النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كتاب الصيد والذبائح
وكما أنَّ قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾(١)، مرتَّب على ما ورد من النهي
عن بيع ما لم يُقبض(٢)، وبيع ما ليس عنده(٣).
ونظائره أکثر من أن تُحصى.
فإن قيل: فقد روى ((جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم
في الضبع أنه يؤكل)) (٤)، وهو من ذي الناب من السباع، فهلا استثنيتَه من
الأخبار الواردة في تحريم السباع عاماً، كما استثنيتَ مما ذُكر في الآية
تحريم السباع.
قيل له: لأنه لا يحتمل أن يكون ذلك في حال إباحة الجميع، ثم لما
ورد الحظر، ولم يخص شيئاً منه: عمَّ الكل، من قِبَل أنّ الأصل كان
الإباحة.
وجهة أخرى: وهي أنّ النهي عن ذي الناب من السباع قد ورد من
(١) البقرة: ٢٧٥.
(٢) صحيح مسلم ١٦٨/١٠.
(٣) جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي، وقال: حديث حسن ٢٣٦/٢، سنن أبي
داود ٢٥٢/٢.
(٤) سنن النسائي ٢٠٠/٧، سنن ابن ماجه (٣٢٧٦) ٢٢٥/٢، في الزوائد:
إسناده ضعيف، السنن الكبرى ٣١٨/٩، سنن الترمذي ٩٠/٢، قال الترمذي: هذا
حديث حسن صحيح.
قال ابن التركماني: حديث النهي عن كل ذي ناب من السباع صحيح ثابت
مشهور، مروي من عدة طرق، فلا يعارَض به حديث: ((الضبع صيد))، لأنه انفرد به
عبد الرحمن بن أبي عمار، وليس بمشهور بنقل العلم، ولا ممن يحتج به إذا خالفه
مَن هو أثبت منه. نقلاً عن صاحب التمهيد. الجوهر النقي ٣١٨/٩.

٢٨٢
كتاب الصيد والذبائح
طريق التواتر، وتلقّاه الفقهاء بالقبول، فجاز أن يُجمع بينه وبين حكم
الآية، وإباحة الضبع إنما ورد فيه خبر شاذ، ليس في وزن ورود التحريم
في الاستفاضة والشيوع، وتلقي الناس إياه بالقبول، فصار خبر التحريم
قاضياً عليه وإن كان خبر الحظر أعم من خبر الإباحة(١)؛ لأن من أصلنا:
أنه متى روي خبران متضادان، اتفق الفقهاء على استعمال أحدهما،
واختلفوا في استعمال الآخر، فالذي استعمله الفقهاء عندنا قاضٍ على ما
اختلفوا في استعماله وإن كان الخبر المختلف فيه أخص من الآخر.
مسألة : [حكم أكل لحوم الحُمُر الأهلية والوحشية]
قال: (ولا تؤكل لحوم الحمر الأهلية، ولابأس بأكل الحمر
الوحشية)(٢).
قال أحمد: وهو قول عامة فقهاء الأمصار: أصحابنا ومالكٍ(٣)
والثوري وغيرهم.
وذكر ابن جريج عن عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: إنهم
يزعمون أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحُمُر الأهلية؟
فقال: قد كان يقول ذلك الحَكَم بن عمرو الغفاري عندنا عن النبي
(١) شرح معاني الآثار ١٩٠/٤، أحكام القرآن للجصاص ١٩٠/٤، بدائع
الصنائع ٣٩/٥.
(٢) الكتاب واللباب عليه ٢٣٠/٣، المبسوط ٢٣٢/١١، بدائع الصنائع
٣٧/٥، الدر المختار ٣٠٤/٦، الهداية والعناية عليها ٤١٩/٨.
(٣) المدونة الكبرى ٦٤/٢، التاج والإكليل ٢٣٥/٣، وينظر معالم السنن
٤ / ٢٥٠.

٢٨٣
كتاب الصيد والذبائح
عليه الصلاة والسلام، ولكن أبى ذلك البَحْر، يعني ابن عباس رضي الله
عنه، وقرأ: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُمْ﴾(١). الآية.
قال أحمد : روى الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد عن أبيهما
محمد بن علي ابن الحنفية ((أنَّ علياً رضي الله عنه قال لابن عباس: إنك
امرؤ تائه، فانظر ماذا تفتي به!
فأشهَدَ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء عام
خيبر، وعن أكل الحُمُر الإنسية))(٢).
وقد روى النهيَ عن لحوم الحمر الأهلية عن النبي عليه الصلاة
والسلام ابنُ عمر وجابرٌ والبراء وأنس بن مالك وأبو سليط وأبو هريرة
وسلمة بن الأكوع، كل هؤلاء رووا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى
عنها يوم خيبر (٣)، ثم تنازع أهل العلم في معنى نهيه (٤).
(١) الأنعام: ١٤٥، وانظر الأثر، صحيح البخاري مع الفتح ٥٣٨/٩، شرح
معاني الآثار ٢٠٥/٤، السنن الكبرى ٣٣/٩.
(٢) صحيح البخاري ٥٣٧/٩، السنن الكبرى ٣٢٩/٩، شرح معاني الآثار
٢٠٤/٢، وفي جميعها طرف الحديث الأخير، ولم يذكر فيها قول علي لابن عباس
رضي الله عنهم، ولكن ذكره ابن التركماني ٣٣١/٩ قال: وأخرج صاحب التمهيد من
حديث محمد ابن الحنفية عن علي ... إلا عبارة: فانظر ماذا تفتي به، فأشهد أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
(٣) صحيح البخاري ٥٣٧/٩، شرح معاني الآثار ٢٠٤/٤، السنن الكبرى
٢٢٩/٩، مسند أبي يعلى (١٧٢٢) ٣٠١/٢.
(٤) شرح معاني الآثار ٢٠٥/٤، صحيح البخاري ٥٣٨/٩، السنن الكبرى
٣٣٠/٩، المبسوط ٣/١٣.

٢٨٤
كتاب الصيد والذبائح
فقال قائلون: إنما نهى عنها لشدة الحاجة إليها في الحمولة، لأنه روي
في الخبر: ((أنه قيل له: يا رسول الله فَنِيَتْ الحمر)).
وقال بعضهم: لأنها كانت نُهْبَة(١)، لما روي في بعض الأخبار.
وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما
نهى عنها، لأنها كانت حُمُراً تأكل العَذِرة.
وقال عامة أهل العلم: إنما حرَّمها تحريماً مبهماً.
والدليل عليه: أنَّ في حديث أنس أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((إن الله ورسوله ينهيانكم عنها، فإنها رجس))(٢).
وفي بعض ألفاظه: ((فإنها نجس، فأكفِئوا القدور))(٣).
فقد نصَّ في هذا الخبر أن تحريمها تناول عينها، لا لأجل خوف فَنائها
مع الحاجة إلىُ الظَّهْر، ولا لأنها نُهْبة.
وأيضاً: فإنه أمرهم بأن يكفِئوا القدور، ولو كان من أجل ما ذكروا،
لما أمرهم بإتلافها، لأنه كان سبيلها حينئذ أن يُتَصدَّق بها على الفقراء،
كما أمر بأن يُتصدَّق بالشاة المصلية التي قُدِّمت إليه، فقال: إنها تخبرني
أنها أُخذت بغير حقها، قالوا: لم نجد في السوق شاة، وكانت هذه عندنا
وديعة، فذبحناها بغير أمر صاحبها، لنعوِّضه منها، فقال النبي عليه الصلاة
(١) أي: انتهبوها من الناس، وأصابوها من الفيء. ينظر شرح معاني الآثار
٢٠٧/٤-٢٠٨.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٩٤/٣، صحيح البخاري ٥٣٨/٩، السنن
الكبرى ٣٣١/٩، شرح معاني الآثار ٢٠٨/٤.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ٩٤/٣، السنن الكبرى ٣٣١/٩.

٢٨٥
كتاب الصيد والذبائح
والسلام: ((أطعموها الأسرى))(١).
فأمر بأن يُتصدَّق بها لما كانت مغصوبة، ولم يأمر بإتلافها(٢).
فلما أمرهم بإتلافها، ومنعهم أكلها مع ما روي في الخبر: ((أنهم
أَكَفَؤوا القدورَ وهم جياعٌ)): دلَّ ذلك على أنَّ تحريم أكلها ورد مبهماً
مطلقاً، لما ذكرنا.
وأيضاً: في حديث سلمة بن الأكوع: ((أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم لما رأى يوم خيبر نيراناً تُوقَد، فقال: ما هذه النيران؟
قالوا: على لحوم الحمر الإنسية.
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أهريقوا ما فيها، واكسروها، يعني
القدور.
فقال رجل من القوم: أو نغسلها يا رسول الله؟ فقال: أو ذاك))(٣).
فأمرهم بكسر القدور تغليظاً لحكم تحريمها، كما أمرهم بشق
الروايا(٤) التي فيها الخمر حين نزل تحريمها تغليظاً لأمرها(٥)، وأمرهم
(١) تقدم.
(٢) ينظر شرح معاني الآثار ٢٠٨/٤.
(٣) شرح معاني الآثار ٢٠٨/٤، صحيح مسلم بشرح النووي ٩٣/١٣، السنن
الكبرى ٣٣٠/٩، صحيح البخاري ٣٧٥/٧.
(٤) الروايا من الإبل: الحوامل للماء، واحدتها راوية، وبه سميت المزادة
راوية، قال أبو عبيد: لا تكون - يعني المزادة - إلا من جلدين، تفام بجلد ثالث بينهما
لتتسع. لسان العرب (روي)، ٣٤٦/١٤ (زود)، ١٩٩/٣.
(٥) الفتح الرباني ١٧ /١٤١، صحيح البخاري مع الفتح ٩١/٥، مجمع الزوائد
=

٢٨٦
كتاب الصيد والذبائح
بغسلها حين استعفوه من كسرها، ومعلوم أن غسل الأواني لا يجب في
الأصول إلا من طريق النجاسات.
فقد دل خبر سلمة بن الأكوع على إطلاق تحريم لحوم الحمر الأهلية
من وجھین:
أحدهما: أَمْره بكسر القدور، ودل بذلك أيضاً على تغليظ حكم
التحریم.
والثاني : أَمْره بغسلها.
* وأما قول من قال: إن علة النهي عن أكلها أنها كانت تأكل العَذِرة:
فإنه دعوى لا دلالة عليها، لأنه ليس في شيء من الأخبار ذِكْر ذلك، ولا
أنه ذُكِر للنبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت تأكل العَذِرة، ولا فيها أنَّ
النبي عليه الصلاة والسلام سأل عن هذا المعنى، بل أُطلق نقل النهي حين
قيل: إنها حُمر أهلية، ولم يقيده بمعنى، فهو على ما ورد من الإطلاق.
وأيضاً: فإن كونها مما يأكل ذلك، لا يوجب غسل الأواني منها لو لم
تكن نجسة في نفسها، فدل ذلك على سقوط هذا التأويل.
وعلى أنه قد ورد تحريم الحُمر الأهلية في حديث المقدام بن معدي
كَرب مطلقاً، بابتداء التحريم من النبي عليه الصلاة والسلام إياها، غير
معلَّقٍ بسبب(١).
وروي عن أبي ثعلبة الخشني أنه قال: ((أتيت النبي صلى الله عليه
وسلم، فقلت: يا رسول الله! حدثني ما يَحِلَّ لي، مما يَحْرُم علي؟
٥٦/٥.
(١) شرح معاني الآثار ٢٠٩/٤، السنن الكبرى ٢٣١/٩-٢٣٢.

٢٨٧
كتاب الصيد والذبائح
قال: لا تأكل الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع)) (١).
فأجابه بالتحريم جواباً مطلقاً غير مقيَّد بمعنى، فدل ذلك على إطلاق
تحريم أكلها، وسقوط تأويل مَن تأوله على غير ذلك.
* وأما احتجاج مَن احتج في إباحتها بقوله تعالى: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِى مَآ
أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾(٢): فإن الجواب فيه ما قدَّمناه في مسألة
تحريم ذي الناب من السباع.
وقد احتج مبيحوه بحديث غالب بن الأبجر أنه قال: يا رسول الله! إنه
لم يبق من مالي شيء أستطيع أن أُطعم منه أهلي غير حُمُراتٍ لي.
قال: ((فأطعِم أهلك من سمين مالك، فإنما كرهتُ لكم جَوَّال
الْقُرَى))(٣).
قالوا: فهذا الخبر يقتضي الإباحة، ويدل على أنّ النهي عن تحريم
الحمر الأهلية كان متقدماً لذلك، وأن ذلك النهي تعلق بجوَّال القُرَى،
وهي التي تأكل العذرة.
فالجواب وبالله التوفيق: أنَّ هذا الخبر لو اكتفينا به في تحريم الحمر
الأهلية، لكان فيه غناء عن الاحتجاج بغيره، وذلك لأنه قد أخبر أنه
(١) شرح معاني الآثار ٤ /٢٠٧.
(٢) الأنعام: ١٤٥.
(٣) شرح معاني الآثار ٢٠٣/٤، سنن أبي داود ٣٢٠/٢، السنن الكبرى
٣٣٢/٩، وقال عنه: هذا حديث مختلف في إسناده، وقال ابن حجر في الفتح
٥٤٠/٩: إسناده ضعيف، والمتن شاذ مخالف الأحاديث الصحيحة.

٢٨٨
كتاب الصيد والذبائح
كره لهم جَوَّال القرى، والحمر الأهلية كلها جَوَّال القرى، فوجب
تحريمها بهذا الخبر، وتكون إباحته لما سئل عنه، مقصورة على الحمر
الوحشية.
وأما قوله: إن جوال القرى إنما أراد بها الحمر الجلالة(١)، فليس في
اللفظ دليل عليه، وليس يمتنع أن يكون منه(٢) جوال القرى، ولا تأكل
العذرة، فلا يكون قوله: جوال القرى، عبارة عن ذلك.
وجهة أخرى: وهي أنه لو ثبت أنه أباح له الحمر الأهلية في هذا
الخبر، كان خبر النهي أولى، لأن الخبرين المتضادين في الحظر والإباحة،
إذا وردا، فخبر الحظر عندنا أولی.
وأيضاً: فإنه يحتمل أن يكون المراد حال الضرورة، ويدل عليه ما
ذكر في بعض الأخبار أنه قال: ((أصابتنا سَنَة، فلم يبق من مالي شيء
أستطيع أن أطعمه أهلي)) (٣)، وإذا كانت الإباحة مقصورة على حال
الضرورة، لم يجز لنا استعمال حكمها في حال الرفاهية مع ما ورد من
الآثار في الحظر.
مسألة : [حكم لحوم الخيل]
قال: (وكان أبو حنيفة يكره لحوم الخيل) (٤).
(١) الجلالة من الحيوان: التي تأكل العذرة، والجلة البعر، فوضع موضع
العذرة. ينظر النهاية ٢٨٨/١.
(٢) في (ر.حـ): وليس نمنع أن يكون من جوال.
(٣) سنن أبي داود ٣٢٠/٢.
(٤) الكتاب ٢٣٠/٣، حاشية ابن عابدين ٣٠٥/٦، المبسوط ٢٣٣/١١،

٢٨٩
كتاب الصيد والذبائح
قال الشيخ: وهو قول مالك بن أنس(١).
(وقال أبو يوسف ومحمد: تؤكل).
والدليل على كراهتها: قول الله تعالى: ﴿ وَاُلْأَنْعَمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا
رِفْءٌ﴾. إلى قوله: ﴿ وَالْخَيَّلَ وَاَلْبِغَالَ وَاَلْحَمِيرَ لِتَرَّكَبُوهَا وَزِينَةً﴾(٢).
فقد ذكر من منافع الأنعام: الأكل والزينة، وما ذُكر معهما من
منافع الخيل الركوب والزينة، فلو كانت مما يجوز أكله، لذَكَر ذلك؛
لأنه من معظم منافعه، كما ذَكَر في الأنعام، فلما اقتصر على ما ذُكِر
دون الأكل، دل ذلك على أن عُظْم منافعها هو ما ذُكِر، وأنها غير
مأكولة(٣).
وأيضاً: ما رُوي لنا عن أبي داود حدثنا حيوة بن شريح حدثنا
بقية عن ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كَرِب
عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه
الهداية ٤٢٠/٨، بدائع الصنائع ٣٨/٥.
(١) الموطأ مع شرحه تنوير الحوالك ٣٢٦/١، جواهر الإكليل ٢٣٥/٣.
(٢) النحل: ٥-٨ وتمام الآيات: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
وَلَكُمْ فِيهَا جَالٌّ حِينَ تُرِبِحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (١) وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ
بَلِغِيهِ إِلَّ بِشِقِّ الْأَنفُسَِّ إِنَّ رَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّرْكَبُوهَا
وَزِينَةٌ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾.
(٣) التفسير الكبير ٢٢٧/١٩-٢٣٠، تفسير القرآن العظيم ٥٨٢/٢.

٢٩٠
كتاب الصيد والذبائح
وسلم نهى عن أكل لحوم الخيل، والبغال، والحمير، وكل ذي ناب
من السباع))(١).
فإن قيل: فقد روى جابر بن عبد الله ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه
وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر، وأذِنَ لنا في لحوم الخيل))(٢).
قيل له: أصل الحديث ما رواه حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر
قال: ((نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحَمُر والبغال، ولم ينهنا
عن الخيل))(٣).
وما رواه عطاء عن جابر قال: ((كنا نأكل لحوم الخيل على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
لحوم الحمر الأهلية))(٤).
فلم يَذْكر في هذا الحديث قولاً من النبي صلى الله عليه وسلم في
الإباحة، وأكثر ما فيه أنهم أكلوه على عهد النبي صلى الله عليه
(١) سنن النسائي ٢٠٢/٧، سنن أبي داود ٣١٦/٢، وقد تعقب ابن التركماني
البيهقي حین ضعَّف الحدیث بقوله أخرجه أبو داود، وسكت عنه فهو حسن عنده،
وقوى سند النسائي للتصريح بالتحديث، وبقية إذا صرح بالتحديث كان السند
حجة ... الجوهر النقي ٣٢٨/٩.
(٢) صحيح البخاري ٥٣٧/٩، سنن أبي داود ٣٢٠/٢، شرح معاني الآثار
٢١١/٤.
(٣) سنن أبي داود ٣١٦/٢، الفتح الرباني ٦٦/١٧، السنن الكبرى ٣٢٧/٩.
(٤) السنن الكبرى ٣٢٧/٩، مصنف ابن أبي شيبة (٢٤٣٢١) ١٢١/٥، سنن
الدار قطني ٢٨٨/٤، وفي التعليق المغني: الحديث مخرج عند أصحاب السنن
البخاري ومسلم والنسائي وأبي داود والترمذي وإن اختلف السند. اهـ.

٢٩١
كتاب الصيد والذبائح
وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه، ومثل هذا لا تثبت
به حجة حتى يأكلوه، ويعلمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بذلك منهم،
فلا ينكره.
وعلى أنه لو ثبت على الوجه الذي ذكروه، لكان خبرنا أَوْلى من
وجهين:
أحدهما: أنه يوجب الحظر، وخبرهم يوجب الإباحة، والحظر
والإباحة إذا اجتمعا كان الحظر أولى.
والثاني: أنَّ خبر جابر مذكورٌ فيه وقت الإباحة، وهو عام خيبر،
وفصَّل فيه بين الحمر والخيل، وذلك أول ما حُرِّم؛ لأنهم أرادوا أكله
بالإباحة المتقدمة، وخبر خالد بن الوليد ينبغي أن يكون بعده، إذ لم يكن
قبل خيبر تحريم شيء من ذلك، ولا يجوز أن يكون في عام خيبر، لأن في
خبر جابر الفصل بين الخيل والحمر، فينبغي أن يكون خبر خالد الذي
جمع فيه بين الخيل والحمر: بعد ذلك، فيوجب ذلك نسخ ما في خبر
جابر من الإباحة(١).
ومن جهة النظر: أنه أهليٌّ من ذوات الحافر، كالحمير والبغال.
(١) ينظر المبسوط ٢٣٤/١١، الجوهر النقي ٣٢٩/٩، نصب الراية
١٩٦/٤.
اقتصر الجصاص في هذه المسألة وفي مسائل كثيرة على أدلة قول الإمام أبي
حنيفة فقط، وانتصر له، ولم يذكر أدلة قول الصاحبين الذي اختاره الطحاوي صاحب
المختصر، وقد بسط أدلة اختياره في شرح معاني الآثار ٢١١/٤، وكذلك الزيلعي في
نصب الراية ١٩٨/٤.

٢٩٢
کتاب الصيد والذبائح
مسألة : [العقيقة تطوعٌ وليست واجبة]
قال: (والعقيقة تطوع، مَن شاء فعلها، ومَن شاء تركها)(١).
قال أحمد : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كل غلام
رهينة بعقيقته، تُذْبح عنه يوم السابع، ويُحلَق رأسُه، ويُدْمَى))(٢).
رواه الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وليس في هذا الحديث دلالة على وجوبها؛ لأن قوله: ((كل غلام
رهينة بعقيقته)): لا يجوز أن يكون مراده وجوبها؛ لأنه لا يخلو حينئذ من
أن تكون واجبة على الغلام أو على غيره.
ولا يجوز أن يكون ذلك على الغلام، ويكون مرتهَناً بها؛ لأن الطفل
ليس من أهل التكليف، وإن كانت العقيقة عنه على غيره، وهو والده، فلا
يجوز أن يكون الصبي مرتهَناً بها على غيره، فكيف تصرَّفت الحال فلا
دلالة في هذا اللفظ على وجوبها.
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال ((سئل النبي صلى الله
(١) بدائع الصنائع ٦٩/٥، عمدة القاري ٨٣/٢١، حاشية رد المحتار ٥/ ٢١٣
(ط بولاق)، ٦/ ٣٢٦ (ط البابي الحلبي)، حاشية الطحطاوي على الدر المختار ٤/
١٦٨.
(٢) سنن أبي داود ٩٥/٢. قال أبو داود: وهذا وهم من همام: ((ويدمى)). قال
أبو داود: خولف همام في هذا الكلام، وإنما قالوا: ((يسمى)). فقال همام: يدمى اهـ
السنن الكبرى ٢٩٩/٩. وفيه: ((ويسمى))، فتح الباري ٤٨٨/٩، التلخيص الحبير
١٤٦/٤ وفيه رد لتغليط أبي داود، إرواء الغليل ٣٨٥/٤.

٢٩٣
كتاب الصيد والذبائح
عليه وسلم عن العقيقة، فقال: لا يحب الله العقوق))، كأنه كره الاسم.
وقال: ((مَن ولد له فأحب أن يَنْسُك عنه، فلينسُك عن الغلام شاتان
مكافئتان، وعن الجارية شاة))(١).
وظاهر هذا اللفظ يدل على أنها غير واجبة، لأنه قال: ((مَن أحب أن
يَنْسُك عن ولده، فليفعل))، فعلَّق فعلَه بمحبته، فإذا لم يُحبَّه، لم يكن
علیه.
مسألة : [حكم الانتفاع بالسَّمْن الذي ماتت فيه فأرة]
قال: (ومَن كان له سمنٌ، فماتت فيه فأرةٌ: فإنها تُلقى وما حولها،
ويؤكل ما سواه إن كان جامداً.
وإن کان ذائباً: فإنه يُستصبح(٢) به، وهو نجس، ولا بأس ببيعه بعد أن
يُبَيَّن عيبه، ولا يحل أكله ولا شربه).
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ((سئل عن سمن
ماتت فيه فأرة، فقال: إن كان جامداً: فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً:
فأهريقوه))(٣).
فهذا في السمن الجامد.
* وأما جواز الانتفاع به: فوجهه: ما رواه أحمد بن منصور الرمادي
(١) سنن أبي داود ٩٦/٢، ٣٠٠/٩، صحيح البخاري مع الفتح ٤٨٦/٩.
(٢) يستصبح به: أي يشعلون به سرجهم. النهاية لابن الأثير ٧/٣.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ٥٤٩/٩، سنن الدار قطني ٢٩١/٤، سنن أبي
داود ٣٢٧/٢، جامع الترمذي ٨٠/٣.

٢٩٤
كتاب الصيد والذبائح
قال: حدثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم قال: حدثنا عبد الجبار بن عمر
عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر أنه أخبره أنه كان عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم، حيث ((سأله رجل عن فأرة وقعت في وَدَكٍ(١) جامد.
فقال: اطرحوها وما حولها، وكلوا وَدَكَكم.
قالوا: يا رسول الله! إنه مائع؟ قال: انتفعوا به، ولا تأكلوه))(٢).
فأباح الانتفاع به، ومَنَع أكله.
وروي نحو ذلك عن علي (٣) رضي الله عنه، وعن أبي سعيد (٤)، وابن
عمر(٥)، وأبي موسى(٦)، وعن جماعة من التابعين(٧)، ولم يُرو عن أحد
(١) الودك: هو دسم اللحم ودهنه الذي يُستخرج منه. النهاية لابن الأثير ١٦٩/٥.
(٢) السنن الكبرى ٣٥٤/٩، قال البيهقي: عبد الجبار غير محتج به. ثم قال:
وروي عن ابن جريج عن ابن شهاب هكذا، والطريق إليه غير قوية، وانظر سنن
الدار قطني ٢٩١/٤، وفي الجوهر النقي ٣٥٤/٩. بعد بيانه للرواية الثالثة وأنها عن
يحيى بن أيوب عن ابن جريج قال: والظاهر أنَّ البيهقي لأجله جعل هذه الطريق غير
قوية، وهو ممن احتج به الشيخان في صحيحهما، ويعرف بالغافقي المصري، ثم ذكر
أنَّ لهذا السند شاهداً بسند رجاله ثقات، وهو عند الطحاوي في كتابيه المشكل
واختلاف العلماء.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٢٤٣٩٤) ١٢٨/٥.
(٤) سنن الدار قطنى (٨١-٨٢) ٢٩٢/٤.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة (٢٤٣٩٦) ١٢٨/٥، السنن الكبرى ٣٥٣/٩، وفيه
إلقاء المائع، ولم ينص على الانتفاع به.
(٦) مصنف ابن أبي شيبة (٢٤٣٩٥) ١٢٨/٥.
(٧) مصنف ابن أبي شيبة ١٢٩/٥، عن إبراهيم، وعطاء، ومكحول وغيرهم.

٢٩٥
كتاب الصيد والذبائح
من الصحابة خلافه، فصار إجماعاً لا يسع خلافه.
فإن قيل: قوله: (فأهريقوه)) في الحديث الأول: أَمرٌ بالاستهلاك، فيدل
على حَظْر الانتفاع به، لأنه لو جاز ذلك: كان مالاً، وقد ((نهى النبيُّ صلى
الله عليه وسلم عن إضاعة المال))(١).
قيل له: ليس في قوله: ((فأهريقوه)): أمرٌ بالاستهلاك، وإنما فيه مَنْع
الأكل، لأنه يجوز أن يهريقه في السراج، فيَستصبح به، أو يهريقه على
جلد يدبغه به(٢).
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن الله
اليهود، حُرِّمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها))(٣).
وهذا يدل على أنَّ ما كان محرَّم الأكل، لا يجوز بيعه.
قيل له: هذا فاسد بإجماع، لأن العبد محرم الأكل، ويجوز بيعه
والانتفاع به، وكذلك الكلب والحمار، وإنما هذا عندنا على وجهين:
ما تناوله التحريم بالإطلاق، فسائر وجوه الانتفاع به محرم عندنا،
مثل الخمر والخنزير(٤)، وهذه كانت سبيل الشحوم، حين حرمت على
اليهود.
وأما ما لم يتناوله التحريم على الإطلاق، فليس يمتنع إباحة بعض
منافعه دون بعض، على نحو ما ذكرنا من العبد والكلب والحمار،
(١) صحيح البخاري ١١ /٢٥٧.
(٢) ينظر معالم السنن ٢٥٨/٤، شرح السنة ٢٥٨/١١.
(٣) صحيح البخاري ٣٣٦/٤، صحيح مسلم ٦/١١.
(٤) أصول السرخسي ٨٣/١.

٢٩٦
كتاب الصيد والذبائح
وليس عين السمن محرماً، ولا البيع ولا الانتفاع واقع بالميتة، بل هذه
المنافع إنما تناولت السمن الذي ليس هو محرماً، وإنما منع أكله
لمجاورته الميتة، وسائر وجوه الانتفاع به باق على ما كان عليه حاله في
الأصل.
فإن قيل: لما كان تحريم الخمر أو الميتة ونحوها من طريق الحكم،
لأجل مخالطته لغيره، وكان ذلك حكم السمن إذا جاورته الميتة، لأنه لم
يخالطه شيء من أجزاء النجاسة، وجب أن يكون ممنوعاً من سائر وجوه
منافعه، كما منع سائر وجوه منافع الخمر.
قيل له: ليست علة تحريم الخمر ما ذكرتَه، بل المعنىُ فيها أنَّ التحريم
تناولها على الإطلاق، وأما السمن فلم يتناوله لفظ التحريم، فالواجب أن
يحظر منه ما قامت عليه دلالته من الأكل، وأن تكون باقي منافعه على ما
کانت علیه.
وعلى أنه إذا ثبت أنَّ مخالطته النجاسة إياه لا تمنع بيعه، فمجاورتها
أحرى أن لا تمنعه، فلا فرق إذاً بين ما نجس بالمجاورة، وبين ما نجس
باختلاط أجزاء النجاسة.
مسألة : [حكم البيضة الخارجة من الدجاجة بعد موتها]
قال: (ومَن ماتت له دجاجة، فخرجت منها بيضة: فلا بأس
بأكلها)(١).
والأصل في ذلك: أنَّ كل ما يُستباح من الحيوان في حال حياته بغير
ذكاة، فحاله بعد الموت كهي قبله، وذلك لأنه لا يلحقه حكم الموت،
(١) بدائع الصنائع ٤٣/٥، تبيين الحقائق ٢٦/١.

٢٩٧
كتاب الصيد والذبائح
لأنه لو كان يلحقه حكم الموت، لما حلَّ له إلا بذكاة الأصل، كاللحم
وسائر أعضاء الحيوان، لمّا لَحِقه حكم الموت بموت الحيوان، لم يحله
إلا الذكاة.
ويدل عليه: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما بان
من البهيمة وهي حية: فهو ميتة))(١).
فلما كانت البيضة تَبين منها في حال الحياة، وليست بميتة، عَلِمْنا أنها
مما لا يلحقه حكم الموت.
ولهذه العلة نفسها قلنا في الشعر والصوف والريش والقَرْن ونحوها،
أنها لا تكون ميتة بعد موت الحيوان، لأنها تؤخذ منه في حال حياته، ولا
يحتاج في استباحته إلى ذكاة الأصل، فلا يلحقه حكم الموت إذاً، ولا
فرق بينه قبل الموت وبعده.
وأيضاً: فما ليس بحي، لا يلحقه حكم الموت، والبيضة ليست بحية،
لأن الحيوان لا يألم بمفارقتها إياه، كالشعر والصوف.
مسألة : [حكم تناول لبن الشاة الميتة]
قال أبو جعفر: (ومَن ماتت له شاة أو ما أشبهها، وفي ضَرْعها لبن:
فإن أبا حنيفة قال: لا بأس عليه بأكله)(٢).
(١) سنن أبي داود ١٠٠/٢، السنن الكبرى ٢٤٥/٩ بلفظ: ((ما قطع من البهيمة
وهي حية فهو ميتة))، مسند أبي يعلى (١٤٤٦) ١٦١/٢، سنن الدارقطني (٨٣، ٨٤)
٢٩٣/٤، نصب الراية ٣١٧/٤، قال الدارقطني: المرسل أشبه بالصواب، وفي عبارة
أخرى: المرسل أصح، وينظر التلخيص الحبير ٢٨/١.
(٢) ينظر تبيين الحقائق ٢٦/١، فتح القدير ٨٤/١، بدائع الصنائع ٤٣/٥.

٢٩٨
كتاب الصيد والذبائح
قال أحمد: قد بيًَّا أنَّ كل ما جاز أخذه من الحيوان في حال
حياته، ولا يُحتاج إلى استباحته إلى ذكاة الأصل، وهو مما لا يُحِلُّه
الموت، فلا فرق بين أخذه في حال حياته وبعد موته، واللبن من ذلك؛
لأنه يجوز أَخْذه من الحيوان في حال حياته، ولا يمنع ذلك شربه،
والانتفاع به.
وكون الحيوان نجساً بالموت، لا يوجب تنجيس اللبن في قول أبي
حنيفة، ولا يكون بمنزلة لبن جُعِل في وعاء نجس، فينجسه، وذلك لأن
موضع الخلقة وإن كان نجساً، فإنه لا ينجس بالمجاورة(١).
والدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةً نُّتْقِيَكُمْمِمَّا
فِي بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمِ لََّنَا خَالِصًا سَآِغَا لِلشَّرِبِينَ﴾(٢).
فأخبر أنَّ اللبن خارج من بين شيئين نجسين، ولم يوجب ذلك
تنجیسه.
ويدل على ذلك: اتفاق المسلمين على جواز أكل اللحم مع ما فيه
من العروق التي قد كان فيها الدم، ومعلوم أنّ الدم مائع نجس، ثم لم
ينجس داخل العروق، لأن ذلك موضع خِلقته، كذلك اللبن في ضرع
الميتة.
* (وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان جامداً كالبيضة: أَكَلَه، وإن كان
مائعاً: لم يأكله، لأنه لبن في وعاء ميت).
(١) ينظر تبيين الحقائق ٢٦/١، فتح القدير ٨٤/١، بدائع الصنائع ٤٣/٥.
(٢) النحل: ٦٦.

٢٩٩
كتاب الصيد والذبائح
مسألة : [حكم أكل صيد انقسم نصفين إثر رميه]
قال: (ومَن رمى صيداً بسيف وسمَّى، فقطعه نصفين: كان مسيئاً،
وكان له أكل النصفين جميعاً).
وذلك لأنه قطع العروق التي هي شرط الذكاة في قطعها، وذلك لأن
الضربة حينئذ تقع فوق القلب، فتقطع تلك العروق التي يُحتاج إلى قطعها
في حال الذبح.
وإن قطع الثلث منه مما يلي الرأس: فهو كذلك، للعلة التي وصفنا.
وإن كانت مما يلي العجز: لم يأكل ذلك الثلث، وأكل ما سواه من
الصيد، وذلك لأن الضربة لم تصادف قطع أعضاء الذكاة، فكانت القطعة
البائنة غير مذكاة(١)، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما بان من البهيمة
وهي حية، فهو ميتة))(٢).
فإن قيل: فيما ذكرنا من النصفين أنَّ الضربة التي تقع فوق الفؤاد،
فتصادف العروق التي يُحتاج إلى قطعها في الذبح، أنّ هذا إذا كان هكذا
لا یکون نصفین.
قيل له: إنما عنى أنه نصفان بالرأس أيضاً، فإذا ضَمَمْتَ الرأس إلى
النصف الأعلى كان نصفين.
وأيضاً: فإن في وجه المسألة: أنَّ الضربة إذا صادفت النصف، سواء
لم يبق فيه من الحياة إلا بمقدار بقائه للمذبوح، وإذا كانت في دون
(١) بدائع الصنائع ٤٥/٥، الهداية ومعها العناية ٦١/٩، المبسوط ٢٥٤/١١.
(٢) سبق.

٣٠٠
كتاب الصيد والذبائح
النصف مما يلي العجز، فقد يجوز أن يبقى فيه الحياة بأكثر من بقاء حياة
المذبوح، فصار كقطع الرِّجْل.
مسألة : [حكم أكل الصيد إذا أصاب السهمُ قرنه ونحوه ومات بذلك]
قال : (ومَن رمى ظبياً بسهم، فأصاب قرنه أو ظِلْفَه، فمات من ذلك،
فإن أدماه: أکله، وإن لم يدمه: لم يأكله).
قال أحمد: وذلك لما بينا فيما تقدم، واعتباره بالمعراض إذا خَزَق،
أو لم يخزق(١)، على حسب ما روي في الخبر.
مسألة : [حکم أكل صيدٍ غاب عنه الصياد ثم وجده]
(ومَن أرسل كلبه على صيد، فاتَّبعه حتى غاب عنه، فلم يزل في
طلبه حتى أدركه وقد صاد الصيد: فإنه يأكله، وإن كان قد تركه، أو
كان في طلبه إلا أنه قد بات عنه، ثم أصابه من غده كذلك: لم
یأکله))(٢).
وذلك لما رواه شعبة عن أبي بشر وعبد الملك بن ميسرة عن سعيد بن
جبير كلاهما عن عدي بن حاتم قال: ((قلت: يا رسول الله! أرمي الصيد،
فأصيبه من الغد، وفيه سهمي؟
قال: إن علمتَ أنَّ سهمك قتله، ولم تر فيه أثراً غير سهمك: فكُلْ))(٣).
فأباح له الأكل بشريطة حصول اليقين أنَّ سهمه قَتَله، ولم يشاركه فيه
(١) الهداية ٩/ ٦٠، المبسوط ٢٢٢/١١، ٢٥٣.
(٢) بدائع الصنائع ٥٩/٥، المبسوط ٢٤٠/١١، الهداية ٥٨/٩.
(٣) السنن الكبرى ٢٤٢/٩، سنن أبي داود ٩٨/٢.