النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
كتاب أدب القاضي
قيل له: ليس ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام، والذي عن النبي
عليه الصلاة والسلام مطلقٌ، ليس فيه ذكر القسامة، إنما رُوي ذلك عن
بعض السلف.
وعلى أنه لو ثبت، كان معناه: إلا في القسامة، فإن اليمين على مَن لم
يدَّع عليه القتل.
وأيضاً: إلا في القسامة، فإنه لا يبرأ من الدية مع اليمين(١).
فصل : [في بيان وجه تكرار اليمين على الناكل]
وأما وجه تكرار القول عليه ثلاثاً: فلأن النكول لا يتعلق به لزوم الحق
إلا بقضاء القاضي به، فُيُحتاط له بتكرار اليمين عليه، فعسى أن يحلف،
ولأن اليمين حق قد لزمه، فيأمره بالخروج منه، كما أنه لو أقر بالمال، أو
قامت عليه البينة، أَمَرَه بالخروج منه، وکرَّر ذلك عليه، فإن أبى: حَبَسَه
حينئذ إن طلب المدعي حَبْسه، كذلك لزوم المال بالنكول.
مسألة : [نكول المدعى عليه عن اليمين في دعوى القصاص]
قال أبو جعفر: (إن ادعى عليه قصاصاً في نفسٍ، فإن أبا حنيفة كان
يقول: يحبسه حتى يحلف، أو يُقِرَّ).
قال أحمد : کان القیاس عندہ: أن یحکم علیه بالقصاص بالنکول؛
الباري بمعناه ١٩٧/١٢، وفي التعليق المغني على سنن الدارقطني، عن الحديث
الأول: إسناده لين، وعن الثاني بأن فيه ضعيفاً ومتروكاً، الجوهر النقي لابن التركماني
١٢٣/٨.
(١) شرح معاني الآثار ٢٠١/٣، ١٤٨/٤، أدب القاضي للخصاف بشرح
الجصاص ص١٠٧، بدائع الصنائع ٢٣٠/٦، تبيين الحقائق ٢٩٦/٤.

١٠٢
كتاب أدب القاضي
لأنه مما يصح بذله من جهة الحكم على ما بيًَّا، إلا أنه تَرَكَ القياس فيه،
فلم يأخذه بالنكول؛ استعظاماً لأمر الدم، ولأنه قد خولف به سبيل سائر
الحقوق في استعظام أمرها.
ألا ترى أنه تجب القسامة إذا وُجد قتيلٌ في محلة(١)، ولا يجب مثله
في سائر الأشياء، وأن العشرة يُقتلون بالواحد(٢)، ولا تُقطع يدان بيد (٣)،
ولا يلزم متلف المال أكثر مما أتلف، فاستحسن ألا يأخذ النفس بالنكول.
وأيضاً: فإن اليمين في النفس قد يجوز أن تكون حقاً بنفسها، ألا ترى
أنَّ أهل المحلة إذا أَبَوْا أن يحلفوا: حُبِسوا، هذا مع لزوم الدية، فلما جاز
أن تكون اليمين حقاً للمدعي منفرداً عن الدية حتى يُجبروا عليها، جعل
اليمين في هذا الموضع كالحق المدعى في باب حبس المدعى عليه بها.
وأيضاً: فإن الحبس قد يجب في الأصول للتهمة، وقد روى بَهز بن
حكيم عن أبيه عن جده ((أنّ النبي عليه الصلاة والسلام حبس رجلاً في
تُهمة))(٤)، ونکوله عن الیمین یوجب تهمة، فيحبسه بها.
ألا ترى أنَّ أبا حنيفة يقول في البينة إذا قامت بقَوَد أو حدٍّ: إنه يُحبس
المدعى عليه، حتى يسأل عن الشهود، ولا يكلفه الحبس في هذا
الموضع: سديد على أصله، وليس كذلك سائر الحقوق، لما وصفنا، لأن
(١) أي: ولم يعرف قاتله. انظر باب القسامة من هذا الشرح.
(٢) الكتاب مع شرحه اللباب ١٥٠/٣.
(٣) الكتاب ١٥١/٣.
(٤) سنن أبي داود ٢/ ٢٨٢، السنن الكبرى ٥٣/٦، مجمع الزوائد ٢٠٦/٤،
قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من لم أعرفه.

١٠٣
كتاب أدب القاضي
التهمة بكون المال عليه، لا تُوجب حبسَه ولا عقوبته، وليس هو أيضاً في
معنی النفس، لاختصاصها بما وصفنا.
* قال أبو جعفر: (فإن كانت دعوى في قصاص فيما دون النفس،
فإنه يقضي عليه في ذلك بالدية، ولا يقضي عليه فيه بقصاص في قول أبي
حنيفة).
قال أحمد : وليس هذا قول أبي حنيفة المشهور عنه في الأصول،
بل جوابه في الأصول في هذه المسألة: أنه يقضي عليه بالقصاص فيما
دون النفس بالنكول، وفرَّق بين النفس وما دونها، فلم يحكم في
النفس بشيء، وحَبَسَه وحَكَم فيما دونها بالقصاص، والقياس فيهما
جميعاً عنده أن يحكم بالقصاص؛ لأنها مما يصح بذله من جهة
الحكم، إلا أنه ترك القياس في النفس لما وصفنا، وأَخَذ فيما دونها
بالقياس.
وأيضاً: فإن ما دون النفس قد يجب فيه المال من غير شبهة، وهذا
كرجل يقطع يد الرجُلَيْن اليمنى منهما، فتُقطع يده لهما، ويُقضى عليه بدیةٍ
بينهما، ولا يجب مثله في النفس(١).
فإن قيل: فهلاً حَكَم في النفس إذا نكل عنها بالدية، إذ لم يحكم
بالقصاص.
قيل له: لأن النكول عنها يوجب القصاص، وليس شبهة في سقوطه،
وإنما توقف عن قتله؛ استعظاماً لأمر الدم على ما وصفنا، فلم يجز الحكم
بالمال مع وجود ما يوجب القصاص.
(١) الكتاب ١٥١/٣، تحفة الفقهاء ١٠٠/٣، حاشية رد المحتار ٥٥٧/٦.

١٠٤
كتاب أدب القاضي
قال أبو جعفر : (قال أبو يوسف ومحمد: الحكم في النفس وما دونها
إذا نكل عنها بالدية).
لأن القصاص لا يؤخذ بالنكول، كما لا يؤخذ بالشهادة على الشهادة،
وشهادة النساء، والمال، يجوز أخذه بالنكول، والقصاص يجوز أن يتحول
مالاً بعد ثبوته(١).
مسألة : [صيغة الاستحلاف]
قال أبو جعفر: (ويَستحلف المدَّعى عليه للمدعي: بالله الذي لا إله
إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمنُ الرحيم، الذي يَعلَم من السرِّ ما
يعلم من العلانية.
وإن اكتفى بالأول: أجزأه).
قال أحمد : وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال:
حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو الأحوص قال: حدثنا عطاء بن السائب عن
أبي يحيى عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم
قال - يعني لرجل حلّفه -: ((احلف بالله الذي لا إله إلا هو، ما له عندك
شيء)»(٢).
يعني للمدعي، فزاد النبي عليه الصلاة والسلام في اليمين من صفة الله
(١) الجامع الصغير مع شرحه للكنوي ص٣٨٩، أدب القاضي للخصاف
ص١١٠، الهداية ونتائج الأفكار عليها ١٧٨/٧، بدائع الصنائع ٢٣٠/٦.
(٢) سنن أبي داود ٢٧٩/٢، السنن الكبرى ٣٧/١٠، نيل الأوطار ١٣٢/٩،
وفيه: وحديث ابن عباس أخرجه أيضاً النسائي، وفي إسناده: عطاء بن السائب، وقد
تكلم فيه غیر واحد.

١٠٥
كتاب أدب القاضي
تعالى ما ذُكر، فدل على جواز الزيادة في لفظها على وجه التأكيد
والتغليظ.
فإن اقتصر على الأول: أجزأه، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((مَن
كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليسكت))(١).
* قال أبو جعفر: (ولا يستقبل به القبلة، ولا يُدخله المسجد،
وحيثما حلَّفه: فهو مستقیم).
وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((اليمين على المدعى
عليه))(٢)، ولم يخصَّها بمكان(٣).
مسألة : [صيغة استحلاف غير المسلمين]
قال أبو جعفر: (وقال محمد: ويَستحلف النصرانيّ: بالله الذي أنزل
الإنجيل على عيسى، واليهوديَّ: بالله الذي أنزل التوراة على موسى،
والمجوسيَّ: بالله الذي خلق النار).
وذلك لما رُوي ((أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال لليهود في شأن
الرجم: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة
على مَن زنى؟))(٤).
فوجب على هذا أن يَستحلف النصراني على ما قال؛ لأنه يعتقد من
تعظيم المسيح، أكثر مما يعتقده اليهودي في موسى، ويَستحلف
(١) صحيح مسلم ١٠٥/١١، سنن أبي داود ١٩٩/٢.
(٢) سبق.
(٣) الهداية ونتائج الأفكار ١٨٢/٧، تبيين الحقائق ٣٠١/٤.
(٤) سنن أبي داود ٢٨١/٢، صحيح مسلم ٢٠٩/١١.

١٠٦
كتاب أدب القاضي
المجوسيَّ بالله الذي خلق النار؛ لأنه لا يؤمن بنبيٍّ، ولا بكتاب، ويَعتقد
تعظيم النار(١).
مسألة : [قيام البينة بعد استحلاف المدعى عليه]
قال أبو جعفر: (مَن استحلفه القاضي على شيء، فحلف عليه، ثم
قامت عنده البينة على ما ادعىُ : قَبِلَ بَيِّتَه، وقضى له به).
وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((البينة على المدعي)).
ولم يخصَّ به حالاً دون حال، فوجب أن تكون مقبولةً قَبْل يمينه،
وبعدها.
وقال الله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾(٢).
ولم يُفرِّق بين حال وقوع اليمين، أو قبله.
وأيضاً: فإن قيام البينة في الابتداء: يَسقط معه حكم اليمين، كذلك إذا
حلف، ثم قامت البينة، فينبغي أن يسقط حكم يمينه.
فإن قيل: قال النبي عليه الصلاة والسلام للأشعث بن قيس: ((شاهداك
أو يمينه))، فأوجب أحدهما.
وقال في حديث وائل بن حُجْر: ((بَيِّنتك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك)).
قيل له: ((شاهداك، أو يمينه)): لا يدل على بطلان حكم البينة بعد
اليمين، وليس إيجابه لذلك على وجه التخيير، بل معلوم أنَّ المراد:
تقديم البينة على اليمين، وانتفاء حكم اليمين معها، فمتى وُجدت:
(١) الهداية ونتائج الأفكار ١٨٤/٧، تبيين الحقائق ٣٠٢/٤.
(٢) البقرة: ٢٨٢.

١٠٧
كتاب أدب القاضي
فحکم الیمین ساقط معها.
وقوله: ((ليس لك إلا ذلك)): يعني إن لم تكن لك بينة: فليس لك إلا
اليمين؛ لأنه لما قال: إنه رجل فاجر، لا يبالي أن يحلف: قال: ((ليس لك
غيره) (١)، يعني إذا عُدمت البينة، وقد وجدت البينة، فَبَطَلَ حكم اليمين.
وقد روي عن عمر بن الخطاب(٢)، وشريح(٣)، وإبراهيم، وطاوس
مثل قولنا، قالوا: اليمين الفاجرة أحق أن تُردَّ من البينة العادلة(٤).
مسألة : [حكم رد اليمين على المدعي إذا نكل عنها المدعى عليه]
قال: (ومَن وجبت عليه يمين، فردّها على المدعي: لم يُردَّ ذلك
عليه، وقيل له: اِحلف، أو أَقِرَّ إن شئت).
قال أحمد : قد بينًا أنَّ نكول المدعى عليه، لا يوجب رد اليمين على
المدعي، وأنه لا جائز لأحدٍ استحقاق شيء يدعيه بقوله، ويمينُه: قوله،
فإذا كان ذلك ممتنعاً من جهة الحكم، لم يكن لرضا المدعى عليه تأثير في
إجازة ما منعته الشريعة، ألا ترى أنَّ المدعى عليه لو رضي بأن تُقبل عليه
شهادة الفاسق، أو أهل الذمة، أو شهادة واحد: لم يكن لرضاه تأثير، ولم
تقبل عليه الشهادة، إلا على الوصف المشروط(٥).
(١) صحيح مسلم ١٥٩/٢، السنن الكبرى ١٤٣/١٠.
(٢) السنن الكبرى ١٨٢/١٠، موسوعة فقه عمر ص٧٣١.
(٣) وانظر الرواية عنه في ذلك، المرجع السابق السنن الكبرى.
(٤) أدب القاضي للخصاف بشرح الجصاص ص ١٠٥، شرح أدب القاضي
للخصاف تأليف الصدر الشهيد ٢٥٢/٢، تبيين الحقائق ٢٩٦/٤.
(٥) شرح معاني الآثار ١٤٩/٤، الكتاب ٢٩/٤.

١٠٨
كتاب أدب القاضي
مسألة : (مَن لا تقبل شهادتهم]
قال أبو جعفر: (ولا تقبل شهادة الصبيان، والعبيد في شيء).
قال أحمد : أما الصبيان: فإنما لم تَجُزْ شهادتهم؛ لقول الله تعالى:
﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾(١)، وقال: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ
الشُّهَدَآءِ﴾(٢)، والصبيان بخلاف هاتين الصفتين.
وأيضاً: لم يختلفوا أنَّ شهادة الصبيان غير جائزة على الرجال في
الحقوق، وإنما يجيزها مَن يجيزها من بعضهم على بعض في الجراح،
ونحو ذلك(٣)، فلما ثبت بالاتفاق بطلان شهادتهم على الرجال، كذلك
مِن بعضهم على بعض.
وأيضاً: قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾(٤)، وليس الصبيان
من ذوي عدل.
وقال عروة بن الزبير: تُقبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض (٥).
وقال ابن عباس: حتى يكبروا (٦).
(١) البقرة: ٢٨٢.
(٢) البقرة: ٢٨٢.
(٣) مصنف عبد الرزاق (١٥٥٠٤) ٣٥٠/٤، مصنف ابن أبي شيبة ٣٥٩/٤.
(٤) الطلاق: ٢.
(٥) مصنف عبد الرزاق (١٥٥٠٢) ٣٥٠/٨، مصنف ابن أبي شيبة (٢١٠٢٢)
٣٥٩/٤.
(٦) مصنف ابن أبي شيبة، (٢١٠٣٤) ٣٥٩/٤، السنن الكبرى ١٦١/١٠.

١٠٩
كتاب أدب القاضي
* وأما العبيد: فإن وجه بطلان شهادتهم: أنّ الله تعالى لما قال:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ﴾(١) إلى
آخر القصة، كان المفهوم من ظاهر هذا الخطاب: الأحرار الذين يملكون
عقود المداينات، وأن العبيد غير داخلين فيهم، إذ هم غير مالكين لذلك،
فلما كان ذلك في مضمون اللفظ، صار كالملفوظ به فيه، فكأنه قال: يا
أيها الأحرار، ثم لما عطف على ذلك قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن
رِجَالِكُمْ﴾(٢)، انصرف ذلك إلى الأحرار؛ لأن الخطاب لهم، كأنه قال:
من رجالٍ أحرار، لما في مضمون الخطاب من شرط الحرية.
فإذا كان الواجب بالآية استشهاد الأحرار، لم يجز إسقاط شرطها.
كما أنه لما قال: ﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾(٣)، وقال في آية أخرى:
﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنَكُمْ﴾(٤): لم يجز إسقاط شرط العدالة.
وأيضاً: قال: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾(٥)، ولا يجوز أن يكون
العبد مراداً به؛ لأن عليه خدمة سيده، ويجوز له إباء أن يحضر الشهادة.
وأيضاً: فإن صحة الشهادة يتعلق بها ضمان عند الرجوع، فلما لم يكن
(١) البقرة: ٢٨٢.
(٢) البقرة: ٢٨٢.
(٣) البقرة: ٢٨٢.
(٤) الطلاق: ٢.
(٥) البقرة: ٢٨٢.

١١٠
كتاب أدب القاضي
العبد ممن يلزمه ضمان بالرجوع لو قُبلت شهادته: علمنا أنه ليس من
أهلها، كالصبي أيضاً، فصحة قبول الشهادة متعلقة بالولاية.
والدليل عليه: اتفاق الجميع على بطلان شهادة المجنون، وردٍّ شهادة
الصبي على الرجال في الحقوق؛ لعدم الولاية.
فلما لم يكن العبد من أهل الولاية، وجب أن لا تقبل شهادته.
وأيضاً: لما كانت شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل، إذ
كان ميراثها على النصف من ميراث الرجل، ثم لم يكن العبد من أهل
الميراث، وجب أن لا يكون من أهل الشهادة(١).
مسألة : [ما تقبل فيه شهادة أهل الكفر]
قال أبو جعفر: (وتُقبل شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض؛ لأن
الكفر كلَّه ملَّةٌ واحدة).
قال أحمد : وذلك لقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ
غَيْرِكُمْ﴾(٢).
ومعناه: من غير أهل ملتكم(٣)؛ لأن الخطاب توجه إليهم بلفظ الإيمان
(١) أحكام القرآن للجصاص ٢٢٢/٢، شرح أدب القاضي للخصاف للصدر
الشهيد ٤٣٧/٤، تبيين الحقائق ٢١٨/٤، بدائع الصنائع ٢٦٧/٦.
(٢) المائدة: ١٠٦.
(٣) تفسير الطبري ١٦٠/١١.

١١١
كتاب أدب القاضي
حين قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، فقد تضمنت الآية جواز شهادة أهل الذمة
على المسلمين في الوصية وفي غيرها؛ لأنه لم يخصَّ الوصيةَ بجواز
الشهادة فيها دون غيرها، وإنما قال: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾، ومعناه: وقتَ
الوصية، وقد يكون وقتَ الوصية إقرارٌ بدَيْن، وعقدُ بيع وغيره.
فتضمنت الآية جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين في هذه الأمور،
وتضمنت الآية أيضاً الدلالة على جوازها على أهل الذمة، إذ لا شهادة
جائزة على مسلم إلا وهي جائزة على ذمي، ثم قامت الدلالة على نسخها
على المسلمين(١)، فوجب أن تبقى دلالتها على جوازها على أهل الذمة؛
لعدم الدلالة الموجبة لنسخها.
وَجِهَةُ نَسْخ جوازها على المسلم: قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ
مِن رِّجَالِكُمْ﴾(٢).
وقوله: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾(٣).
وقوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدَّلٍ مِّنْكُمْ﴾(٤).
(١) وذلك بقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ النساء: ١٤،
فبقيت: على بعضهم بعضاً، ينظر: فتح القدير ٤٨٩/٦، بدائع الصنائع
٢٨٠/٦.
(٢) البقرة: ٢٨٢.
(٣) البقرة: ٢٨٢.
(٤) الطلاق: ٢.

١١٢
كتاب أدب القاضي
وذلك كله في المسلمين(١)، فصارت تلك الشهادة منسوخاً(٢) جوازها
على المسلمين، وبقي حكمها في الكفار على ما تضمنته دلالة الآية.
وأيضاً: روى مجالد عن الشعبي عن جابر ((أنَّ اليهود جاؤوا إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة منهم زَنَيا، فقال لهم
رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((ائتوني بأربعة منكم يشهدون)).
رواه الطحاويُّ عن أحمد بن أبي عمران قال: حدثنا أبو خيثمة قال:
حدثنا حفص بن غياث عن مجالد(٣).
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل
وإبراهيم بن السكن ابن أسباط وجماعةٌ قالوا: حدثنا الحسن بن حماد قال:
حدثنا أبو خالد الأحمر، عن مجالد عن عامر عن جابر ((أنَّ النبي عليه
الصلاة والسلام أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض)) (٤).
* ومن جهة النظر: أنَّ فسقهم لما كان من جهة التدين، وجب أن لا
يمنع جواز شهادتهم، كما أنّ أهل الأهواء لما كان فسقهم من جهة
التدین، لم یمنع قبول شهادتهم.
(١) تفسير الطبري ٦١/٦، ١٥٤/١١.
(٢) في (د، م): منسوخ.
(٣) شرح معاني الآثار ١٤٢/٤، قال ابن التركماني في الجوهر النقي
١٦٢/١٠، وهذا سند جيد، وابن أبي عمر: وثَّقه ابن يونس، وباقي السند على شرط
الشیخین، خلا مجاهد، فإن مسلماً انفرد به.
(٤) سنن ابن ماجه (٢٣٩٦) ٥٠/٢، السنن الكبرى ١٦٥/١٠. وضعَّفه
البيهقى، وردّه ابن التركماني.

١١٣
كتاب أدب القاضي
وأيضاً: فإن وصية الذمي إلى الذمي جائزة، وهي أمانة لا يُقَرُّ عليها
الفاسق، فلما جازت وصية بعضهم إلى بعض وإن كانت أمانة، ومن
شرط الوصي كونه عدلاً، وجب أن تجوز شهادتهم أيضاً بعضهم على
بعض.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِطَارٍ يُؤَدِّهِ:﴾(١).
فأخبر أنَّ منهم مَن يصلح أن يؤتمن على مال، فجاز ائتمانهم على
الشهادات فيما بينهم.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَاٍ فَتَبَيِّنُواْ﴾(٢)، والكافر
فاسق.
قيل له: المراد به الفسق من جهة الفعل، لا من جهة التديُّن
والاعتقاد، بدلالة جواز شهادة أهل الأهواء مع فسقهم (٣).
مسألة :
قال أبو جعفر : (والكفرُ كلُّه ملةٌ واحدة).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾(٤)، ثم قال: ﴿لَكَّمْ
(١) آل عمران: ٧٥.
(٢) الحجرات: ٦.
(٣) شرح أدب القاضي للخصاف ٤٤٦/٤، بدائع الصنائع ٢٨٠/٦، الهداية
وشروحها ٦ /٤٨٧.
(٤) الكافرون: ١.

١١٤
كتاب أدب القاضي
دِيْئُكُمْ وَلِىَ دِينٍ﴾(١).
فجعل جميعَ الكفر ديناً واحداً، والإسلام ديناً واحداً.
ويدل عليه: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا يتوارث أهل
ملتين)) (٢)، و((لا يرث المسلم الكافر))(٣).
فجعل الإسلامَ ملة، والكفرَ كلَّه ملة.
ويدل عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام يوم الفتح: ((الناس حَيِّز،
ونحن حیِّز)»(٤).
فإن قيل: فالكتابي حكمه مخالفٌ عندكم لغير الكتابي في جواز
مناکحته، وأكل ذبيحته.
قيل له: هذا حُكْمٌ فيما بيننا وبينهم، فأما فيما بينهم، فلا يختلفون
عندنا.
مسألة :
قال : (ولا تُقبل شهادة أحد من أهل الذمة على مسلم).
(١) الكافرون: ٦.
(٢) سنن أبي داود ١١٣/٢، السنن الكبرى ١٦٣/١٠، وفي هامش شرح السنة
٣٦٥/٨: إسناده حسن، وصححه ابن الملقن في خلاصة البدر المنير.
(٣) سنن أبي داود ١١٣/٢، السنن الكبرى ٢١٧/٦.
(٤) المعجم الكبير (٤٤٤٤) ٢٨٦/٤، مجمع الزوائد ٢٠/١٠، قال الهيثمي:
رواه الطبراني وأحمد، ورجالهما رجال الصحيح.

١١٥
كتاب أدب القاضي
قال أحمد: وذلك لقول الله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾(١).
وقال: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾(٢).
وقد أراد: من المسلمين؛ لأن الخطاب توجَّه إليهم بلفظ الإيمان(٣).
وقال: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾(٤).
ويدل عليه ما حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا يحيى بن عبد الباقي
الثغري قال: حدثنا عمرو بن عثمان قال: حدثنا بقية عن الأسود بن عامر
عن عمر بن راشد قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجوز شهادة ملَّةٍ على
ملَّة، إلا مَّة المسلمين، فإنها تجوز على المِلَل كلها))(٥).
فإن قيل: فهذا الخبر ينفي جواز شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض.
قيل له: ليس كذلك؛ لأن الكفر كله ملَّةٌ واحدة.
فإن قيل: فقوله: ((إلا شهادة المسلمين، فإنها تجوز على الملل كلها)):
يدل على أنَّ الكفر ملل مختلفة.
(١) البقرة: ٢٨٢.
(٢) البقرة: ٢٨٢.
(٣) تفسير الطبري ٦/ ٦١.
(٤) الطلاق: ٢.
(٥) مصنف عبد الرزاق (١٥٥٢٥)، السنن الكبرى ١٦٣/١٠، نصب الراية
٨٦/٤، وأشار الزيلعي إلى ضعف الحديث بعمر بن راشد.

١١٦
كتاب أدب القاضي
قيل له: ليس كذلك؛ لأنه جائز أن يكون المراد: على ملة الإسلام،
وملة الكفر، وأطلق عليهما اسم المِلَل؛ لأن الاثنين قد يطلق عليهما لفظ
الجمع، كقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْتَصَمُواْ فِرَبِهِمْ﴾(١).
فإن قيل: قد أجاز الله تعالى شهادة أهل الكفر على المسلمين في
الوصية في السفر، بقوله: ﴿أَوْ ءَاخَرَانٍ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾(٢)، فهلاً أجزتَها، وقد
روي جوازُها (٣) عن أبي موسى الأشعري، وجماعة من التابعين(٤).
قيل له: هي منسوخة(٥) بقوله: ﴿ وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن
رِجَالِكُمْ﴾(٦)، وبقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾(٧).
(١) الحج: ١٩.
(٢) المائدة: ١٠٦، وهذا التفسير ذكره الطبري، وأنه أحد الوجوه في معنى
الآية.
(٣) في خ (ر.حـ): ((بطلان حكمها)).
(٤) سنن أبي داود ٢٧٦/٢، تفسير الطبري (١٢٩٢٦) ١٦٥/١١، السنن
الكبرى ١٦٥/١٠.
(٥) وذلك مروي عن ابن عباس، السنن الكبرى ١٦٤/١٠، موسوعة فقه ابن
عباس ٩٠/٢، وكذا عن إبراهيم النخعي، أحكام القرآن للجصاص ١٦١/٤،
موسوعة فقه إبراهيم النخعي ٣٥٨/٢، وفيه: أنَّ هذه رواية أخرى عنه، والأخرىُ
کقول أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(٦) البقرة: ٢٨٢.
(٧) البقرة: ٢٨٢.

١١٧
كتاب أدب القاضي
وذلك لأن قوله: ﴿أَوْ ءَاخَرَانٍ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾: لا دلالة فيه على تخصيص
الوصية بجواز شهادة الكفار فيها؛ لأنه إما قال: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾، وقد
يكون حين الوصية سائر ضروب المداينات، فقد تضمنت الآية جوازها في
سائر الحقوق.
فلما قضى قوله: ﴿شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾، وقوله: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ
الشُّهَدَآءِ﴾، على قوله: ﴿أَوْ ءَاخَرَانٍ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ في المداينات: كان كذلك
حكمها في الوصية(١).
وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أنَّ هذه الآية
نزلت في شأن رجل من بني سهم، توفي بأرضٍ ليس فيها مسلم، فأوصى
إلى تميم الداري، وعدي بن بداء(٢)، وهما نصرانيان، فدفعا تَرِكِتَه إلى
أهله، وحَبَسَا جاماً(٣) من فضة مخوصاً بالذهب(٤).
فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كَتَمْتُما، ولا
اطّلعتما، ثم عُرِّف بمكة، فقالوا: اشتريناه من عدي بن بداء وتميم، فقام
(١) أحكام القرآن ١٦١/٤.
(٢) عدي بن بداء: له ذكر في نزول قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾، كان نصرانياً، قال ابن حبان: له صحبة، ولكن أنكره عليه ابن
منده، وقال: لا يعرف له إسلام. الإصابة ٢٢٨/٤.
(٣) جاماً: إناء من فضة، عربي صحيح، لسان العرب (جوم) ١١٢/١٢.
(٤) المخوص: الذي جعلت عليه صفائح من ذهب، كخوص النخل. هامش
نسخة (د) لوحة ٢٤٤، وانظر النهاية لابن الأثير ٨٧/٢.

١١٨
كتاب أدب القاضي
رجلان من أولياء السهمي، فحلفا بالله: إن هذا الجام للسهمي، ﴿ وَمَا
اُعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾(١)، وأخذا الجام)) (٢).
فعلى هذا التأويل: الشهادة المذكورة في الآية، إنما هي الأيمان على
الوجه المذكور، وكانت الآية حينئذ إنما قَصَّت الحال التي نزل فيها
الحكم، وذِكْرَ حكم المسلمين فيها أيضاً إن جرت الحال فيهم على هذا
الوصف، فإن كان هو المعنى، فلا دلالة فيها على جواز شهادة أهل الذمة
في وصية ولا غيرها.
وقد روي ذلك عن جماعة من السلف(٣).
مسألة : [حبس المدين إذا طلب الخصم]
قال أبو جعفر: (ومَن وجب عليه دينٌ: حَبَسَه القاضي إن سأله ذلك
خصمه).
وذلك لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((لَيُّ الواجد
يُحِلَّ عِرضه وعقوبته))(٤).
(١) المائدة: ١٠٧ .
(٢) صحيح البخاري ٣١٦/٥، سنن أبي داود ٢٧٦/٢ تفسير الطبري
١١/ ١٨٥.
(٣) مختصر اختلاف العلماء تصنيف الطحاوي واختصار الجصاص ٣٣٩/٣،
أحكام القرآن ١٥٩/٤، شرح أدب القاضي للخصاف ٤٥٣/٤، بدائع الصنائع
٢٨٠/٦.
(٤) سنن أبي داود ٢/ ٢٨٢، المستدرك ١١٥/٤. قال الحاكم: صحيح الإسناد،
ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي عليه، السنن الكبرى ٥١/٦.

١١٩
كتاب أدب القاضي
قال أهل العلم: عقوبته: حبسه(١)، ولا يحتمل غيره؛ لأنه معلومٌ أنه لا
يُضرب باتفاق، فلم يبق هناك عقوبة غير الحبس.
ورَوى الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال: ((أتيت النبي عليه
الصلاة والسلام بغريم لي، فقال لي: الزَمْه، ثم قال: يا أخا بني تميم ما
تريد أن تفعل بأسيرك؟))(٢).
فهذا يدل من وجهين على الحبس:
أحدهما: قوله: ((الزمه)).
والآخر قوله: ((ما تريد أن تفعل بأسيرك؟)).
ورُوي ((أنَّ رجلاً أعتق عبداً بينه وبين آخر، وهو موسر، فحبسه النبي
عليه الصلاة والسلام، حتى باع غُنَيْمةً له))(٣).
ورُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((إن لصاحب الحق اليدَ
واللسان))(٤). فقيل: في اليد: اللزوم، وفي اللسان: الاقتضاء.
وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه
وسلم حبس رجلاً في تُهَمَةٍ))(٥).
(١) السنن الكبرى ٥١/٦. وروي ذلك عن سفيان، وابن المبارك.
(٢) سنن أبي داود ٢٨٢/٢، السنن الكبرى ٥٢/٦.
(٣) السنن الكبرى ٢٧٦/١٠. قال البيهقي بعد سياقه: هذا منقطع، ثم قال:
وروي من وجه آخر، وهو ضعيف.
(٤) سبق.
(٥) سبق.

١٢٠
كتاب أدب القاضي
وروي الحبسُ في الدين عن علي رضي الله عنه، وجماعة من
السلف(١).
ومن جهة النظر: أنه مقيمٌ في محظور في امتناعه من القضاء مع
الإمكان، فيُجبر عليه بالحبس، كما يُمنَع من سائر المحظورات إذا
واقعها، وأقام عليها (٢).
مسألة :
قال أبو جعفر: (ثم يسأل عنه، فإن كان موسراً: لم يُطْلِقه حتى
يقضيَه، وإن كان معسراً: خلَّى سبيله).
وذلك لأن الحبس وجب على وجه العقوبة، والجبرِ على قضائه الدَّيْن،
لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((ليّ الواجد يُحِلِّ عِرْضَه وعقوبتَه))(٣).
فإنما أباح عقوبة الواجد، والمعسرُ غير ملومٍ على تَرْك القضاء، فلا
يستحق العقوبة.
ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى
مَيْسَرَةٍ﴾ (٤).
(١) عن علي رضي الله عنه السنن الكبرى ٥٣/٦، مصنف ابن أبي شيبة ٣٤٩/٤
مروي عن شريح والشعبي ووكيع وغيرهم.
(٢) أدب القاضي للخصاف بشرح الجصاص ص١٣٤، شرح أدب القاضي
للخصاف الصدر الشهید ٣٥٠/٢.
(٣) سبق.
(٤) البقرة: ٢٨٠.