النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
اليمين، إذ ليس أخذها إلى الإمام قياساً على التطوع، والمعنى الجامع
بينهما: أنَّ كل واحد منهما ليس للإمام المطالبة بها، مع كون الصدقة
قُربة، وعدم ما يمنع الدفع من القربة.
وإن شئتَ قِسْتَها على جواز الصدقة على المسلم، والمعنى فيه ما
وصفنا.
فإن قيل: أفلا تجيز دفعها إلى الحربي، والمعنى فيه أنه كافر، كذلك
الذمي.
قيل له: إن الصدقة على الحربي لا قُرْبة فيها؛ لأن علينا قَتْله، وهو
مباح الدم وإن كان مستأمَناً، إلا أنَّ إباحته مؤجلة بالأمان، كالدَّيْن المؤجّل
لا يمنع تأجيله من ثبوته، وكان شرط اعتلالنا في أهل الذمة: أنَّ الصدقة
عليهم قُرْبة، وليست الكفارة مما يطالِب بها الإمام.
فإن قيل: هذا الذي ذكرتَ إنما هو دَفْعٌ لإلزام مَن ألزمك الحربيَّ
على اعتلالك، فانفصلتَ منه بما ذكرت، فما الدليل على امتناع جواز
قياسه على الحربي لعلة الكفر؟ وتكون هذه العلة معارضةً لعلتك،
مسقطةً لها.
قيل له: أول ما في هذا، أنَّ هذه العلة التي انتزعتَها، لم تُقِم عليها
دلالة، ونحن فلا نقبل علةً إلا بقيام الدلالة عليها، وليس هذا موضع ذكر
وصف الدلائل الموجبة لتصحيح العلل.
وأيضاً: فلو ساوت اعتلالنا، كان اعتلالنا أَوْلى، لما عاضده من عموم
الآية، وعلةٌ يعاضدها العموم أَوْلى مما ينافيه العموم.
وأيضاً: فإن أقل أحوالهما إن تساوتا، أن يتعارضا وتَسْقُطا، ويبقى لنا
عموم الآية.

٤٠٢
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
فإن اعترضوا على اعتلالنا بأن زكوات الأموال ليس أَخْذها إلى
الإمام، ولا يجوز مع ذلك إعطاؤها أهل الذمة.
قيل له: ليس كذلك عندنا؛ لأنا نقول: إن زكوات الأموال أخذها إلى
الإمام، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام، وأبو بكر، وعمر، وعثمان
يأخذونها(١)، ثم خطب عثمان الناس فقال: ((هذا شهر زكواتكم، فمَن كان
عليه دَيْن فليؤده، ثم ليزك بقية ماله))(٢).
فجعل أربابَ الأموال وكلاءَ في الأداء، فلم يَسقط حقُّ الإمام عندنا
في المطالبة بها.
وإنما اختلف عندنا في حكم صدقات الأموال وحكم الكفارات،
لقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً﴾(٣).
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((أُمِرت أن آخذ الصدقة من
أغنيائكم، وأردّها إلى فقرائكم))(٤).
فأخبر أنَّ ما كانت المطالبة بأخذها إليه من الصدقات، فهو مصروف
في فقراء المسلمين، وإطعامُ فقراء المسلمين أفضل، كما أنَّ صدقة التطوع
على فقراء المسلمين أفضل منها على فقراء أهل الذمة، وكما أنَّ دفعها إلى
أقاربه ممن يجوز أن يُعطى منها أفضل منها على الأجانب، والمسلم أقرب
(١) الأموال لأبي عبيد ص٦٧٨.
(٢) مصنف عبد الرزاق ٩٢/٤، الأموال لأبي عبيد ٥٣٤، السنن الكبرى
١٤٨/٤.
(٣) التوبة: ١٠٣.
(٤) صحيح البخاري ٢٧٨/٣.

٤٠٣
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
إليه من الكافر، لأن الله تعالى جعل عصمة الدين نسباً بينهم بقوله تعالى:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾(١).
مسألة : [ما يجزئ من الكسوة في كفارة اليمين]
قال أبو جعفر: (وإن اختار الكسوة، كسا كل مسكين ثوباً: إزاراً، أو
رداءً، أو قميصاً، أو قَبَاءَ، أيَّ ذلك فَعَل: أجزأه).
قال أحمد : الكسوة ما يكتسي به، ويستر عامة بدنه، ومَن كان عليه
شيء مما ذُكر من قَباء أو كِساء، أو إزار كبير، يقال إنه مكتسٍ على
الإطلاق.
* قال أبو جعفر: (وإن كسا نساءً لم يجزه لكل واحدة منهن إلا أقل
ما يجزيها فيه الصلاة، وهو واحد مما ذكرنا وخِمَارٌ)(٢).
قال أحمد : لا أعرف من مذهب أصحابنا الفرق بين الرجال والنساء
فيما يُعْطَون من الكسوة في الكفارة، وعسى أن يكون وَجَدَ ذلك في رواية
وقعت إليه؛ لأنه ثقة مأمون فيما يحكيه، غير متهم فيه، أو أن يكون قاسه
على مذهبهم، وقد يُصيب القياس ويخطئ.
مسألة : [حكم لو كساه سراويل]
قال أبو جعفر: (وقال محمد: إن كسا رجلاً سراويل في ذلك:
أجزأه، ولم يحك خلافاً، وقال أبو يوسف فيما روى عنه غير محمد:
(١) الحجرات: ١٠.
(٢) في (ر.حـ): ((مما ذكرنا إزار وخمار))، وما أثبت موافق أيضاً للمطبوع من
مختصر الطحاوي ص ٣٠٧ وينظر بدائع الصنائع ١٠٥/٥ لاعتبار الصلاة في الكسوة.

٤٠٤
کتاب الأيمان والكفارات والنذور
إنه لا يجزيه)(١).
قال أحمد: الصحيح من قولهم جميعاً: أنَّ السراويل لا تجزئ، قد
رواه عن محمد جماعة من أصحابه.
ووجه ذلك: أنَّ السراويل بمنزلة الخفين، والقلنسوة، والعمامة، ولم
يختلف أصحابنا أنَّ شيئاً من ذلك لا يجزئ، فكذلك السراويل؛ لأن لابس
السراويل وحده لا يسمى مكتسياً، بل يسمى عرياناً، كلابس الخف
والعمامة.
ووجه قول مَن أجازه منهم في بعض الروايات: أنه مما يجزئ فيه
الصلاة للابسه.
فإن قيل: فالعمامة مما تجزئ فيها الصلاة إذا اتزر بها، وسَتَر بها ما
بين السرة إلى الركبة.
قيل له: ليس اللبس المعتاد في العمامة هذا، بل إنما تُراد للرأس
فحسب.
مسألة : [المجزئ من عتق الرقبة في كفارة اليمين]
قال : (ويجزئ من الرقبة في ذلك ما يجزئ في الظهار، وقد تقدم
ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب (٢) في الظهار).
(١) ينظر الأصل ٢٢١/٣، بدائع الصنائع ١٠٥/٥، المبسوط ١٥٣/٨.
(٢) وينظر بدائع الصنائع ١٠٧/٥-١٠٩، فقد فصَّل الكاساني مواصفات الرقبة
المجزئة، وخلاصته: (ملك الرقبة، وكونها كاملة له، كون الرقبة كاملة الرق، كاملة
الذات، أن يكون الإعتاق بغير عوض).

٤٠٥
كتاب الأيمان والكفارات والنذور
فصل : [اشتراط التتابع في صيام كفارة اليمين]
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ﴾(١)، ولا يجزيه أن
يصومها إلا متتابعات(٢).
قال أحمد: وذلك لأنهم قد صح عندهم من حرف(٣) عبد الله بن
مسعود: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات)) (٤)، وقد كان حرف عبد الله مستفيضاً
بالكوفة.
قال إبراهيم: كنا نُعلَّم ونحن في الكتاتيب ونحن صبيان حرف عبد
الله، کما نُعلّم حرف زید.
وروي عن إبراهيم أيضاً أنه قال: هي في قراءتنا: فصيام ثلاثة أيام
متتابعات.
فدل على أن استفاضتها كانت عندهم.
وكان سعيد بن جبير يصلي بهم بالكوفة في ليالي شهر رمضان، فيقرأ
(١) المائدة: ٨٩.
(٢) الأصل لمحمد بن الحسن ٢٢٧/٣، بدائع الصنائع ١١١/٥.
(٣) أراد بالحرف: اللغة، يعني على سبع لغات من لغات العرب: أي إنها مفرقة
في القرآن فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة
اليمن، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه .. إلخ. النهاية لابن الأثير
٣٦٩/١.
(٤) تفسير الطبري ٥٦٠/١٠، الدر المنثور ١٥٥/٣، مصنف ابن أبي شيبة
٨٧/٣، السنن الكبرى ٦٠/١٠، قال البيهقي: وكل ذلك مراسيل عن عبد الله بن
مسعود رضى الله عنه، والله أعلم.

٤٠٦
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
ليلةً بحرف زيد، وليلة بحرف عبد الله، وقد كان حرف عبد الله مشهوراً
عندهم مستفيضاً، تجوز الزيادة بمثله في نص القرآن.
وليس هو كما يُروى عن أَبيِّ في قوله: ((فعدة من أيام أخر
متابعات))(١)؛ لأن حكم ذلك لم يثبت عندهم من طريق الاستفاضة
والتواتر، وإنما طريقه روايات الآحاد، فلم تجز الزيادة له في نص القرآن،
وقد تقدم بیان ذلك فيما سلف(٢).
مسألة : (من صام الإعسار ثم أيسر]
قال أبو جعفر: (ومَن دخل في صومٍ عن كفارة يمينه الإعسار، ثم
أيسر قبل خروجه من الصوم: انتقض صومُه، وعاد إلى حكم اليَسار).
قال أحمد : إنما يعني انتقاض الفرض، لإفساد الصوم، لأن صومه
صحيح عن التطوع، فهو يستحب له المضيُّ في صوم يومه ذلك تطوعاً.
وإنما لم يجزه من الفرض؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ
أَيَّامٍ﴾(٣)، فإنما نقَلَه عما ذَكَر بدءاً إلى الصوم إذا لم يجد، وهذا واجدٌ،
فلزمه حكم قوله: ﴿فَكَفَّرَتُهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ ﴾ إلى آخرها.
(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٦٤/٢، الدر المنثور ١٥٥/٣، السنن
الكبرى ٦٠/١٠، وفي تفسير ابن كثير عن الأعمش بعد ذكره لرواية من قال بالتتابع:
((وهذه إذا لم يثبت كونها قرآناً متواتراً، فلا أقل أن يكون خبراً واحداً، أو تفسيراً من
الصحابة، وهو في حكم المرفوع)).
(٢) في الحدود، حد الزاني غير المحصن، مسألة: الجمع بين النفي والجلد.
(٣) المائدة: ٨٩.

٤٠٧
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
ولأنه لا يجوز له البناء على صوم لم يجز ابتداؤه عليه، كما لا يجوز
له المضيُّ على الصلاة بعد خروج وقت المسح، إذ لا يصح ابتداؤه عليه،
كما لا يجوز له المضيُّ على الصلاة بعد خروج وقت المسح، إذ لا يصح
ابتداؤها، كما لا يجوز للمستحاضة المضيُّ على الصلاة بعد زوال
الاستحاضة، وكما لا يجوز للمعتدة إذا ابتدأت عِدَّتها بالشهور، ثم
حاضت، أن تبنيَ عليها بالشهور، كما لا يصح ابتداؤها بالشهور مع وجود
الحيض.
والمعنى في جميع ذلك: أنَّ الذي دخل فيه مفعول على وجه البدل
عن غيره للعذر، فإذا زال العذر: عاد إلى الأصل، فلا يبقى للبدل
حکم.
ولا فرق في ذلك بين حال البناء وحال الابتداء، للدلائل التي
ذكرناها في الأصول، وقد ثبت عندنا في المتيمم إذا رأى الماء أنه لا يجوز
له البناء، بدلائل صحيحة، فوجب أن يكون هذا مثله، لأن أحداً لم يفرِّق
بينهما(١).
مسألة :
قال : (والنساء في الأيمان كالرجال).
وذلك لأن عموم الخطاب ينتظم الصنفين (٢)، وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدَتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.
(١) بدائع الصنائع ٩٨/٥.
(٢) الأصل لمحمد بن الحسن ٢٠٣/٣، بدائع الصنائع ١٠/٣.

٤٠٨
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
مسألة : [حكم التكفير قبل الحنث]
قال أبو جعفر: (ومَن كفّر عن يمينه قبل حنثه فيها: لم يُجْزِه ذلك،
وكان عليه أن يكفِّر عنها إذا حنث فيها)(١).
والدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ
وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَكُمْ ﴾، وحفظها مراعاتها لأداء كفاراتها عند الحنث، لا
معنى لحفظ اليمين غير ذلك، وفي جواز أداء الكفارة قبل الحنث إسقاط
حفظ اليمين مع بقائها، لأن الحفظ إنما هو الأداء الكفارة وقت الحنث.
فإن قيل: معنى قوله: ﴿وَأَحْفَظُوَاْ أَيْمَنَّكُمْ ﴾ : أقلُّوا من الأيمان.
قيل له: ليس في اللغة، ولا في الشرع دليل على ما ادَّعيت، فهو
ساقط، وقد بيّنًا ذلك فيما تقدم.
وأيضاً: فإن الفرض لا يقع موقعه إلا بحضور وقته، أو وجود سببه.
والدليل عليه: امتناع جواز أداء الظهر قبل الوقت، وأداء الكفارة قبل
اليمين، وكفارة القتل قبل الجراحة، كل ذلك لعدم حضور وقت الفرض،
أو وجود سببه، وذلك معدومٌ في الكفارة قبل الحنث، فلم يجز.
فإن قيل: اليمين سبب لجواز أدائها، كالنصاب سبب لجواز أداء الزكاة
قبل الحول، وجراحة الصيد سبب لجواز أداء جزائه، وجراحة الرجل خطأً
سبب لجواز أداء كفارة قَتْله، والمعنى في جميع ذلك: أنه لا تلزم هذه
الحقوق مع وجوب ما وجب عنده إلا بتقدم السبب الآخر.
(١) أحكام القرآن، للجصاص ١١٣/٤.

٤٠٩
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
قيل له: ليست اليمين سبباً للكفارة وإن لم تجب الكفارة عند وجود
الفعل إلا بتقدم اليمين.
ألا ترى أنَّ جزاء الصيد لا يجب مع القتل إلا بتقدم الإحرام، وليس
الإحرام سبباً لجواز أدائه، وسجود السهو لا يجب إلا بمخالفة موجَب
التحريمة، وليست التحريمة سبباً لجواز فعله، ولا تجب كفارة الظهار مع
وجود لفظه إلا بتقدم النكاح، وليس النكاح سبباً لجواز أدائها، فسقط
اعتلالك بما وصفت.
ثم نقول: إن اليمين ليست سبباً للكفارة، بدلالة أنَّ وجوب الكفارة
يتعلق بالحنث باتفاق المسلمين، بدلالة أنه لو بَرَّ في يمينه: لم تكن عليه
كفارة مع وجود اليمين، ووجدنا الحنث ينافي بقاء اليمين، فلا جائز أن
يكون ما ينافي الشيء سبباً لوجوبه.
وأيضاً: فإنه لا یصح بقاء الیمین مع الحنث، فلا يجوز أن يكون سبب
الشيء ما لا یصح بقاؤه معه.
وأيضاً: فإن اليمين يضادها الحنث؛ لأن الحنث يوجب حِلّ اليمين،
وهذا الشيء لا يكون سبباً له.
فإن قيل: عند وقوع الحنث يتعلق وجوب الكفارة بحرمة اللفظ.
قيل له: لو كان كذلك، لوجبت بوجود اللفظ دون الحنث.
وأيضاً: لو قال: والله، وسكت: لم يجب عليه شيء واللفظ موجود(١).
* وأما الفرق بينها وبين النصاب في كونه سبباً لأداء الزكاة، فهو أنَّ
(١) فتح القدير ٣٥٩/٤، أحكام القرآن للجصاص ١١٣/٤.

٤١٠
كتاب الأيمان والكفارات والنذور
النصاب لا ينافيه حلول الحول؛ لأنه موجود معه، وكذلك الجراحة لا
ينافيها الموت، الذي يتعلق به وجوب الكفارة، فلذلك جاز أن يكون سبباً.
وأما الحنث فإنه ينافي اليمين ويبطلها، فلم يجز أن تكون اليمين
سبباً له.
وأيضاً: فإن الرجل يحلف ليبرَّ، لا ليحنث؛ لأنه يقصد إلى تأكيد البِرِّ
فيما يحلف عليه باليمين، فكيف تكون اليمين سبباً للحنث؟
وأما النصاب، فليس حصوله مانعاً من وجود الحول، وكذلك
الجراحة والقتل.
* فإن احتجوا بقول الله تعالى: ﴿ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾(١)،
فعلَّق الكفارة بنفس الحلف، دون الحنث.
قيل له: لا خلاف أنَّ الكفارة غير واجبة بنفس اليمين، فإذاً في الآية
ضمير، وهو الحنث، كأنه قال: ((ذلك كفَّارة أيمانكم إذا حلفتم وحثتم))،
كقوله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهِ: أَذَى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّنِ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ
◌ُكٍ ﴾: معناه: فحلق، ﴿فَفِذْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾(٢).
وكقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنْيَّامٍ
أُخَرَ﴾(٣): ومعناه: فأفطر فعدةٌ من أيام أخر.
(١) المائدة: ٨٩.
(٢) البقرة: ١٩٦.
(٣) البقرة: ١٨٥.

٤١١
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
وأيضاً: لم يفرق بين الصوم وغيره، وقد اتفقنا على امتناع جواز تقديم
الصوم على الحنث، كذلك غيره، وإذا كان وجود الحنث مشروطاً في
جواز الصوم، كذلك فيما سواه؛ لأنا قد اتفقنا على أنَّ فيها ضمير الحنث.
وأيضاً: فامتناعهم من تجويز الصوم، يسقط جميع اعتلالهم بذكر
السبب، لأن ما كان سبباً لشيء، لا يختلف حكمه أن يكون مسبّه صوماً
أو غيره في جواز فعله لأجل وجود سببه.
فإن قيل: الصوم مخالفٌ للحق في المال، في باب جواز تقديمه، لأنه
عبادة على البدن، والآخر حق في المال، والدليل على ذلك: جواز تقديم
الزكاة على الحول، وامتناع جواز صوم شهر رمضان قبل مجيء وقته.
قيل له: لم يختلفا من جهة أنَّ أحدهما عبادة على البدن، والآخر حق
في المال، وإنما اختلفا من جهة وجود سبب وجود الزكاة، وهو النصاب،
وفَقْد سبب وجوب الصوم.
ألا ترى أنه لو قدَّم الزكاة قبل وجود النصاب: لم يُجْزه باتفاق، لأجل
عدم السبب، فلم يختلف حكم ما هو حقٌّ في المال، أو على البدن، في
باب أنَّ عدم السبب فيهما جميعاً مانع من جواز أدائهما، كذلك ينبغي أن
لا يختلف حكم ما هو على البدن أو في المال في جواز أدائه لوجود
(١)
سببه(١).
فإن قيل: روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((مَن حلف
على يمين، فرأى غيرَها خيراً منها: فليكفِّر يمينه، وليأت الذي هو
(١) في (ر.حـ): لأجل وجوب سببه.

٤١٢
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
خير))(١).
(١)
وهذا يقتضي جواز تقديم الكفارة على الحنث، لأن الفاء للتعقيب،
فوجب أن يكون ما دخلت عليه عقيب الأول بلا فصل، فاقتضى أن لا
یکون بین الیمین والکفارة فاصلةُ حنث.
قيل له: وقد روي: ((فليأت الذي هو خير، وليكفِّر يمينه))(٢)، وهذا
يوجب على قضيتك التي قدَّمتَ امتناع جوازها قبل الحنث، لأن الفاء
للتعقيب، وإنما دخلت هاهنا على الحنث، فينبغي أن لا يكون بين اليمين
والحنث واسطة كفارة، ويجب أن تكون بعد الحنث.
وأيضاً: فإن الواو لا توجب الترتيب، وليس في تقديمه الكفارة في
اللفظ دلالة على جواز تقديمها، فيسقط الاحتجاج بهذا الخبر.
فإن قيل: الفاء توجب الترتيب، فإذا قال: ((فليكفر يمينه، وليأت الذي
هو خير)): فقد دل على أنّ الكفارة بعد اليمين، ثم يكون الحنث بعدها.
قيل له: إذا كانت الواو لا توجب الترتيب، فكأنهما جميعاً مذكوران
معاً بعد الفاء، فلا تكون الكفارة حينئذ أولى بالتقديم من الحنث.
وأيضاً: قد اتفق الجميع على جواز تقديم الحنث على الكفارة،
وجواز تأخيرها عنه، فإذاً ليس المراد به الترتيب في تقديم الكفارة على
الحنث، وخبرنا حينئذ أولى بأن يكون مستعملاً على ما اقتضاه من ترتيب
الكفارة على الحنث، إذ لم نوافِقْكم على جواز سقوط الترتيب فيه.
وقد روي هذا الخبر على وجهین آخرین:
(١) البخاري ٥١٨/١١، صحيح مسلم ١١٠/١١.
(٢) صحيح مسلم ١١/ ١١٤.

٤١٣
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
أحدهما: ((فليكفِّر يمينه، ثم ليأت الذي هو خير))(١).
والآخر: ((فليأت الذي هو خير، ثم ليكفر يمينه)) (٢)، وهذا اللفظ أبين
في إيجاب الترتيب مما في الخبر المتقدم، لأن: ((ثم)): شأنها الترتيب،
والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنَّ في أحد الخبرين ترتيب الكفارة على الحنث، وفي الآخر
ترتيب الحنث على الكفارة، ولو حُمِلا جميعاً على الحقيقة، وعلى
مقتضى اللفظ ومضمونه، تعارضا وسقطا، فيصيران كأنهما لم يَرِدا،
وسقط الاحتجاج بهما.
ووجه آخر: وهو اتفاق الجميع على أنَّ قوله: ((فليكفر عن يمينه، ثم
ليأت الذي هو خير)): لم يُرِد به حقيقة اللفظ، لأن: ((ثم)): تقتضي الترتيب،
ولا خلاف في جواز تأخير الكفارة عن الحنث.
وإذا ثبت ذلك بالاتفاق، سقط حكمه، إذ كان مجازاً لم يُرِد به حقيقة
اللفظ الذي رُمْتَ به إثبات الترتيب، واستعملنا نحن خبرنا على الترتيب
حسب ما اقتضته حقيقة اللفظ، فقلنا لا يجوز إلا أن يأتي الذي هو خير،
ثم يكفر عن يمينه على ما جاء به لفظ الخبر.
وجهة أخرى: وهي أنَّ: ((ثم)): قد تَرِدُ ولا يراد بها الترتيب، قال الله
(١) سنن أبي داود ٢٠٥/٢، السنن الكبرى ٥٣/١٠، المستدرك (٧٨٢٦) قال
الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(٢) نصب الراية ٢٩٧/٣، وقال الزيلعي: ولم أجده بلفظ: ((ثم ليكفر))، إلا عند
الإمام أبي محمد قاسم بن ثابت بن حزم السرقسطي في كتاب غريب الحديث.

٤١٤
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾(١)، ومعناه: وكان من الذين آمنوا.
وقال: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ تَمَامَا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ﴾(٢)، ومعناه:
وآتينا موسى الكتاب.
وإذا كان كذلك، لم يمتنع أن يكون قوله: ((فليكفِّر يمينه، ثم ليأت
الذي هو خیر))، بمعنى: وليأتِ الذي هو خیر.
ويدل عليه: ما قدَّمنا من جواز تأخيرها عن الحنث، ويكون خبرنا
حينئذ مستعمَلاً على الحقيقة، لعدم قيام الدلالة على كونه مجازاً.
فإن قال قائل: هلاّ استعملتَ الخبرين جميعاً، ولم تُسقط أحدهما
بالآخر، فتجيزها قبل الحنث، بقوله: ((فليكفِّر عن يمينه، ثم ليأت الذي
هو خير))، وتجيزها بعد الحنث أيضاً بالخبر الآخر.
قيل له: لا سبيل إلى استعمالهما على ما اقتضته حقيقة لفظهما؛ لأن
أحدهما يوجب تقديم الكفارة، والآخر يوجب تأخيرها، وذلك يتنافى،
فلا يصح إثباته، وقد صح أنَّ قوله: ((فليكفِّر عن يمينه، ثم ليأت الذي هو
خير)): لم يُرِد به الترتيب، واستعمال حقيقته، فصارت بمعنى: ((الواو))،
وقد بيَّنَّا أنَّ: ((الواو)): لا توجب الترتيب.
فإن قيل: هلّ استعملتهما في الجواز، لا في الإيجاب.
قيل له: لأن ظاهر اللفظ يقتضي الإيجاب، فإن صُرِف عن الإيجاب،
صار مجازاً، وإذا جعلت اللفظة مجازاً، احتاجت إلى دلالةٍ من غيرها في
(١) البلد: ١٧.
(٢) الأنعام: ١٥٤.

٤١٥
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
إثبات حكمها، وخرجت من أن تكون مكتفية بنفسها في إيجاب دلالتها.
وعلى أنك متى استعملته في الجواز على الوجه الذي قلت، أسقطت
حقيقة لفظ خَبَرِنا في إيجاب الترتيب، ولا يجوز لنا إسقاط الحقيقة مع
إمكان استعمالها(١).
مسألة : [ما لا يجوز صرف كفارة اليمين فيه]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز صرف كفارة اليمين في كفن ميت، ولا في
بناء مسجد، ولا في عتق رقبة يَشْركه فيها غيره)(٢).
قال أحمد : المأخوذ عليه في إخراج كفارة اليمين أحد شيئين:
إما الإطعام على الحد الذي وصفنا من الغداء والعشاء، وذلك إباحةٌ،
لا تملیک فیھا.
أو التمليك في المقدار الذي ذكرنا من نصف صاع بُرُّ، أو صاع تمر أو
شعير، فإذا عدل بها إلى جهة التمليك والصدقة، فقد صار مثل صدقة
الفطر، وزكاة المال، لا يجوز صرفه في كفن ميت؛ لأن الميت لا يَمْلِك،
ويصير حينئذ بمنزلة مَن كسا ثوباً على وجه العارية، حتى أبلاه المستعير،
فلا يجزئه من الكفارة.
وكذلك لا يجوز في بناء مسجد؛ لأنك إن جعلتَ الكفارة ما أُعطي
في ثمن الحِصّ والآجرّ وأجرة البناء، فهؤلاء إنما أخذوا عوض ما ملكوا،
فلا يجزئ من الكفارة، وإن اعتبرتَ ما حصل في البناء من الجص والآجرّ
(١) ينظر الأصل ٢٤٢/٣، بدائع الصنائع ١٩/٣، الكتاب ٨/٤، الهداية
وشروحها ٣٦٧/٤، أحكام القرآن للجصاص ١١٣/٤، الجوهر النقي ١٠/ ٥٢.
(٢) الأصل ٢٢٥/٣، المبسوط ١٥٤/٨، تبيين الحقائق ٣٠٠/١.

٤١٦
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
والخشب: فإن ذلك لم يملكه أحد، ومن شرط الصدقة: أن يملِّكها تمليكاً
صحيحاً.
وأما عِثْق رقبة يَشْركه فيها غيره، فهو أن يكون بينه وبين آخر عبد،
فيعتقانه جميعاً، وينوي أحدهما عن كفارة يمينه: فلا يجزئه؛ لأن عتق
بعض الرقبة لا يجزئ عن الكفارة، لقول الله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ﴾(١).
مسألة : [مَن لا يجوز صرف الكفارة إليه]
قال: (ولا يجوز أن يُعطى مِن كفارة اليمين مَن لا يعطيه من زكاة
المال).
وذلك لما بيًَّا من أنَّ عليه إخراجها عن ملكه إخراجاً صحيحاً فيما
سبيله أن يملكه، فهو كالزكاة فيمن يجوز إعطاؤه(٢).
مسألة : [مَن حلف بعتق أو صدقة أو حج لزمه ذلك بالحنث]
قال أبو جعفر: (ومَن حلف بعتق، أو صدقة، أو بحج، أو بمشي إلى
بيت الله الحرام، ثم حنث: فعليه أن يفعل ما حلف به، لا يجزئه غير ذلك
من كفارة ولا غيرها).
قال أحمد : كل ما كان قُربة في نفسه، فأوجبه بالنذر: لزمه الوفاء به
بعينه، لا يجزئه فیه کفارة یمین.
(١) المائدة: ٨٩.
(٢) بدائع الصنائع ١٠٣/٥، المبسوط ١٥٥/٨، تبيين الحقائق ٣٠٠/١، فتاوى
قاضي خان ١٨/٢.

٤١٧
كتاب الأيمان والكفارات والنذور
والأصل في ذلك: قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ
بِالْعُقُودِ﴾(١)، فأفاد أن كل مَن عقد على نفسه قُربة، لزمه الوفاء بها.
وأخرى، وهو قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا
تَفْعَلُونَ ) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾(٢).
فذمَّ تارك الوفاء بالقول بعينه، فدلَّ على أنَّ على موجب القُربة الوفاء
بها بعينها.
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَبِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ
أَفَلَمَآ ءَاتَنهُم ◌ِن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، ﴾ إلى قوله:
وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ {٥
﴿وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾(٣).
فذمَّهم الله تعالى على تَرْك الوفاء بالمنذور بعينه، والذم لا يُستَحق إلا
بترك الواجبات، فصار ذلك أصلاً في أنَّ على كل ناذر قربة الوفاء بها
بعينها.
ومن جهة السنة: ما روى ابن عباس رضي الله عنه ((أنّ أخت عقبة بن
عامر نذرت أن تمشي إلى بيت الله، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) المائدة: ١.
(٢) الصف: ٢، ٣.
(٣) التوبة: ٧٥-٧٧.

٤١٨
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
أن تركب، وتُهديَ هدياً))(١).
وحدثنا عبد الباقي حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل حدثنا صلت بن
مسعود حدثنا سهل بن أسلم عن يزيد بن أبي منصور عن دخين الحجري
عن عقبة بن عامر ((أنّ أخته نذرت أن تمشيَ إلى بيت الله حافيةً حاسرةً،
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((فلتختمر، ولتركب، ولتحج))(٢).
و((قال عمر: يا رسول الله! نذرتُ أن أعتكف يوماً في الجاهلية؟ فقال
النبي عليه الصلاة والسلام: أوفِ بنذرك))(٣).
وفي بعض الألفاظ قال: ((اعتكِف، وصُم)) (٤).
فأمره عليه الصلاة والسلام بالوفاء بنفس المنذور، إذ كان قربة في
نفسه.
وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبدان الأهوازي قال:
حدثنا زيد بن حريش حدثنا عبد الله بن خراش عن العوام بن حوشب عن
كريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن نَذَرَ
(١) صحيح البخاري مع الفتح ٦٤/٤، وفيه: ((ولتهدي بدنة))، سنن أبي داود
٢١٠/٢.
(٢) سنن ابن ماجه ٣٩٥، مصنف ابن أبي شيبة ٩٢/٣، السنن الكبرى
٧٩/١٠، وفيها: ((ولتصم ثلاثة أيام)).
(٣) صحيح البخاري ٤٩٢/١١، صحيح مسلم ١١/ ١٢٤.
(٤) سنن أبي داود ٥٧٦/١، سنن الدارقطني ٢٠٠/٢، قال الدار قطني: سمعت
أبا بكر النيسابوري يقول: هذا حديث منكر، لأن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار
لم يذكروه .. إلخ، نصب الراية ٤٨٧/٢.

٤١٩
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
نذراً فلم يسمِّه: فكفارته كفارة يمين، ومَن نذر نذراً في معصية: فكفارته
كفارة يمين، ومَن نذر نذراً لا يطيقه: فكفارته كفارة يمين، ومَن نذر نذراً
يطيقه: فليفٍ به))(١).
ففرَّق عليه الصلاة والسلام بين نذر المعصية وبين نذر الطاعة، فأمر
في المعصية وما لا يطيق بكفارة اليمين، وكذلك في النذر المطلَق،
وأوجب الوفاء بنفس المنذور إذا نذر طاعة.
فإن قيل: روى عقبة بن عامر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال:
((كفارة النذر: كفارة يمين)) (٢).
وهو عامٌّ في النذر المطلق، ونَذْر قربةٍ بعينها، فالواجب فيهما جميعاً
كفارة يمين بحقِّ العموم.
قيل له: قوله: ((كفارة النذر: كفارة اليمين)): محمول على حقيقته،
وحقيقته هي النذر المطلق أن يقول: لله علي نذر، فهذا فيه كفارة يمين.
وأما قوله: لله علي صوم، أو: صلاة، أو: حج: فإنه لا يتناوله الخبر؛
لأنه ليس هو لفظ النذر.
وأيضاً: نجمع بينه وبين حديث كريب عن ابن عباس، في فَرْقه بين
النذر المطلق، وبين نَذْر قربةٍ بعينها، فقال: ((مَن نذر نذراً لم يسمه: فعليه
كفارة يمين، ومَن نَذَرَ نذراً يطيقه: فليفِ به))، فبيَّن فيه أنَّ النذر الذي تجب
(١) سنن أبي داود ٢١٦/٢، مصنف ابن أبي شيبة ٦٩/٣، وفي التعليق،
المغني على سنن الدارقطني: اختلف في رفع الحديث ووقفه، عن أبي حاتم وأبي
زرعة، والصحيح وقفه فيما رواه وكيع عن مغيرة ١٥٩/٤.
(٢) صحيح مسلم ١٠٤/١١، سنن أبي داود ٢١٦/٢.

٤٢٠
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
فيه كفارة يمين هو أن يقول: لله علي نذر.
وأيضاً: فإن قوله: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَبِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ،﴾(١)
إلى آخر الآية، قد اقتضى لزوم الوفاء بنذر قربةٍ بعينها، فلا يجوز أن
يُعترض عليه بهذا الخبر؛ لأنه نافٍ لحكمها على حسب ما استعمله
مخالفونا(٢).
ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على أنَّ مَن قال: إن شفى الله مريضي
فلله علي أن أتصدق بمائة درهم، أو: لله عليَّ أن أحج: أنه متى شفى الله
مريضه: لزمه الوفاء به بنفس المنذور، ولم تلزمه كفارة يمين، فلزم قياساً
على هذا أن نقول: في كل نذر تناول قربة: أن يلزم الوفاء به بعينه، دون
كفارة اليمين ..
مسألة: [ما يلزم مَن حلف أن يحج ماشياً فحج راكباً]
قال أبو جعفر: (وإن ركب الذي حلف بالمشي إلى بيت الله في حجه
لذلك، أو في عمرته: أجزأه، وكان عليه لذلك دم)(٣).
قال أحمد : وذلك لما في حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ((أنَّ
أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى البيت، فقال النبي عليه الصلاة
(١) التوبة: ٧٥.
(٢) الهداية وشروحها ٣٧٤/٤، فتاوى قاضي خان ١٥/٢، الكتاب وشرحه
اللباب ٤ / ١٠.
(٣) الهداية وفتح القدير عليها ٤٥٠/٤، الدر المختار وحاشية رد المحتار
٨٢٦/٣، فتاوى قاضي خان ١٦/٢.