تشهد بما يظهر من اليد والتصرف، وليس يمنع أن تكون كل واحدة منهما قد شهدت بظاهر اليد والتصرف ممن شهدت له به، فكانت صادقة في شهادتها، إذ لم تتناول شهادتها حقيقة الملك. وإقامتهما البينة على النِّتاج والملك المطلق في هذا سواء على المعنى الذي قدَّمنا؛ لأن أحدهما لو استحقه بالنّتاج على رجل، لم يمتنع أن يستحقه على المحكوم له بالنِّتاج إنسانٌ آخر لو أقام البينة على النِّتاج، فيكون فيه حكمٌ بيِّنتي النِّتاج، فانتفى بذلك قول مَن أوجب تعارض بيِّنتي النّتاج (١)، من أجل استحالة كون النِّتاج من بَيِّتين(٢). فصل : قال أبو جعفر: (ولا يسمع القاضي بعد ذلك من الذي في يديه بينة على الخارجين، ولا بينة واحدٍ منهما على صاحبه). قال أحمد: وذلك لأن الذي في يديه، قد صار مستَحقّاً عليه ببينة الخارجين، ومَن استُحق عليه شيء ببينة، لا يجوز أن يستحقه هو على المستحق. والأصل فيه: ما روى أبو بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يُقضى في الشيء الواحد بقضاءين)) (٣). وأيضاً: فلو اجتمعت بينة الخارج، والذي في يده: كانت بينة الخارج (١) شرح أدب القاضي للخصاف للصدر الشهيد ٢٢٦/٣، بدائع الصنائع ٢٣٧/٦، الاختيار لتعليل المختار ١١٨/٢، الهداية ٢٢٨/٧. (٢) في (د، م): ((مرتين)). (٣) سبق. ١٩٤ کتاب الدعاوئ والبینات أَوْلى، كذلك إذا افترقت البينتان؛ لأن كل بينتين لو اجتمعتا: كانت إحداهما أَوْلى، كذلك إذا افترقا؛ لأن هذه البينة قد صارت أَوْلَئُ بالاستحقاق بها مع حضور الأخرى، فتأخُّرها عنها لا يمنع ما قد ثبت من حکمها في کونها أولى. وإنما لم تُقبل بينة أحدهما بعد ذلك على الآخر؛ لأن كل واحد منهما قد صار مستَحقاً عليه لصاحبه، والدليل على ذلك: أنَّ بينة كل واحد منهما، قد كانت توجب له استحقاق الجميع لولا بينة الآخر، فصار الآخر مستحقاً عليه النصف الذي كان يستحقه لولاه، فكان في هذا النصف بمنزلة الذي في يده إذا استُحق عليه، فلا يُلتفت بعد ذلك إلى بينته(١). مسألة : [إقامة المدعيين البينة على الدار وإحداهما أسبق زمناً تملكاً] قال أبو جعفر: (ولو كان المدعيان أقام أحدهما البينة أنها له منذ سنة، وأقام الآخر البينة أنها له منذ سنتين: قضى بها لصاحب السنتين). قال أحمد : وذلك لأن صاحب السنتين قد أقام البينة أنه لا يستحق في السنتين إلا من جهته، فأشبه صاحب النِّتاج إذا أقام البينة أنه لا يستحق ملكه بعد الولادة إلا من جهته، فيحتاج حينئذ مدعي الملك منذ سنة أنه استحق في السنتين من جهته. * قال أحمد : ولو أقام كل واحد منهما البينة أنه له منذ سنة: قضى به بينهما نصفين؛ لأنهما قد تساويا في الوقت، فسقط حكمه، وصارا كأنهما أقاما البينة على ملكٍ غير مؤقت، ولذلك قالوا: إن الخارج والذي في يده لو أقاما البينة على وقت واحد: كان الخارج أَوْلى؛ لأنهما لما تساويا في (١) بدائع الصنائع ٢٤٠/٦. ١٩٥ كتاب الدعاوى والبينات الوقت، سقط حكمه، وصارا كأنهما لم يوقِّنا وقتاً. ولم يجعلوا ذلك بمنزلة الذي في يديه والخارج إذا أقاما البينة على النِّتاج، فيكون الذي في يديه أولى، لما ذكرنا من خَبَر النِّتاج، وأن الولادة ليست معنی ظاهراً في الحال، فكان صاحب الید أولى بها. وأما التوقيت، فإنهما متى تساويا فيه: سَقَطَ حكمه، وصارا كأن لم يوقّنا؛ لأن توقيت الملك، لا يوجب كونه أوَّل مالك، والولادة توجب كونه أوَّل مالك له، فلذلك اختلفا(١). مسألة : [إقامة المدعيين البينة على الدار وإحداهما غير مؤقتة] قال أبو جعفر: (ولو أقام أحدهما البينة أنها له منذ سنة، وأقام الآخر البينة أنها له ولم يوقّت شهوده. فإن أبا يوسف قال: أقضي بها لصاحب الوقت، وقال محمد: أقضي بها للذي لم يوقّت شهودُه). قال أحمد : قول أبي حنيفة في ذلك بأنه يقضي بها بينهما نصفين، رواه عنه محمد. ووجه ذلك: أنه ليس في توقيته دلالة على تقدم ملكه على ملك الذي لم يوقِّت. وليس هذا مثل أن يكون وقت أحدهما متقدماً لوقت الآخر؛ لأن صاحب الوقت الآخر يدَّعي الملك في وقتٍ قد استحقه قبل ذلك صاحب الوقت الأول، فأشبه النِّتاج، واحتاج الآخر في صحة الاستحقاق إلى أن يبيِّن أنه استحقه من جهة صاحب الوقت الأول. (١) بدائع الصنائع ٢٣٣/٦، مجمع الأنهر ٢٧٤/٢، الهداية ونتائج الأفكار ٢٤٤/٧. ١٩٦ كتاب الدعاوى والبينات وأما قول أبي يوسف: فإن الذي حكاه أبو جعفر هو قول أبي يوسف الأول، وقوله الآخر مثل قول أبي حنيفة. وأما قول محمد الذي حكاه: فهو قوله الأخير الذي رجع إليه بعد رجوعه من الرقة(١). وذهب محمدٌ في ذلك إلى أنَّ الذي لم يوقِّت شهودُه يستحق ملك الأصل، بدلالة أنه متى استحقه على هذا الوجه من يدي مشتري غيره: يرجع (٢) الباعة بعضُهم على بعض بالأثمان وإن كانوا قد تبايعوها منذ خمسين سنة، فدل ذلك على أنَّ الاستحقاق: بإطلاق لفظ الملك، من غير توقيت استحقاقٍ للأصل، والذي وقَّت شهودُه إنما استحقه بالوقت المذكور، فصار ملك الذي لم يوقّت شهودُه متقدِّماً في الحكم لملكه، فكان أولى. قال أحمد : وهذا الاعتبار لا تستمرُّ عليه المسائل، لا على أصله ولا على أصلهم، لاتفاقهم جميعاً على أنَّ الذي في يديه لو أقام البينة على ملك مطلق، وأقام الخارج البينة على ملك مؤقت: أنَّ الخارج أولى. ولو كان صاحب الملك المطلق مستحقاً للأصل، لوجب أن يكون بمنزلة التاج، فيكون صاحب اليد أولى، وكان يجب أن لو أقام أحدهما البينة أنه له منذ سنة، وأنه أعتقه، وأقام الذي في يده البينة أنه له: أنَّ الذي في يديه أولى، وأن يبطل العتق، كما لو أقام البينة على أنه له منذ سنتين. (١) مدينة مشهورة على الفرات، بينها وبين حرَّان ثلاثة أيام، وهي بلد هارون الرشيد، وتبعد حوالي (١٧٥) كم شرقي حلب في سوريا. ينظر معجم البلدان ٥٨/٣. (٢) في نسخة قونية: ((مشتري من غيره تراجع الباعة)). ١٩٧ كتاب الدعاوى والبينات ويلزم على ذلك أيضاً إن لم يوقّت شهودُ الخارج، وشهود الذي في يديه: أن يكون الذي في يديه أولى، كالنِّتاج لأنه استحق ملك الأصل، فلما اتفق الجميع على صحة هذه المسائل مع وجود العلة التي اعتلَّ بها(١) في کون صاحب الملك المطلق أولى، ووجوب الحکم بخلافها، دل ذلك على فساد هذا الاعتبار. ولكن تحصيل المعنى في الملك المطلق، هو ما كان يقوله أبو الحسن رحمه الله، إنه متى وقع الحكم به يكون حكماً باستحقاق الأصل، فأما قبل وقوع الحكم به، فغير جائز أن يوجب ذلك بنفس الشهادة، إذ ليس في نفس الشهادة استحقاق الأصل، ولا معنى النتاج، فإذا وقع الحكم بالشهادة على الملك المطلق، تعلّق به استحقاق الأصل من طريق الحكم، فلذلك رجعت الباعة بعضهم على بعض بالأثمان وإن تقادم وقت البياعات(٢). مسألة : [إقامة المدعيين البينة بشراء الدار ممن هي في يده] قال أبو جعفر: (ولو ادعى كل واحد من المدعيين أنه اشتراها من الذي في يده بثمن مسمى، وأقام عليه البينة: قضى بالبينتين جميعاً، وكان كل واحد منهما بالخيار: إن شاء أخذ نصف الدار بنصف الثمن، وإن شاء ترك). قال أحمد: لما قامت البينة لكل واحد منهما، لم يكن أحدهما أولى (١) في (ر.ح): ((مع وجود المعنى الذي اعتبره)). (٢) بدائع الصنائع ٢٣٣/٦، الهداية وشروحها ٢٤٦/٧، مجمع الأنهر ٢٧٧/٢، المبسوط ١٧ /٤٢. ١٩٨ کتاب الدعاوى والبينات به من الآخر، فتساويا في استحقاقه نصفين بالعقدين اللذين أقاما البينة عليه، ووجب لكل واحد منهما الخيار؛ لأن من حجته أن يقول: قد قامت بيِّنتي على إقراره ببيع جميعها مني، وقد استحق عليَّ نصفَ المشترَى، فليَ الخيار في فسخ الباقي، لأن الصفقة لم تسلم لي، ولأن الشركة (١) عیب(١). مسألة : [تميز إحدى البينتين بالقبض أو التوقيت] قال أبو جعفر: (ولو شهدت بيِّنة أحدهما بالقبض: كان صاحب القبض أولى). وذلك لأن الذي معه القبض محكومٌ بعقده متقدِّماً لعقد الآخر، من قِبَل أنَّ العقدين حكمهما أن يقضيَ بهما في حال واحدة، لتساويهما، وعدم الدلالة على تقدُّم أحدهما(٢)، فإذا كان مع أحدهما قبض، فالقبض محكومٌ به لا محالة عن العقد، فهو متقدِّم له، وعقد الآخر محكوم به في الحال، فصار عقد صاحب القبض سابقاً لعقده في الحكم، فكان أولی به. : قال أبو جعفر: (وكذلك لو وقَّتت إحدى البِّنتين، ولم توقّت البيّنة الأخرى: كان صاحب الوقت أَوْلَىْ). وذلك لما قلنا من أنَّ قيام البينة على العقدين، يقتضي الحكم بهما معاً في حال القضاء، فإذا كان مع أحدهما وقت، وجب الحكم له بالعقد لوقته الذي شهدت به شهوده، فصار في التقدير عقده سابقاً لعقد الآخر؛ (١) بدائع الصنائع ٢٣٧/٦، الهداية وشروحها ٢٣٣/٧، المبسوط ١٧ / ٥٧. (٢) في (ر): ((على تقدم أحدهما، فإذا تقدم أحدهما، فإذا كان مع أحدهما قبض)). ١٩٩ كتاب الدعاوى والبينات لأن عقد الآخر لما لم يكن له تاريخ، وجب الحكم به في الحال، لا لوقتٍ متقدم، إذ ليس شيء من الأوقات المتقدمة بأولى أن يُحكم به فيه من وقت غيره، فصارا في هذا الوجه كأنهما وقتا وقتين، أحدهما قبل الآخر، فيكون صاحب الوقت الأول أولى(١). مسألة: [إذا تنازع شخصان على ثوب منسوج وأقاما بينة بذلك] قال أبو جعفر: (مَن ادعى ثوباً في يدي رجل أنه له، وأنه نَسَجَه، وأقام عليه البينة، وأقام الذي هو في يديه البينة على مثل ذلك، فإن كان مما لا يُنسَج إلا مرة واحدة: فالذي في يديه أَوْلى به، وإن كان مما يُنسَج مرتين كالخز والشعر: فالخارج أولى). قال أحمد : قد ثبت عندنا أصلان: أحدهما: أن يقيم الذي هو في يديه، والخارجُ جميعاً البينة على ملك ء مطلَق: فيكون الخارج أَوْلى؛ لسُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وحكمِهِ بأن ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه))(٢). فكان ما يجوز حدوثه في العين مرة بعد أخرى، مثل نَسْج الثوب الخز والشعر، فهو بمنزلة الملك المطلق؛ لأن الملك مما يجوز حدوثه مرة بعد أخرى، فكان الخارج أولى. والأصل الآخر: ما لا يكون حدوثه في العين إلا مرة واحدة، وهو النِّتاج، وقد حَكَمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم به للذي هو في يديه، فقلنا: کل ما كان في معنى النّتاج، متى قامت عليه البينة: فصاحب الید أولى به؛ (١) الهداية ونتائج الأفكار ٢٣٥/٧، المبسوط ٧/١٧. (٢) سبق. ٢٠٠ کتاب الدعاوى والبينات قياساً على النّتاج. فعلى هذين الحرفين تدور مسائل النِّتاج وما في معناه، والملكِ المطلَق ونظائره(١). مسألة : [إقامة المدعيين البينة على دار كل منهما بأنها لأبيه] قال : (ومَن ادَّعى داراً في يدي رجل أنها كانت لأبيه، مات منذ سنة، وتركها ميراثاً له، لا وارثَ له غيره، وادَّعىُ آخرُ أنها كانت لأبيه، مات منذ شهر، وتركها ميراثاً له، لا وارث له غيره، وأقاما البينة، فإن أبا يوسف قال: أقضي بها لصاحب الوقت الأول، وقال محمد: أقضي بها بينهما نصفين). قال أحمد : وقول أبي حنيفة في هذا القول كقول أبي يوسف. ووجه ذلك: أنَّ كل واحد من المدَّعَيْن قد أرَّخا ملكَيْهما، فصاحب التاريخ الأول أولى، كما لو أقاما البينة على الملك المطلَق من غير جهة الميراث، ووَقْت أحدهما متقدِّم لوقت الآخر: كان صاحب الوقت الأول أولئ، فکذلك ما وصفنا. وقال محمد: إذا أقاما البينة على الميراث، فإنما أثبتا ملك الميتَيْن، وملكُ الميتَيْن غير مؤرَّخ، فصار كأن الميتَيْن أقاما البينة على ملكٍ من غير تاريخ، والدليل على أنهما يُثبِتان ملك الميتَيْن: أنه إذا قضى به للوارث قضى منه ديون الميت، وأنفذت منه وصاياه، فدل ذلك على أنَّ القضاء بالملك يقع للميت، فسقط اعتبار تاريخ ملك الوارث. (١) المبسوط ٦٦/١٧، الهداية ونتائج الأفكار ٢٥٢/٧، مجمع الأنهر ٧٨/٢.