النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
كتاب الضحايا
قبل بلوغ مَحِلُّه، فيكون سبيله الصدقة(١).
مسألة : [إذا وضعت الأضحية قبل يوم النحر ولداً]
قال: (وإن وَضَعَتْ قبل يوم النحر: ذُبح ولدها معها يوم النحر).
لأن الحق قد كان متعلقاً بالرقبة، فيسري في الولد، كسائر الحقوق
المتعلقة في الرقاب، فيسري في الأولاد، كالرهن والكتابة والتدبير
والاستيلاد، فيتعلق حكم الذبح الذي كان ثبت في الأم بالولد؛ لأن
استیفاء ذلك ممکن فیه.
فإن قيل: ينبغي أن لا يتعلق بالولد حكم الذبح؛ لأنه لا يجوز مثله في
الأضحية، ولا يثبت فيه هذا الحق لو ابتدأه.
قيل له: قد يجوز أن يثبت فيه هذا الحق من جهة السراية وإن لم يجز
إثباته فيه ابتداء.
ألا ترى أنَّ ابن أم الولد إذا لم يلحق نسبه بالمولى، كان بمنزلة أمه في
استحقاق العتق بالموت من جميع المال، فثبت هذا الحق فيه من جهة
السراية، ولا يجوز ثبوته فيه ابتداء بحال.
مسألة [حكم مَن ضلَّت أضحيته]
قال أبو جعفر: (ومَن ضلت أضحيته: فإنه ينبغي له أن يبدل مكانها
أخرى).
وذلك لأن الأضحية في ذمته، وإيجابه إياها لم يُسقط ما في ذمته
(١) الأصل ٤٩٧/٢، المبسوط ١٥/١٢، الهداية والكفاية عليها ٤٣٧/٨،
بدائع الصنائع ٧٨/٥.

٣٦٢
كتاب الضحايا
حتى يذبحها في أيام النحر، فإذا ضلَّت، بقي الحق الذي كان في
ذمته.
* قال : (فإن فعل، ثم وجد الأُولى: فإنه ينبغي له أن يذبحهما).
وذلك لأنه قد علق الإيجاب بالثاني على شرط فَقْد الأول، فكان
بمنزلة رجل دخل في الظهر على أنها عليه، ثم تبيَّن أنه قد صلاها،
فالأحسن أن يمضيَ في صلاته، وكذلك لو دخل في صوم على أنه عليه،
ثم تبيَّن أنه ليس عليه، يُستحب له المضيُّ فيه، فإن لم يتمَّه وقطعه: لم يكن
عليه شيء، كذلك هذا في أمر الأضحية.
* قال: (فإن لم يفعل، ولكنه ذبح الثانية: أجزأته من الأُولى إن كانت
مثلها أو أفضل منها، وإلا تصدق بالفضل فيما بينهما).
وإنما جازت الثانية إذا ذبحها مع وجود الأُولى، من قِبَل أنَّ الحق
الذي كان في ذمته من إراقة الدم، لم يتعين في الأُولى؛ لأنه لو تعين فيها،
كان هلاكها يُسْقِطه، فلذلك جاز ذبح الثانية، إلا أنَّ الأُولىُ إن كانت
أفضل، فقد حبس لنفسه الزيادة التي أوجبها في الأُولى، فيتصدق بها؛
لأنها جزء من الأضحية تناوله قبل بلوغ مَحِلَّها، كما لو حلبها، أو أخذ
صوفها قبل الذبح: تصدق بما تناوله من أجزائها(١).
مسألة : [التضحية بذاهبة القرون]
قال : (لا تضر الأضحية أن تكون ذاهبة القرون).
وذلك لأنا لا نعلم خلافاً أن الجَمَّاء التي لا قَرْن لها في الأصل جائزة
(١) المبسوط ١٣/١٢، بدائع الصنائع ٦٦/٥، العناية شرح الهداية ٤٣٨/٨.

٣٦٣
كتاب الضحايا
في الأضحية، فالذاهبة القرون بالكسر أحرى أن تجوز، ألا ترى أنَّ العمياء
لا يختلف حكمها أن تكون عمياء في الأصل، أو عميت بعد (١) أن
ضُحِّيت، والمراد بعد أن عُيِّنت أضحية.
وليس القرن كالأذن، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((استشرفوا
العين والأذن))(٢).
فإن قيل: في حديث جري بن كليب عن علي رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه ((نهى أن يُضحَّىُ بعَضْباء الأذن والقرن))(٣)، فجمع
بين القرن والأذن.
قيل له: قد قامت الدلالة على أنَّ صحة القرن ليست شرطاً في
جوازها، لأن نقصانه ليس بأكثر من عدمه رأساً.
* قال: (وما ذهب من عين الأضحية، فهو كما ذهب من أذنها في
جميع ما وصفنا) (٤).
لقوله عليه الصلاة والسلام ((استشرفوا العين والأذن))(٥).
مسألة : [حكم من أوجب أضحية سمينة ثم عَجِفَت عنده]
قال : (ومَن أوجب أضحية وهي سمينة، ثم عَجِفَت، حتى صارت في
(١) في (ر): بعد الصحة.
(٢) سبق.
(٣) سبق.
(٤) أي في القدر الذي تجزئ به أو لا تجزئ، الهداية ٤٣٤/٨، المبسوط
١٥/٢، بدائع الصنائع ٧٥/٥.
(٥) سبق.

٣٦٤
كتاب الضحايا
حالٍ لو أوجبها وهي كذلك لم تُجْزِ: يضحِّي بها، وأجزأته استحساناً،
ولیس بقياس).
قال أحمد : المشهور عنهم أنها لا تجزئه إذا صارت من العَجَف بحال
لو ابتدأها لم تُجْز إذا كان موسراً، فإن كان معسراً: أجزأته؛ لأنه لا أضحية
عليه، كما لو هلكت قبل الذبح: لم يكن عليه شيء.
فأما ما حكاه أبو جعفر من أنه تجزئه مع اليسار، وهو إن ابتدأها لم
تُجْزه: فإن هذا لا أعرفه من مذهبهم(١)، وعسى أن يكون الذي ذكره أبو
جعفر من رواية وقعت إلیه لم تبلغنا.
والعلة في امتناع جوازها إذا صارت بحالٍ لو ابتدأها لم تُجْزِ: أنَّ الحق
الذي يجب استيفاؤه منها هو الذبح، فإذا لم تكن مما يجزئ في حال الذبح
لو ابتدأها، كذلك إذا صارت كذلك قبله؛ لأن ما في ذمته من الواجب لا
يسقطه إلا الذبح، وكذلك قالوا: لو أنها عُوِرَت قبل الذبح: لم تُجْز، كما
لو ابتدأها عوراء لم تُجْزِ(٢).
* قال أبو جعفر: (فإن ذهبت عينُها في علاجه لذبحها: أجزأه أن
يضحِّي بها).
وذلك لأن هذه الحال حال الإتلاف، فما تلف منها بمعالجة الذبح:
لم یمنع جوازها کالذبح نفسه.
(١) لأن الواجب في ذمته بصفة الكمال، فلا يتأدى بالناقص، ينظر المبسوط
١٦/١٢.
(٢) الهداية ٤٣٤/٨، بدائع الصنائع ٧٦/٥.

٣٦٥
كتاب الضحايا
مسألة: [ما يسن له عند الذبح]
قال: (وينبغي له أن يستقبل بذبيحته القِبلة، فإن لم يفعل: لم يُحَرِّمْها
ذلك)(١).
أما وجه الاستحباب في توجيهها إلى القبلة: فهو ما رواه جابر ((أنَّ
النبي صلى الله عليه وسلم ضحَّى بكبشين، وقال حين وجَّهَهُما: ﴿وَجَّهْتُ
وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ حَنِيفًا﴾. الآية(٢).
فقوله: ((وجَّهَهُما)): يدل على أنه وجَّهَهُما إلى القِبلة، إذ ليست جهة
أخری تُقْصَد بالتوجیه إليها غيرها.
وقد روي في بعض ألفاظ حديث جابر، أنه قال ذلك حين وجَّهَهُما
إلى القبلة.
وقد رُوي استحباب ذلك عن علي رضي الله عنه، وابنِ عباس، وابنٍ
عمر رضي الله عنهم.
قال الشعبي: ((كانوا يستحبون أن يستقبلوا بالذبيحة القبلة))(٣).
* وإن لم يستقبل بها القبلة: لم يُحَرِّمْها ذلك؛ لأن التوجيه إلى القبلة
ليس من شرائط الذكاة، ألا ترى أنّ في غير الضحية من الذبائح ليس من
شرائطه، فكذلك في الأضحية.
(١) بدائع الصنائع ٦٠/٥، ٧٩.
(٢) سبق، والآية من سورة الأنعام: ٧٩.
(٣) السنن الكبرى ٢٨٥/٩ عن ابن عمر رضي الله عنهما.

٣٦٦
كتاب الضحايا
مسألة : [إذا غلط المضحيان، فذبح كل منهما أضحية صاحبه]
قال: (وإذا غلط الرجلان، فضحَّى كل واحد منهما بأضحية صاحبه:
أجزأهما، وأَخَذَ كل واحد منهما أضحيته، ولا ضمان له على صاحبه
استحساناً).
قال أبو بكر: القياس أن يكون لكل واحد منهما الخيار في تضمين
صاحبه قيمة شاته، أو نقصانها الحادث فيها بالذبح، وأن لا يجزئ واحداً
منهما عن أضحیته.
وجه القياس: أنَّ الأضحية قُربة لا تصح عن صاحبها إلا بالنية، ولم
يوجد في هذا نية من صاحبها.
وجهة الاستحسان: أنه متعارَفٌ معتادٌ من أكثر الناس أنهم لا يكون
ذبح أضاحيهم بأيديهم، وإنما يليها لهم غيرُهم، فصار إيجابه إياها بمنزلة
الإذن في ذبحها، فأجزأت عنهما(١).
(١) بدائع الصنائع ٦٧/٥، الهداية ٤٣٧/٨، المبسوط ١٧/٢.

٣٦٧
كتاب السَّبَق
كتاب السَّبَق
قال أبو جعفر: (قال محمد بن الحسن: مما لم يُحْكَ فيه خلاف: لا
سَبَقَ إلا في خف(١) أو حافر أو نصل، وكان يجيز السبق(٢) على الأقدام).
قال أحمد : روى أبو هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال:
((لا سَبَقَ إلا في خُفِّ، أو حافرٍ، أَو نَصْلٍ)) (٣).
(١) قال المطرزي المراد بقوله: لا سبق إلا في كذا وكذا أو نصل أي سهم،
المراد به المراماة. وقال ابن الأثير: ومعنى الحديث: لا يحل أخذ المال بالمسابقة إلا
في هذه الثلاثة، وهي الإبل والخيل والسهام.
وقال الخطابي: ويدخل في معنى الخيل: البغال والحمير، لأنها كلها ذوات
حوافر، وقد يحتاج إلى سرعة سيرها، المغرب، ص ٤٥٤، النهاية لابن الأثير (سبق)
٣٣٨/٢، معالم السنن ٢٥٥/٢.
وينظر الفقه الإسلامي للزحيلي ٧٨٧/٥، فقد أشار إلى ما يجوز من السباق وما
لا يجوز، وأن المسابقة بغير عوض تجوز مطلقاً من غير تقييد لشيء معين، كالمسابقة
على الأقدام والسفن والطيور والبغال والحمير والفيلة، وكذلك تجوز المصارعة،
ورفع الحجر ليعرف الأشد، وأما المسابقة بعوض، فقد اتفقوا على المنصوص عليه،
واختلفوا في أخذ العوض في المسابقة على الأقدام.
(٢) السَّبَق بفتح الباء: هو ما يجعل من المال رهناً على المسابقة، وبالسكون:
مصدر، ينظر المصباح المنير (سبق) المغرب ص٢١٦، بدائع الصنائع ٦/٦.
(٣) سنن أبي داود ٢٨/٢، سنن ابن ماجه ١٥١/٢، التلخيص الحبير ١٦١/٤.
قال ابن حجر: رواه أحمد وأصحاب السنن والشافعي والحاكم من طرق، وصححه
=

٣٦٨
كتاب السَّبَق
وروى ابن عمر ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يُضْمِر الخيل،
يسابق بها))(١).
وقال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ
تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾(٢).
وفي المسابقة على هذه الوجوه ضَرْبٌ من الرياضة، والدُّرْبةُ في القوة
على القتال وإرهاب العدو.
ورُوي ((أنَّ العَضْباء ناقة رسول الله عليه الصلاة والسلام كانت لا
تُسْبَق، فجاء أعرابيٌّ على قَعُود (٣) له، فسابقه بها، فسبَقَها، فساء ذلك
أصحابُ رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: حقٌّ على الله أن لا يَرفَعَ من الدنيا شيئاً إلا وَضَعَه))(٤).
* وأما وجه جواز السَّبَق على الأقدام: فما رُوي عن عائشة («أنها
كانت مع رسول الله عليه الصلاة والسلام في سفر، قالت: فسابقتُه،
فسبقتُه علىْ رِجْليَّ، فلما حَمَلْتُ اللحمَ سابقتُه، فسبقني، فقال: هذه
ابن القطان، وابن دقيق العيد، وأعل الدارقطني بعضها بالوقف، ورواه الطبراني،
وأبو الشیخ من حديث ابن عباس.
(١) صحيح البخاري ٥٤/٦، سنن أبي داود ٢٨/٢.
(٢) الأنفال: ٦٠.
(٣) القَعُود من الإبل: ما أُمكن أن يُرُكَب، وأدناه أن يكون له سنتان، ثم هو
قَعُود إلى أن يُثْنِي، فيدخل في السنة السادسة، ثم هو جمل. النهاية لابن الأثير (قعد)
٤ / ٠٨٧
(٤) صحيح البخاري ٦ /٥٦.

٣٦٩
كتاب السَّبَق
بتلك السبقة))(١).
ورُوي ((أنَّ سلمة بن الأكوع سابق رجلاً بحضرة النبي عليه الصلاة
والسلام علىُ قَدَمِهِ))(٢).
قال محمد: إذا جَعَلَ السَّبَقَ واحداً، وقال: إن سبقتَني فلك كذا، ولم
يقل: إن سبقتُك فعلیك کذا: فلا بأس.
فالمكروه من ذلك أن يقول: إن سبقتُك فعليك كذا، وإن سبقتَني
فعلي كذا.
* قال محمد: وإن كان الذي يجعل السبق رجل سوى المتسابقَيْن،
فيقول: أيكما يسبق فله كذا، كنحو ما يصنع الأمراء، فلا بأس به.
؛ وإن كان بينهما محلِّلٌ يَسْبِق، ويُسْبَق: فلا بأس.
قال محمد: والمحلِّل أن يُدْخِلا معهما ثالثاً، إن سَبَق أَخَذَ (٣)، وإن لم
يَسْبِقِ لم يَغْرم شيئاً.
قال محمد: ومعنى قولنا: يَسْبِق، ويُسْبَق: أن تكون دابته مما يُسابَقُ
عليها، لا تكون دابة لا تتحرك، إنما جاء بها للتحليل، ولكن تكون دابة
(١) سنن أبي داود ٢٨/٢، السنن الكبرى ١٨/١٠،، التلخيص الحبير
١٦٢/٤، قال ابن حجر: رواه الشافعي وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان
والبيهقي من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
(٢) صحيح مسلم ١٢/ ١٨٣.
(٣) وصورتها: أن يقولا لثالث: إن سبقتنا فالمال لك، وإن سبقناك فلا شيء لنا
عليك، وسمِّي المحلِّل محلِّلاً، لأنه يُحلِّل للسابق ما يأخذه من السبق، ويخرجه عن
القمار. معالم السنن للخطابي ٦٦/٣ مع سنن أبي داود، طبعة عزت الدعاس.

٣٧٠
كتاب السَّبَق
تَسْبِق، وتُسبق(١)، فإذا كان كذلك، فلا بأس به.
قال أحمد: الأصل في ذلك أنه متى كان شرط المتسابقين: أنه إن
سَبَق أَخَذَ، وإن سُبق أعطى، وليس معهما غيرهما: فهذا قِمارٌ لا يجوز.
وإن كان فيما بينهما: مَن إن سَبَق أَخَذَ، وإن سُبق لم يُعْطِ: فهذا جائز،
لیس بقمار.
ووجه ثالث: وهو أن يكون المسبق غيرهما، ويكون الغرم عليه خاصة
دون المتسابقين، فهذا جائز(٢).
والدليل على صحة هذا الأصل: ما روى سفيان بن حسين وسعيد بن
بشير عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي عليه
الصلاة والسلام قال: ((مَن أدخل فرساً بين فرسين، وهو لا يُؤْمَن أن
يُسْبَق(٣): فليس بقمار، ومَن أدخل فرساً بين فرسين، وقد أَمِنَ أن يُسبق:
فهو قمار)) (٤).
فاستفدنا من هذا الحديث أنَّ المتسابقَيْن متى شَرَطا الغُرْمَ على كل
(١) أي كفؤاً لفرسيهما. ابن عابدين ٤٧٩/٥.
(٢) مشكل الآثار ٣٦٦/٢، بدائع الصنائع ٢٠٦/٦، مجمع الأنهر ٥٤٩/٢.
(٣) في هامش (م): قال أبو عبيد: معنى قوله: ((لا يؤمن أن يسبق إذا كان رابعاً
جواداً، لا يأمنان أن يسبقهما فيذهب بالرهنين: فهذا طيب لا بأس به، وإذا كان بطيئاً
قد أمنا أن يسبقهما في العادة: فهذا قمار، لأنهما كأنهما لم يُدخلا بينهما شيئاً أو
كأنهما إنما أدخلا حماراً)). غريب الحديث لأبي عبيد ١٤٤/٢.
(٤) سنن أبي داود ٢٨/٢، السنن الكبرى ٢٠/١٠، شرح السنة للبغوي
٣٩٥/١٠، التلخيص الحبير ١٦٣/٤، وبيَّن ابن التركماني في الجوهر النقي ضعف
الحدیث.

٣٧١
كتاب السَّبَق
واحد منهما، ولم يكن فيما بينهما مَن لا غُرْم عليه: فهو قمار.
وأنه متى كان بينهما مَن لا يَغْرم شيئاً إذا سُبق، ويأخذ إذا سَبَق: جاز
السَّبَق بينهم جميعاً على الشرط، ولم يكن بقمار؛ لأنه قال عليه الصلاة
والسلام: ((إن دَخَل بينهما مَن قد أُمِنَ أن يُسبَق: فهو قمار)).
ولأن مَن لا يَسْبِق بحال، فوجوده وعدمه سواء، فسقط حكمه، كأنه
لم يدخل، فيحصل حينئذ السبق على الآخرين ، وكل واحد منهما
مشروط عليه الغُرْم، فهو قمار، كما قال عليه الصلاة والسلام.
وأما إذا كان المسبق غيرهما: فهو جائز؛ لأنه لا غرم على واحد من
المتسابقين.

٣٧٣
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
كتاب الأيمان والكفارات والنذور
قال أبو جعفر: (الأَيمانُ ثلاثةٌ: يمينٌ تُكَفَّر، ويمينٌ لا تُكَفَّر، ويمينٌ
نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبَها)(١).
قال أحمد: كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يُحصِّل هذه الجملة
بأن يقول: الأيمان على ضربين: ماضٍ ومستقبل(٢)، والماضي على
ضربین: لغو، وغموس.
والمستقبل: ضرب واحد، وهي اليمين المعقودة، والكفارة لا تجب
إلا بالحنث في اليمين على المستقبل، ولا كفارة في اليمين على الماضي
بحال.
والغموس: هو أن يحلف على شيء أنه قد كان وهو يعلم أنه كاذب
فیه، فهو آثم فيه، ولا كفارة علیه.
واللغو: هو أن يحلف عليه، وهو يظن أنه كما قال، ولا كفارة فيه،
ولا مأثم.
وهذه الأيمان الثلاثة تنتظمها ظواهر آي نذكرها.
(١) الأصل، محمد بن الحسن ١٦٧/٣، الكتاب ٣/٤، الهداية ٣٤٨/٤.
(٢) قال في شرح الجامع الكبير (خ) ٥ / لوحة ٣ أ: ((فأما التقسيم الذي اختاره أبو
الحسن فليس يعم سائر الأيمان قال: لأنا قد بيَّنا أن الغموس واللغو يكونان على الحال
والماضي، وما ذكره من التقسيم لا يدخل فيه الحال)) اهـ، وينظر بدائع الصنائع ٣/٣.

٣٧٤
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
فأما اليمين الغموس التي لا كفارة فيها، فالأصل فيها: قول الله تعالى:
لَّا يُؤَالِدُ كُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾(١).
والمؤاخذة التي تتعلق بكسب القلب هي: ما يلحق من المأثم باليمين
الغموس؛ لأن اليمين المعقودة التي تقع على المستقبل، لا تتعلق
المؤاخذة فيها بكسب القلب؛ لأن المؤاخذة المذكورة فيها هي الكفارة
بقوله: ﴿ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدتُمُ الْأَيْمَنَ فَكَفَّرَتُهُ: إِطْعَامُ ... ﴾(٢)،
والكفارة لا يتعلق وجوبها بكسب القلب، لأنه سواء كان آثماً فيها، أو
مأجوراً في الحنث فيها، لزمته الكفارة بالحنث، لا بكسْب القلب.
فعلمنا أن المراد بقوله: ﴿ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾: هي
المؤاخذة التي تلحقه بالمأثم الذي استحقه بالقصد إلى الكذب، والحلف
عليه(٣).
وأما اللغو: فالأصل فيه: قوله تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ﴾ ،
فروى إبراهيم بن الصائغ عن عطاء عن عائشة في لغو اليمين قالت: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله)) (٤).
(١) البقرة: ٢٢٥.
(٢) المائدة: ٨٩.
(٣) فتح القدير ٣٤٩/٤.
(٤) سنن أبي داود ٢٠٠/٢، تفسير الطبري ٤٢٩/٤. السنن الكبرى ٤٩/١٠.
وفي رواية أخرى: ((كلا والله، وبلى والله))، وكذا هي في تفسير الطبري، شرح السنة
للبغوي، ١١/١٠، وفيه؛ قال: هذا صحيح، ورفعه بعضهم، التلخيص الحبير
=

٣٧٥
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
وقد رواه جماعة عن عطاء عن عائشة موقوفاً، لأن فتواها بذلك لا
تمنع صحة روايتها عن النبي عليه الصلاة والسلام، بل تؤكدها، فثبت
بذلك أنَّ لغو الیمین هو: حلفه على شيء ماضٍ یری أنه کما قال، ولیس
كما قال.
وقد رُوي في معنى اللغو على النحو الذي قال أصحابنا عن ابن
عباس(١)، وابن أبي أوفى، وأبي مالك الغفاري، والحسن، ومجاهد،
وإبراهيم، وقتادة، وإحدى الروايات عن سعيد بن جبير.
وقال آخرون: اللغو: الحلف على المعصية، فلا ينبغي أن يأتيه، ولا
يفي به، ولا كفارة عليه(٢).
وقال آخرون(٣): هو أن لا يأتيَ المعصية، ويكفر إذا حنث.
وقال آخرون (٤): اللغو هو اليمين المكفَّرة.
وروي عن ابن عباس: أنَّ اللغو: الحلفُ في الغضب، وعنه مثل قولنا.
وأصح هذه الأقاويل ما قاله أصحابنا، لما دل عليه ظاهر الكتاب من
قوله: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيِ أَيْمَنِكُمْ﴾، فنفى المؤاخذة بها رأساً، والحلف
على المعصية أن يفعلَها، لا ينفك فيه من المؤاخذة بالإثم الذي اكتسبه به.
١٦٧/٤، وصحح الدار قطني الوقف.
(١) ينظر هذا الأثر والآثار التي تليه في تفسير الطبري ٤٣٢/٤-٤٤٠، السنن
الكبرى ٤٩/١٠.
(٢) تفسير الطبري ٤٤٠/٤، ٤٤٢.
(٣) وهو مروي عن سعيد بن جبير، تفسير الطبري ٤٤٠/٤.
(٤) تفسير الطبري ٤٤٥/٤.

٣٧٦
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
ولا يجوز أن يكون المراد به اليمين المعقودة التي تجب الكفارة فيها
بالحنث من وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى فرَّق بين اللغو، وبين اليمين المعقودة بقوله:
﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدِ تُمُ الْأَيْمَنَ﴾، فلا
جائز أن يكون الذي أخبر أنه لا يؤاخذ به، هو ما أخبر عنه في سياق الآية
أنه يؤاخذ به.
والوجه الآخر: أنَّ اليمين المعقودة هو مؤاخذ بكفارتها إذا حنث فيها،
وقد نفى الله تعالى المؤاخذة بلغو اليمين نفياً عاماً.
فانتفى بما ذكرنا سائر الأقاويل التي حكينا في معنى اللغو، إلا قول
أصحابنا مع ما عاضده من السنة، وقول السلف(١).
[الأدلة على عدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس]
وإنما لم تجب الكفارة في اليمين الغموس؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا
يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيَْنَ
فَكَفَّارَتُهُ ﴾، فإنما أوجب الكفارة في اليمين المعقودة، واليمين على
الماضي ليست بعقد، لأنها واقعة على أحد وجهين: إما أن يكون صادقاً
فيه أو كاذباً، وليس هناك معنى منتظر يجوز فيه الحنث والبرُّ، وإنما عقد
اليمين: ما تناول معنى يجوز وقوع الحنث فيه تارة، والبرِّ أخرى(٢).
(١) ينظر فتح القدير ٤ /٣٥٠، المبسوط ١٢٨/٨.
(٢) المبسوط ١٢٧/٨، فتح القدير ٣٥٠/٤، والكفاية على الهداية ٣٤٩/٤.

٣٧٧
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
ألا ترى أنَّ مَن قال: امرأته طالق، أو قال: عبده حر: لم يكن حالفاً؛
لأنه أوقع طلاقاً، أو عتقاً باتاً، ولو قال: امرأته طالق إن دخل الدار، أو
قال: عبدي حر إن كلَّمتُ زيداً: كان حالفاً؛ لأنه عَقَدَ العتقَ والطلاق
بمعنى قد يجوز أن يبرَّ فيه، ويجوز أن يحنث، فثبت بذلك أنَّ اليمين على
الماضي ليست بمعقودة، فانتفى وجوب الكفارة فيها حينئذ من وجهين:
أحدهما: أنَّ الله تعالى إنما أوجب الكفارة في اليمين المعقودة، فلا
يجوز إيجابها في غيرها، إذ لا سبيل إلى إثبات الكفارات من طريق
المقاييس.
والثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن أدخل في أمرنا ما ليس
فيه فهو رد))(١)؛ فمَن أوجب الكفارة في غير اليمين المعقودة، فقد أدخل
في أمر النبي عليه الصلاة والسلام ما ليس منه، فقوله مردود.
ويدل على أنَّ الكفارة لا تجب في غير اليمين المعقودة: قوله تعالى:
ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَلِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ ﴾(٢)، وحِفْظ اليمين:
مراعاتها لوقت وجوب الكفارة فيها عند الحنث، وليس يمكن حفظ اليمين
الغموس، لأنها واقعة على ماض غير منتظر بها الحنث والبِرُّ.
ويدل عليه أيضاً: أنَّ اللغو لا كفارة فيها، لأنها على الماضي،
والدليل على ذلك أنَّ سقوط الكفارة فيها لا يخلو من أن يكون لأجل أنها
على الماضي، أو لأنه لم يستحق بها مأثماً، فلما لم يختلف حكم اليمين
المعقودة فيما يتعلق بها من وجوب الكفارة أن يكون آثما في الحنث فيها،
(١) صحيح البخاري ٢٣٠/٥، صحيح مسلم ١٦/١٢.
(٢) المائدة: ٨٩.

٣٧٨
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
أو غير آثم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قد أمر بالحنث إذا كان خيراً
من البرِّ بقوله: ((مَن حلف على يمين، فرأىُ غيرَها خيراً منها، فليأت
بالذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه))(١).
فلم يُسقط عنه الكفارة لأجل عدم المأثم، فسقط اعتبار جهة المأثم في
إيجاب الكفارة، وصح أن اللغو من اليمين إنما لم تجب فيها الكفارة،
لأنها يمين على الماضي، غير معقودة على أمر مستقبل، وقد شاركتها
يمين الغموس في هذا المعنى، فوجب أن يكون حكمُها حكمَها في سقوط
الكفارة فيها.
فإن قيل: وجوب كفارة اليمين متعلق بحرمة اللفظ، واللفظ موجود
في اليمين الغموس، فتجب فيها الكفارة.
قيل له: لو كان كذلك لوجبت في اللغو أيضاً، لوجود لفظ اليمين،
ولوجبت أيضاً لو قال: والله: وسكت، ولم يعلِّقه بشيء، فلما لم يجب في
ذلك شيء مع وجود اللفظ، لأجل عدم الحنث بيمين معقودة، كان كذلك
الغموس.
فإن قيل: قوله: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾(٢) : يقتضي إيجاب
الكفارة في اليمين الغموس؛ لأن المؤاخذة التي تتعلق بكسب القلب، إنما
تكون بالقصد إلى ما لا يجوز له الحَلِف عليه من الكذب.
قيل له: لا يجوز أن يكون المراد بهذه المؤاخذة الكفارة من وجهين:
(١) صحيح مسلم ١١/ ١١٤، صحيح البخاري ٤٣٨/١١.
(٢) البقرة: ٢٢٥.

٣٧٩
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
أحدهما: أن وجوب الكفارة يتعلق باللفظ، لا بكسب القلب.
والثاني: أن الكفارة لا يختلف حكمها أن يكون الحالف آئماً في
حَلِفِه، أو غير آثم، ولا أن يكون آثماً في الحنث، أو غير آثم.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ كَفََّرَةُ أَيَّمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾(١): يوجب
الكفارة في كل يمين، سواء كانت معقودة أو غير معقودة.
قيل له: لا يصح الاحتجاج بعمومه؛ لأن فيه ضميراً باتفاق من أهل
العلم، وهو الحنث، كأنه قال: إذا حلفتم وحنثتم؛ لأن المسلمين متفقون
على أنَّ مَن حلف على يمين على فعل مستقبل: أنّ الكفارة لا تجب عليه
بنفس الیمین.
وإذا كان الحنث مشروطاً فيها - ومعلوم أنَّ الحنث إنما يكون في
اليمين المعقودة، لأنه حَلّ لليمين، وإسقاط لها - ثبت أنّ اليمين الغموس
لم تدخل فيها قط، إذ لا يلحقها الحنث؛ لأن الحنث إنما يلحق فيما كان
معقوداً لا يستحيل وقوع البِرُّ فيها.
وأيضاً: فإن المراد به اليمين المعقودة، لما في سياق الآية من الدلالة
عليه، وهو قوله: ﴿وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ﴾، فإنما علَّق وجوب الكفارة
باليمين التي أمر بحفظها ومراعاتها لأداء الكفارة بالحنث فيها.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ﴾(٢): معناه: أقِلُّوا من
(١) المائدة: ٨٩.
(٢) المائدة: ٨٩.

٣٨٠
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
الأيمان (١)، وليس المعنى ما ذهبتم إليه من مراعاتها لأداء كفاراتها،
والدليل عليه قول الشاعر:
قليلُ الألايا(٢) حافظٌ ليمينه
إذا بدرت منه الأليَّة برَّت(٣)
أراد بقوله: حافظٌ ليمينه: الإقلال منها.
قيل له: هذا خطأ لا يجوز أن يقال: فلان حافظٌ ليمينه: إذا لم يحلف،
كما لا يقال: فلان حافظٌ لماله: إن لم يكتسب، وإنما يصح أن يقال: فلان
حافظٌ ليمينه بعد الحلف بها، فيراعيها لأداء كفارتها، وهو معنى قول
الشاعر: ((حافظٌ لیمینه)).
ولا يجوز أن يكون المراد ما ذكرتَ؛ لأنه قال بدءاً: ((قليل الألايا))،
ولو أراد بقوله: حافظ لیمینه: ما ذكرتَ، کان تكراراً لا معنى له.
وأيضاً: فإن تقدير الآية: ﴿ ذَلِكَ كَفََّرَةُ أَيْمَنِكُمْ﴾، التي تقدم ذكرها،
وهي اليمين المعقودة، واكتفى بتقديم ذكرها عن تكرار لفظها، كقوله
تعالى: ﴿وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ﴾(٤)، المعنى: والذاكرات
(١) انظر التفسير الكبير للفخر الرازي ٧٨/١٢، لباب التأويل في معاني التنزيل
للخازن، ومعه معالم التنزيل للبغوي ٣١٦/٢، وأشار الخازن إلى أن فيها وجهين:
الإقلال منها، وحفظها عن الحنث، واللفظ محتمل للوجهين، وفيه أن البيت المذكور
إنما هو لكُثِّر.
(٢) الألايا: جمع: الألِيّا، وهو اليمين. لسان العرب ٤٠/١٤.
(٣) انظر أحكام القرآن للجصاص ١١٦/٤، وفي لسان العرب (ألا) ٤٠/١٤:
((وإن سبقت منه الآلية))، المبسوط ١٢٨/٨، وفيه وفي نسخة (د، م): ((وإن بدرت)).
(٤) الأحزاب: ٣٥.