النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
مسألة : [حلف بما لا يقدر على فعله]
قال أبو جعفر: ((ومَن حلف ليشربنَّ الماء في هذا الكوز اليوم،
فأُهراقَ قبل الليل: سقطت اليمين عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو
یوسف: یحنث).
قال أبو بكر: الأصل في ذلك: أنَّ اليمين المؤقتة، فإنما يتعلق
انعقادها بآخر الوقت، لولا ذلك لسقط حكم التوقيت.
ألا ترى أنه لو قال: والله لأصعدنَّ السماء اليوم: أن يمينه تنعقد في
آخر جزء من أجزاء اليوم، فيحنث عقيب انعقادها عند تعذر الفعل، وهو
مضيُّ اليوم، ولو كانت منعقدة وقت القول، لحنث فيها حينئذ، لحصول
العلم بتعذّر الفعل، وفوات شرط البرِّ.
وإذا صح ذلك رجعنا إلى مسألتنا، فقلنا هي مبنية على أصل لهم
اختلفوا فيه، وهو قوله: إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز، فعبدي
حٌّ، وليس فيه ماء.
فقال أبو حنيفة ومحمد: لم تنعقد يمينه، لاستحالة شرب ماء معدوم
في حال انعقاد اليمين.
ولو أحدث الله فيه ماء بعد ذلك، لم يكن هو (١) الماء المحلوف عليه،
فلما لم يكن هناك معنى تنعقد اليمين عليه: لم تنعقد، وبطلت.
* وقال أبو يوسف: يحنث؛ لأنه حلف أن يشرب ماء، فلم يشرب،
ولم يعتبر أن يكون المحلوف عليه مما يستحيل فيه عقد اليمين، أوْ لا
(١) في (ر.حـ): لم يكن عن هذا الماء ... إلخ.

٤٦٢
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
يستحيل، وقد بيَّنَّا ذلك في ((الجامع الكبير)).
وليست هذه عندهم مثل قوله: إن لم أقتل فلاناً، فعبدي حرٌّ، وفلان
ميت، فقال أبو حنيفة ومحمد(١): إن لم يعلم بموته: لم يقع العتق، وإن
علم بموته: حنث، وعَتَق عبده.
وذلك لأن ما ليس في الكوز يستحيل شربه، فليس هناك معنى ينعقد
اليمين عليه، وأما القتل، فإذا لم يعلم بموته فاليمين تناولت إتلاف الحياة
التي كان عليها، ولم يعلم فَوْتَها، وتلك الحياة قد فاتت يستحيل انعقاد
الیمین علیھا.
وإذا علم بموته: انصرفت يمينه إلى حياةٍ يُحدِثها الله تعالى فيه في الثاني
فيتلفها بالقتل، وذلك معنى معقول يصير به الرجل مقتولاً لو وُجد ذلك،
فانعقدت يمينه، فلما علم تعذّره، وفات شرط البِرِّ فيها: حنث في يمينه.
وفي مسألة الكوز لو أحدث الله فيه ماء، لم يكن ذلك الماء المحلوف
عليه، فلذلك اختلفا(٢).
مسألة : [حلف بالتصدق بماله أو عتق مماليكه]
قال أبو جعفر: (ومَن حلف بصدقة ماله أن لا يفعل شيئاً، أو بعتق
مماليكه أن لا يفعل شيئاً: لم يدخل في ذلك من ماله إلا ما كان منه في
ملكه يوم حلف، ولم يدخل فيه من مماليكه إلا مَن كان في ملكه يوم
حلف)(٣).
(١) في (د، م): بدون ذكر محمد مع الإمام.
(٢) فتح القدير ٤١٣/٤.
(٣) مختصر الطحاوي ص ٣١٥، شرح الجامع الكبير (خ) ٥ / لوحة ٤٧، شرح
=

٤٦٣
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
قال أحمد: وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا نَذْر فيما لا
يملكه ابن آدم، ولا عِثْق فيما لا يملك ابن آدم)) (١).
[مسألة : ]
قال أبو جعفر: (ومَن حلف بعتق مماليكه أن لا يفعل شيئاً، ففعله:
عَتَقَ مماليكه، وأمهات أولاده، ومُدَبَّروه، وما يملكه من الحصص مما
كان من ذلك كله في ملكه يوم حلف، ولم يعتق مكاتبوه إلا أن يَعْنِيْهم).
وإنما دخل فيه أم الولد والمدَّبَّر، من قِبَل أن اسم المملوك يتناولهما
على الإطلاق، ألا ترى أنه يطؤهما بملك اليمين، وقال الله تعالى: ﴿إِلَّا
عَلَى أَزْوَجِهِمْأَوْمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾(٢).
وأيضاً: فإنهما في يد المولىُ وتصرُّفه، ولا يدَ لغيره عليهما، فصارتا
بمنزلة غيرهما من مماليكه، وامتناع جواز بيعهما، لا يخرجهما من حكم
المماليك، ألا ترى أنَّ العبد المستأجر والمرهون لا يجوز بيعهما، ولم
ينتف عنهما اسم المملوك على الإطلاق.
وأما المكاتب، فلا يتناوله اسم المملوك على الإطلاق، وأكثر أحكام
المماليك زائلة عنه، ألا ترى أنها لو كانت مكاتبة، لم يملك المولىُ وَطْأها
مختصر الطحاوي للإسبيجابي (خ) ٢ / لوحة ١٥٢.
(١) جامع الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٢١٣/٢، سنن أبي داود
٥٠٦/١، قال الترمذي: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن صحيح، وهو أحسن
شيء في هذا الباب.
(٢) المعارج: ٣٠.

٤٦٤
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
بملك اليمين، ولو وَطِئها لزمه عُقْرها (١)، وأنها ليست في يد المولى
وتصرفه، وأنها أَوْلىُ بكسبها، وأرشِ يدها إذا قطعت من المولى، فدل
ذلك على ما وصفنا.
وهذا نظير ما قالوا في الرجل يطلق امرأته طلاقاً بائناً، ثم قال: نسائي
طوالق، فلا تدخل فيه البائنة وإن كانت معتدة، ولها بعض أحكام
الزوجات، ولو قصدها بالطلاق: طلقت، وكذلك المكاتب لا يدخل في
إطلاق لفظ المماليك، وإذا قصده بالعتق عَتَقَ.
ولا يعترض على ما قلنا بما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((المكاتَب عبدٌ ما بقي عليه درهم))(٢).
لأنا نقول هو عبد، ولا يدخل في إطلاق لفظ اليمين، كما أن السمك
وإن سمَّاه الله لحماً، لا يدخل في إطلاق لفظ اليمين في الحلف على
الامتناع من أكل اللحم.
مسألة : [حلف ألا يتسرَّى]
قال: (وإذا حلف أن لا يتسرَّىُ جارية)(٣).
(١) العُقْر: بالضم : ما تعطاه المرأة على وطء الشبهة، وأصله: أن واطئ البكر
يعقرها إذا افتضها؛ فسمي ما تعطاه للعقر عُقْراً، ثم صار عاماً لها وللثيب، ومنه
حديث الشعبي: ((ليس على زانٍ عُقْر)) أي مهر، وهو للمغتصبة من الإماء كالمهر
للحرة. النهاية لابن الأثير (عقر) ٧٣/٣.
(٢) تنوير الحوالك شرح الموطأ ١٤٦/٢. سنن أبي داود ٣٤٦/٢، السنن
الكبرى ٣٢٤/١٠، وفي هامش شرح السنة ٣٧٣/٩: إسناده حسن.
(٣) وجواب هذا الشرط: أنها تعتق عليه إذا تسرَّى، جاء في الهداية قوله: (ومَن
=

٤٦٥
كتاب الأيمان والكفارات والنذور
قال أحمد : شَرْط التسري عند أبي حنيفة ومحمد شيئان: التحصين،
والوطء.
وقال: أبو يوسف: شرطه ثلاثة أشياء: التحصين، والوطء، وطلب
الولد.
ولما اتفقوا جميعاً أنَّ الوطء والتحصين من شرطه، اختلفوا في طلب
الولد، ولم نجد لطلب الولد حكماً في الأصول فيما يتعلق حكمه بالوطء،
فوجب أن يسقط اعتباره، ألا ترى أنّ الإحصان، ووجوب الرجم، وسائر
الأحكام المتعلقة بالوطء، لا اعتبار فيها بطلب الولد، فكذلك هذا في
التسري(١).
مسألة : [حلف بنَحْر ولده أو غيره من بني آدم]
قال أبو جعفر: (ومن حلف بنحر ولده أو غيره من بني آدم، ثم
حنث، فإن أبا حنيفة قال: عليه في حَلِفِه لنحر ولده شاة، وليس عليه في
حلفه بنحر غیر ولده شيء.
وقال محمد: عليه أيضاً في حَلِفِه بنحر عبده شاة، وقال أبو يوسف:
لا شيء عليه في ذلك كله).
لأبي حنيفة: أنَّ نذره بنحر الولد قد صار عبارة عن ذبح شاة في شريعة
إبراهيم عليه السلام، وذلك لأن الله تعالى أَمَره بذبح ابنه؛ لقول الله تعالى:
قال: إن تسرَّيت جارية فهي حرة، فتسرَّى جارية كانت في ملكه: عَتَقْت ... )، على
الاختلاف فيما يتم به التسري.
(١) تبيين الحقائق ٣/ ١٤٥، الهداية ٤/ ٤٣٩.

٤٦٦
کتاب الأيمان والكفارات والنذور
﴿إِنّ أَرَىْ فِ اُلْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾(١)،
فأُمِر بذبح ابنه، فكان موجَبُه شاة، فصارت هذه اللفظة في شريعته عبارة
عن إيجاب ذبح شاة، فلزمه الوفاء به، وقد روي نحوه عن ابن عباس(٢).
فإن قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا نذر في معصية))(٣).
قيل له: إذا صار اللفظ في الشريعة عبارة عن إيجاب ذبح شاة، لم
يكن معصية، بل كان طاعة وقُربة، ألا ترى أنَّ مَن قال: عليَّ هَدْي: كان
عليه ذبح شاة؛ لأن هذا اللفظ قد صار في الشرع عبارة عن ذبح شاة بقوله
تعالى: ﴿فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ اُلْهَدْيِ﴾(٤)، ومراده شاة، وإن كان اسم الهدي غير
موضوع في اللغة لذبح شاة.
* ولا يجب في نذر ذبح العبد شيء؛ لأنا لم نَقُل ذلك في الولد
قياساً، وإنما قلناه اتباعاً لشريعة إبراهيم عليه السلام، ولو حُمِل على
القياس: لم يجب، ولم يَرِد في تلك الشريعة إيجاب ذبح شاة بنذر ذبح
العبد.
فإن قيل: العبد مثل الولد؛ لأنه يملك من الولاية عليه أكثر مما يملكه
من ولده.
قيل له: قد قلنا إن القياس ممنوع في ذلك، وعلىُ أنَّ هذا قياس
(١) الصافات: ١٠٢.
(٢) كتاب الآثار (٧٢٥) ص١٦٠.
(٣) صحيح مسلم ٩٩/١١.
(٤) البقرة: ١٩٦.

٤٦٧
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
فاسد؛ لأنه يملك من الولاية على نفسه أكثر مما يملكه على ولده، ولو
نَذَر نَحْر نفسه: لم يلزمه شيء.
فإن قيل: إنما وجب ذلك في الولد؛ لأنه كَسْبه، وعبدُه أيضاً كَسْبه.
قيل له: هذا لا معنى له؛ لأن العبد قد يكون كسبه، وقد لا يكون
كسبه، والولد ليس بكسبه في الحقيقة بحال؛ لأنه لا يملكه، ولا فعل له
فيه. وما روي: ((أنَّ أولادكم من كسبكم)) (١): مجازٌ ليس بحقيقة.
* وذهب أبو يوسف إلى أنَّ هذا نذرٌ في معصية(٢)، وقد رُوي عن
النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((لا نذر في معصية))(٣).
مسألة: [حلف لا يكلم رجلاً، فسلّم على جماعة هو فيهم]
قال: (ومَن حلف أن لا يكلِّم رجلاً، فسلّم على جماعة هو فيهم:
حنث، إلا أن يكون حاشاه، فإن فَعَل ذلك: لم يحنث).
وذلك لأن تسليمه عليهم خطابٌ لهم جميعاً، فقد كلَّم المحلوف
علیه.
فإن نواهم دونه: لم یحنث؛ لأنه لم یکلمهم.
(١) سنن أبي دود ٢٥٩/٢، سنن ابن ماجه (٢٣١١) ٣٤/٢، شرح السنة
٣٢٩/٩.
(٢) شرح الجامع الكبير (خ) ٥ / لوحة ٥٢ ب، ٥٣ أ، شرح مختصر الطحاوي
للإسبيجابي (خ) ٢ / لوحة ١٥٣ أ، المختلف بين الأصحاب (خ) لوحة ٧٦ب، وفيه:
((عند أبي حنيفة: ينحر شاة بمكة، ويتصدق بلحمها))، بدائع الصنائع ٨٥/٥: وفيه:
((مخيَّرٌ بنحر الإبل أو البقر أو الشاة».
(٣) سبق.

٤٦٨
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
مسألة: [حلف لا يكلم رجلاً، فصلى بجماعة وهو فيهم]
قال: (وإن صلى بقوم، وهو فيهم، وسلّم كما يسلم الإمام، ونوى
في سلامه كما ينوي الإمام: لم يحنث).
وذلك لأنه غير مكلّم له وإن كان ظاهره الخطاب، والدليل عليه: أنَّ
المأمومين يقولونه أيضاً، والمنفرد يقوله، ولا يقتضي جواباً من غيره، ولو
كان خطاباً لهم: لاقتضىُ منهم جواباً، كما أنَّ المار إذا سلَّم على غيره،
لزمه الجواب له.
فإن قيل: قولهم: السلام عليكم ورحمة الله: جوابٌ للإمام ولجميع
الحاضرین الذین سلموا عليهم.
قيل له: ليست هذه صورة الجواب، بل هو أيضاً ابتداءً؛ لأن الجواب
أن يقول: وعليكم السلام، فلما لم يلزمهم ذلك، دل على أنه ليس حكمه
حكم الخطاب.
وأيضاً: فإن الناس لا يتعارفون ذلك كلاماً من بعضهم لبعض، ألا
ترى أنه يكره له الخروج من الصلاة بالكلام، والمسنون أن يخرج منها
بالسلام، فدل على أنه ليس بکلام.
وأيضاً: فإن السلام الذي هو كلام، إنما العادة فيه أن يبتدئ الرجلُ به
صاحبه في أول لقائه، فأما وهم قعودٌ، فليس يسلم بعضهم على بعض،
فدل على أنَّ السلام المفعول في آخر الصلاة، ليس هو السلام المفعول
في أول اللقاء(١).
(١) بدائع الصنائع ٤٨/٣.

٤٦٩
کتاب الأيمان والكفارات والنذور
مسألة : [حلف أن يضرب رجلاً مائة سوط]
قال: (ومَن حلف ليضربنَّ رجلاً مائة سوط، فجمع له مائة سوط، ثم
ضربه بها ضربة واحدة، فإنه إن كان يعلم وصول كل سوط منها إليه: بَرَّ،
وإن لم يعلم ذلك: لم يبرَّ).
وذلك لأنه قد ضربه، فلا فرق بين أن يضربه بها دفعة، أو في
دفعات، ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئًا فَأَضْرِبِ بِّهِ، وَلَا
تَحْنَثْ﴾(١)، روي في التفسير أنَّ أيوب عليه السلام حلف أن يضرب
امرأته مائة سوط، فأمره الله أن يجمع ذلك ويضربها دفعة، ليبرَّ في
یمینه.
وقد رُوي ((أنَّ رجلاً مريضاً زنى، وخافوا عليه التلف، فأمر به
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة شمروخ، فيضربوه بها
ضربة واحدة))(٢).
رواه الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن بعض أصحاب
النبي عليه الصلاة والسلام.
وإذا لم يصبه كل سوط على حدة: لم يَبَرَّ؛ لأنه فَعَلَ بعضَ شَرْط البرِّ،
فلا یبرُّ أو يوجد كمالُ شرطه.
(١) ص: ٤٤.
(٢) سنن أبي داود ٤٧٠/٢، سنن ابن ماجه (٢٦٠٢) ٨٩/٢، السنن الكبرى
٦٤/١٠، وفي هامش ابن ماجه: في الزوائد: مدار الإسناد على محمد بن إسحاق،
وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة.

٤٧٠
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
مسألة : [نذر الطاعة]
قال: (ومَن نذر أن يطيع الله: فليطعه).
لما روى مالك عن طلحة بن عبد الملك الأيلي عن القاسم عن عائشة
قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن نذر أن يطيع الله،
فليطعه، ومَن نذر أن يعصي الله، فلا يعصه))(١).
وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام من وجوه أُخَر أنه قال: ((لا نَذْر
في معصية))(٢).
مسألة : [نذر أن يقتل اليوم فلاناً]
قال أبو جعفر: ((ومَن نذر فقال: لله علي أن أقتل فلاناً اليوم، كان
علیه إذا مضى ذلك اليوم ولم يقتله كفارة يمين)).
قال أحمد : روى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه لا يلزمه بذلك شيء
إذا لم تكن له نية، فإن نوى بقوله: عليّ نذر، يميناً، كان عليه كفارة يمين
إذا لم يَفِ بما قال، وذلك لأن هذا معصية لا تلزم بنفس النذر، فلا يلزمه
به شيء، إلا أن ينوي يميناً لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا نذر في
معصية))، فأسقط حكم نذر المعصية رأساً.
ورُوي في أخبارٍ أُخَر: ((فكفارته كفارة يمين))(٣)، فقلنا إذا أراد به
اليمين كان يميناً بهذا الخبر.
(١) صحيح البخاري ١١/ ٤٩٧.
(٢) سبق.
(٣) صحيح مسلم ١٠٤/١١، سنن ابن ماجه (٢١٤١) ٣٩٣/١.

٤٧١
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
مسألة : [حلف بنذر ولم يسمِّه]
قال أبو جعفر: (ومَن حلف بالنذر فقال: إن فعلتُ كذا فلله عليّ
نذر، ولم يسمِّ شيئاً، ثم حنث: فعليه كفارة يمين)(١).
وذلك لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((مَن نذر نذراً
لم يسمِّه، فعلیه كفارة یمین))، وقد تقدم ذكر سنده.
مسألة : [حلف حال كفره ثم أسلم]
قال: (ومَن حلف من أهل الكفر أن لا يفعل شيئاً، ثم أسلم ففعله:
فلا شيء عليه، إلا أن يكون حلف بعتق أو طلاق).
وذلك لأن لزوم الكفارة عبادة كالصلاة والصوم والزكاة، فلما لم
يتعلق لزوم ذلك عليه باللفظ، سقط حكم يمينه، ولم يلزمه بالحنث فيها
ذلك.
فإن قيل: فقد تلزمه الحدود، فهلاّ لزمته الكفارة.
قيل له: لأن الحدود عقوبات، والكافر يستحق العقاب، وأما كفارة
اليمين، فهي بمنزلة الزكاة وسائر الصدقات، وسبيلها أن تكون قربة،
وعبادة، وذلك لا يلزم إلا بشرط تقدم الإيمان.
وأيضاً: فإن الحدود وجوبها في الأصل للردع عن هذه القبائح، قال
الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَّاءُبِمَا كَسَبَا نَّكَلًا مِّنَ
اللَّهِ﴾ (٢)، والنكال هو: الردع والزجر، وإذا كان ذلك موضوعها، لما في
(١) كتاب الآثار ص١٥٨، بدائع الصنائع ٨٢/٥، ٩٢.
(٢) المائدة: ٣٨.

٤٧٢
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
إظهار هذه الأفعال من الفساد في الأرض، ونحن فإنما أعطيناه الذمة لئلا
يسعى في أرضنا بالفساد، وأقمنا عليه الحدود، إذ كان من أهل الدار
كالمسلم، وليس في سقوط الكفارة عنه ظهور فساد في الأرض.
فإن قيل: فإن كانت هذه علة وجوب الحد على الذمي، فأوجبْه على
الحربي المستأمَن أيضاً لهذه العلة.
قيل له: لولا أنا أعطيناه الأمان على أن نبقيَه على حكم الحرب،
لأقمنا عليه، ولكن الأمان يمنع منه؛ لأن فيه خَفْرَ الأمان، ولا يجوز ذلك.
فإن قيل: روي ((أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله! نذرتُ في
الجاهلية أن أعتكف يوماً في المسجد الحرام، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: أوفِ بنذرك))(١).
قيل له: معناه عندنا: أنه نذر قبل فتح مكة، والناس هناك في
الجاهلية، وكان نذره بعد إسلامه، فكأنه اشتبه عليه، هل يلزمه الوفاء به
بعد الإمکان، وقد کان وقت النذر غير ممكن؟
والدليل عليه: أنه لو كان نَذْره في حال كفره، لكان ذلك النذر
كفراً، لأنه نَذَرَ اعتكافاً للأصنام، ومحالٌ لزوم الوفاء بذلك، فدل على
ما وصفنا.
* وأما الطلاق والعتق، فالذمي والمسلم فيهما سواء، لما فيهما من
حق الآدمي، والمسلم والكافر لا يختلفان في حقوق الآدميين(٢).
(١) سبق.
(٢) شرح الجامع الكبير، (خ) ٥/ لوحة ٤٨أ، شرح مختصر الطحاوي
للإسبيجابي (خ) ٢ / لوحة ١٥٣ أ، بدائع الصنائع ٨٢/٥.

٤٧٣
کتاب الأيمان والكفارات والنذور
مسألة : [حلف لا يشتري بدرهم معین خبزاً، ثم اشترى به]
قال أبو جعفر: (ومَن حلف أن لا يشتريَ بهذا الدرهم خبزاً،
فاشترى به خبزاً: لم يحنث إلا أن يكون دفعه قبل الشراء إلى صاحب
الخبز، ثم قال له: بعني بالدرهم الذي دفعتُه إليك خبزاً، فباعه:
فیحنث بذلك).
قال أحمد: قال محمد في ((الجامع الكبير)): في رجل قال: إن بعتُ
عبدي هذا بهذه الألف درهم، وهذا الكُرُّ(١) الحنطة لألفٍ وكُرِّ أشار إليهما
في يد المشتري، فهما هَدْي(٢)، ثم باعه بهما: فعليه أن يتصدق بالكُرِّ،
وليس عليه أن يتصدق بالألف درهم.
وهذا خلاف ما رواه أبو جعفر؛ لأن محمداً قد أحنثه في اليمين حين
ألزمه صدقة الكُرِّ، وإنما لم تلزمه(٣) صدقة الدراهم، لأنه حنث في
اليمين، وهي في ملك المشتري لم يملكها البائع بالعقد وإن تعلق العقد
عليها بعينها؛ لأنه قد كان للبائع الخيار في أن يعطيَه غيرَها، بمنزلة من
قال: إن اشتريت هذا العبد فهو حرٌّ، فاشتراه على أنَّ البائع بالخيار ثلاثاً:
(١) الكُرُّ: مكيال أهل العراق، وجمعه أكرار، قال الأزهري: الكر: ستون قفيزاً،
والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف، وهو ثلاث كليجات، وهو من هذا
الحساب اثنا عشر وسقاً، وكل وسق ستون صاعاً.
وهو بالموازين الحديثة يساوي ٥٦٠ كيلو غراماً، المغرب للمطرزي ص٤٠٤،
الخراج والنظم المالية ص٣٣٤.
(٢) وفي الجامع الكبير ص ٧٧: ((فهما صدقة)).
(٣) في (ر.حـ): ((وإنما تلزمه صدقة)).

٤٧٤
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
فيحنث في يمينه، ولا يعتق العبد؛ لأن الحنث(١) صادف ملك الغير،
کذلك ما وصفنا.
وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يستدل بمسألة ((الجامع الكبير))
التي ذكرنا على أنَّ من قولهم: أنَّ الدنانير والدراهم تتعين في العقد إذا
أشير إليهما، إلا أنها لا تملك بالعقد.
وأما الرواية التي رواها أبو جعفر، فإنها لم تقع إلينا إلا من جهته،
وعسى أن يكون ذهب إلى أنه لما كان من قولهم: أنّ الدراهم لا يستحق
ملكها بالعقد إن عُيِّنت، صار تعيينها أو ترك تعيينها سواء فيما يتعلق بها
من حكم اليمين إذا لم تكن مقبوضة: فلم يحنث، وإن كانت مقبوضة:
تعيَّن ملكها بالعقد، فحنث(٢).
مسألة : [حلف بحرية عبده إن كان يملك قدراً معيناً من الدراهم]
قال: (ومن قال: عبده حرٌّ إن كان يملك إلا مائة درهم، فكان يملك
دونها، لم يحنث).
وذلك لأن المستثنى خارج من اليمين، فلا يحنث بوجوده، ولا
بوجود بعضه.
مسألة : [حلف ألا يضرب رجلاً في المسجد]
قال: (ومَن حلف أن لا يضرب رجلاً في المسجد، فضربه
(١) في (حـ): ((العتق)).
(٢) الجامع الكبير ص٧٧، شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي (خ) ٢ / لوحة
١٥٣أ.

٤٧٥
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
والمضروب في المسجد، والضارب خارجٌ منه: فإنه يحنث)(١).
وكذلك الرامي(٢)، وكل فعل يتعلق صحته بوجود المفعول به، ألا
ترى أن مَن كان في المسجد، فأخرج يده من المسجد، وذبح شاة في
الطريق، لا يقال إنه ذبحها في المسجد، ولو كان هو خارج المسجد،
والشاة في المسجد، قيل: إنه ذبحها في المسجد، وقد بيًّّا هذه المسألة
ونظائرَها في ((شرح الجامع الكبير)).
[مسألة : ]
(وإن حلف: لا يشتمه في المسجد، روعي في ذلك موضع الشاتم،
لا المشتوم).
٠
لأن صحة الشتم لا تتعلق بوجود المشتوم، ألا ترى أنا نلعن فرعون
وهامان في المسجد، فيصح إطلاق القول: بأنا لعنَّهما في المسجد،
وليسا موجودين فيه، ونصلي على النبي عليه الصلاة والسلام في
المسجد، وليس هو موجوداً فيه؛ لأن صحة المدح والذم ليس يتعلق
بوجود الممدوح والمذموم، لأن الله تعالى قد أثنى على قومٍ من الأنبياء
وغيرهم وهم معدومون، وذمّ قوماً من الكفار وهم معدومون.
مسألة : [إذا علَّق الحالف فعله بإذن الغير ومات الغير قبل أن يأذن]
قال أبو جعفر: (ومَن حلف لا یکلم رجلاً حتى يأذن له زيد، فمات
(١) الجامع الكبير ص٤٣، شرح الجامع (خ) ٥ / لوحة ٥٠ ب، تبيين الحقائق
١٦٠/٣.
(٢) أي وكذلك لو حلف أن لا يرمي في المسجد. ينظر مختصر الطحاوي
ص٣١٧.

٤٧٦
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
زيد قبل أن يأذن له، فإن أبا حنيفة ومحمداً قالا: قد سقطت يمينه، فإن
كلَّمه بعد ذلك: لم يحنث، وقال أبو يوسف: قد صارت يمينه مطلقة بعد
موت زيد، غير معلّقة على شيء، فمتى كلَّمه: حنث).
قال أحمد : هذه المسألة مبنية على ما قدَّمنا من الأصل في قوله: إن
لم أشرب الماء الذي في هذه الكوز اليوم، فعبدي حر، فأهراق قبل الليل:
فتسقط اليمين في قولهما(١)، ولا تسقط في قول أبي يوسف، وذلك لأن
هذه يمين مؤقتة، لأن قوله: حتى يأذن لي: توقيتٌ؛ لأن: حتى: غايةٌ،
فتعلق انعقادها بآخر الوقت على ما بينًا، فهذا وُجد آخر الوقت وليس
هناك إذن متروك : لم يحنث.
وفي قول أبي يوسف: يتأكد.
وليس هذا بمنزلة قوله: إن لم أشرب الماء الذي في الكوز، فعبدي
حر، فأهراق: فيحنث في يمينه في قولهم جميعاً؛ لأن هذه يمين مطلقة غير
مؤقتة، فلم يتعلق انعقادها على مجيء وقت، بل هي منعقدة في الحال،
فمتى فَقَد شرط البرِّ فيها، حنث.
* وقوله: حتى يأذن لي فلان: مؤقتة لأن الغاية توقيت، فأشبه قوله:
إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز اليوم.
مسألة : [حلف لا يفارق رجلاً فهرب الرجل]
قال: (ومَن حلف أن لا يفارق رجلاً، فهرب منه المحلوف عليه: لم
يحنث الحالف في يمينه).
(١) في (د، م): في قولهم جميعاً ولا ... إلخ، وانظر ما تقدم في المسألة.

٤٧٧
کتاب الأيمان والكفارات والنذور
لأن يمينه إنما تناولت فِعْل نفسه في مفارقته، ولم يوجد منه ذلك،
وإنما وُجد من غيره(١).
مسألة : [منع الزوج زوجته المعسرة من صوم كفارة اليمين]
قال: (وللزوج أن يمنع المرأة من صوم كفارة اليمين إذا كانت
معسرة، وكذلك للمولى مَنْع عبده من ذلك).
وذلك لأن له أن يمنعها صوم التطوع، لما رُوي عن النبي عليه الصلاة
والسلام أنه قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم تطوعاً
إلا بإذن زوجها)»(٢).
فَمَنَعها صوم التطوع؛ لأن ابتداء إيجابه من جهتها بالدخول، فدل
ذلك على أن كل صوم تعلق وجوبه بسبب من جهتها، فللزوج مَنْعها منه.
* (وكذلك سائر ما توجبه على نفسها.
* وكذلك العبد في ذلك مثل المرأة إلا في صوم الظهار إذا ظاهر
العبد من امرأته، فليس لمولاه مَنْعه من الصوم، لما فيه من حق المرأة في
الجماع، ولا تصل إليه إلا بالكفارة)(٣).
مسألة: [ قال: إن كلمتُ عبدَ فلان فامرأتي طالق]
قال أبو جعفر: (ومَن قال: إن كلَّمتُ عبدَ فلانٍ فامرأتي طالق ولا
(١) شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي، (خ) ٢ / لوحة ١٥٤ أ، بدائع الصنائع
٧٨/٣.
(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٢٤١/٩.
(٣) مختصر الطحاوي ص٣١٨، شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي، ج٢،
لوحة ١٥٤ أ، وحاشية رد المحتار ٤٣٠/٢.

٤٧٨
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
ينوي عبداً بعينه، ولفلانٍ عبدٌ فباعه، ثم كلَّمه: لم يحنث).
وذلك لأن قوله: إن كلَّمتُ عبدَ فلان: لم يتعلق بعبدٍ بعينه، وإنما
تناولتِ اليمينُ عبداً يكون ملكاً لفلان يوم الحنث، بمنزلة قوله: عبداً
لفلان: فاليمين متعلقة بالصفة، وهو أن يكون عبداً مضافاً إلى فلان بالملك
یوم الحنث.
مسألة :
(ولو قال: إن كلّمتُ عبدَ فلان هذا فامرأتي طالق، فباع فلانٌ عبده
ذلك، وكلَّمه الحالف: لم يحنث أيضاً في قول أبي حنيفة وأبي يوسف،
ویحنث في قول محمد).
وجه قولهما: أنَّ ظاهر لفظ اليمين يدل على أنه امتنع من كلامه لأجل
المولى، لولا ذلك لقال: إن كلَّمتُ هذا العبد، ولم يحتج إلى إضافته إلى
ملك المولىُ، وإضافتُه إياه إلى ملكه، تدل على أنّ المقصد في اليمين
وجود ملکه فيه وقت الكلام.
وكذلك قالا إذا قال: إن دخلتُ دارَ فلانٍ هذه وهو في الدار: أَبْيَنُ منه
في العبد؛ لأن الدار ليست ممن تُعادى أو تُوالى، فيمتنع من دخولها من
أجلها، بل المقصد فيها الامتناع من دخولها من أجل صاحبها، إلا أنَّ
العبد في معنى الدار في باب الملك، فلذلك كان بمنزلتها في باب تعلق
اليمين فيه بالملك.
وقال محمد: هو بمنزلة قوله: إن دخلتُ هذه الدار فعبدي حرٌّ؛ لأن
اليمين تعلقت بالعين في الحالين.
مسألة :
قال: (ولو قال: إن كلَّمتُ امرأة فلان فعبدي حرٌّ ولم ينو واحدةً

٤٧٩
كتاب الأيمان والكفارات والنذور
بعينها، ولفلان زوجة، فبانت منه، ثم كلّمها: لم يحنث).
لما ذكرنا في العبد، وأنه بمنزلة قوله: امرأة لفلان.
* (ولو كان قال: امرأة فلان هذه، فالمسألة على حالها: حنث في
قولهم جميعاً).
وذلك لأن اليمين تعلقت بعينها، وهي ممن تُعادىُ وتُوالى، وليست
ملكاً للزوج فيتعلق اليمين فيها بالملك.
ومن هذا الوجه فارقت العبد؛ لأن اليمين في العبد تعلقت بالملك،
فاعتبر فيها بقاء الملك.
مسألة :
(والصديق بمنزلة المرأة فيما يعيّن، وما لم يُعيَّن)؛ لأنه ليس هناك
ملك يتعلّق به الیمین.
مسألة :
(ولو قال: إن كلَّمتُ صاحبَ هذا الطيلسان فامرأتي طالق، فباع
صاحب الطيلسان طيلسانه، ثم كلِّمه: حنث في قولهم جميعاً).
لأن ذِكْره للطيلسان تعريف لصاحبه، كقوله: إن كلَّمتُ هذا القائم، أو
هذا القاعد(١).
مسألة : [قال : يوم أكلمك فعبدي حرًّا
قال أبو جعفر : (ومَن قال الرجل: يومَ أكلِّمك فعبدي حُرٌّ، فكلَّمه ليلاً
أو نهاراً: عَتَقَ عبده).
(١) بدائع الصنائع ٧٩/٣، الهداية وفتح القدير ٤٢٤/٢.

٤٨٠
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
وذلك لأن اليوم قد يكون عبارة عن وقتٍ مطلق، ويكون عبارة عن
بياض النهار، فإذا عُلَّق به معنى لا يمتد في الوقت، فقد دل على أنَّ مراده
الوقت المطلق، وأنه لم يُرِد به بياض النهار، فلما لم تكن الحرية مما يمتد
في الوقت، صار قوله: يوم أكلمك: بمنزلة قوله: حين أكلمك، و: وقت
أكلمك.
ويدل على ما قلنا: قولُ الله تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ﴾(١)،
ومراده: الوقت؛ لأنه قد عُقِل منه الليل والنهار جميعاً.
مسألة : [قال : ليلة أكلمك فعبدي حر]
قال: (ولو قال: ليلةَ أكلِّمك فعبدي حر، فكلَّمه نهاراً: لم يحنث).
وذلك لأن الليل عبارة عن سواد الليل، هذا هو الأغلب والأشهر من
معناه، وإن كان قد يطلق ويراد به الوقت، كما قال الشاعر:
ليالي لاقَيْنا جِذَام وحِمْيَرا
وكنا حَسِبْنا كلَّ سوداء تمرةً
وكما قال الآخر: ليالي تُصطاد الرجال بفاحِم (٢).
وإنما أراد به الوقت، ولكن ذلك ليس يكاد يطلق إلا في الجَمْع؛ لأنه
لا یقال: لیلة لاقیْنا جذام وحمیرا: إلا والمراد به سواد الليل.
وإنما جاز إطلاق ذلك في الليالي؛ لأن جَمْع الليالي يتناول الأيام
أيضاً، فلما تناول الوقتين جميعاً، صار كالوقت المطلق.
(١) الأنفال: ١٦.
(٢) الفاحم: شدة السواد.