النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ کتاب السير والجهاد فأباح الله تعالى الفداء بعد الأسر(١). وفدى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أسرى قريش يوم بدر (٢). قيل له: قد روي عن ابن عباس والبراء بن عازب أنَّ سورة براءة من آخر ما نزل من السور (٣)، وفيها الأمر بالقتل على ما بينًا، فهي ناسخة لما تقدم من جواز الفداء. * وأما أبو يوسف ومحمد: فإنهما أجازا ذلك، وجَمَعا بين آية الفداء وآية القتل، فكأنه قال: إن احتجتم إلى الفداء، فافدوا، وإن شئتم فاقتلوا. وكذلك جمعوا بين آية القتل، وبين فداء النبي صلى الله عليه وسلم أهل بدر حين كان محتاجاً إلى المال. وقد روي ((أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام بعث بنصف سَبْي بني قريظة، فبيْع بالشام، واشتُري له به السلاح والكُرَاع (٤)، وكانت الشام یومئذ دار حرب»(٥). * ويُقدى المسلمون الذين في أيدي أهل الحرب بمالٍ غير السلاح؛ لأن في السلاح معونةً لهم على حربنا، ومن أجل ذلك يُمنع مَن يُدخِل إلى (١) جامع البيان في تفسير الطبري ٢٦/٢٤. (٢) صحيح البخاري ١٢٦/٦، مجمع الزوائد ٨٨/٦. (٣) تبيين الحقائق ٢٥٠/٣، أحكام القرآن للجصاص ٢٧١/٥. (٤) الكُرَاع: اسم لجمع الخيل، النهاية في غريب الحديث ١٦٥/٤. (٥) حيث إن بلاد الشام فتحت في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، البداية والنهاية ٣/٧، السير الكبير ١٥٩٢/٤، السنن الكبرى للبيهقي ١٢٨/٩، وفيه إثبات بيع السبي من بني قريظة، ولكن القصة مختلفة. ١٦٢ کتاب السير والجهاد دار الحرب من السلاح للبيع(١). مسألة : [إذا أسلمت امرأة الحربي في دار الحرب] قال أبو جعفر: (ومَن أسلمت امرأتُه في دار الحرب: كانت امرأته على حالها حتى تحيض ثلاث حِيَض، فإن حاضتها: بانت، ووجبت عليها العدة بعد ذلك). وذلك لأنها لا تُقَرُّ تحته أبداً. فلو كانا في دار الإسلام ذميين: عُرض عليه الإسلام، لامتناع إقرارها وهي مسلمة تحت كافر، فلما تعذّر ذلك، لكونه في دار الحرب، ولم يكن بدٌّ من التفريق، ولابد أن يكون السبب الموجب للفرقة معنى حادثاً، وليس الكفر حادثاً فتقع به الفرقة، وإسلام المرأة وإن كان حادثاً، فليس هو سبب التحريم: احتيج إلى معنى حادث يتعلق به وقوع الفرقة، فجعلوه مضيَّ ثلاث حِيَض، اعتباراً بالمطلقة طلاقاً رجعياً، لمَّا تعلّق به حكم الفرقة، كان الموجب لها مضيَّ ثلاث حِيَض(٢). فإن قال: هلا اعتبرتها بمدة الإيلاء أربعة أشهر. قيل له: هي بما يتعلق من المدة بالطلاق الرجعي أشبه؛ لأن هذه المدة لم يوجبها الزوج، كما لم يوجب مدة الطلاق الرجعي، وهي العدة، وأما مدة الإيلاء فمتعلقة بإيجابه، ألا ترى أنه لو سمَّى مدة أقل منها، كان كما سمى، ولم يكن لها حكم في إيقاع البينونة. (١) السير الكبير وشرحه ١٦٥٠/٤. (٢) شرح السير ١٢٥١/٤، ١٨٢٣/٥، شرح معاني الآثار ٢٥٩/٣، الاختيار لتعليل المختار ١١٣/٣، الهداية مع فتح القدير ٢٨٨/٣. ١٦٣ كتاب السير والجهاد وأيضاً فمدة الإيلاء مذكورة في اللفظ، ومدة العدة من الطلاق غير مذكورة، وكذلك المدة في مسألتنا، فكانت هذه المدة بمدة العدة في الطلاق الرجعي أشبه. * فإذا وقعت الفرقة بمضيِّ ثلاث حِيَض: كان عليها العدة من وقت وقوع الفرقة ثلاثُ حِيضِ أُخر. مسألة : [متى تبين المسلمة المهاجرة من دار الحرب] قال : (ومَن خرج إلينا من نساء أهل الحرب مسلمة أو ذمية، فصارت في دار الإسلام: بانت من زوجها، ولا عِدَّة عليها إذا لم تكن حاملاً. واختُلف عنه فيها إذا كانت حاملاً: فروى محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن عليها العدة، وهي وَضْع حملها، وأنها لا تتزوج قبل ذلك. وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه لا عدة عليها أيضاً، وأنه لابأس بأن تتزوج، ولا يدخل بها زوجها حتى تضع حملها. وقال أبو يوسف ومحمد في رأيهما: إن عليها العدة حاملاً كانت أو غير حامل). قال أحمد : قوله: إن عليها العدة إذا كانت حاملاً في قول أبي حنيفة: ليس هو عبارة صحيحة؛ لأن من أصل أبي حنيفة: أنه لا عدة عليها حاملاً كانت أو غير حامل. والذي ذكر أنه ليس لها أن تتزوج مادامت حاملاً: فهو صحيح في رواية الأصول، ومع ذلك فإن هذا الحمل ليس بعدة عنده، وقد بيَّنه محمد بن الحسن في السير الكبير، فقال: ١٦٤ كتاب السير والجهاد ليس لها أن تتزوج حتى تضع حملها، ولكن لزوجها عند أبي حنيفة أن يتزوج أختها قبل أن تضع، يعني إذا أسلم الزوج بعد ذلك، وخرج إلينا، ولكن كُرِه له أن يَقْرَبها حتى تضع الأولىُ حَمْلَها (١). والأصل في ذلك: قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ اُلْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَةٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنِهِنَّ فَإِنْ عَلِّمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَهُنَّ﴾(٢). ثم قال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَآءَانْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ اُلْكَوَافِ﴾. فانتظمت هذه الآية الدلالة على وقوع الفرقة بين المهاجرة وبين زوجها من أربعة أوجه، وعلى أنَّ لا عدة عليها من وجهين: * فأما دلالتها على وقوع الفرقة: [الأول]: فمن جهة قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾، ولو كان النكاح باقياً، لرُدَّت إليه؛ لأن الزوج أَوْلى بإمساك امرأته حيث كان(٣). (١) شرح السير الكبير ١٨٢٤/٥، شرح معاني الآثار ٢٥٦/٣، المبسوط ٥٧/٥، الاختيار لتعليل المختار ١١٤/٣، الهداية وفتح القدير ٢٩٥/٣. (٢) الممتحنة: ١٠. (٣) فقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُغَارِ﴾: قد نُسخ أن يُردَّ أحد من أهل الإسلام إلى الكفار. شرح معاني الآثار ٢٦٢/٣، جامع البيان ٤٦/٢٨. ١٦٥ كتاب السير والجهاد والثاني: ﴿لَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَهُنَّ والثالث: قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَ﴾، ولو كان نكاح الأولى باقياً، ما جاز لنا نكاحها(١). والرابع: قوله: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ ﴾، فأوجب قطع العصمة بينها وبين زوجها بخروجها إلينا، والعصمة: المنع، فدلت على أنها ليس عليها أن تمتنع من الأزواج لأجل الزوج الذي كان لها في دار الحرب (٢). فإن قيل: ﴿اُلْكَوَافِ﴾: اسم للنساء دون الرجال، فكأنه أَمْرٌ للرجال الذين أسلموا وهاجروا أن لا يتمسكوا بعصمة الزوجة الكافرة. قيل له: ليس الاسم مخصوصاً بالنساء دون الرجال(٣)، لما نبيِّنه إن شاء الله. وعلى أنه لو كان كذلك، لكانت دلالتها قائمة على ما ذكرنا، وذلك لأنه لما أَمَر الرجال أن لا يمسكوا بعصم الزوجات الكافرات في دار الحرب، وكان المعنى فيه اختلاف الدارين بهما بعد الإسلام، وذلك موجود في المهاجرة إذا خلَّفت زوجها كافراً في دار الحرب، فوجب أن تنقطع العصمة فيما بينهما. (١) شرح معاني الآثار ٢٥٨/٣، المبسوط ٥١/٥، ٥٧. (٢) المبسوط ٥٧/٥، السير الكبير ١٢٥١/٤. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤١٤/٤ وفيه: كون الاسم خاصاً بالنساء، فتح الباري ٥١٤/٨، جامع البيان ٤٧/٢٨، لكن سيأتي بيان المؤلف لما يقول. ١٦٦ كتاب السير والجهاد وعلىُ أنَّ ظاهر الخطاب يقتضي أن يكون المراد الأزواج الحربيين؛ لأن أول الخطاب ورد في شأن الزوجة إذا هاجرت إلينا مسلمة، فالظاهر أنَّ قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْبِعِصَمِ الْكَوَافِ ﴾ : راجع إلى ما تقدم ذِكْره في الخطاب. وأما قوله: ﴿اُلْكَوَافِ﴾: جمعٌ يختص بالنساء دون الرجال، فإنه غلط من قائله؛ لأن الفواعل اسمٌ يشترك فيه الرجال والنساء في كثير من الأشياء، يقولون: ((فوارس)): للرجال كما قال عنترة: ولا أوكل بالرعيل الأول(١) وقال الفرزدق(٢): إذ لا أبادر في المضيق فوارسي خضع الرقاب نواكس الأبصار وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتُهم فقال: ((نواكس))، وأراد به الرجال، وتلك صفة يشترك فيها الرجال والنساء. وإذا كان كذلك، جاز أن يقال: إن ((الكوافر)) اسم للفريقين من المؤنث والمذكر، فوجب إجراء الحكم عليهما بعموم الاسم. * وأما ما روي عن ابن عباس ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ردَّ زينبَ على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، وقد كانت زينبُ هاجرت، ثم جاء أبو العاص بعد ذلك بزمان فأسلم))(٣): (١) شرح ديوان عنترة بن شداد ١٤٨. (٢) همام بن غالب بن صعصعة التميمي. الأعلام ٩٣/٨. (٣) شرح معاني الآثار ٢٥٦/٣، سنن ابن ماجه (٢٠١٩) ٣٧١/٢، الفتح ١٦٧ کتاب السير والجهاد فإن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ردَّها عليه بنكاح جديد))(١)، وكان هذا عندنا أَوْلى؛ لأنه أخبر عن عقد حادث عَرَفَه، وابنُ عباس إنما أخبر عن العقد الأول، ولم يعلم حدوث عقدٍ ثان، فكان جائزاً له الإخبار بأنه ردَّها بالنكاح الأول، إذ لم یعلم حدوث عقد. وأيضاً: مَن أخبر أنه ردَّها بنكاح ثان، عَلِم نزول(٢) قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَُّمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَهُنَّ﴾: قبل إسلام زوجها(٣)، ومَن قال ردَّها بالنكاح الأول، لم يعلم فساد النكاح بالآية، وتقدُّمها عليه، فأخبر عن الحال الأولى. ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على وقوع الفرقة بينها وبين زوجها إذا سُبيت كافرة، والمعنى فيه حصول اختلاف الدارين، إذ لا يخلو من أن الرباني ٢٠١/١٦، وفي القول المسدد أورد تحسين أهل الحديث له، قال ابن كثير: هو حديث جيد قوي، ودفع ابن حجر ما أعله البعض بعنعنة أبي إسحاق بتصريحه بالتحديث في الطريق الثاني، وذكر قول الخطابي بأنه من حديث عمرو الآتي. (١) شرح معاني الآثار ٢٥٦/٣، سنن ابن ماجه، (٢٠٢٠) ٣٧١/٢، الفتح الرباني، رقم (١٦٤) ١٦ / ٢٠١. (٢) شرح معاني الآثار ٢٥٧/٣. قال ابن الهمام: وهناك من جمع بين الحديثين، بأنه ردها على النكاح الأول، أي لم يُحدث زيادة في الصداق والحباء، وهو تأويل حسن. فتح القدير ٢٩٣/٣، وفي القول المسدد ٢٠٢/١٦. يُعدُّ حديث عمرو معارضاً لو صح، لكنه ضعيف، لا ينهض لمعارضته .. إلخ. وينظر شرح السنة ٩/ ٩٥. (٣) قال ابن كثير في التفسير ٣٧٣/٤. هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزاً في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة. ١٦٨ كتاب السير والجهاد يكون المعنى فيه ما ذكرنا، أو حدوث الملك عليها، وحدوث الملك لا يقدح في النكاح، بدلالة اتفاقنا جميعاً على أنَّ بيع الأمة وهبتها، لا يفسخ نكاح زوجها مع حدوث الملك عليها، فلما بطل المعنى الثاني، صح الأول(١). فصل : [عدم وجوب العدة على المهاجرة] وأما دلالة الآية على نفي وجوب العدة على المهاجرة من الوجهين اللذين ذكرنا: فأحدهما: قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَاَ ءَانَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾(٢)، فأباح نكاحها من غير شرط العدة. والثاني: قوله ﴿ وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ ﴾(٣)، والعصمة المنع، قال الله تعالى ﴿لَا عَاصِمَ اَلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾(٤): يعني لا مانع، وقد دللنا أنَّ الكوافر اسم يتناول الرجال، فأوجب علينا بظاهر الآية أن لا يمتنع من نكاحها لأجل زوجها الذي كان لها في دار الحرب(٥). ومن جهة النظر: اتفاق جميع أصحابنا أنَّ المسبية لا عدة عليها، والمعنى فيه: حصول الفرقة باختلاف الدارين، والاستبراء الذي يجب في (١) السير الكبير ١٢٥١/٤، فتح القدير ٢٩١/٣، المبسوط ٥٢/٥، ٥١/١٠. (٢) الممتحنة: ١٠. (٣) الممتحنة: ١٠. (٤) هود: ٤٣. (٥) المبسوط ٥٧/٥، شرح فتح القدير ٢٩٦/٣. ١٦٩ كتاب السير والجهاد المسبية ليس بعدة؛ لأن العدة يتعلق حكمها بالفراش، والاستبراء لا يتعلق حكمه بالفراش؛ لأنها لو سُبيت وهي غير ذات زوج في دار الحرب، لوجب الاستبراء، والاستبراء يجب على المشتري في الجارية المشتراة وإن اشتُریت من امرأة. ولو أن رجلاً باع جارية: لم يجب عليها عدة بالبيع، فثبت أنَّ الاستبراء ليس بعدة(١). * وأما قول أبي حنيفة في رواية الأصول: أنَّ المهاجرة لا تتزوج إذا كانت حاملاً: فهو أصحُّ قوليه، وذلك لأن هناك نسباً ثابتاً من الغير، وذلك من أحكام النكاح، فلا (٢) يصح عقد غيره عليها، إذ لا جائز أن يجتمع بين حكم من أحكام النكاح لزوجين، وليس في منع نكاحها في هذه الحال ما يوجب أن تكون مقيدة؛ لأن أم الولد إذا كانت حاملاً من مولاها، فليست بمعتدة، ومع ذلك لا يجوز تزويجها، وإنما منع تزويجها لأن في بطنها ولداً ثابت النسب من غيره، فمَنَعَ ذلك عقده، كذلك ما وصفنا. * وقال أبو يوسف ومحمد: عليها العدة؛ لأن الفرقة وقعت بعد حصولها في دار الإسلام، فلما وقعت الفرقة في دار الإسلام وهي مسلمة، لزمتها العدة، ولم تسقط لأجل كون زوجها في دار الحرب، كما أنَّ رجلاً لو ارتد عن الإسلام بانت منه امرأته، وكانت عليها العدة، ثم لو لحق الزوج بدار الحرب، لم تسقط عنها العدة. (١) المبسوط ٥٧/٥، الهداية مع فتح القدير ٢٩١/٣، شرح السير الكبير ٢٢٧٦/٥. (٢) في خ (ر.حـ): (فإن قال)، بدل (فلا). ١٧٠ كتاب السير والجهاد قال أحمد: وهذا الاعتلال ينتقض عليهما في المسبية؛ لأن الفرقة وقعت بينها وبين زوجها بعد إخراجها إلى دار الإسلام (١)، ولم يوجب ذلك عليها العدة. مسألة : [الأطفال المسبيون تَبَعٌ لوالديهما فيما يدينان به] قال أبو جعفر: (ومَن سُبي من دار الحرب من الأطفال ومعه أبواه، أو أحدهما: لم يُصلَّ عليه إذا مات، وكان على حكم الكفر حتى يُقِرَّ بالإسلام وهو يعقل، وإن لم يُسْبَ معه واحدٌ من أبويه: كان مسلماً، وصُلّي عليه إذا مات). قال أبو بكر: الأصل في ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه))(٢). فإذا ثبت له حكم الأبوين في الكفر، لم يَزُل عنه ببقاء أحدهما في دار الحرب، ولا يوجب حصوله في دار الإسلام زوال حكمهما عنه، كما أنهما جميعاً لو سُبيا معه، لم يكن للدار تأثير في زوال حكمهما عنه، فكذلك إذا سُبي أحدهما، لأن حكم أحدهما في هذا الباب آكد من حكم الدار. والدليل عليه: أنَّ الذمية إذا زنت، فجاءت بولد: أنَّ ولدها ذمي، لأجل کفرها، لأنه لا أب له، فثبت أنَّ حکم أحد أبویه آكد من حكم الدار. (١) عند هذه الكلمة تنتهي، لوحة ١٣ أ من (ر)، ثم بعد ذلك سقط بقدر لوحتين ونصف تقريباً، وكذا في (حـ) السقط نفسه، ومسائل هذا النقص من المختصر بقدر صفحة، وهي في ص ٢٨٩ - ٢٩٠، وفي هذا الشرح من هنا إلى ص ١٦٩. (٢) تقدم، وهو في صحيح البخاري ٤١٨/١١، وغيره. ١٧١ كتاب السير والجهاد فإن قيل: هلا كان حصوله في يد المسلمين موجباً لقطع حكم أبويه عنه. قيل له: لا تأثير لليد في حكم الدِّين؛ لأن المشركين لو أسروا صبياً رضيعاً من المسلمين، وأدخلوه دارهم: لم يصر في حكمهم بثبوت يدهم عليه، فثبت بذلك أنَّ اليد لا تأثير لها في زوال حكم الدِّين. * وأما إذا سُبي الصبي وحده دون أبويه: فهو مسلم، لانقطاع حكم أبويه جميعاً عنه، وهذا مما لا نعلم فيه خلافاً بين الفقهاء، وفيه دلالة على اعتبار اختلاف الدارين في الأصول(١). مسألة : [إسلام الحربي وحكم ماله وأهله بعد ظهور المسلمين عليهم] قال: (ومَن أسلم من أهل الحرب في دار الحرب، ثم ظهر المسلمون على الدار التي هو منها: تُرك له ما كان في يده من ماله ورقيقه، وأولادُه الصغار مسلمون لا يُسْبَوْن، وأولادُه الكبار على حكم أنفسهم، يُسْبَوْن، ويكونون فيئاً، وأرَضُوه كلها فيءَ، وامرأتُه وما في بطنها فيء). قال أبو بكر: لما ظهرنا على الدار، وصارت دارَ إسلام: أحرز من ماله ما كان في يده، كما لو كان أدخله دار الإسلام، وكذلك ما كان له هناك في يد ذمي أو مسلم؛ لأن أيدي هؤلاء بعد الظهور أيدٍ صحيحة، ويدُ المودَع كيد المودع، فكأنه في يده. * وأولاده الصغار أحرار؛ لأنهم مسلمون بإسلامه، وكونه في دار الحرب لا يمنعهم حكم الإسلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نقل المولود عن حكم الإسلام إلى حكم الكفر بكفر الأبوين، بقوله: ((كل (١) شرح السير الكبير ٢٢٦٨/٥، المبسوط ٦٢/١٠، تبيين الحقائق ٢٤٣/١. ١٧٢ کتاب السير والجهاد مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه))(١)، ولم يفرِّق بين دار الحرب ودار الإسلام. * وأما أولاده الكبار: فلهم حكم أنفسهم؛ لأنهم إذا صار لهم اعتقاد: لم يتبعوا آباءهم في حکم الدین. * وأما أراضيه: فكلها فيء من وجهين: أحدهما: أنها لا تثبت فيها يدٌ على الحقيقة، لأنها لا تُحوَّل ولا تنقل، وإنما تثبت فيها اليد من طريق الحكم، وقد ظهر المسلمون عليها، فصارت فیئاً، كسائر أمواله التي ليست في يده. والوجه الآخر: أنَّ إسلامه بدءاً لم يُخرج تلك البقعة من أن تكون من دار الحرب وإن كانت في يده، فلما كانت باقية على حكم دار الحرب، وجب أن يقع الظهور عليها، كوقوعه على سائر أراضي الحرب، فتصير فيئاً؛ لأن حكم دار الحرب إذا ظهر عليها: أن تكون فيئاً ما لم يُقَرَّ أهلُها علیھا. ولو رددنا هذه الأرض إلى مالكها المسلم، لصارت هي وحدها في حكم أرض دار الإسلام، دون سائر أراضي أهل الحرب، وذلك محال، فامتنع لذلك أن يكون بعضها مغنوماً، وبعضها غير مغنوم، كما امتنع أن يكون بعضها دار الإسلام، وبعضها دار حرب مع ظهور الإمام وغلبته عليها. * وامرأتُه وما في بطنها فيء، من قِبَل أنها حربية يصح استرقاقها، وإذا حصلت رقيقة، تبعها ولدها في الرق؛ لأن الولد يتبع الأم في الرق (١) سبق. ١٧٣ كتاب السير والجهاد والحرية، دون الأب. فإن قيل: الولد الذي في بطنها مسلم، فلا يجوز ورود الرق عليه. قيل له: لا يمتنع ذلك بالأم؛ لأنه في حكمها، وتَبَعٌ لها، كما أنَّ ولد الحرِّ حكمه أن يكون حراً، ثم ينتقل بالأم إذا كانت أمة. قال: (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أنَّ العقار والأرضين اللاتي له في دار الحرب: له، لا تكون فيئاً). قال أبو بكر : ذهب أبو يوسف في ذلك إلى ما ورد في المغازي: ((أنَّ ناساً من بني قريظة أسلموا قبل أن تُفتح بليلةٍ، فأحرزوا أموالهم، وكان جُلُّ أموالهم الدور والأرضين))(١). [ أسلم في دار الإسلام وله أموال وأولاد بدار الحرب] قال أبو جعفر: (وإن كان هذا الحربي خرج إلى دار الإسلام، فأسلم هاهنا، ثم ظُهر على الدار، كانت جميع أمواله التي له بها وأهلُه وأولادُه الصغار والكبار فيئاً أجمعين). وذلك لأن ماله باقٍ على حكم أموال أهل الحرب، لم يُحرزه بإسلامه؛ لأن اختلاف الدارين يمنع ثبوت يده على ماله الذي له في دار الحرب، فبقيَ على حكم الحرب. وليس هذا بمنزلة مَن أسلم في دار الحرب، ثم ظهرنا على الدار، فيكون ما في يده، وما أودعه ذمياً أو مسلماً له؛ لأن هذا مال قد أحرزه (١) وهو استحسان؛ لأنه ملك محترم كالمنقول، المبسوط ٦٦/١٠، شرح السير الكبير ١١٣٠/٤، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر ٦٤٤/١. ١٧٤ كتاب السير والجهاد بكونه في يده، وهو مسلم بعد ظهورنا، فكان بمنزلته لو دخل دار الإسلام مسلماً، والمال في يده، فيكون له، وما أودعه ذمياً أو مسلماً: فكأنه في یده. وأما إذا أسلم هاهنا، فالمال الذي له في دار الحرب لم تحصل عليه يدٌ بعد الإسلام، فيكون محرزاً بها، فكان جميعه فيئاً وإن كان في يد ذمي أو مسلم؛ لأنه يحتاج أن تثبت له عليه يدٌ تُحرز المال، حتى تثبت بعد ذلك ید المودع من جهته. والدليل على أنَّ إسلامه لا يجعل ماله محرزاً دون أن تحصل يده عليه بعد الظهور على الدار: أن مستهلِكه لا ضمان عليه فيه، فصار في الحكم باقياً على حكم أموال أهل الحرب. فإن قيل: قد صار ماله محظوراً بالإسلام، فينبغي أن يفارق حكم أموال أهل الحرب التي هي مباحة. قيل له: كونه محظوراً في الدين، لم يُخرجه من أن يكون في حكم المباح في باب سقوط الضمان عن مستهلكه قبل إحرازه بدار الإسلام(١). * وأولادُه الصغار فيءٌ أيضاً، من قِبَل أنَّ اختلاف الدارين يمنع لحاقهم بحكم آبائهم في الإسلام، ألا ترى أنّ الصبي المسبي من دار الحرب إذا لم يُسْبَ معه أبواه: كان مسلماً، ولم يبق عليه حكم الأبوين، لأجل اختلاف الدارين، فكذلك ولد الحربي إذا أسلم أبوه عندنا، والولد في دار الحرب(٢). (١) شرح السير الكبير ١١٣٣/٤، المبسوط ٦٦/١٠. (٢) أي أنه لا يحكم بإسلامه، لتباين الدارين حقيقة وحكماً. المبسوط ٦٦/١٠. ١٧٥ كتاب السير والجهاد مسألة : [أسلم بدار الحرب، ثم دخل دار الإسلام، ثم ظُهر على دار الحرب] قال أبو جعفر: (وإن كان أسلم في دار الحرب، ثم دخل دار الإسلام، ثم ظهرنا على الدار، وهو في دار الإسلام: كان مالُه وأهلُه فيئاً أجمعين، إلا أولاده الصغار: فإنهم أحرارٌ مسلمون، لا سبيل عليهم). قال أبو بكر: وما أودعه مسلماً أو ذمياً: فهو له أيضاً. وإنما كان سائر ماله فيئاً إلا ما ذكرنا؛ لأنا ظهرنا على الدار، ومالُه ليس في يد أحد، فلم يصر محرزاً بالدار، فكان باقياً على حكم أموال أهل الحرب، واليد الأولى التي كانت له بدءاً قد زالت بخروجه إلى دار الإسلام. وأما ما أودعه مسلماً أو ذمياً: فإنه بمنزلة ما في يده؛ لأن يد هؤلاء يدٌ صحيحة، فصار محرَزاً باليد بعد ما صارت الدار دار الإسلام. وما كان في يد الحربي فهو فيءٌ أيضاً؛ لأن الحربي لا يدَ له صحيحة، ولأنها زالت بنفس الظهور، لأنه صار فيئاً بنفسه، فصارت الدار دارَ الإسلام، ولا يد لأحد في هذا المال، فصار فيئاً. * وأما أولاده الصغار: فأحرار مسلمون؛ لأنهم صاروا مسلمين بإسلام أبيهم هناك، ثم خروج أبيهم إلى دار الإسلام لا ينقلهم إلى حكم الكفر، فبقوا على حكم الإسلام إلى أن ظهرنا على الدار، فلا يجوز استرقاقهم بعد الإسلام. وليس هؤلاء بمنزلة ما في بطن امرأته من ولد، فيكون فيئاً، وإن كان مسلماً؛ لأن الإسلام يمنع سبي مَن هو مسلم، ولا يمنع جريان الرق في الولد من قِبَل الأم، ألا ترى أنَّ الحرَّ إذا تزوج أمة كان ولده رقيقاً برقِّ الأم. ١٧٦ کتاب السير والجهاد مسألة : [دخول الحربي دار الإسلام بأمانٍ وحكم أمواله ونحوها] قال أبو جعفر: (ولو أنَّ حربياً دخل إلينا بأمان، فأودع رجلاً مالاً، وأقرض آخر، ثم أُسِرَ (١)، أو ظُهر على الدار، وقُتِل: فإن وديعته فيءٌ للمسلمين، وبطل قرضه عن الذي كان عليه)(٢). قال أبو بكر: إذا ظُهر على الدار، فقُتِل، أو أُسِر: فقد صار فيئاً، وزال ملكه عن ماله، وصار ماله الذي له في دار الإسلام أيضاً فيئاً، كسائر أمواله التي في دار الحرب إذا ظهرنا على الدار، وإذا صار فيئاً: أُخذت الوديعة، فجُعِلت في بيت المال(٣). وأما القرض، فإنما بطل عن الذي هو عليه، ولم يصر فيئاً لجماعة المسلمين، من قِبَل أنَّ حكم الغنيمة أن تُملك بالغلبة والحيازة، وقد زال ملك الحربي عنه بالأسر، فبقي لا مطالب له، وإذا حصل الدّين بلا مطالب: سقط. [مسألة : ] قال: (وإن قُتِل ولم يُظهَر على الدار: كان القرض والوديعة لورثته). وذلك لأن قتله لم يوجب (٤) أن يكون فيئاً إذا لم يُظهَر على الدار، ولم يؤسر، فصار قَتْله في هذا الوجه بمنزلة موته سواء، فأوجب انتقال ملكه (١) أي بعد لحاقه بدار الحرب، ينظر مختصر الطحاوي ص ٢٩٠. (٢) الهداية ٢٧٢/٥. (٣) شرح فتح القدير ٢٧٣/٥، كذا في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف: أنَّ الوديعة يختص بها المودع كالقرض، يعني: سبقت يد المودع عليه. (٤) إلى هنا نهاية السقط، من (ر.حـ)، المشار إليه ص ١٦٢. ١٧٧ کتاب السير والجهاد إلى ورثته، فقاموا فيه مقامه؛ لأن لحاقه بدار الحرب لم يُزِل حكم الأمان عن ماله. ألا ترى أنه لو عاد: أَخَذه؛ لأن الأمان ينتظم ماله ودمه، ألا ترى أنه لا يجوز لنا أَخْذ ماله في حال كونه في دارنا، فلا يرتفع حكم ذلك الأمان من ماله ما لم يُخرجه من دار الإسلام، ويردّ إلى دار الحرب، أو(١) يصر هو فيئاً، كما لا يرتفع حكم الأمان عن نفسه إلا برجوعه إلى دار الحرب(٢). مسألة : [مداينة المسلم للحربي في دار الحرب وخروجهما إلينا، والحربي مستأمَن] قال أبو جعفر: (وإذا دخل المسلم دار الحرب، فادَّان حربياً دَيْناً، أو أدانه الحربيُّ، ثم خرجا إلينا، والحربي مستأمَن: لم يُقْض لأحدهما على صاحبه بشيء). وذلك لأن المداينة كانت حيث لا تجري فيه أحكامنا، ولم يدخل الحربي مستأمَناً إلينا لنؤاخذه بما كان منه في دار الحرب، فلذلك لم نؤاخذ أحدَهما بما كان منهما من المداينة في دار الحرب. وكذلك هذا في الحربيَّيْن إذا تداينا في دار الحرب، ثم خرجا إلينا مستأمَنين؛ للعلة التي وصفنا : قال: (ولو خرجا مسلمَيْن: قُضي لأحدهما على الآخر). (١) في خ (ح)، لوحة ١٥٧ ب: ((ويصير)). (٢) شرح السير الكبير ١٨٣٦/٥، الهداية مع فتح القدير ٢٧٢/٥. ١٧٨ کتاب السير والجهاد لأن الدَّيْن كان ثابتاً في ذمة المدين، وإنما مَنَعَ القضاء عليه به، بقاؤه على حكم الحرب، فإذا أسلما: فقد التزما حكم الإسلام، وخرجا عن أحكام أهل الحرب، فصارا كمسلمَيْن تداينا، فيُقضى لأحدهما على صاحبه(١). مسألة : قال أبو جعفر : (وإن غصب أحدهما صاحبه شيئاً في دار الحرب، ثم خرجا مسلمين: لم يُقض للمغصوب منه على الغاصب في ذلك بشيء). وذلك لأن دار الحرب يُمْلَك فيها بالغلبة، فلما أخذه على وجه الغلبة: مَلَكه، والإسلام لا يزيل ملكه، ودخوله إليهم بأمان: لا يمنع صحة ملکه فیما یَغْصِب منهم. والأصل فيه: قصة المغيرة بن شعبة، حين صحب قوماً في الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أموالهم، وهاجر إلى المدينة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((أما الإسلام فقد قَبلْناه، وأما المال فهو مال غَدْر، لا حاجة لنا فیه»(٢). فأخبر أنه مالٌ غَدْرٌ، ولم يردّه مع ذلك على ورثة المقتولين. ولأن كونه محظوراً بالأمان، لا يمنع صحة الملك لمن أخذه على وجه الغلبة؛ لأن أموالنا محظورة عليهم، ويملكونها بالغلبة، ويُفتى( (١) الهداية مع فتح القدير ٢٦٧/٥، البحر الرائق ١٠٠/٥. (٢) سبق. (٣) كلمة: (يفتى)): ليست في الأصول، ويقتضيها النص، وقد جيء بها في كتب المذهب في هذا الموضع. ١٧٩ كتاب السير والجهاد المسلم فيما بينه وبين الله تعالى أن يردَّ عليهم ما غصبه منهم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يأخذه من المغيرة، لأنه مال غدر، فكذلك الآخذ لا ينبغي له أن ينتفع به، ولکن یرده على صاحبه(١). ووجهٌ آخر: وهو أنه لما حصل له ذلك من وجه محظور، لم يسعه الانتفاع به، كما منع النبي صلى الله عليه وسلم الانتفاع بالشاة المشوية التي قُدِّمت إليه، وأخبروه أنهم غصبوها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((أطعموها الأسرى))(٢)، فمنعهم الانتفاع بها، إذ حصلت لهم من وجه محظور. مسألة : [من أسلم من عبيد المشركين قبل الظهور على دارهم] قال أبو جعفر: (ومَن أسلم من عبيد أهل الحرب في دار الحرب، ثم ظهرنا على الدار، أو خرج إلينا: فهو حرٌّ). وذلك لما رُوي أنَّ أبا بكرة - وكان من عبيد أهل الطائف - خرج في جماعة من عبيدهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام مسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هؤلاء عتقاء الله))(٣). (١) شرح السير الكبير ١٢٧٦/٤، الهداية مع فتح القدير ٢٦٧/٥، البحر الرائق ١٠٠/٥، الفتاوى الهندية ٢٣٢/٢. (٢) سنن الدارقطني ٢٨٦/٤، سنن أبي داود ٢١٨/٢، الآثار لمحمد بن الحسن (٨٨٣) ص١٩٤، نصب الراية ١٦٩/٤، الهداية على البداية للغماري (١١٥٣) ٢٤٤/٦، وفيه: وهو حديث صحيح. (٣) سنن أبي داود ٥٩/٢، المستدرك للحاكم (٢٥٧٦) ١٣٦/٢، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، نصب الراية ٢٨٠/٣، قال الزيلعي، بعد ذكر تخريجه عن أبي داود، والترمذي: قال أبو عيسى : حديث حسن صحيح غريب. ١٨٠ كتاب السير والجهاد وأيضاً: فلما خرج إلى دار الإسلام، زال ملك مولاه عنه؛ لأنه لا يجوز أن يثبت لهم يدٌ فيما حصل في دارنا على جهة المباينة والغلبة؛ لأنه لو جاز ذلك، لما صح أن تُملك عليهم أموالهم، لبقاء أيديهم عليها بعد إحرازها في دار الإسلام. فلما بطل ذلك: صحَّ وثبت أنَّ حصول العبد المسلم في دارنا يزيل ملكهم عنه، كما زالت أيديهم عنه؛ لأن أملاكهم إنما هي ثابتة من طريق اليد، ففي زوال أيديهم بالغلبة والمراغمة: زوال ملكهم، وإذا زال ملكه عن العبد: عَتَق؛ لأنه لا يجوز لنا أن نسترقَّه وهو مسلم، وكذلك إذا ظهرنا على الدار، زال ملك المولى عن عبده، فلم يجز استرقاقه وهو مسلم(١). مسألة : [إذا اشترى المستأمَنُ عبداً مسلماً] قال أبو جعفر: (وإذا دخل الحربي إلينا بأمانٍ، فاشترى عبداً مسلماً: جاز شراؤه، وبِعْناه عليه من مسلم، فإن لم نعلم به حتى أدخله دار الحرب: فإنه يعتق عليه في قول أبي حنيفة، ولا يعتق في قول أبي يوسف ومحمد). قال أحمد: يُجْبَر على بيعه ما دام في دار الإسلام، كما يُجْبر الذمي عليه، لما فيه من استذلال المسلم بالاستخدام على وجه الرق، ولا خلاف في ذلك نعلمه. وأما وجه قول أبي حنيفة في إيجاب عتقه بدخوله معه دار الحرب: فهو أنَّ ملك الحربي المستأمَن ملكٌ صحيح في دار الإسلام، ولَحاقه بدار (١) شرح السير الكبير ٢٠٠٤/٥، ٢٢٨٦، الهداية مع فتح القدير ٢٦٤/٥، البحر الرائق ٩٨/٥.