النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
کتاب الشهادات
إذا كانوا من أهل الميراث، فوجب أن يستحقوه بثبوت النسب، الذي به
يتعلق استحقاق الميراث.
فإن قيل: فقد يُحرَمون الميراث بالرق، والكفر، والقتل ونحوه، فلا
ينبغي أن يستحقوه حتى يشهد الشهود مع النسب والزوجية بأنه وارث.
قيل له: ليس هذا بحجب، وإنما قلنا إنهم لا يُحجبون بغيرهم،
ويستحقونه بأنفسهم، ما لم يعرض ما يسقطه.
کما أنَّ مَن استحق ملكاً في وقت، فهو ثابت له حتى يثبت ما يوجب
زواله.
وأيضاً: فإنهم يستحقون الميراث بالنسب والسبب اللذين ذكرنا، حتى
يوجد فيهم السبب الموجب لحرمانه، وهو الكفر والرق والقتل.
وليس هو كالأخ والأخت والعم ونحوهم؛ لأن هؤلاء لا يستحقون
الميراث بأنفسهم، إذ قد يلحقهم الحرمان مع كونهم من أهل الميراث،
بحجب غيرهم إياهم، ولم يُحرموا الميراث بمعنى فيهم، بل لأن غيرهم
استحقه دونهم، فلم يثبت أنهم مستحقوه حتی یشهد الشهود به.
* قال : (والأم في جميع ما وصفنا كالأب).
لأنها لا تُحجَب عن الميراث بحال(١).
مسألة : [ثبوت الزوجية لشخص، وعدم ثبوت قَصْر الميراث عليه]
قال أبو جعفر: (ولو ثبت عند القاضي لرجل أنه زوج فلانة المتوفاة،
(١) شرح الجامع الصغير للصدر الشهيد، لوحة ١٥٨، بدائع الصنائع ٢٧٦/٦،
المبسوط ١٧ /٤٥.

١٤٢
كتاب الشهادات
ولم يثبت عنده أنه لا وارث لها سواه، فإن أبا حنيفة قال: يقضي له
القاضي بأقل ما يكون له من الميراث من نصيب الزوج، ولم يفسِّر أكثر من
هذا).
قال أحمد: وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول: أبو حنيفة
يجعل للزوج الربع، وللمرأة الثمن، وهو أقل ما تستحقه من غير عَوْل،
ولا مزاحمة نساءٍ غيرها في الثمن.
ووجه ذلك: أنّ الزوج والزوجة لا يستحقان الميراث بأنفسهما، وإنما
يستحقانه بسببٍ منقطعٍ غير ثابت في الحال، فكل واحد منهما يستحق في
حالٍ فرضاً، وفي حالٍ فرضاً آخر، لأجل الحَجْب، فصار كل واحد منهما
فيما فُضِّل عن الأقل بمنزلة الأخ والأخت ونحوهما.
ومَن يجوز أن يُحجب، فلا يستحقه، كما لا يستحق مَن يحجب بحال
شيئاً حتى تقوم البينة أنه مستحقه.
وليس كذلك الأم والبنت(١)؛ لأنهما تستحقان الميراث بأنفسهما،
لقيام النسب الموجب لهما استحقاقه، تارة بالفرض، وتارة بالردِّ، فلما
كان السبب الموجب لهما ذلك قائماً، وجب أن يستحقا الجميع حتى
یثبت أنَّ هناك مَن يستحق علیه بعضه.
ويدلُّك على الفصل بينهما: اتفاق الجميع أنَّ الزوجين لا يُرَدُّ عليهما،
لانقطاع سببهما (٢)، وأن سائر الورثة من ذوي السهام يُرَدُّ عليهم.
ولم يعتبر أبو حنيفة العول، ولا جواز أن تكون معها مَن تزاحمها من
(١) في (ر.ح): ((الأب)).
(٢) في (ر.حـ): ((نسبهما)).

١٤٣
کتاب الشهادات
الزوجات؛ لأن استحقاق ذلك عليها ليس من جهة الحجب، وإنما هو من
جهة المزاحمة، فأشبها في هذا الوجه الأمَّ والبنت، في أنَّ ما يَحُطَّهما عن
استحقاق الجميع: من جهة المزاحمة والشركة، فسقط اعتباره، إذ كانا
يستحقان الجميع لقيام السبب الموجب، وينقصان عن ذلك بالشركة،
ونحن لا نعلمها.
قال : (وقال محمد: يُقضى له بالنصف من الميراث، وللمرأة بالربع).
وجه ذلك: أنه جَعلهما بمنزلة الأم والبنت في أنهما تستحقان الجميع،
إذ كانتا من أهل الميراث، ولم تُحجبا عنه بمَن لا نعلمه حَجَبَهما.
كذلك الزوج يستحق النصف، والزوجة الربع، فلا نَحُطُّهما عن
ذلك، حتى نعلم من یوجب حجبهما عن ذلك.
قال: (وقال أبو يوسف فيما رواه عنه أصحاب الإملاء: يُقضى له
بخُمُس الميراث؛ لأن أحسن أحواله في الميراث أن يكون معه للميتة
ابنتان(١) وأبوان، فيكون له الخُمُس).
لأن الفريضة من اثني عشر، للابنتين (٢) الثلثان: ثمانية، وللأبوين
السدسان: أربعة، وللزوج الربع: ثلاثة، فهي عائلة بثلاثة، فتصير خمسة
عشر، له ثلاثة من ذلك، وهو الخُمُس، وللمرأة جزء من ستة وثلاثين
جزءاً؛ لأن أحسن أحوالها أن يكون معها بنتان، وأبوان، وثلاث زوجات،
فيكون لها ربع التسع، وأقل مالٍ له: تسع، ولِتُسعِه: ربع(٣) ستة وثلاثون؛
(١) في (ر.ح): ((ابنان))، والمختصر المطبوع ص ٣٤٠ كما أثبت.
(٢) في (ر.حـ): ((للابنين)).
(٣) في (ر.حـ): ((وأربعة تسع)).

١٤٤
کتاب الشهادات
لأنا إذا ضربنا تسعة في أربعة، يكون ستة وثلاثين، للنسوة التسع: أربعة
بینهن، لکل واحدة سهم، فلذلك كان لها جزء من ستة وثلاثين.
قال أحمد : وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنّ لها ربع خُمُس
میراث الميت.
وقال أبو يوسف: أدفع إليها ربع الثمن.
فوجه قول أبي حنيفة في هذه الرواية: أنه لم يثبت أنَّ هناك مَن
يحجبها، فجعل لها الربع مع ثلاث نسوة، وجعل الفريضة عائلة، كأن
الميت ترك أختين لأب، وأم، وأختين لأم، وأربع نسوة، فللأختين من
الأب والأم الثلثان: ثمانية، وللأختين من الأم أربعة: الثلث، وللنسوة
الربع: ثلاثة، فالفريضة من اثني عشر، عالت بثلاثة، فكان لهن الخمس،
ولها الربع منه.
ووجه قول أبي يوسف في هذه الرواية: أنه لم يجعل الفريضة عائلة،
ولم يُنقصها بالحجب شيئاً، ونَقَصَها بالمزاحمة(١).
مسألة : [شهدا أنَّ الدار كانت في يد فلان]
قال أبو جعفر: (وإذا شهد شاهدان عند القاضي أنّ هذه الدار كانت
في يدَيْ فلانٍ، مات وهي في يده: أجاز ذلك، وقضى به).
قال أحمد : وذلك لأنهم قد شهدوا باليد، وجهة الملك؛ لأن الموت
جهة ينتقل بها الأملاك، ومتى حصلت الشهادة على هذا الوجه: جاز
إثبات الملك بها.
(١) بدائع الصنائع ٢٧٦/٦.

١٤٥
کتاب الشهادات
والدليل على ذلك: أنهم لو شهدوا بالبيع والتسليم، كان ذلك شهادة
بالملك وإن لم يصرحوا به في لفظ الشهادة؛ لأنهم شهدوا باليد، وجهة
ملك، إذ لا سبيل إلى إثبات الأملاك من جهة الحقيقة، وإنما يُرجع فيها
إلى ظاهر اليد والتصرف.
[مسألة : ]
قال: (ولو شهدوا أنها كانت في يده منذ شهر: لم يقبل ذلك، ولم
یقض به).
وذلك لأن الشهادة باليد على الإطلاق، ليست شهادة بالملك، إذ
كان ظاهر اليد لا يوجب الملك، ما لم ينْضَف إليها التصرف.
وقد كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول: فيما قال أبو حنيفة في
الجامع الصغير: ((إذا رأيتَ في يد إنسان شيئاً سوى العبد والأمة: وَسعَك
أن تشهد أنه له)): أنّ معناه: إذا رأيتَه في يده يتصرَّف فيه تصرُّف المُلاَّكِ،
فإن اليد من غير تصرف، لا توجب له جواز الشهادة بالملك.
قال: وقد بيَّن ذلك أبو يوسف في غير هذا الموضع.
وإذا كان تحصيل المذهب في هذه المسألة على ما وصفنا، لم يكن
في شهادة الشهود بيدٍ كانت: شهادةٌ بالملك، وإنما حصلت هناك شهادة
بيدٍ، لا ملك معها، ولا جائز لنا إبطال يد مشاهدة لمن هو في يده، بیدٍ
تريد إثباتها بالبينة؛ لأن اليد المشاهدة آكد وأثبت مما يريد إثباته بالبينة.
وليس ذلك مثل شهادتهم بأنها كانت منذ شهر؛ لأن الملك إذا ثبت
في وقت، فهو ثابت في سائر الأوقات حتى يستحق.
واليد المشاهدة للذي هي في يده، لا تعارض شهادة الملك، ولا
تنافيه، إذ ليس يمتنع صحة يده، مع ثبوت الملك فيها لغيره.

١٤٦
كتاب الشهادات
وليست شهادتهم بأنها كانت في يده، كشهادتهم بأنه مات وهي في
يده، لما ذكرنا من أنّ الموت لما كان جهة ينتقل بها الأملاك، صارت
شهادتهم باليد من جهة الملك، شهادة بالملك.
وأما إذا أفردوا اليد عن جهة ملك، فلا سبيل إلى إثبات الملك بها،
فكانت اليد المشاهدة أولى مما يريد إثباته بالبينة.
وليست الشهادة بيد كانت للمدعي ليست موجودة في الحال، كإقرار
الذي في يده أنها كانت في يد المدعي أمس، فيؤمر بردِّها إليه؛ لأن إقراره
جائز على نفسه في بطلان يده.
وليس كالبينة؛ لأن البينة لا يثبت حكمها إلا بقضاء القاضي بها،
واليد المشاهدة مانع من القضاء بها، لأن اليد المشاهدة يقين، واستحقاقها
بالبينة ليس بيقين، فلا يجوز الحكم بها، وأما الإقرار، فحكمه ثابت
بنفسه، لا يحتاج في صحته إلى قضاء القاضي به، فجاز عليه، وفسخ بها
يد المشاهدة.
وفصلٌ آخر بين البينة والإقرار: وهو أنَّ البينة لا تُقبل على المجاهيل،
والشهادة بيدٍ كانت شهادة على مجهول؛ لأن الأيدي مختلفة، منها
مضمونة، ومنها أمانة، وعلى وجوه كثيرة، فلم يجز(١) قبول الشهادة
عليه، والإقرار يصح بمجهول، ألا ترى أنه لو أقرَّ له بشيء: جاز إقراره،
وأُجبر على البيان، ولو شهد له بشيء مجهول: لم تجز الشهادة.
وقد كان أبو الحسن يحتج بذلك لبطلان الشهادة على يد كانت،
فألزمناه عليه إذا ادعى رجلان داراً، وأقام كل واحد منهما البينة على اليد،
(١) في (ر.حـ): ((يجب)).

١٤٧
كتاب الشهادات
وليست في يد غيرهما: أنَّ البينة مقبولة وإن شهدا بيد مجهولة.
فكان يعتمد بعد ذلك على الوجه الأول، الذي قدَّمنا، وهو أنَّ يداً
مشاهدة لا تبطلها يدٌ يريد إثباتها بالبيئة(١).
مسألة : [أقام المدعي البينة على الدار أنها لأبيه، مات عنه وعن أخيه]
قال أبو جعفر: (ومَن أقام البينة على دارٍ في يد رجل أنها كانت
لأبيه، مات وتركها ميراثاً بينه وبين أخيه فلان الغائب، لا وارث له
غيرهما: قضى القاضي له بنصفها، وتَرَكَ النصف الباقي في يدي الذي هي
في يديه وإن كان منكِراً لدعواه، في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: يُخْرِج نصيب الغائب من يده، ويضعه على
ید عدل.
ولو كان الذي هي في يده مقرّاً بأنها للميت: تَرَكَ نصيب الغائب في
يده في قولهم جميعاً).
وجه قول أبي حنيفة: إذا كان الذي هي في يده منكِراً: أنَّ القاضي لا
يجوز تصرفه على الغائب، ولا أَخْذ أمواله التي لا يُخشَى عليها التَّوَىُ،
والدار محفوظة بنفسها، لا يُخاف عليها التَّوى والهلاك، فلا ينزعها مِن يد
مَن هي في يده، إذ ليس هناك وكيل للغائب يُقْبِضه، ألا ترى أنه لو كان
مقراً، لم يُخرج نصيب الغائب من يده، كذلك إذا كان منكِراً.
وقال أبو يوسف ومحمد: للقاضي أن يتصرف على الأموات، ويحفظ
عليهم أموالهم، لكي إن حدث دَيْن أو وصية صَرَفها فيها، ولا يُؤْمَن إذا
(١) شرح الجامع الصغير، للصدر الشهيد، لوحة ١٥٥، ١٥٨، الهداية وفتح
القدیر ٥٢٠/٦.

١٤٨
کتاب الشهادات
كان الذي في يده جاحداً، أن يُحضر الغائب وقد مات شهوده، فلا يصل
إلى أَخْذِ الدار منه، فَيَتْوىُ حقه(١).
مسألة : [الأشياء التي يَسَع الشاهد أن يشهد عليها]
قال أبو جعفر: (ويسع الشاهد أن يشهد إذا رأى في يد رجل شيئاً مما
يدعيه لنفسه، ومما يقع في قلبه تصديقه أنه له، إلا العبد والأمة، فإنه لا
يسعه أن يشهد عليهما بالرق، حتى يُقِرَّا بذلك).
قال أحمد : تحصيل المذهب فيه على ما حكيناه عن شيخنا أبي
الحسن الكرخي رحمه الله قبل ذلك مما حكاه عن أصحابنا.
وأما العبد والأمة فلا يَسَعَ ذلك فيهما؛ لأنهما في أيدي أنفسهما، لأن
ظاهر أحوال الناس الحرية، والرق طارئ، فلا يحكم به حتى يعلم
حدوثه.
فإن قيل: ظاهر اليد، والتصرف أيضاً يوجب الملك، فقد اجتمع فيه
ظاهران: أحدهما لإيجاب الملك، والآخر لنفسه، فلِمَ غلَّتَ جهةَ نفي
الملك على جهة إثباته؟
قيل له: لأن الأصل هو الحرية، وهو في يد نفسه، وقد يستعمله غيره
في حوائجه على جهة الاستئجار وغيره، وهذا ظاهر معلوم من حاله بَدْءاً
قبل العلم بحدوث الرق.
وما ذكرتَ من التصرف: فظهور اليد للغير عليه، لا ينفي كون يده
على نفسه؛ لأن ذلك يوجد في الحر، فقولك: إن هناك ظاهراً يقتضي
(١) شرح الجامع الصغير للصدر الشهيد، لوحة ١٥٨ ب، المبسوط ١٧ / ٤٧.

١٤٩
كتاب الشهادات
إيجاب الملك لمن هو في يده: خطأ.
* قال : (وسواء كانا صغيرين أو كبيرين بعد أن يكونا ممن يعبِّر عن
نفسه).
وذلك لوجود العلة التي ذكرناها فيهما(١).
مسألة : [حكم من ادعى الرق على طفل صغير في يده]
قال أبو جعفر : (ومَن كان في يده صبي، فقال: هو عبدي، ولا يُعبِّر
عن نفسه: فالقول قوله، فإن كَبِرَ، وأنكر الرق: لم يُلتفت إلى جحوده).
وذلك لأن الصغير الذي لا يُعبِّر عن نفسه بمنزلة الثوب، والدابة،
وهو ممن تَثبت عليه يد، فصُدِّق الذي هو في يده على دعوى الرق، كما
صُدِّق في الدابة، والمعنى الجامع بينهما: أنّ كل واحد منهما لا قول له،
وهو ممن تثبت علیه ید.
فإن قيل: لما كان ظاهر حال الصبي الحرية، وجب أن لا يُصدَّق الذي
في يده على دعوى الرق فيه، ويفارق من هذا الوجه الدابة، والعروضَ؛
لأنها أشياء مملوكة في الأصل، فكان أَوْلى المُلأَّك بها مَن هي في يده.
قيل له: وكثيرٌ من الأشياء مباحة في الأصل، مثل الصيد والكلأ
والماء، غيرَ ملكٍ لأحد، ولم يمنع ذلك جوازَ تصديق مَن هي في يده إذا
ادعاه لأجل ظهور يده، وأنه لا قول له في نفسه، فكذلك الصغير، فإذا
حكمنا له بملك الصغير، لم يُصدَّق بعد بلوغه على نفي ما وقع الحكم به
من صحة ملكه.
(١) شرح الجامع الصغير للصدر الشهيد، لوحة ١٥٥، أدب القاضي للخصاف
بشرح الجصاص ص٤٩٤، بدائع الصنائع ٢٧٦/٦.

١٥٠
کتاب الشهادات
* وأما إذا كان الصبي يُعبِّر عن نفسه، أو كان كبيراً: فالقول قوله إنه
حرٌّ، ولا يُصدَّق الذي في يده على دعوى الرق؛ لأنه لما صار له قول،
أشبه سائر الكبار في وجوب تصديقه على أنه حر في يد نفسه.
فإن قيل: الصغير لا قول له، فينبغي أن يكون بمنزلة الدابة على ما
قدَّمت من الأصل.
قيل له: ليس كما ظننتَ، لأن الصغير الذي يُعبِّر عن نفسه له قول
صحيح في كثير من الأحكام: لو أسلم: صحَّ إسلامه، ولو كان مسلماً،
فارتدَّ: صحَّت رِدَّته، وأُجبر على الإسلام، ولم يرث مسلماً، مادام مرتداً.
فقد ثبت لقوله حكم من وجه، وفارق البهيمة والصغير الذي لا يعبر
عن نفسه(١).
مسألة : [مَن ادَّعىُ عبودية فلانٍ، وفلانٌ ينكر ويزعم أنه عبد لغيره]
قال أبو جعفر: (ومَن ادَّعى أنَّ فلاناً عبده، فقال: لستُ بعبد لك،
ولكني عبدٌ لزيد، وزيدٌ يدعيه، وهو في يد الذي يدعیه: قضى به له).
قال أحمد : وذلك لأنه لما اعترف بالرق، فقد اعترف بثبوت اليد
عليه للذي هو في يده، وأنه لا قول له في نفسه؛ لأن العبد لا قول له،
فتضمن هذا القول معنيين:
أحدهما: ما اعترف به على نفسه من الرق.
والآخر: أنه إذا كان رقيقاً فلا قول له، فيُصدَّق على نفسه أنه لا قول
(١) شرح الجامع الصغير للصدر الشهيد، لوحة ١٤٣ أ، أدب القاضي للخصاف
بشرح الجصاص ص٤٩٤، بدائع الصنائع ٢٦٧/٦.

١٥١
کتاب الشهادات
له، ولم يُصدّق في إزالة ید الذي هو في يده عنه.
فإن قيل: إذا كان الإقرار بالملك إنما صح من جهته، فينبغي أن يثبت
الملك لمن أقرَّ له به، کرجل في يده عبد، أقرَّ أنه لغيره، وادعاه آخر،
فیکون للمقرِّ له.
قيل له: لأنه حين اعترف بالرق، فقد أقرَّ بأنه لا يدَ له ولا قول، فلا
يُصدَّق على إزالة يد الذي في يده، وأما الحرُّ إذا كان في يده شيء، فإن
إقراره به لغيره لم ينف صحة يده، فكان القول قوله فيمن أقرَّ له به.
فإن قيل: لما صح الإقرار بالرق من جهته، كان كالبائع إذا قال: بعتُه
من زيد دون عمرو، فيكون (١) القول قوله؛ لأن التمليك من جهته، وكذلك
العبد لما كان الإقرار بالرق إنما صح من جهته، وجب أن يكون القول
قوله.
قيل له: إنما كان القول قول البائع؛ لأن المشتريَيْن جميعاً معترفان
بصحة التمليك من جهة البائع، فکان القول قوله فیمن ملکه منهما، ولیس
إقرار العبد بالرق تمليكاً من جهته للمقَرِّ له، لأنه لا يملك ذلك، وإنما هو
إقرار على الذي في يديه في إزالة ملكه، ولا يُصدَّق عليه على ما بيَّنَا.
[مسألة : ]
قال أبو جعفر: (وإن قال: كنتُ عبداً لزيد، فأعتَقَني، وادعاه الذي
هو في يده لنفسه، فإن أبا حنيفة قال: أقضي به للذي هو في يده، وقال أبو
يوسف: أستحسن أن أجعل القول قوله، ولا أقضي به للذي هو في يديه).
(١) في (ر.ح): ((وقد يكون القول قوله)).

١٥٢
كتاب الشهادات
قال أحمد : لم يقع إلينا قول أبي يوسف إلا من هذه الرواية.
وجه قول أبي حنيفة: أنه قد اعترف بالرق، واعترافه بذلك يوجب
كونه عبداً للذي هو في يده، ودعواه للعتق من جهة الغائب غير مقبولة،
ألا ترى أنه لو كان حاضراً فقال: كنتُ عبداً لهذا، فأعتَقَني: كان عبداً
للذي هو في يده، ولم يُصدَّق على أنه كان عبداً، وأنه أعتقه.
ووجه قول أبي يوسف: أنه لم يعترف (١) بالرق في الحال، ولا بثبوت
يد غيره عليه، فهو بمنزلة قوله: أنا حرُّ الأصل، فيكون القول قوله(٢).
مسألة : [اعتراف الشاهدين ببطلان شهادتهما بعد قضاء القاضي بها]
قال أبو جعفر: (وإذا قال الشاهدان للقاضي بعد أن حكم بشهادتهما:
إن الذي شهدنا به عندك باطل: لم يضرِبْهما في قول أبي حنيفة، وقال أبو
يوسف ومحمد: يُعزِّرُهما).
لأبي حنيفة: أنَّ ظهور هذا القول منهما بين يدي القاضي، دليل التوبة
والندم على ما سلف منهما في ذلك، وذلك فعلٌ حَسَن ممدوح، لا
يُستَحق عليه تعزير، وفي التعزيرِ عليه ردعٌ عن مثله، وهذا فعلٌ لا ينبغي
أن يُردَع عنه، بل حكمه أن يُحَثّ علیه، ويُؤمرَ به.
فإن قيل: روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة من
السلف تعزیرُه(٣).
(١) في (د، م): ((يعتبر)).
(٢) الجامع الصغير مع شرح اللكنوي ص ٣٨٢، بدائع الصنائع ٢٥٦/٦،
الهداية وفتح القدير ٢٦٥/٧.
(٣) مصنف عبد الرزاق ٣٢٥/٨-٣٢٧، موسوعة فقه عمر ص٥١٩.

١٥٣
کتاب الشهادات
قيل له: وقد روي عن عمر أنه لم يعزِّرْه.
وجائز أن يكون في حال ما عزَّره رأى منه إصراراً عليها، ولم يكن
اعترافه على جهة الإقلاع والندم عليها، ومَن كان كذلك فحكمه أن
يُعزَّر.
* وقال أبو يوسف ومحمد: قد اعترف بأنه قد أتى منكراً يستحق عليه
العقوبة، فيُعزَّر، ويُشهَّر، ليتَّعظ به غيره(١).
مسألة : [اختلاف الشاهدين في مقدار الدين]
قال أبو جعفر: (ومَن ادعى على رجل ألفي درهم، فشهد له
شاهدان: أحدهما بألف، والآخر بألفين: لم يُحكم له بشيء عند أبي
حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يُحكم له بألف درهم).
وجه قول أبي حنيفة: أنَّ اللفظ معتبر في الشهادة، والدليل عليه أنهما
ما لم يأتيا بلفظ الشهادة: لم يكن لقولهما حكم، فلو قالا: نعلم، أو
نتیقن، أو نحوه، لم يُلتفت إلى ذلك.
فلما كان كذلك، كان من شرائط قبول شهادتهما: أن يتفقا على لفظ
لا يوجب اختلاف المعنى، فلما كانا مختلفين في اللفظ الذي يوجب
اختلاف المعنى: لم تجز شهادتهما؛ لأن الألْفَ لا تكون عبارة عن ألْفَيْن،
والألفين لا يكونان عبارة عن ألف، ألا ترى أنَّ أحدهما لو شهد عليه
بالغصب، وشهد الآخر عليه بالإقرار بالغصب: لم تجز شهادتهما؛
لاختلافهما في اللفظ الموجب لاختلاف المعنى.
(١) الجامع الصغير مع شرح اللكنوي ص٣٩١، أدب القاضي بشرح الجصاص
ص٥٥٨، بدائع الصنائع ٢٨٩/٦، الهداية وفتح القدير ٥٣٣/٦.

١٥٤
كتاب الشهادات
فإن قيل: مَن شهد بالألفين، فقد شهد بالألف؛ لأن الألف تدخل في
الألفين.
قيل له: لو كان كذلك، لكان مَن قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾(١).
تعالى الله عن ذلك - قد قال بالتوحيد، فلما لم يجز أن يقال: إن النصراني
موحِّد وإن قال بالثلاثة التي يدخل الواحد فيها، كذلك لا يجوز أن يقال:
إن مَن شهد بألفين فقد شهد بألف.
وعلى هذا المعنى قال أبو حنيفة فيمن قال لامرأته: طلِّقي نفسَك
واحدة، فقالت: قد طلَّقت نفسي ثلاثاً: أنها به غير مجيبة له عما جعله
إليها، وقد خرج الأمر عن يدها، لاشتغالها بغير ما جَعَلَ إليها، إذ لا جائز
أن يعبّر بالواحد عن الثلاثة.
* وقال أبو يوسف ومحمد: قد اتفقا في المعنى على ألف، فيحكم
بها.
مسألة :
وقال أبو جعفر: (وإن ادعى عليه ألفاً وخمسمائة درهم، فشهد له
شاهدٌ بألف، وشاهد بألف وخمسمائة: قضى القاضي له بألف درهم في
قولهم جميعاً)(٢).
قال أحمد: وذلك لأنهما قد اتفقا على الشهادة بألف، ولَفَظًا بها،
واستأنف أحدُهما بعد ذلك ذِكْرَ خمسمائةٍ أخرى، فلا يقدح ذلك في
(١) المائدة: ٧٣.
(٢) بدائع الصنائع ٢٧٨/٦، الهداية وفتح القدير ٥٠٣/٦.

١٥٥
کتاب الشهادات
الألف، كما لو شهد (١) بألف درهم ومائة دينار وهو يدَّعيها: لم تبطل
شهادته بالألف.
وهذا مخالفٌ لشهادته بالألفين؛ لأن للألفين صيغة لا تصلح أن تكون
عبارة عن الألف(٢).
مسألة : [شهادة الشاهدين بأكثر من الحق المدَّعى]
قال أبو جعفر: (ومَن ادعى على رجل ألف درهم، فشهد له عليه
شاهدان بألف وخمسمائة، فإن قال للقاضي: إنهما قد صَدَقا، كان لي
عليه ذلك، فأبرأته من خمسمائة، أو قضانيها: فشهادتهما على الألف
جائزة).
وذلك لأنه ممكن أن يكون كما قال، والشهادة محمولة على الصحة،
حتى يظهر فيها ما يبطلها.
قال : (وإن قال: لم يكن لي عليه قط غير ألف: لم يقض له بشيء).
وذلك لأنه قد أكذب شهوده فيما شهدوا له، ولا تصح الشهادة له مع
الإكذاب.
مسألة : [شَهِدَا بقرضٍ، ثم ادعى أحدهما قضاءه إياه]
قال : (ومَن شهد له شاهدان على رجل بقرضٍ ألف درهم، وشهد له
أحدهما: أنه قد قضاه إياها: قَبِلَ شهادتهما على القرض، وقضى له
(١) في (ر.ح): ((فلا يقدح ذلك في شهادته بالألف الدراهم، والمائة الدنانير)).
(٢) بدائع الصنائع ٢٧٨/٦، الهداية وفتح القدير ٦ /٥٠٥.

١٥٦
کتاب الشهادات
بالمال(١) على المدعى عليه).
قال أحمد : وذلك لأن شهادتهما على قرض الألف، شهادة صحیحة
له، وشهادةُ أحدهما بالقضاء: شهادةٌ عليه، ولا تثبت وحدها، وإكذاب
المشهود له (٢) بالقرض له بالقضاء، لا يبطل شهادته بالقرض له
بالقضاء(٣)؛ لأنه إنما أكذبه فيما شهد به عليه، ولم يكذبه فيما له.
وليس هذا كشهادتهما بألف وخمسمائة، وهو يقول: لم يكن لي عليه
قط إلا ألف، فتبطل شهادتهما؛ لأن هذا إكذاب لهما فيما شهدا به له،
ومسألتنا إكذابٌ فيما عليه، وإكذابه فيما عليه لا يبطل شهادته فيما له.
ألا ترى أنَّ شاهدين لو شَهِدا لرجل على رجل بألف درهم، وشهدا
على المدعي للألف بمائة دينار لآخر: كان مكذّباً لهما في المائة الدنانير،
ولا يُبطل ذلك شهادتهما في الألف التي ادعى.
فإن قيل: ينبغي أن تبطل شهادتهما بإكذابه على أي وجه حصل
الإكذاب، كما لو أقرَّ المشهود له أنَّ الشاهدين فاسقان: لم تُقبل
شهادتهما له.
قيل له: ليس كل إكذاب تفسقاً؛ لأنه يجوز أن يقول: لم تصح
شهادتهما؛ لأنهما وهِمَا، أو غَلِطا، أو لأني قد قضيت المال، أو ما جرى
مجرى ذلك.
قال أبو جعفر: (وقد روي عن أبي يوسف أنه قال: لا تُقبل شهادة
(١) في (د،م): ((بالمال المدعى به)).
(٢) في (ر.حـ): ((وإكذابه الشهود له)).
(٣) في (د، م): ((بالقرض لأنه إنما))، وفي خ (حـ): ((بالقرض لا بالقضاء)).

١٥٧
كتاب الشهادات
الشاهد الذي شهد على القضاء).
لأنه شهد أن لا شيء للمدعي على المدعى عليه مما يطالبه به (١).
مسألة : [اختلاف الشاهدين في قيمة شراء شخص لعبد]
قال أبو جعفر: (ومَن ادعى على رجل أنه باعه هذا العبد بألف
وخمسمائة درهم، وأنكر ذلك المدعى عليه، فأقام عليه شاهدين:
أحدهما بالبيع بألف درهم وخمسمائة درهم، والآخر بألف درهم: كان
ذلك باطلاً، ولم یقض له بشيء.
وكذلك المكاتبة في هذا، إن ادعى العبد، وأنكر المولى.
وكذلك العتق على مال، إذا أنكره المولى، وادعاه العبد.
وكذلك الخلع، إذا ادعته المرأة، وأنكر الزوج).
قال أحمد: والأصل في ذلك: أنا نحتاج إلى إثبات هذه العقود
بالتسمية المذكورة فيها؛ لأنه إن لم تثبت التسمية، لم يثبت العقد، وكل
واحد من الشاهدين شهد بعقد، غير ما شهد به صاحبه، وكل واحد من
العقدین، لا يثبت إلا بشاهدین.
والدليل على أنهما عقدان: أنه لو قال له: قد بعتُك هذا العبد بألف
درهم وخمسمائة، فقال: قد قَبِلتُه بألف: لم يكن بينهما بيع.
وليس هذا مثل الدين إذا شهد له أحدهما بألف، والآخر بألف
وخمسمائة: فتجوز شهادتهما على الألف؛ لأنا لا نحتاج هاهنا إلى إثبات
عقد، ولم يظهر منهما اختلاف في الشهادة بالألف، فلذلك تثبت الألف،
(١) بدائع الصنائع ٢٧٩/٦، الهداية وفتح القدير ٥٠٦/٦.

١٥٨
کتاب الشهادات
وفي مسألتنا وجوب الدين تابع لثبوت العقد، فإذا لم يثبت العقد
لاختلافهما فیه، لم يثبت الدّیْن.
وهذا هو القياس في النكاح أيضاً، إذا شهد أحدهما بألف
وخمسمائة، والآخر بألف؛ لأنها لو قالت له: قد تزوجتُك على ألف
وخمسمائة، فقَبِلَ العقدَ بألف: لم يكن بينهما نكاح، إلا أنَّ أبا حنيفة
استحسن فيه فقال: ثبت للمرأة ألف درهم، وجعله كالشهادة على الدين؛
لأن عقد النكاح لا يفتقر في صحته إلى تسمية مال.
* وجعل أبو يوسف ومحمد النكاح بمنزلة سائر العقود، ومَنَعَا قبول
الشهادة فيه على هذا الوجه.
مسألة : [اختلاف الشاهدين في قدر المبلغ الذي أُعتق عليه العبد]
قال أبو جعفر: (ولو كان المولىُ في مسألة العتق هو المدعي على
عبده، أنه أعتقه على ألف وخمسمائة درهم، أو كان الزوج هو المدعي
في مسألة الخلع، والعبد والمرأة ينكران، فأقام كلّ واحد من المولى
والزوج البينة، فشهد أحدهما على ألف وخمسمائة، وشهد له الآخر
بألف: قضى له بألف، وكان على دعواه في الخمسمائة الباقية في قولهم
جميعاً).
قال أحمد: وذلك لأنا نحتاج إلى إثبات العقد في هذه المسألة؛ لأن
الزوج مُقْرٌّ بالطلاق، والمولىُ مُقَرُّ بالعتق، والطلاق والعتق لا يُحتاج في
صحة وقوعهما إلى قبول العبد والمرأة؛ لأنهما يصحان بغير قبولهما، فلما
صح وقوع الطلاق والعتق بقولهما، لم يبق هناك إلا دعوى المال، فصارا
کمن ادعى على رجل ألف درهم وخمسمائة، فشهد له شاهدان أحدهما
بألف، والآخر بألف وخمسمائة: فتقبل شهادتهما بالألف.

١٥٩
كتاب الشهادات
فإن قيل: إذا لم يثبت المال الذي ادعاه المولى، ينبغي أن لا يثبت
العتق؛ لأنه لا يعتبر به إلا من جهة الذي أقرَّ به، فإذا لم تثبت الجهة، لم
يثبت العتق، كما لو ادعى أنه باعه عبده بألف درهم، وأنكر المشتري: لم
يثبت له ملك العبد، لعدم ثبوت الثمن.
قيل له: لا تجب دعواه لمعنيين: أحدهما: العتق، والآخر: المال.
والعتق يصح من جهته، وهو معترفٌ بأنه حرٌّ، وأن بطلان المال لا
يرفع العتق؛ لأنه لا يلحقه الفسخ، فصدَّقناه فيما اعترف به من ذلك على
نفسه وإن لم يثبت المال.
وليس ذلك كدعواه البيع؛ لأن الثمن متى لم يثبت: انفسخ البيع؛
لأنه يلحقه الفسخ، ولأن البيع لا يصح من جهته وحده بحال دون قبول
غيره له(١).
(١) شرح الجامع الصغير للصدر الشهيد، لوحة ١٥٧، بدائع الصنائع ٢٧٩/٦.