النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ كتاب الصيد والذبائح غيره، فدل ذلك على أنه إذا لم يوقن أنَّ سهمه قتله: لم يجز أكله، وحصول اليقين في ذلك: أن يعلم أنَّ سهمه قد أصاب المقتَل، فصار بحيث لا يبقى إلا مثل بقاء المذبوح. فإن قيل: إنما أباح له الأكل بالشرط المذكور، ولم يقل إنه إن كان علی غیر ذلك لم یأکل. قيل له: ليس كما ظننتَ، لأن كلامه خرج جواباً عن المباح من الصيد والمحظور، فانتظم الإباحةَ وجود الشرط المذكور، وما عداه في حَيِّز المحظور. فإن قيل: قد روئ هذا الحديث سماك بن حرب عن عدي بن حاتم، ولم يذكر فيه قوله: ((إن علمتَ أنَّ سهمك قتله))، بل أطلق فيه إباحة الأكل من غیر تقیید. ورواه أيضاً عبد الملك بن ميسرة من غير هذه الطريق عن سعيد بن جبير عن عدي مطلقاً من غير تقييد. وهذا يقتضي إباحة الأكل سواء علم أنَّ سهمه قَتَله، أو لم يعلم، بعد أن لا يعلم مشارکة غیره فیه. قيل له: هذه الزيادة قد ذكرها أبو بشر جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير، وذكرها أيضاً عبد الملك بن ميسرة في رواية شعبة من هذه الطريق فهي ثابتة، لا يجوز إسقاطها لإغفال مَن تَرَك ذِكْرها. وقد روى شعبة عن الحكم عن عبد الله بن أبي الهذيل ((عن ابن عباس ٣٠٢ كتاب الصيد والذبائح رضي الله عنهما، وسأله رجل فقال: إني رجل أنمي وأصمي(١)؟ قال: ما أصميت فكُلْ، وما أنميتَ فلا تأكل)) (٢). قال الحكم: الإصماء: أن تقتله في الحال، والإنماء أن يتوارى عنك(٣). * وأما إذا توارى عنه وكان في طلبه: فإنه يجوز أن يأكله، لما روى يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة الضمري عن رجل من بهز ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بالروحاء(٤)، فإذا هو بحمار وَحْش عقير(٥) فيه سهم، قد مات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه حتى يجيء صاحبه، فجاء البهزيُّ، فقال: يا رسول الله! هي رميتي فكلوا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه أن (١) قال المطرزي في المغرب ٤٨٣/١: ((الإصماء: أن يرميه فيموت بين يديه سريعاً، والإنماء: أن يغيب عنه بعد ما أصابه، ثم يموت)). (٢) السنن الكبرى ٢٤١/٩، وفيه: وقد روي هذا من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً، وهو ضعيف. (٣) ينظر المبسوط ٢٤٠/١١، تحفة الفقهاء ٧٧/٣، حاشية سعدي جلبي على العناية ٥٨/٩. (٤) الروحاء: قرية بين المدينة وبدر على بعد (٧٠)كم عن المدينة المنورة، فيها بئر مشهورة، وقف عندها النبي صلى الله عليه وسلم وشرب منها، وهي قائمة موجودة إلى يومنا هذا، وينظر القاموس المحيط (روح). (٥) عقير: على وزن فعيل بمعنى مفعول، أي معقور، يعني مجروح بسهم الصائد. النهاية ٢٧٢/٣، مختار الصحاح (عقر). ٣٠٣ كتاب الصيد والذبائح يقسمه بين الرفاق، وهم مُحْرِمون))(١). فهذا يدل على أن غيبته عنه لا تمنع أكله إذا كان في طلبه. ومن جهة النظر: أنه ما دام في طلبه، فقد علم أنه ممن لم يكن يلحق ذكاته، فكانت الرمية ذكاته، وأما إذا فرَّط، فجائز أن يكون قد كان يمكنه أن يُدرك ذكاته، فلم يجز تَرْك ذكاته بالشك(٢). فإن قيل: لما كان سبب الموت موجوداً في الرمية، فهلا جعلته حادثاً عنه إذا لم يُعلم سببٌ غيره حَدَث عنه الموت، كما نقول فيمن جَرَح رجلاً، فلم يزل صاحبَ فراش حتى مات، أنا نحكم بحدوث الموت عن الجراحة، وهي سبب حدوثه، فيتعلق الحكم به. قيل له: لم نحرِّمه من حيث لم نحكم بحدوث الموت عن الرمية، لكن من جهة أنَّ وجود الرمية لا يكون سبباً للذكاة إذا أمكن الوصول إلى ذبحه، فإنما منعنا الذكاة من هذه الجهة. مسألة : [حكم أكل صيد النساء] قال: (وصيدُ النساء في جميع ما ذكرنا كصيد الرجال، وذبائحُهم كذبائح الرجال). (١) الفتح الرباني ٢٤٦/١١، السنن الكبرى ١١٨/٥، ٢٤٣/٩، مجمع الزوائد ٢٣٣/٣، ورجال أحمد رجال الصحيح، وفي القول المسدد على المسند: صححه ابن خزيمة وغيره ٢٤٧/١١ مع الفتح الرباني. (٢) بدائع الصنائع ٥٩/٥، المبسوط ٢٤١/١١. ٣٠٤ کتاب الصيد والذبائح وذلك لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْثُمْ﴾(١)، وعمومه يتناول الرجال والنساء(٢). وقد روى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله: ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أكل ذبيحة امرأة))(٣). مسألة : [حكم ذبيحة وصَيْد الصبيان] قال: (وذَبْحُ وصَيْدُ الصبيان الذين يعقلون الذبيحة كذبائح الرجال، و کذلك صيدهم). وذلك لأنهم مسلمون، وتسميتهم تسميةً صحيحة، فلا فَرْق بينهم وبين الرجال. (١) المائدة: ١٣. (٢) العناية، ونتائج الأفكار تكملة فتح القدير ٨ /٤٠٧ (٣) جامع المسانيد ٢٣٦/٢، السنن الكبرى ٢٨٢/٩، صحيح البخاري مع فتح الباري ٥١٩/٩. ٣٠٥ كتاب الضحايا کتاب الضحايا مسألة : [حكم الأضحية] قال أبو جعفر رحمه الله : (والأضحية واجبةٌ في قول أبي حنيفة على المقيمين الواجدين من أهل الأمصار وغيرهم، ولا تجب على المسافرين. ويجب على الرجل من الأضحية عن ولده الصغار مثل الذي يجب عليه من الأضحية عن نفسه. وخالف أبو يوسف ومحمد أبا حنيفة في ذلك، فقالا: ليست بواجبة، ولكنها سنة، غير مرخَّص لمن وجد السبيلَ إليها في تركها). قال أحمد : المشهور من قول أصحابنا جميعاً أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد أنَّ الأضحية واجبةٌ على أهل اليسار(١). وحدُّ اليسار الذي يتعلق به وجوب الأضحية، هو ما يتعلق به وجوب صدقة الفطر (٢). (١) الآثار لمحمد بن الحسن (٧٨٨) ص١٧٥، تحفة الفقهاء ٨١/٣، بدائع الصنائع ٦٢/٥، المبسوط ٨/١٢، تبيين الحقائق ٢/٦، الهداية ٤٢٥/٨، لكن في الهداية والمبسوط خلاف ما ذكره أبو جعفر، حيث جعل قول محمد مع أبي حنيفة. وعلى أنها سنة قول جمهور الفقهاء في الراجح أو المشهور عنهم، ينظر بداية المجتهد ١٧١/٦، نيل الأوطار ١٩٧/٥، فتح الباري ٢/١٠. (٢) بدائع الصنائع ٦٤/٥، تبيين الحقائق ٣/٦. ٣٠٦ كتاب الضحايا ورُوي وجوب الأضحية عن جماعةٍ من السلف، منهم: سالم بن أبي الجعد ومكحول في آخرين منهم. وروي أنها غير واجبة عن أبي بكر وعمر وابن عباس وأبي مسعود الأنصاري(١). وروي عن أبي يوسف في الجوامع (٢): أنها سنة، وليست واجبة. وما حكاه أبو جعفر عن أبي يوسف ومحمد من أنها ليست بواجبة، ولكنها سنة غير مرخَّص لمن وجد السبيل إليها في تركها، فإنه قول خلاف المشهور عنهما. وعلى أنَّ قوله: غير مرخص له في تركها: يقتضي أن تكون في حدٍّ الوجوب، لأن ما ليس بواجب، فهو مرخَّصٌ له في تركه. وقوله عنهما: غير مرخَّص لمن وجد السبيل إليها في تركها: إطلاقه لیس بسدید. وكذلك قوله: على الواجدين: لأنه ليس كل مَن وجد السبيل إلى الأضحية مأموراً بها، إنما يؤمر بها مَن كان من أهل اليسار، وهو أن يكون في ملكه فَضْلٌ عما يحتاج إليه من مسكن وأثاث وخادم، ومائتي درهم، أو ما يساويها، فأما مَن يملك أقل من ذلك، فليس عليه أضحية، وهذا (١) السنن الكبرى للبيهقي ٢٦٥/٩، شرح النووي لصحيح مسلم ١١٠/١٣، مصنف عبد الرزاق (٨١٣٩، ٨١٤٩). (٢) الجوامع اسم كتاب في الفقه، صنفه أبو يوسف، حاشية سعدي جلبي على تبيين الحقائق ٢/٦. ٣٠٧ كتاب الضحايا مرويٌّ عنهم على هذا الوجه(١). [الأدلة على وجوب الأضحية] فأما الحجة في وجوبها: فمن جهة دلالة الكتاب والسنة والنظر. * فأما دلالة الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿ فَصَلّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ﴾(٢)، وظاهره يقتضي وجوب النحر على النبي عليه الصلاة والسلام، وما لزم النبيَّ عليه الصلاة والسلام، فهو لازمٌ لنا حتى تقوم الدلالة على تخصيصه عليه الصلاة والسلام به دوننا. فإن قيل: روي أنَّ المراد وضع اليد عند النحر في الصلاة. قيل له: روي أنه أراد الأضحية، وهو حقيقة اللفظ، فحمله علیه أَوْلی منه على المجاز. وعلى أنَّ ما في الظاهر خلافه(٣)، لأن قول القائل: قد نحر فلان، لا يعقل منه وضع اليد في الصلاة عند النحر (٤). ودلالة أخرى: وهي ما روى يزيد بن أرقم قال: ((يا رسول الله! ما هذه (١) قال الكاساني في بدائع الصنائع ٦٤/٥: لا رواية فيه، ثم ذكر عن الزعفراني أنه تجب عليه الأضحية، لأن النصاب وإن انتقص لكنه انتقص بالصرف إلى جهة هي قربة، فيجعل قائماً تقديراً. هذا الذي ذكره الكاساني، إذا كان النقص يسيراً - خمسة دراهم - أخرجت من المائتين للزكاة. (٢) الكوثر: ٢. (٣) أصول السرخسي ١/ ١٧٣. (٤) أحكام القرآن للجصاص ٣٧٦/٥. ٣٠٨ كتاب الضحايا الأضاحي؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم عليه السلام)) (١). فإذا ثبت أنها من سنة إبراهيم، وقد قال الله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ اُقْتَدِةْ﴾(٢)، لزم اتباعه في سنته بظاهر الآية بعد ثبوتها من سنة إبراهیم. وكذا نقول في شرائع مَن كان قبلنا من الأنبياء، إنها لازمة لنا حتى تقوم الدلالة على نَسْخها بشريعة غيرها (٣). ** وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿لَّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يَُزِعُنَّكَ فِ آلْأَمَّيِ﴾(٤). وقال: ﴿ وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُواْ أُسْمَ اَللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِنْ بَهِيمَةِ اُلْأَنْعَمِ﴾(٥). فأخبر أنَّ المنسك المأمور به هو ما يُفعل من الذبائح، وهي الأضاحي (١) السنن الكبرى ٢٦١/٩. قال ابن التركماني: في سنده: عائذ الله المجاشعي عن أبي داود نفيع بن الحارث: عن البخاري قال: لا يصح حديثه، قال ابن التركماني: سكت البيهقي عن أبي داود نفيع، وهو متروك، ذكره الذهبي في كتابيه الكاشف والضعفاء. الجوهر النقي ٢٦١/٩. (٢) الأنعام: ٩٠. (٣) أحكام القرآن ٨٩/٥، أصول السرخسي ٩٩/٢. (٤) الحج: ٦٧. (٥) الحج: ٣٤. ٣٠٩ کتاب الضحايا المفعولة في أيام النحر (١)، والأمر يقتضي الوجوب إلا أن تقوم الدلالة على غيره؛ لأن قوله: ﴿فَلَا يُتَزِعُنَّكَ فِىِ الْأَمْيِ﴾(٢) يقتضي أن يكون هناك أُمْرٌ بالمنسك. فإن قيل: إنما المعنى في قوله: ﴿فَلَا يُنَزِعُنَّكَ فِىِ الْأَمْرِ ﴾: في الشأن، وفي الحال التي وقعت المنازعة فيها، كقوله: ﴿وَمَآ أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَةُ كَلَمْيجِ بِالْبَصَرِ﴾(٣)، وكقوله: ﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾(٤): يعني شأنه ودأبه، وقوله: ﴿أَلَ إِلَى اللَّهِ تَصِيُ اُلْأُمُورُ﴾(٥). قيل له: حقيقة اللفظ تتناول قول القائل: افعل هذا، هو المعقول من لفظ الأمر، ولا يُصْرَف إلى غيره إلا بدلالة. * ويدل عليه أيضاً: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاِى لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَيِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ اَلْسَلِمِينَ﴾(٦). فصحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بالنسك، والأمر يقتضي الوجوب، وإذا ثبت وجوبها على النبي عليه الصلاة والسلام، (١) ينظر جامع البيان للطبري ١٧ /١٣٨. (٢) الحج: ٦٧. (٣) القمر: ٥٠. (٤) هود: ٩٧. (٥) الشورى: ٥٣. (٦) الأنعام: ١٦٢. ٣١٠ کتاب الضحايا لزمنا مثله بقوله تعالى: ﴿فَأَتَّبِعُوهُ﴾(١)، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيَهُمْ فِتْنَةٌ﴾(٢). * ومن جهة السنة: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع حدثنا عباس بن الوليد بن المبارك حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عياش عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن قدر على سعةٍ فلم يضحِّ، فلا يَقْرَبِنَّ مُصَلاَّنا))(٣). وحدثنا أبو بكر بن الجعابي قال: حدثنا محمد بن سليمان الباغندي حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا زيد بن الحباب حدثنا عبد الله بن عياش المصري عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((مَن كان عنده سعة فليضحِّ، فمَن لم يُضَحِّ فلا يقربنَّ مسجدنا))(٤). قال أبو بكر بن الحِعَابي: عبد الله بن عياش هذا: جليل القدر، وهذا الحدیث سديد الطريقة. (١) الأنعام: ١٥٣، ١٥٥. (٢) النور: ٦٣. (٣) الفتح الرباني ٥٨/١٣، سنن الدار قطني ٢٧٦/٤، وفي القول المسدد أشار إلى اختلاف الأئمة في ترجيح صحة الموقوف أم المرفوع، فرجح الحاكم صحة المرفوع، بخلاف غيره من الأئمة، قال البنا: قال ابن حجر في الفتح: الموقوف أشبه بالصواب. التعليق المغني ٢٧٧/٤، وعزاه إلى كثير ممن خرجوه، الجوهر النقي ٢٦٠/٩، وذكر صحة المرفوع، لأنه زيادة من الثقة وهي مقبولة. (٤) سنن ابن ماجه (٣١٦٠) ٢٠٣/٢، السنن الكبرى ٢٦٠/٩، وقال: حديث زيد بن الحباب غير محفوظ. ٠ ٣١١ كتاب الضحايا قال أبو بكر الجعابي: وحدثني محمد بن عبد الله بن يوسف قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب قال: حدثنا عمي عبد الله بن وهب قال: حدثني عبد الله بن عياش عن عيسى بن عبد الرحمن عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن قَدَر على أن يضحي، أو قال: مَن وَجَدَ سعة: فليضحِّ، فمَن لم يضحِّ فلا يقربَنَّ مُصَلاَنَ))(١). وهذا الحديث يدل على وجوب الأضحية من وجهين: أحدهما: قوله: ((فليضحِ))، وهذا أمر يقتضي الإيجاب. والثاني: قوله: ((فمَن لم يضحِّ، فلا يقربن مصلانا))، والمعقول من ظاهر هذا اللفظ الوجوب، لأنه معلوم أنه لم يُرِدْ به نهيه عن الصلاة، وحضورِ المسجد، وإنما المراد والله أعلم: على غير سبيلنا، وبمنزلة من خالف سنتنا، أو ما جرى مجرى ذلك. وأيضاً: روى الشعبي وسليمان التيمي وغيرهما عن أبي رملة الحنفي، واسمه عامر - بَصْري - عن مِخْتَف بن سليم عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((يا أيها الناس إن على كل رجل منكم في كل سَنَةٍ أضحية وعَتِيرة)(٢). (١) سنن الدار قطني ٢٧٧/٤، السنن الكبرى ٢٦٠/٩، نصب الراية ٢٠٧/٤. (٢) الفتح الرباني ٥٧/١٣، سنن أبي داود ٨٤/٢، قال أبو داود: العتيرة منسوخة، هذا خبر منسوخ، سنن النسائي مجمع الزائد ٢١/٤، وقال: رواه أحمد، وفيه عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف. نصب الراية ٢١٠/٤ قال الزيلعي: بعد سرده لمن أخرجه قال عبد الحق: إسناده ضعيف، قال ابن القطان: = ٣١٢ كتاب الضحايا فاقتضى هذا اللفظ وجوب الأضحية. والعتيرة: ذبيحة كانوا يذبحونها في رجب، وهي منسوخة بدلالة الاتفاق، ولم تقم الدلالة على نسخ الأضحية، فهي واجبة على ما اقتضاه الخبر. * ويدل على وجوبها أيضاً: ما حدثنا ابن قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا يحيى بن سعد عن محمد بن أبي يحيى عن أمه عن أم بلال أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ضحُّوا بالجَذَعِ من الضأن)(١) . وهذا أمر بها يقتضي ظاهره الإيجاب. * ويدل عليه أيضاً: ما حدثنا ابن قانع حدثنا الحسن بن المثنى بن معاذ قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا سفيان عن الأسود بن قيس عن جندب قال: ((خرجنا مع رسول الله يوم أضحى، فرأى قوماً قد ذبحوا ونحروا، ورأى قوماً لم يذبحوا ولم ينحروا، فقال عليه الصلاة والسلام: مَن ذبح قبل الصلاة: فليُعِد الذبح، ومَن لم يذبح: فليذبح باسم الله))(٢). وهذا الحديث يدل من وجهين على صحة قولنا: أحدهما: أَمْره مَن ذَبَح قبل الصلاة بالإعادة، ومعلومٌ أنّ المذبوح قبل وعلته الجهل بحال أبي رملة .. إلخ. (١) الفتح الرباني ٧٤/١٣، مجمع الزوائد ٢٢/٤ وتمام الحديث: «فإنه جائز))، رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وفيه: ((ضحوا بالجذع)). (٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١٠٩/٩. ٣١٣ كتاب الضحايا الصلاة كما (١) لم يُذبح، لأنه لم يقع موقع الإجزاء، ثم أمره بالإعادة، وذلك كأمرٍ مبتدأ بالذبح. والثاني: قوله: ((ومن لم يذبح فليذبح)): وهذا أيضاً أَمْر يقتضي الإيجاب. * ويدل عليه أيضاً من جهة السنة: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله حدثنا حجاج بن منهال حدثنا يزيد بن زريع عن داود عن الشعبي عن البراء بن عازب قال: ((قام رسول الله عليه الصلاة والسلام يوم أضحى فقال: ((لا يذبحن أحدٌ قبل أن يصلي، فقام خالي، فقال: يا رسول الله! إني عجَّت بنسكي لأن أُطعمه أهلي وجيراني، قال: قد فعلت، فأعِدْ ذبحاً آخر. قال: يا رسول الله! عندي عَناق(٢) خير من شاتي لحم أذبحها؟ قال: نعم، وهي خير نُسُكَيْك، ولم تقض جذعة عن أحدٍ بعدك))(٣). وهذا الحديث يدل من وجهين على صحة قولنا: أحدهما: قوله: ((أعِدْ ذبحاً آخر))، والأمر على الوجوب. والثاني: قوله: ((لا تقضي جذعة عن أحدٍ بعدك))، لأن القضاء عنه إنما يكون عن واجب في ذمته، كقولك: قضيتُ الدَّيْن، وقضيتُ صلاة الظهر، والنذر، وما جرى مجراه. (١) في (ر.حـ): كمن. (٢) العناق: الأنثى من ولد المعز قبل استكمالها الحول. ينظر المصباح المنير (عنق). (٣) صحيح البخاري ٢/١٠، صحيح مسلم بشرح النووي ١١٢/١٣-١١٦. ٣١٤ کتاب الضحايا وقد روي في بعض ألفاظ هذا الحديث: ((إنها تجزئ عنك، ولا تجزئ عن أحدٍ بعدك»(١). ومعناهما واحد، لأنهم يقولون: جزئ عني كذا وكذا أي: قضى عني. فإن قيل: روى أبو جناب عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الأضحى علي فريضة، وهو عليكم سنة))(٢). قيل له: هذا مما يدل على الوجوب، لقوله: ((هو عليكم سنة)). وقولُه: ((سنة)): لا ينفي الوجوب؛ لأن السنة منها الواجب وغير الواجب. فإن قيل: لولا أنه أراد نفي الإيجاب، لم يكن لتفرقته بين نفسه وبين الأمة معنى، وفي وجوب حَمْل كلامه صلى الله عليه وسلم على الفائدة، ما يوجب أن يكون المراد الفرق بينه وبيننا في الوجوب. قيل له: ليس كذلك، لأنه يحتمل أنه يُريد: هو علي فريضة بوحي من الله إليه فيه بعينه، وهو علیکم سنة، أي وجوبه من جهتي لا بوحي. وأيضاً: فليس كل واجب فرضاً، لأن الفرض ما كان على أعلى منازل الوجوب، وقد يكون الشيء عندنا واجباً، لا يُطلَق عليه اسم الفرض، كصلاة العيد هي واجبة، ولا يُطلَق عليها اسم الفرض، وصلاة الظهر واجبة فرض، ونظائر ذلك كثيرة، فليس يمتنع أن يكون النبي صلى الله (١) مجمع الزوائد ٢٧/٤، قال الهيثمي: رواه أبو يعلى، والطبراني في الكبير بنحوه، ورجال الجميع ثقات. (٢) سنن الدارقطني ٢١/٢، السنن الكبرى ٤٦٦/٢، ٢٦٤/٩، نصب الراية ٢٠٦/٤ وفیه: أنه حديث ضعيف. ٣١٥ كتاب الضحايا عليه وسلم قد كان مخصوصاً بلزوم فرض الأضحية، وأنها ليست علينا في تأکید الوجوب، کما کانت علیه. * فإن احتجوا بما رواه أبان بن أبي عياش وجابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث هن علي فريضة، وعليكم تطوع: الأضحى، والوتر، والضحى)) (١). قيل له: أبان بن عياش سيء الحفظ، ضعيف جداً، وجابر الجعفي مطعون فيه، قد قيل فيه العظائم. وأيضاً: فإن أصل الحديث: ما رواه أبو جناب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((الأضحى علي فريضة، وعليكم سنة))(٢). فُيُشبه أن يكون الراوي لما ظن أنَّ معنى قوله: ((عليكم سنة)): أنه تطوع، حَمَله على المعنى عنده، فتَقَله. وأيضاً: لو ثبت هذا الحديث من جهةٍ يُوثَق بها، لم يجز أن تُعارَض به أخبارنا المقتضية لإيجابها، لأن الخبرَيْن متى وردا، وفي أحدهما الإيجاب، وفي الآخر نفيه: كان خبر الإيجاب أَوْلى؛ لأن الأصل كان فيه نفي الوجوب، فخبر النفي وارد على الأصل، وخبر الوجوب متأخر عنه لا محالة، ولم يُتَيَقّن ورود ما يرفع الوجوب بعد استقراره، فكان خبر الإيجاب أولى. * فإن قيل: روت أم سلمة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (١) السنن الكبرى ٢٦٤/٩، ٤٦٨/٢. (٢) سبق. ٣١٦ كتاب الضحايا ((إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذْ من شعره وأظفاره حتى يضحِّي))(١). وهذا يدل على أنها غير واجبة، لأنه علَّق فعلها بإرادته، فإذا لم يُرِدْها لم تجب عليه. قيل له: شَرْط الإرادة في فعلها، لا ينفي وجوبها، لأن شَرْط جميع الفرائض الإرادة، ولا تصح إلا بها، وليس فيه: أنه إذا لم يُرِدہ کیف یکون حکمه؟ وأيضاً: روى ابن عباس عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((مَن أراد الحج فليتعجّل))(٢). ولم يدل على نفي إيجاب الحج، لذكره الإرادة فيه. وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((مَن أراد منكم الجمعة، فليغتسل))(٣)، ولم يدل ذلك على نفي وجوب الجمعة. * ويدل على وجوب الأضحية: ما روي عن أبي جعفر محمد عن علي رضي الله عنه قال: ((نَسَخَ الأضحى كلّ ذبح كان قبله - يعني من العقيقة وغيرها -، ونسخت الزكاة كلّ زكاة كانت قبلها، ونَسَخ صوم شهر (١) صحيح مسلم ١٣٨/١٣، سنن النسائي كتاب الضحايا ٢١١/٧، سنن أبي داود ٨٥/٢، السنن الكبرى ٢٦٦/٩، سنن ابن ماجه (٣١٨٧) ٢٠٨/٢، نصب الراية ٤ /٢٠٦ قال الزيلعي: أخرجه الجماعة إلا البخاري. (٢) سنن أبي داود ٤٠٢/١، السنن الكبرى ٣٤٠/٤، قال ابن التركماني: في سنده مجهول. (٣) شرح السنة للبغوي ١٦١/٢، صحيح البخاري ٢٨٤/٢. ٣١٧ كتاب الضحايا رمضان كل صوم كان قبله، ونَسَخ غُسْلُ الجنابة كلَّ غُسل كان قبله))(١). ومعلوم أنه أراد به نَسْخ الوجوب، لأن الجواز باق الآن، ولم ينسخ الواجب من ذلك بالأضحى، إلا والأضحى واجب، لأنه إن لم يكن واجباً، لم يكن الأول منسوخاً به، ولقال: إن وجوب الذبائح كلها قد نُسخ، ولم يقل: نُسخ بالأضحى. وروى الحجاج أيضاً عن أبي جعفر، قال: ((نسخت الأضحية كل ذبيحة)). ويدل على أنَّ مرادَه: نَسْخُ وجوب الذبائح بوجوب الأضحية(٢): أنَّ جمیع ما ذكره أنه ناسخ لما قبله، فهو فرض أو واجب. * فقد ثبت وجوب الأضحية بما قدَّمنا من دلائل الكتاب والسنة، إلا أنَّ الفقهاء متفقون على أنها غير واجبة على المسافرين، فخصصناهم من (١) السنن الكبرى للبيهقي ٢٦٢/٩، سنن الدارقطني (٣٧-٣٨-٣٩) ٢٧٨/٤، نصب الراية ٢٠٨/٤، وفي التعليق المغني قال: حديث علي مروي من طرق، وكلها ضعاف لا يقبل الاحتجاج بها. (٢) قال أبو بكر الجصاص في كتابه أحكام القرآن ٨٨/٥ بعد حديث: ((نسخت الأضحية)): وهذا عندي لا يدل على الوجوب، لأن نسخ الواجب هو بيان مدة الوجوب، فإذا بُيِّن بالنسخ أنَّ مدة الإيجاب كانت إلى هذا الوقت، لم يكن في ذلك ما يقتضي إيجاب شيء آخر، ألا ترى أنه لو قال: قد نسخت عنكم العتيرة والعقيقة وسائر الذبائح التي كانت تفعل، لم تكن فيه دلالة على وجوب ذبيحة أخرى، فليس إذاً في قوله: ((نسخت الأضحية كل ذبيحة كانت قبلها)): دلالة على وجوب الأضحية، وإنما فائدة ذكر النسخ في هذا الموضع بالأضحية، أنه بعدما نَدَبنا إلى الأضحية، لم تكن هناك ذبيحة أخرى واجبة. ٣١٨ كتاب الضحايا جملة ظواهر الآي والسنن، وبقي حكم الوجوب فيمن عداهم. قال إبراهيم النخعي: ((كانوا إذا شهدوا ضحَّوْا، وإذا سافروا لم يضحوا))(١). وليس في سقوطها عن المسافرين ما يدل على سقوطها عن المقيمين، لوجودنا كثيراً من الفروض يتعلق وجوبه بالمقيم دون المسافر، منها الجمعة، والركعتان الأخريان من الظهر، وتعيين فرض شهر رمضان، وصلاة العيدين، هذه كلها أمور تلزم المقيمين دون المسافرين. فإن قيل: لما كان مضي أيام النحر يُسقطها، دلَّ على أنها ليست بواجبة. قيل له: سقوطها بمضيِّ الوقت، لا ينفي وجوبها، ألا ترى أنَّ فرض الجمعة يسقط بمضيِّ الوقت، ولم ينف ذلك وجوبها، وقد يتعلق سقوط الفرض بفعل الإنسان، وهو أن يرتدَّ، ثم يسلم بعد مضي وقت الصلاة، أو الصوم، فلا يجب عليه قضاء ما كان لزمه في حال الإسلام قبل الردة، فإذاً ليس في سقوط الفرض بمضي وقت، أو إحداث فعل دلالة على نفي وجوبه في الأصل، وصلاة العيدين واجبة، ومضيُّ الوقت يسقطها. ولو أنَّ رجلاً نَذَرَ أضحية في أيام النحر بعينها، فلم يذبحها حتى مضت أيام النحر: سقط عنه ذبحها(٢). (١) مصنف عبد الرزاق (٨١٤٤) ٣٨٢/٤. (٢) تحفة الفقهاء ٨٤/٣. وقال السمرقندي: ((عليه أن يتصدق بها حية، ولا ينقص منها شيئاً من الشعر واللبن، ولا يأكل من لحمها، لأنه انتقل الواجب من إراقة الدم إلى التصدق)). بدائع الصنائع ٦٦/٥، الهداية والكفاية عليها ٤٣٢/٨. ٣١٩ كتاب الضحايا ولو أنَّ رجلاً أحرم بحج، تعيّن عليه وجوب فعل الحج في تلك السنة، فإن فاته الحج: سقط عنه حكم الوجوب في تلك السنة، وكان عليه أن يتحلل بعمرة، وصار الحج في ذمته. * وأما دليلنا من طريق النظر، فهو اتفاق الجميع على لزوم الأضحية بالنذر، ولو لم يكن لها أصل في الوجوب، لما صحَّ إيجابها بالنذر، لأن كل ما ليس له أصل في الوجوب، لا يصح إيجابه بالنذر(١). ألا ترى أنه لو قال: ((لله عليّ المشي إلى السوق، أو إلى المسجد))، لم يلزمه شيء، لأنه ليس له أصل في الوجوب(٢). فإن قيل: للأضحية أصل في الوجوب، وهو هدي القِران والتمتع. قيل له: ليس هدي القِران هو الأضحية، والدليل عليه: أن مُضيَّ أيام النحر يمنع صحة الأضحية، ولا يمنع صحة ذبح هدي التمتع، ولو كانت هي الأضحية، لتعلقت بالوقت، لأن الأضحية مخصوصة بوقت لا يصح فعلها في غيره. ودليل آخر: وهو أنَّ يوم الفطر، لما تعلق به وجوب صلاة العيد، تعلق به حق في المال لله تعالى، وهو صدقة الفطر، فلما تعلّق بيوم النحر وجوب صلاة العيد، وَجَبَ أن يتعلق به حق المال لله تعالى، واتفق الجميع على سقوط ما عدا الأضحية، فوجب أن يكون الحق الذي تعلق وجوبه في المال بهذا اليوم هو الأضحية. فإن قيل: فقد يجوز عندكم فعل صلاة العيد في اليوم الثاني من الفطر (١) أحكام القرآن للجصاص ٨٧/٥، المبسوط ٩/١٢، بدائع الصنائع ٦١/٥. (٢) المبسوط ١٣٢/٤. ٣٢٠ كتاب الضحايا إذا فاتت في اليوم الأول لعذر، ولا يتعلق باليوم الثاني وجوب صدقة الفطر. قيل له: لم تكن العلة جواز الفعل، وإنما كانت وجوب الفعل، وصلاة العيد لا تجب في اليوم الثاني من الفطر، وإنما تجب في اليوم الأول، وتُفعل في اليوم الثاني على وجه القضاء إذا فاتت لعذر. ألا ترى أنا نقول إنه لو تركها الإمام عمداً من غير عذر: لم يجب قضاؤها في اليوم الثاني، فعلمت أنَّ اليوم الثاني من الفطر ليس يتعلق به وجوب صلاة العيد وإن تعلق به جواز الفعل على جهة القضاء في بعض الوجوه. فإن قيل: فأنتم توجبون الأضحية على مَن بَلَغ أو أسلم في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر، ولا يتعلق بهذين اليومين وجوب صلاة العيد. قيل له: هذا سؤال ساقط، لأنه إلزام على غير العلة، وإنما ألزمتَ على عكس العلة، وعلى أنه غلط في المذهب، لأن اليوم الثاني والثالث من أيام النحر عندنا وقتٌ للزوم صلاة العيد، لأنا نقول: إن الإمام لو تركها في اليوم الأول لعذر أو لغير عذر، فَعَلَها في اليوم الثاني والثالث، لا على وجه القضاء، بل على أنه وقت الوجوب، فمن أجل ذلك قلنا إن مَن بلغ من الأطفال، أو أسلم من الكفار في هذه الأيام، لزمته الأضحية. * وإنما قالوا إن الأضحية على الأغنياء الذين تجب عليهم صدقة الفطر لأجل غناهم، للعلة التي وصفنا، وهي أنّ وجوبها تعلق بوقت وجوب صلاة، كما تعلق وجوب صدقة الفطر باليوم الذي تجب فيه صلاة العيد، ثم كانت صدقة الفطر على الأغنياء لدلائل أوجبت ذلك، وَجَبَ أن یکون کذلك حکم الأضحية فیمن تجب عليه.