النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب الصيد والذبائح
((لأنه إن أصاب بعَرْضه: فلا تأكله، وإن أصابه بحدِّه، فخرق: فكُلْ))، وقد
تقدم ذکر سنده.
مسألة : [ذبيحة مَن كان أحد أبويه مجوسياً]
قال أبو جعفر: (ومَن كان أحد أبويه مجوسياً، والآخر كتابياً: فحكمه
حکم الكتابي في ذبائحه وصیده).
وذلك لأن جواز أكل الذبيحة من أحكام الإسلام، قال النبي عليه
ء
الصلاة والسلام: ((كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه
وینصِّرانه))(١).
فأثبت له حكم الفطرة بنفسه، ونَقَله عنها بالأبوين، فلما كان جواز
الذبيحة من أحكام الإسلام، وجب أن لا ينتقل عنه إلا باجتماع الأبوين
على نَقْله عن هذا الحكم، وإلا فهو باقٍ على ذلك، ولهذا المعنى بعينه
قلنا إن أحد الأبوين إذا كان مسلماً: فالولد مسلم (٢).
مسألة : [حكم الجنين الميت في بطن الشاة المذكاة]
قال: (ومَن ذبح بقرة، أو نَحَر ناقة، فأصاب في بطنها جنيناً ميتاً، فإن
أبا حنيفة كان يقول: لا يؤكل، وقال أبو يوسف ومحمد: يُؤكل، أشعر أو
لم يُشعِر)(٣).
(١) سبق.
(٢) المبسوط ٢٤٦/١١، بدائع الصنائع ٤٦/٥.
(٣) أحكام القرآن للجصاص ١١١/١، الكتاب ٢٢٨/٣، بدائع الصنائع
٤٢/٥، البحر الرائق ١٧١/٨، المبسوط ٥/١٢، وفيه: ((إلا أنه روي عن محمد
رحمه الله أنه قال: إنما يؤكل الجنين إذا أشعر، وتمت خلقته، فأما قبل ذلك، فهو
=

٢٦٢
كتاب الصيد والذبائح
الحجة لأبي حنيفة: قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾(١)، وهو
عام في الجنين وغيره.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾ (٢)، فروي عن
ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أراد الجنين(٣)، وعمومه يقتضي
إباحته بغیر ذکاة، لأنه لم یشرطها.
قيل له: الاسم لا يختص بالجنين دون سائر بهائم الأنعام المنفصلة
عن أمهاتها.
ثم قد علمنا أنَّ إباحتها موقوفة على وجود الذكاة المذكورة في قوله
﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْنُمُ﴾(٤)، فوجب أن يكون حكم الجنين محمولاً على الذكاة
المذكورة فیه.
وعلى أنَّ قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾، لا يصح الاحتجاج به
بحال، لأنه قد استثني منه قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، فحصل الباقي
مُجْمَلاً موقوفاً على البیان، فلا يصح اعتبار عمومه.
فإن قيل: الجنين مذكى بذكاة الأم؛ لأنه عضو من أعضائها، فحُكْمه
بمنزلة المضغة، فلا يؤكل).
(١) المائدة: ٣.
(٢) المائدة: ١.
(٣) تفسير الطبري ٤٥٦/٩، الدر المنثور ٦/٣.
(٤) المائدة: ٣.

٢٦٣
كتاب الصيد والذبائح
حكم سائر الأعضاء، في وقوع الذكاة فيه بذكاة الأصل.
قيل له: ليس كذلك، لأنه جائز خروج الجنين حياً بعد موت الأم،
ويستحيل بقاء أعضائها على حكم الحياة بعد موت الأم، فعلمنا أنه مفارقٌ
لأعضائها.
ألا ترى أنه لو خرج حياً: احتيج في استباحة أكله إلى استئناف الذكاة
فيه، ولا يجوز أن تكون الأعضاء بهذه المنزلة في تعلق حكم الذكاة بها
دون ذكاة الأصل(١).
ويدل على أنَّ الجنين منفردٌ عن حكم أعضائها: أنَّ المرأة تنقضي
عدتها بخروج الجنين وإن كان ميتاً، ولو باينها بعضُ أعضائها: لم تنقض
عدتها.
وأيضاً: فلو ضُربت امرأة، فألقت جنيناً ميتاً، وماتت: كان فيه الدية،
وفيه الغُرَّة(٢)، ولو ضربها، فأبان يدها، وماتت: كان عليه دية واحدة،
ودخلت الید في النفس.
فإن قيل: فلو أعتق جارية حبلىُ، عَتَقَ ما في بطنها، كسائر
أعضائها(٣).
قيل له: لأنه لا ينفرد عن الأم بحكم العتق إذا كان متصلاً بها في حال
(١) بدائع الصنائع ٤٣/١.
(٢) الغُرَّة: بالضم عبد أو أمة، وهي دية الجنين، بقدر عُشْر دية المرة، خمس
من الإبل إن كان الجنين أنثى، ونصف عشر دية الرجل إن كان الجنين ذكراً، وكلاهما
يساوي (٥٠٠) درهم. ينظر اللباب بشرح الكتاب للميداني ١٧٠/٣.
(٣) الكتاب ومعه واللباب ١١٨/٣.

٢٦٤
كتاب الصيد والذبائح
العتق، وقد ينفرد الجنين عن الأم في حكم الذكاة على حسب ما قدَّمنا.
فإن قيل: هلا كان الجنين بمنزلة البعير النادِّ، حين لم يُقْدَر علىُ
مَنْحَره، کانت ذکاته على الوجه المقدور عليه من رميه أو طعنه.
قيل له: لو جعلنا البعير النادَّ أصلاً لذلك، ساغ رده إليه؛ لأن البعير لو
رُمي فلم يُجرح، ولم يُخْزَق: لم يجز أكله، والجنين بهذه المنزلة، لأنه لم
تقع به جراحة، فتكون ذكاة له، فيصير بمنزلة صيد المعراض إذا لم يخزق.
* ومن جهة النظر: إن الجنين جائز أن يكون موته حادثاً عن ذكاة
الأم، وجائز أن يكون حادثاً من غير جهة ذكاة الأم، لكنه مات غمّاً، لأن
الجنين قد يموت في بطن الأم من غير جهة ذكاة الأم، فلما احتمل ذلك:
لم يجز أن يكون مذكّى بذكاتها مع احتمال أن يكون موته حادثاً من غير
ذلك.
* وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكاة الجنين آثار
بألفاظ مختلفة، اِحتَجَّ بها مَن أوجب ذكاته بذكاة الأم، فمنها:
ما روي عن أبي الدرداء وأبي أمامة، وكعب بن مالك، وجابر بن عبد
الله، وأبي سعيد، وأبي أيوب، وأبي هريرة(١)، أنَّ النبي عليه الصلاة
والسلام قال: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه))(٢)، كرهتُ ذكر أسانيدها خوف
(١) ينظر نصب الراية ١٨٩/٤، التلخيص الحبير ١٥٦/٤، وقد تكلما على
طرقه كلها.
(٢) سنن أبي داود ٩٣/٢، سنن ابن ماجه (٣٢٣٨) ٢١٧/٢، مصنف عبد
الرزاق (٨٦٤٩) ٥٠٢/٤، الهداية على البداية للغماري ٢١٤/٦، وقد أفاض في
سرد طرق الحديث وأقوال العلماء فيه، ورجح الغماري صحة الحديث أو تحسينه.

٢٦٥
كتاب الصيد والذبائح
الإطالة، ولأنها مشهورة عند أهل العلم، وإن كان قد تُكلُّم في أسانيدها،
وطُعِن في رواتها، فهذا أحد الألفاظ المروية في ذلك، فاحتج القائلون
بإباحته بذلك، وزعموا أنه موجبٌ لما قالوا، لأنه جعل ذكاة الأم ذكاةً له.
قال أحمد : وليس في هذا اللفظ دليلٌ على ما قالوا؛ لأنه محتمل أن
يكون معناه: أنه يُذكَّى كما تُذكَّى الأم، وأنه في حكم الأم في باب تَعَلَّق
إباحته بالذكاة، وأسقط بذلك وَهْم مَن يتوهّم أن ذكاته تتعلق بذكاة الأم.
وهو كقول الله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾(١)، معناه:
كعرض السموات والأرض.
وكما قال الشاعر:
نيرٌ، وأطرافُ الأكف عَنَم (٢)
النَّشْرُ مِسْكٌ، والوجوه دنا
ومعناه: أنَّ النَّشْر كالمسك، والوجوه کالدنانیر.
وإذا كان احتماله لما وصفنا، كاحتماله لما ادعاه مخالفنا، سقط
الاحتجاج به، ولم يجز تخصيص آية محكمة، وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ
اُلْمَيْتَهُ﴾(٣) إلا بمثله، فهذا وجه ما ذكرنا من الألفاظ المروية فيه.
* وقد روي على وجه آخر، وهو ما رواه وهب بن بقية حدثنا محمد
(١) آل عمران: ١٣٣.
(٢) لسان العرب (ر.ن) ٢٠٦/٥، قاله المرقش، والنشر: الريح الطيبة، وأما
العَنَم بفتحتين: شجر لين الأغصان، تُشبه بُنَان الجواري، مختار الصحاح (عنم).
(٣) المائدة: ٣.

٢٦٦
كتاب الصيد والذبائح
بن الحسن عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر))(١).
وقد قيل: إن رفع هذا الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام خطأ،
وأصله موقوف على ابن عمر؛ لأن أيوب ومالكاً روياه عن نافع عن ابن
عمر موقوفاً علیه(٢).
ورواه أيضاً أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الصمد بن النعمان
حدثنا معاذ عن سليمان بن أبي عمران عن ابن البراء عن أبيه أنَّ النبي عليه
الصلاة والسلام قضى في أجنَّة الأنعام أنَّ ذكاتَها ذكاةُ أمهاتها إذا
أشعرت(٣).
وهذا الإسناد أيضاً غير مرضيٍّ عند أهل النقل، إلا أنه خصه بحال
الإشعار، فقال سعيد بن المسيب ومالك بن أنس: إنه إذا أشعر: كانت
ذكاته ذكاة أمه، وإذا لم يشعر: لم يؤكل (٤).
(١) المستدرك الحاكم (٤٠/٧١١١) ١٢٨/٤، موطأ مالك مع شرحه تنوير
الحوالك ٣٢٤/١، مصنف عبد الرزاق موقوفاً (٨٦٤٢) ٥٠١/٤، وفي نصب الراية
١٩٠/٤، بعد أن أسنده إلى الحاكم، قال: ((إن فيه ابن إسحاق، وهو مدلس، ولم
يصرح بالسماع))، وفيه الواسطي: ذكره ابن حبان في الضعفاء، الهداية على البداية
٢٢٢/٦. وقد ناقش كلام الزيلعي في الواسطي وما ذكر فيه من جرح.
(٢) ينظر الهداية على البداية للغماري ٢٢٣/٦، وبيَّن أنه وإن كان موقوفاً فله
حكم الرفع، التلخيص الحبير ١٥٨/٤، التعليق المغني على سنن الدارقطني
٢٧٣/٤، وذكر أن للحديث متابعات معتبرة قوية.
(٣) لم أقف على نصه، وينظر السنن الكبرى ٣٣٥/٩.
(٤) تنوير الحوالك ٣٢٤/١، بداية المجتهد لابن رشد مع كتاب البداية على
=

٢٦٧
كتاب الصيد والذبائح
والكلام في هذا اللفظ كهو فيما تقدم.
فإن قيل: فما فائدة ذكر الإشعار؟
قيل له: يحتمل أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن جنين قد
أشعر، فقال: يُذكَّى كما تذكَّى أمه، فنَقَل الراوي ما سمع، ولم ينقل سؤال
السائل، فلا يدل على أنَّ حكمه إذا لم يشعر بخلافه، كما قال عليه الصلاة
والسلام: ((إنما الربا في النسيئة))(١)، وهو كلام خارج على السبب، وسؤال
سائل عند سائر الفقهاء، كأنه سئل عن الجنسين إذا بيع أحدهما بالآخر،
فقال: ((إنما الربا في النسيئة)): يعني في مثل هذا، فتَقَلَ الراوي كلام النبي
عليه الصلاة والسلام دون الحال التي خرج عليها الكلام، فكذلك ما
وصفنا.
وأيضاً: فليس في ذكره الإشعار دلالة على أنّ ما عداه فحكمه
بخلافه، بل حکم ما عداه موقوف علی دلیله.
وقد روى الحجاج بن أرطاة عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي
رضي الله عنه أنه قال: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر))(٢).
وهذا إسناد واهٍ؛ لأن الحجاج فيما لم يذكره سماعاً مطعون فيه، وأبو
إسحاق عن الحارث: لا يعد سماعاً، إنما هو عن صحيفة دفعتها امرأة
الحارث إلى أبي إسحاق بعد موت الحارث، فرواها(٣).
الهداية ٢١٥/٦.
(١) صحيح مسلم ٢٥/١١.
(٢) تقدم.
(٣) في الطبقات الكبرى ٢٠٨/٦ إشارة بأنه كانت للحارث صحيفة عن علي،
=

٢٦٨
كتاب الصيد والذبائح
كذلك ذكر عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي أنّ شعبة قال له
ذلك في جده أبي إسحاق.
ولو ثبت ذلك عن علي رضي الله عنه، وصح سنده: كان تأويله ما
وصفنا.
* وعلى أنه إذا أشعر، وتمَّ خَلْقه: فهو أبعد شبهاً من أمه، وإذا لم
يشعر: فهو أقرب شبهاً بها، فكيف يدخل في حكم الأم إذا أشعر، ولا
يدخل في ذكاتها إذا لم يشعر، وهو أشبه بأعضائها.
ولما وافَقَنَا مالكٌ على أنه إذا لم يُشْعِر: لم يدخل في ذكاة الأم(١)،
وَجَبَ أن يكون كذلك حكمه إذا أشعر.
* ولفظ ثالث: قد رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك،
وهو ما حدثنا ابنُ قانع حدثنا محمد بن عبدوس حدثنا داود بن عمرو قال:
حدثنا عيسى بن يونس عن مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد قال: سألنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجنين يكون في بطن الجَزور أو البقرة
أو الشاة؟ فقال: ((إن شئتم فكلوه، فإن ذکاته ذکاة أمه))(٢).
قال الذهبي: ((قال الإمام أحمد: كان ابن إسحاق تزوج امرأة الحارث الأعور، فوقعت
إليه كتبه، وقال العجلي: ما سمع منه إلا أربعة أحاديث، وسائر ذلك كتاب أخذه)).
ينظر سير أعلام النبلاء ١٥٤/٤، ٣٩٨/٥.
(١) مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى في ذكاة الجنين، وأن ذكاته ذكاة أمه
بشرطين: أن يتم خلقه، وأن ينبت شعره، فإن فُقِد الشرطان أو أحدهما: لم يؤكل،
خرج حياً أو ميتاً؛ لأن الذكاة لا تعمل فيه في هذه الحالة، فلا يحل أكله. مواهب
الجليل على مختصر خليل للحطاب ٢٢٧/٣.
(٢) سنن أبي داود ٩٣/٢، وسبق ذكره مختصراً، وطرفاً من مواضع تخريجه

٢٦٩
کتاب الصيد والذبائح
وقد رواه عن مجالد جماعة، منهم: هشيم، وأبو أسامة، وأبو خالد
الأحمر، فهو يدور على مجالد، لا نعلم رواه على هذا السياق إلا مجالد،
وقد نُكلُّم في مجالد.
وقد روي من غير طريق مجالد، وأبي الوداك عن أبي سعيد فقال فيه:
(ذكاة الجنين ذكاة أمه))، ولم يذكر فيه قوله: ((إن شئتم فكلوا)). رواه عطية
عن أبي سعيد(١).
وكذلك الجماعة الذين ذكرناهم ممن رواه عن النبي عليه الصلاة
والسلام لم يذكروا هذه الزيادة.
ولو ثبتت الزيادة، لم يكن فيها دلالة على قول المخالف؛ لأنه ليس
فيه أنه خرج ميتاً، وقال لهم: كلوا، وإنما فيه: ((أنه سئل عن الجنين يكون
في بطن الجزور أو البقرة، فقال: ((إن شئتم فكلوا، فإن ذكاته ذكاة أمه))،
ومعناه عندنا: أنه يُذگی کما تُذكَّى الأم.
وفائدته: أنه قد كان يجوز أن تشتبه إباحة أكله وإن خرج حياً وذُبح؛
لأنه مما يُعلَم أنه كان لا يعيش لو تُرك ولم يذبح وإن خرج حياً، فأخبر
النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ حكمه حكم أمه في الذكاة، وأن الذكاة تُحِلّه
كما تُحِلِ الأمَّ لا فرق بينهما وإن كان لو تُرِك لم يَبْق حياً.
فإن قيل: في حديث أبي خالد الأحمر عن مجالد عن أبي الوداك عن
أبي سعيد أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كلوه إن شئتم، فإن ذكاته
وما قيل فيه.
(١) ينظر المحلى ١٢٠/٨.

٢٧٠
كتاب الصيد والذبائح
في ذکاة أمه))(١).
وهذا اللفظ لا يحتمل ما تأولتموه، لأن قوله: ((ذكاته في ذكاة أمه))،
يمنع أن يكون المراد كذكاة أمه (٢).
قيل له: لم يثبت هذا اللفظ في الحديث، لاتفاق الرواة على إسقاطه،
سوى أبي خالد الأحمر، ويحتمل أن يكون أبو خالد حمله على المعنى
عنده، لأنه لما كان المعنى عنده أنَّ معنى: ((ذكاته ذكاة أمه)): أنَّ ذكاته في
ذكاة أمه، نَقَل ذلك.
مسألة : [كيفية تذكية الحيوان النادّ]
قال : (ومَن ندَّ له بعيرٌ أو بقرةٌ: صار بمنزلة الصيد، فيذكيه كما يذكي
الصید الممتنع)(٣).
قال أحمد: ويُروى نحو قولنا هذا عن عبد الله بن مسعود(٤)، وابن
عمر، ومسروق بن الأجدع.
(١) سنن ابن ماجه ٢١٧/٢.
(٢) المبسوط ٧/١٢، بدائع الصنائع ٤٣/٥، حاشية رد المحتار ٣٠٤/٦،
وفيها التفسير للاحتمال الذي قد يفهم من الحديث وإبطاله، وبيان أنَّ المراد من
الحديث التشبيه، وفي التشبيه لا يلزم ذكر حرف التشبيه، فيجوز إثباته وإسقاطه،
والمراد بالحديث التنبيه لا النيابة، أي ذكاة الجنين كذكاة أمه.
(٣) المبسوط ٢٢٨/١١، بدائع الصنائع ٤٣/٥، رد المحتار ٣٠٣/٦.
(٤) ينظر لهذه الآثار: مصنف عبد الرزاق (٨٤٧٣ -٨٤٧٥) ٤٦٤/٤، ٤٦٨/٤
(٨٤٨٩)، صحيح البخاري تعليقاً مع شرحه عمدة القاري ١٢٠/٢١، السنن الكبرى
٢٤٦/٩

٢٧١
كتاب الصيد والذبائح
وقال سعيد بن المسيب، ومالك بن أنس: لا يجزئ إلا في مَنْحِر
إبراهيم عليه السلام(١).
والحجة للقول الأول: ما حدثنا ابنُ قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد
الله حدثنا حجاج حدثنا حماد عن ليث عن عباية بن رفاعة بن رافع عن
جده رافع بن خديج أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَسَمَ مَغْنَماً بذي
الحليفة(٢)، فندَّ بعير، فتبعه رجل من المسلمين، فضربه بسيف أو طعنه
برمح، فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لهذه الإبل
أوابد (٣) كأوابد الوحش، فما ندَّ منها، فاصنعوا به هكذا))(٤).
قال ابن قانع: وحدثنا محمد بن عبدوس بن كامل حدثنا داود بن
عمرو حدثنا المبارك بن سعيد حدثنا سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة
عن أبيه عن جده رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه،
(١) مصنف عبد الرزاق (٨٤٨٦) ٤٦٧/٤ عن سعيد، شرح رسالة ابن أبي زيد،
وحاشية العدوي ١/ ٥٢٢، التاج والإكليل للمواق ٢١٤/٣، نيل الأوطار ٢٢/٩.
(٢) ذو الحليفة: اختلف في المراد بهذا الموضع، فقيل: الحليفة المذكورة هنا
من أرض تهامة بين الطائف ومكة، وليست التي بالقرب من المدينة، وقيل: هي
الموضع الذي يهل منه المحرم، ميقات أهل المدينة، ينظر معجم البلدان ٢٩٦/٢،
عمدة القاري ١١٢/٢١.
(٣) أوابد: جمع آبدة، وهي التي قد تأبدت، أي توحشت، ونفرت من الإنس.
النهاية لابن الأثير ١٣/١.
(٤) صحيح البخاري مع شرحه عمدة القاري ١٢٠/٢١، مصنف عبد الرزاق
(٨٤٨١) ٦٥/٤، سنن ابن ماجه ٢١٥/٢، كتاب الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني
(٨٠٦) ص١٧٨.

٢٧٢
كتاب الصيد والذبائح
وقال: عن أبيه عن جده، وهذا حديث مشهور من حديث سعيد بن
مسروق، وقد رواه عند أئمة، منهم: شعبة وأبو الأحوص وعمر بن سعيد
وغيرهم(١).
وفيه الدلالة من وجهين على صحة قولنا:
أحدهما: أنه أخبر أنهم قتلوه بسيف أو رمح، ولم يذكر موضع
المَنْحَر، فأباح النبي عليه الصلاة والسلام أكله.
والثاني: قوله: ((إن لها أوابد كأوابد الوحش، فما ندَّ منها، فاصنعوا به
هكذا))، فشبَّهه بالصيد، وألحقه بحكمه في ذكاته(٢).
ويدل على ذلك أيضاً: ما حُدِّثنا عن أبي داود حدثنا أحمد بن يونس
حدثنا حماد بن سلمة عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه أنه قال: يا رسول
الله! أما تكون الذكاة إلا من اللبة أو الحلق؟
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو طعنتَ في فخذها لأجزأ
عنك))(٣).
(١) سنن ابن ماجه (٣٢٢٢) ٢١٥/٢، صحيح البخاري، مع شرحه عمدة
القاري ١١٢/٢١، فتح الباري ٥١٣/٩، ٥١٩، ٥٢٥، السنن الكبرى ٢٤٦/٩.
(٢) معالم السنن للخطابي ٢٧٩/٤، المبسوط ٢٢٨/١١، بدائع الصنائع
٤٣/٥.
(٣) سنن أبي داود ٩٢/٢، وسنن ابن ماجه (٣١٨٤) (١٠٦٣/٢، السنن
الكبرى ٢٤٦/٩، صحيح البخاري مع فتح الباري تعليقاً، قال ابن حجر في فتح
الباري: ((وصله سعيد بن منصور والبيهقي، وقال: وهذا إسناد صحيح ... ثم قال:
وكأن المصنف لمَّح بضعف الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن من رواية حماد بن
سلمة عن أبي المعشر الدارمي عن أبيه. قال الخطابي في معالم السنن ٤ /٢٨٠ :
=

٢٧٣
كتاب الصيد والذبائح
فاقتضى عمومه جواز الذكاة على هذا الوصف، إلا أنهم قد اتفقوا أنَّ
هذا لا يكون ذكاة مع القدرة على الذبح، فخصصناه، وبقي حكم العموم
في حال الشرود والامتناع.
ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على أنَّ مثل ذلك يكون ذكاة للصيد،
ولا يخلو جواز ذلك من أن يكون متعلقاً بجنس الصيد وعينه، أو
بالامتناع، وتعذر إصابة منحره، فلما اتفق الجميع على أنَّ الصيد متى قُدِر
على ذبحه، لم تكن ذكاته إلا بالذبح، ولم يكن لكونه من جنس الصيد
تأثير في ترك ذلك، دل هذا على أنّ الحكم إنما تعلق في جواز ذكاته
بالرمي والطعن، بكونه ممتنعاً غير مقدور على ذبحه، وهذا المعنى
موجود في البعير الشارد، فوجب أن یکون حکمه حكمه.
مسألة : [حكم أكل الجراد]
قال أبو جعفر : (والجراد ذَكيٌّ على أي حال وُجد)(١).
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أُحِلَّت ليَ
ميتتان ودمان: السمك والجراد))(٢).
ضعفوه؛ لأن راويه مجهول، وأبو العشراء الدارمي لا يدرى من أبوه، ولم يروه عنه
غیر حماد بن سلمة.
(١) الكتاب ٢٣١/٤، المبسوط ٢٢٩/١١، بدائع الصنائع ٣٦/٥، الدر
المختار ٣٠٧/٦.
(٢) الفتح الرباني ٧٣/١٧، سنن ابن ماجه (٣٢٥٧) ٢٢١/٢، سنن الدار قطني
٢٧١/٤، قال البوصيري: ((وهذا إسناد فيه: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو
ضعيف))، قال الغماري في الهداية على البداية ٢٤٣/١: فالحديث صحيح كما قال
جمع من الحفاظ.

٢٧٤
كتاب الصيد والذبائح
وقد روى عبيدة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أنها كانت تأكل
الجراد، وتقول: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكله))(١).
وروى سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان قال: ((سئل
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجراد فقال: أكثر جنود الله، لا آكله،
ولا أحرِّمه))(٢).
وروي فيه أخبار كثيرة كرهنا الإطالة بذكرها، كلها يقتضي إباحة أكل
الجراد، ولم يُفرَّق في شيء منها بين شيء من أحوالها.
مسألة : [حكم أكل السمك الطافي (٣)]
قال أبو جعفر: (والسمك ذَكيٌّ على أي حال وُجد، وبأي حال
مات، غير ما طفا منه على الماء: فإنه لا يؤكل) (٤).
قال أحمد : وروي نحو هذا القول عن علي رضي الله عنه (٥)، وجابر
(١) سنن ابن ماجه (٣٢٥٩) ٢٢١/٢، والذي فيه: ((أنَّ أزواج النبي صلى الله
عليه وسلم كنَّ يتهادين الجراد على الأطباق))، وفي هامشه: قال البوصيري: ((هذا
إسناد ضعيف لضعف أبي سعد))، السنن الكبرى ٢٥٨/٩.
(٢) سنن أبي داود ٣٢١/٢، سنن ابن ماجه (٣٢٥٨) ٢٢١/٢، مصنف عبد
الرزاق (٨٧٥٧) ٥٣١/٤، قال ابن حجر في فتح الباري ٥١١/٩: والصواب مرسل.
(٣) الطافي: اسم فاعل من طفا الشيء فوق الماء، يطفو: إذا علا، والمراد من
السمك الطافي الذي يموت حتف أنفه من غير سبب، فيعلو. العناية ٨ /٤٢٢.
(٤) اللباب ٢٣١/٣، الهداية ٤٢٢/٨، المبسوط ٢٤٧/١١، بدائع الصنائع
٥٣٦/٥.
(٥) مصنف عبد الرزاق (٨٦٦٣) ٥٠٦/٤، السنن الكبرى ٢٥٤/٩ والمذكور
فيها عنه: ((الحيتان والجراد ذكي كله))، ولكن في نصب الراية ٢٠٥/٤ عن ابن أبي
=

٢٧٥
كتاب الصيد والذبائح
بن عبد الله(١).
وروي عن أبي بكر الصديق وأبي طلحة إباحة أكل الطافي(٢).
وقد روي عن جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب، وزيد بن
ثابت، وأبو هريرة في آخرين، أن ما ألقاه البحر من السمك فهو حلال(٣).
وليس في ذلك دلالة على موافقتنا على مسألة الطافي ولا مخالفة؛
لأنا نقول: إن ما ألقاه البحر من السمك: فهو حلال إذا لم يكن قد مات في
الماء قبل ذلك من غیر سبب حادث علیه.
* فأما الحجة في كراهة الطافي: فهو ما رواه يحيى بن أبي أنيسة
وإسماعيل بن أمية وابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما ألقى البحر، أو جَزَر عنه(٤): فكُلْه،
فلا بأس به، وما وجدتَه طافياً: فلا تأكله))(٥).
شيبة في مصنفه، أنه قد روي عن علي كراهة أكل الطافي.
(١) مصنف عبد الرزاق (٨٦٦٣) ٥٠٥/٤، سنن أبي داود ٣٢٢/٢، السنن
الكبرى ٢٥٥/٩، نصب الراية للزيلعي ٢٠٥/٤ وذكر ما ورد عن جابر .. وبين طرقه،
وأنها ضعيفة، ولكنه لم يبطله، الهداية للغماري ٢٩٣/٦.
(٢) مصنف عبد الرزاق (٨٦٥٣-٨٦٥٤) ٥٠٣/٤، السنن الكبرى ٢٥٣/٩،
سنن الدار قطني ٢٦٩/٤.
(٣) سنن الدارقطني (١٩ - ٢٠)، عن عمر وأبي هريرة ٢٧٠/٤، مصنف عبد
الرزاق (٨٦٦٤)، عن أبي هريرة، وزيد بن ثابت ٥٠٦/٤، السنن الكبرى ٢٥٤/٩.
(٤) أي ما انكشف عنه الماء من حيوان البحر، يقال: جزر الماء يجزر جزراً: إذا
ذهب ونقص، ومنه الجزر والمد،. النهاية لابن الأثير ٢٦٨/١.
(٥) سنن أبي داود ٣٢٢/٢، سنن ابن ماجه (٣٢٨٨) ٢٢٧/٢ وغيرهما.

٢٧٦
كتاب الصيد والذبائح
وروى أيضاً وهب بن كيسان ونعيم بن عبد الله المجمر عن جابر بن
عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله(١).
فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ,﴾(٢)،
وعمومُه يقتضي جواز أكل الطافي.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((أُحلت لي ميتتان ودمان))(٣)، ولم
يفرِّق بين الطافي وغيره.
قيل له: أما عموم الآية، فلا دلالة فيه على حكم الطافي؛ لأن الطافي
ليس بصيد، وقوله: ((وطعامه)): يحتمل أن يكون راجعاً إلى الصيد، كأنه
قال: ((وأكله))، فأباح الاصطياد، والأكل لما يصطاد.
وأما قوله: ((أحلت لي ميتتان)): فإنا نَجمع بينه وبين خبر الطافي،
لنستعملهما جميعاً، ولا نُسقط أحدهما بالآخر، وهذا لمخالفنا ألزم، لأنه
یرتب العام على الخاص.
وقوله: ((أحلت لي ميتتان)): عام، وتحريم الطافي أخص منه، فينبغي
أن یکون قاضياً علیه.
* فإن احتجوا بما حدثنا ابن قانع حدثنا عبيد بن شريك البزار حدثنا
أبو الجماهر حدثنا سعيد بن بشير عن أبان بن أبي عياش عن أنس بن مالك
(١) نصب الراية ٢٠٣/٤، وفيه عن أبي زرعة: هذا خطأ، وإنما هو موقوف
على جابر، وعبد العزيز بن عبيد الله واهي الحديث اهـ، سنن الدارقطني ٢٧٥/٤
وضعفه.
(٢) المائدة: ٩٦.
(٣) سبق.

٢٧٧
كتاب الصيد والذبائح
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كُلْ ما طفا على البحر))(١).
قيل له: هذا حديث لا يُحتج به، قال لنا ابن قانع: هذا حديث منكر،
وأبان ابن أبي عياش: عندهم ضعيف جداً، كثير الخطأ، يُحكى عن شعبة
أنه قال: لأن أزنيَ سبعين زنية أحب إليّ من أن أرويَ عن أبان بن أبي
عياش (٢)، لكثرة غلطه في الرواية.
وأيضاً: لو صح: احتمل أن يكون الطافي الذي قد مات في الماء
بسبب حادث عليه، ثم طفا بعد ذلك، فلا يُحرِّمه ذلك، لأن الطافي
المحرَّم الأكل عندنا، هو الذي يموت حَتْف أنفه من غير سبب حادث عليه
من خارج.
* واحتج من أباح أكل الطافي بحديث جابر في قصة جيش
الخَبَط (٣): ((وأن البحر ألقى لهم حوتاً، فأكلوا منه أياماً، وذكروا ذلك
للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن كان بقي معكم منه شيء فابعثوا به
إلينا))(٤).
وهذا ليس فيه دلالة على موضع الخلاف في أكل الطافي، ولأنا نأكل
ما قذفه البحر.
(١) كنز العمال رقم (٤٠٩٧٨) ٢٧٨/١٥، وفيه: ابن مردويه عن أنس، الجامع
الصغير مع فيض القدير ٤٢/٥ ورمز لضعفه.
(٢) تهذيب التهذيب ٩٩/١، وقد نبه العلماء إلى وجوب تجنب هذه الألفاظ.
(٣) سمّ الجيش في هذه الغزوة بجيش الخبط، لأنهم جاعوا جوعاً شديداً حتى
أكلوا الخَبَط وهو ورق السَّلَم، أي ورق العضاه. ينظر فتح الباري ٧٩/٨.
(٤) البخاري، مع الفتح ٧٨/٨ (٤٣٦٢) ٥٠٦/٩، صحيح مسلم ٨/١٣.

٢٧٨
كتاب الصيد والذبائح
مسألة : [حكم أكل ذي الناب وذي المخلب]
قال أبو جعفر: (ولا يؤكل ذو الناب من السباع، وذو المخلب من
الطير)(١).
* ويُحكى عن مالك بن أنس أنه كره ذا الناب من السباع، ولا يكره
ذا المخلب من الطير (٢).
* ويروى عن ابن عباس وعائشة أنهما كانا يبيحان من سائر الحيوان
ما لم يذكر في قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعٍِ
يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾(٣) الآية.
* وذلك لما روى علي رضي الله عنه وابنُ عباس وأبو الدرداء وأبو
ثعلبة الخشني وأبو هريرة وجابر بن عبد الله ((أنَّ النبي صلى الله عليه
وسلم: نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير))(٤).
(١) الكتاب ٢٢٩/٣، بدائع الصنائع ٣٩/٥، المبسوط ٢٢٥/١١، الدر
المختار ٣٠٤/٦، الهداية ٤١٧/٨.
(٢) المدونة ٦٤/٢، الموطأ للإمام مالك مع شرح الزرقاني ٩٠/٣، التاج
والإكليل، للمواق ٢٢٩/٣، ٢٣٥.
(٣) الأنعام: ١٤٥، وتمام الآية: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِ مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ:
إِلََّ أَن يَكُونَ مَيْتَّةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوْ فِسْقًّا أُهِلَّ لِغَيْرِ الَّهِ بِ،"
فَمَنِ اضْطُتَ غَيْرَ بَاخٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
وانظر فيما روي عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم تفسير ابن كثير ١٩١/٢ ،
الدر المنثور ٣٧٣/٨، أحكام القرآن للجصاص ١٨٥/٤.
(٤) صحيح مسلم ٨٢/١٣، صحيح البخاري مع الفتح ٥٤٠/٩، شرح معاني
=

٢٧٩
كتاب الصيد والذبائح
وقال أبو هريرة: قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((أكل كل ذي ناب
من السباع حرام))(١).
فهذه الأخبار ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم هذين
الصنفين، وربما اقتصر بعض الرواة على ذكر ذي الناب من السباع،
ويُمسك عن ذي المخلب من الطير، وبعضهم يسوقه على وجهه، فيذكر
الأمرين جميعاً، كرهتُ ذِكْر أسانيدها وطرقها خوف الإطالة، لأنها
مشهورة عند أهل العلم.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ
يَطْعَمُهُ﴾(٢) الآية، وهو عام في ذي المخلب من الطير وغيره، إلا أن
تقوم الدلالةُ على تخصيص شيء منه.
قيل له: ليس في هذه الآية دلالة على إباحة ما ذكرت، من قِبَل أنه
جائز أن لا يكون قد حرم ما وصفنا في وقت نزول هذه الآية، ثم ورد
التحريم من بعد، ولا تكون الآية نافية للتحريم المذكور في الأخبار الواردة
في تحریمه(٣).
وأيضاً: قد قيل إن هذه الآية نزلت جواباً لقوم من المشركين،
كانوا يحرمون أشياء مما لم يحرِّمها الله تعالى من السائبة (٤)،
الآثار للطحاوي ٤ / ١٩٠.
(١) صحيح مسلم ٨٣/١٣، سنن النسائي ٢٠٠/٧.
(٢) الأنعام: ١٤٥.
(٣) أحكام القرآن للجصاص ١٨٥/٤، فتح الباري ٥٣٩/٩.
(٤) السائبة: هي التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يُحمل عليها شيء، تفسير القرآن
=

٢٨٠
کتاب الصيد والذبائح
والوصيلة(١)، والحامي(٢)، فأنزل الله: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِىَ إِلَّ
مُحَرَّمًا﴾، يعني: مما يحرمون محرَّماً إلا كيت وكيت.
وأيضاً: فإنا نجمع بين الآية وبين هذه الآثار، فنجعل ما ذُكر فيها
مستثنى من الآية، كما وافَقَنا مالكٌ على أنَّ تحريم السباع مستثنى من الآية
بالأخبار (٣) الواردة فيه، وما ورد من ذلك في تحريم ذي المخلب من الطير
هو وَزْن(٤) ما ورد في تحريم السباع، ولا فصل بينهما من طريق النقل.
وكما اتفق الفقهاء على أنَّ قوله تعالى: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ
ذَلِكُمْ﴾(٥)، مبني على ما ورد من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
من تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها (٦)، ونحوهن من ذوات
المحارم.
لابن کثیر ١١٠/٢.
(١) الوصيلة: هي الأنثى من نَعَمهم في الجاهلية كانت إذا بكَّرت بأنثى، ثم ثَنَّت
بأنثى، فيقال قد وصلت، فلا تُركب. تفسير الطبري ١١/ ١٢٤.
(٢) الحامي: الفحل من النَّعم، يُحمى ظهره من الركوب والانتفاع، بسبب تتابع
أولاد تحدث من فحلته. تفسير الطبري ١١/ ١٢٤.
(٣) المدونة الكبرى ٦٣/٢، التاج والإكليل ٢٣٥/٣.
(٤) في (د،م): هو دون.
(٥) النساء: ٢٤.
(٦) صحيح مسلم بشرح النووي ١٩٠/١٠، سنن أبي داود ١/ ٤٧٦.