النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
كتاب السير والجهاد
ومن جهة السنة: ما حدثنا أبو بكر محمد بن بكر البصري حدثنا أبو
داود حدثنا محمد بن عیسی حدثنا مجمع بن يعقوب بن مجمع بن یزید
الأنصاري قال: سمعت أبا يعقوب بن المجمع يذكر عن عمه عبد الرحمن
بن زيد الأنصاري عن عمه مجمع بن جارية (١) - وكان أحد القرَّاء الذين
قرؤوا القرآن - قال: شهدنا الحديبية وذكر الحديث: ((قُسمت خيبر على
أهل الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر
سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى
الفارس سهمين، وأعطى الراجلَ سهماً))(٢).
حدثنا ابن قانع قائلاً: حدثنا الحسن بن الكميت الموصلي حدثنا صبح
بن دينار حدثنا عفيف بن سالم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر:
((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم يوم بدر للفارس سهمين،
وللراجل سهماً)) (٣).
قال أحمد : قال لي بعض أهل المعرفة: عفيف: ثقة مأمون، وكذلك
(١) في خ (ر، حـ)، لوحة ١٥٠ أ بن حارثة.
(٢) سنن أبي داود ٦٩/٢. قال أبو داود: حديث أبي معاوية أصح والعمل عليه
((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهماً له،
وسهمين لفرسه)»، وأرى الوهم في حديث مجمع، أنه قال: ثلاثمائة فارس وكانوا
مائتي فارس. مصنف ابن أبي شيبة - مختصراً - (٣٣١٨٤) ٦ /٤٨٩.
(٣) مصنف عبد الرزاق (٩٣١٦) ١٨٤/٥، مصنف ابن أبي شيبة (٣٣١٨٣)
٤٨٩/٦، أحكام القرآن للجصاص ٢٤٠/٤. قال المؤلف في أحكام القرآن تعليقاً
على الحديث: هذا لو صح، فلا حجة لأبي حنيفة فيه، حيث إن غنائم بدر كان
لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيها الخيار لهم، ولكن يحتج بغيره.

١٢٢
كتاب السير والجهاد
صبح بن دینار.
حدثنا ابن قانع قال: حدثنا يعقوب بن غيلان العماني حدثنا محمد بن
الصباح الجرجرائي: ثقة قال: حدثنا عبد الله بن رجاء عن سفيان الثوري
عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: ((أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم جعل للفارس سهمين، وللراجل سهماً))(١).
قال عبد الباقي بن قانع: لم يجىء به عن الثوري غير محمد بن
الصباح. قال أبو بكر بن الجعابي: حديث صحيح.
فإن قيل: روى الفزاري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر
قال: ((قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم للفارس سهمين، وللراجل
سهماً))(٢).
فهذا يعارض حديث عفيف بن سالم عن عبيد الله، وهو مع ذلك
أُوْلی، لما فیہ من إثبات زیادة سهم.
وقد روى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ((أنّ النبي صلى الله
عليه وسلم جعل للفارس ثلاثة أسهم: سهمان له وسهم لفرسه)) (٣).
قيل له: حديث عبيد الله معارَض بما قدَّمنا من رواية سفيان عنه: ((أنه
(١) صحيح البخاري (مع الفتح) ٥٢/٦، سنن الدارقطني (١٩ - ٢٠، ٢٣)،
١٠٦/٤، السنن الكبرى ٣٢٥/٦، ينظر نصب الراية ٤١٨/٣، عمدة القاري
١٤/ ١٥٥، فتح القدير ٢٣٦/٥.
(٢) السنن الكبرى ٣٢٥/٦، مصنف عبد الرزاق (٩٣٢٠) ١٨٥/٥، سنن
الدار قطني ٤ /١٠٦، وانظر التعليق المغني عليه.
(٣) ينظر صحيح البخاري ٣٨٩/٧، السنن الكبرى ٣٢٥/٦.

١٢٣
کتاب السير والجهاد
جعل للفارس سهمین)).
وأيضاً: في خبرنا زيادة حظ الراجل؛ لأن كل ما نقص من سهم
الفارس، ففيه زيادة في سهم الراجل، فلم تكن أنت أولى بإثباتك زيادة
سهم للفارس منا بإثبات زيادة حظ الراجل.
وأيضاً: في خبرنا أنَّ للراجل نصف حظ الفارس، وفي خبركم الثلث،
فخبرنا زائد من هذا الوجه، ولو ثبتت الزيادة من غير معارض، لم يجز
الاعتراض به على عموم الآية، ولا على خبر عبيد الله الذي ذكر فيه
للفارس سهمین.
وذلك لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتضي عندنا الوجوب،
فلا دلالة فيه على أنّ السهم الزائد كان على جهة الاستحقاق، فلا يُخص
به العموم الذي ذکرنا.
ولا يعارَض به حديث عبيد الله الذي ذكر فيه السهمين للفارس،
وذلك لأنه معلوم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع حقاً واجباً، وقد
يجوز أن يعطيَ ما ليس بمستحق على جهة النَّفَل، فوجب من أجل ذلك
أن تكون دلالة العموم قائمة على ما وصفنا، وأن يكون حكم خبر
السهمين ثابتاً، والزيادة منتفية على وجه الاستحقاق.
فإن قيل: فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يعطي مِن سهم الغانمين مَن
لا يستحق؛ لأن ذلك حق للغير، فإذاً لم يعط زيادة السهم إلا على جهة
الاستحقاق.
قيل له: لم نقل إنه أعطىُ مِن جملة الغنيمة، وإنما أعطى عندنا

١٢٤
كتاب السير والجهاد
من الخمس(١).
كما أعطى سلمة بن الأكوع في غزوة ذي قرد(٢) سهم الفارس
والراجل، وكان راجلاً.
وكما «أسهم لأبي موسى وأصحابه من غنائم خيبر، وإنما جاؤوا بعد
(٣)
الفتح)» (٣).
و((أسهم لعثمان بن عفان، ولم يشهد بدراً)) (٤).
وكما قال ابن عمر: ((أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية
بعثها اثني عشر بعيراً سهامنا، ونَفَلَنا بعيراً بعيراً))(٥).
وكما ((أعطى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وأمثالهما يوم حنين
(١) ينظر فتح القدير ٢٣٦/٥. شرح السير الكبير ٨٨٧/٣.
(٢) ذي قرد: ماء على ليلتين من المدينة، بينها وبين خيبر، انتهى إليه النبي
صلى الله عليه وسلم لما خرج في طلب عيينة، حين أغار على لقاحه، وهو ماء لطلحة
بن عبيد الله، اشتهر، فتصدق به على مارة الطريق. الروض الأنف ١٤/٤، معجم
البلدان، ٣٢١/٤، وكانت غزوة ذي قرد في السنة السادسة للهجرة. انظر صحيح
مسلم ١٧٤/١٢، الأموال لأبي عبيد (٨٢٧) ص ٤٠٥، تاريخ الإسلام للذهبي،
المغازي والسير ص٣٣٦.
(٣) صحيح البخاري ١٨٢/٦، سنن أبي داود ٦٧/٢.
(٤) صحيح البخاري ١٧٩/٦، شرح معاني الآثار، ٢٤٤/٣، شرح السير الكبير
١٠٠٨/٣.
(٥) صحيح البخاري ١٨١/٦، صحيح مسلم ٥٤/١٢، شرح معاني الآثار
٢٤١/٣، الأموال (٨١٢) ص ٤٠٠.

١٢٥
کتاب السير والجهاد
عطايا جزيلة، وكانت من الخمس))(١)، وإن لم يذكر في الخبر؛ لأنه كان
معلوماً أنه لا يعطي من غنائم الجند.
* ومن جهة النظر: أن غَناء الراجل في الحرب أكثر من غناء الفرس،
فلا يجوز أن يُفضَّل عليه، ألا ترى أن تفضيل الفارس على الراجل إنما هو
لأجل ما له من الغَنَاء في الحرب ما ليس للراجل، فكما لم يفضل راجل
على راجل؛ لأنه لا فضيلة له في الغَناء، وجب أن لا نفضِّل فرساً على
راجل، إذ لا فضيلة له عليه في الغناء في الحرب.
فإن قيل: فلا يسوَّى بينهما؟
قيل له: إذا نصبنا علةً للتفضيل، لا يلزمنا عليه التسوية؛ لأن علة
واحدة لا يجوز أن توجب حكمين مختلفين، وهذا الإلزام ونحوه لا يكون
إلا من جاهل بالنظر.
* ووجهٌ آخر من النظر: وهو أنَّ القياس يمنع أن يُسهم للفرس، لأنه
آلة لا غناء له بنفسه(٢)، كما لا يسهم لجماعة أفراس، وكما لا يسهم للبغل
والحمير، إلا أنه لما اتفق الجميع على سهم واحد، تركنا القياس فيه،
والباقي محمول على القياس.
مسألة : [الدواب التي يُسهَم لها من الغنيمة]
قال أبو جعفر: (والبِرْذَوْن(٣)، والفرس في ذلك سواء).
(١) صحيح البخاري ١٩٤/٦، الأموال لأبي عبيد (٨٠٩) ص ٤٠٠.
(٢) شرح السير الكبير ٨٨٥/٣، الخراج لأبي يوسف ص١٩، فتح القدير
٢٣٦/٥.
(٣) اسم للفرس العجمي، شرح السير الكبير ٨٩١/٣، وفي المعجم الوسيط

١٢٦
كتاب السير والجهاد
وذلك لأن غَناءهما واحد؛ لأن الفرس وإن كان أجرى من البرذون،
فالبرذون أقوى وأحمل للسلاح.
* قال : (ولا يُسهَم لبعير ولا بغل ولا حمار).
وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام في غزواته قد كان يكون مع
أصحابه الحِمَال والحمير والبغال، فلا يُسهِم لشيءٍ منها، ولو أسهم لكان
نَقْله أظهر من نقل الإسهام للفرس، لأنها كانت أكثر من الأفراس.
[حکم الإسهام لأکثر من فرس]
قال أبو جعفر: (ولا يُسْهَم إلا لفرسٍ واحدٍ في قول أبي حنيفة
ومحمد، وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أنه يُسهَم لفرسين، ولا
يُسِهَم لأكثر منهما).
وجه قول أبي حنيفة: أنه لم يُرو عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه
أسهم لأكثر من فرس واحد، وقد علمنا أنَّ الجيوش العظام لا يخلو من أن
يكون فيها مَن له فرسان وأكثر(١).
وقد حاز(٢) النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين(٣)، وكان معه فيها
٤٨/١: البرذون: يطلق على غير العربي من الخيل والبغال، من الفصيلة الخيلية،
عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء، قوي الأرجل، عظيم الحوافر. اهـ.
(١) كما في غزوة خيبر، أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم حضرها ومعه ثلاثة
أفراس، ولم يسهم إلا لواحد. فتح القدير ٢٣٨/٥، نصب الراية ٤١٩/٣.
(٢) وفى نسخة قونية: (أجاز) ..
(٣) في خ (د، م) خيبر، وهي سنة ٧هـ، وهو خطأ، وما في النسخ الأخرى هو
الصحيح وهو ما أثبته، إذ لم يسلم آنذاك الأقرع وعيينة. انظر الإصابة، ج١، ص٥٨،
=

١٢٧
كتاب السير والجهاد
اثنا عشر ألف رجل (١)، ومعه من رؤساء العرب مثل عيينة بن حصن،
والأقرع بن حابس في آخرين من الرؤساء الذين لا يخلون إذا حضروا
الحرب من أن يكون معهم عدة أفراس، ولم يُسهم النبيُّ صلى الله عليه
وسلم لأكثر من فرس واحد، لأنه لو أسهم لأكثر من واحد لنُقِل، لكثرة
من کان معه.
ولأن مثله ليس يكاد يخفى على أحدٍ من أهل السهام، لأن ما زاد في
سهام غیرهم، نقص من سهامهم، فثبت أنه لا يُسهم لأکثر من فرس.
وأيضاً: كان القياس أن لا يسهم للفرس رأساً، فلما وردت السنة
بالإسهام للواحد، تركنا القياس فيها، وحملنا الزيادة على القياس كسائر
الآلات التي تحضر الحرب.
* وذهب أبو يوسف إلى أنه قد يقاتل بهما جميعاً في الحرب، بأن
يكون أحدهما جنيبةً(٢) يقاتل بها تارة، وبالأخرى تارة (٣).
مسألة : [الضابط الذي يستحق به الفارس سهمه]
قال: (ومن دخل دار الحرب فارساً، ثم نفق(٤) فرسه: فله سهم
تاريخ الإسلام، الخلفاء الراشدون، ص٣٤٩، الأعلام، ٥/٣.
(١) السيرة النبوية لابن هشام ١٢٣/٤.
(٢) الجنيبة: الفرس تُقاد، ولا تُركب، وأجنب الرجل فرساً إلى فرسه في
السباق، فإذا فَتَر المركوب تحوَّل إلى المجنوب. ينظر القاموس المحيط، المصباح
المنير (جنب) .
(٣) شرح السير الكبير ٨٨٨/٣، الهداية وفتح القدير ٢٣٨/٥.
(٤) نفق: نفقت الدابة: ماتت، مختار الصحاح (ن ف ق).

١٢٨
كتاب السير والجهاد
فارس، ومَن دخلها راجلاً، ثم اشترى فرساً: فله سهم الراجل)(١).
قال أحمد : ذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه إن باع فرسه بعد
دخوله دار الحرب، فله سهم فارس(٢)، وكذلك لو وهبه، وقاتل راجلاً(٣).
وقال محمد بن الحسن في السير الكبير: إنه إن باع فرسه بعد دخوله
دار الحرب: فله سهم راجل، ولم يذكر فيه خلافاً، وذكر المسألة في
الجامع الصغير(٤): إذا نفق الفرس بعد الدخول: أنَّ له سهم فارس، وإذا
اشترى فرساً بعد الدخول: فله سهم راجل، وقال: إنما أنظر إليهم يوم
يدخلون.
والدليل على أنَّ الاعتبار بيوم الدخول في استحقاق السهام: قول الله
تعالى: ﴿وَمَآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾(٥).
فدلَّ أنَّ السهم مستَحقٌّ بالإيجاف، وظاهره يقتضي استحقاقه بخروجه
على الخيل نحو دار الحرب، إلا أنَّ الجميع متفقون على أنه لا اعتبار به ما
دام في دار الإسلام، فوجب اعتبار الإيجاف بالخيل في دار الحرب، لما
تضمنه ظاهر اللفظ (٦).
(١) شرح السير الكبير ٨٩٤/٣، ٨٩٩، ٩٢١.
(٢) شرح السير ٩٣١/٣، وذكر السرخسي أنها رواية شاذة عن أبي حنيفة.
(٣) الهداية وفتح القدير عليها ٢٤١/٥.
(٤) شرحه النافع الكبير لللكنوي، ص٣١٩ -٣٢٠، شرح الجامع الصغير للصدر
الشهيد (خ)، لوحة ١٢١.
(٥) الحشر: ٦.
(٦) جامع البيان للطبري ٢٤/٢٨.

١٢٩
كتاب السير والجهاد
ويدل عليه أيضاً: قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَطَعُونَ مَوِْئًا يَغِيظُ
الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ تَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمِبِهِ، عَمَلٌ صَلِحُ﴾(١).
فجمع بين ما يَنال من أنفسهم من جراح أو قتل، وبين وطء أرضهم
فيما يستحقانه من الأجر، فدل على أنهما سواء فيما يَستحق به من
(٢)
السهم(٢).
وأيضاً: وطء بلادهم هو أول الظهور والغلبة، بدلالة ما روي عن علي
رضي الله عنه أنه قال: ((ما غُزِيَ قومٌ في عُقْرِ دارهم إلا ذَلُّوا))(٣).
فوجب اعتبار أول الظهور، لاتفاق الجميع على أنَّ فرسه لو نفق في
حَوْمة الحرب: لم يبطل سهمه وإن نفق قبل حيازة الغنائم ، ولو كان
الاعتبار لوقت الحرب، لوجب أن يكون وجوده معه شرطاً في استحقاق
سهمه إلى أن تحاز الغنائم، فلما سقط هذا، عُلم أنّ العبرة لحال الدخول
لا غیر.
وأيضاً: لو قاتل راجلاً، لاستحقَّ سهم الفارس إذا كان فرسه باقياً
معه، فعلم أنه لا اعتبار ببقاء الفرس إذ كان إنما يحتاج إليه للغَناء في
الحرب، والفرس لا يغني عن الراجل.
(١) التوبة: ١٢٠.
(٢) تفسير الطبري ٥٦٥/١٤، تفسير ابن كثير ٤١٤/٢، أحكام القرآن
للجصاص ٣٧٢/٤.
(٣) هذه العبارة من خطبة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه التي استنهض بها
الناس حين بلغه خبر غزو الأنبار بجيش معاوية، فلم ينهضوا. شرح السير الكبير
٨٩٤/٣، نهج البلاغة ص٦٩.

١٣٠
كتاب السير والجهاد
فإن قيل: لأنه لو احتاج إليه لركبه فانتفع به.
قيل له: إنما قلنا فيمن لم يحتج إلى فرس بعد حضوره، أليس قد
استحق سهم الفارس مع استغنائه عن الفرس؟ فكذلك إذا نفق بعد
الدخول.
وأيضاً: فلا اعتبار بالقتال؛ لأن مَن قاتل ومَن لم يقاتل سواء في
استحقاق السهام، فلا اعتبار بأن يكون الفرس معه وقت القتال، وهو غير
مستحق للسهم بالقتال.
وأيضاً: الجيش يستحقون السُّهمان فيما غنمته السرية ولم يحضروا
الحرب، لأجل أنهم في دار الحرب ظهراء لهم، فكذلك يستحق سهم
الفرس بعد ما نفق، لوجود القوة والظهور بأول الدخول.
فإن قيل: فلو مات هو بعد الدخول: لم يستحق سهماً، كذلك فرسه.
قيل له: ولو مات في الحرب، أو قبل إحراز الغنيمة: لم يستحق
سهماً، ولا يدل على أنَّ فرسه لو نفق في الحرب أو بعد انقضائها قبل
إحراز الغنيمة، بطل سهم فرسه.
وأيضاً: فإن الفرس لا يستحق شيئاً، فإذا كان الرجل حياً وقت
الحيازة، استحق سهم الفارس لحصول الغلبة والظهور له، وهو ممن يثبت
له الحق في الحال، وإذا كان ميتاً وقت حيازة الغنيمة، لم يجز أن يستحق
شيئاً، لأن الميت لا يثبت له حق، والحق عندنا إنما يثبت بإحراز الغنيمة
وحيازتها، لأجل السبب المتقدم، وهو الظهور والغلبة بدءاً، وهو دخول
دار الحرب.
فإذا بقي الرجل حياً حتى أحرزت الغنيمة: استحق السهم، وإذا مات
قبل ذلك: لم يستحق شيئاً، ولا يمنع ذلك اعتبار حال الدخول في

١٣١
کتاب السير والجهاد
استحقاق السهم(١).
(١)
ونظير ذلك ما نقول في الرجل يموت، ويترك امرأة حبلى: أنَّ الولد
إن خرج حياً: استحق الميراث بالسبب المتقدم وهو الموت، لأن الميراث
لا يستحق بالولادة، وإنما يستحق بالموت، وإن خرج ميتاً: علمنا أنه لم
یکن له حق رأساً (٢).
وكما نقول في الشفيع: إنه إن بقيَ ملكه في الدار التي بها استحق
الشفعة إلى وقت الأخذ: استحق الأخذ، لأجل العقد المتقدم، وإن زال
ملكه عن الدار: سقط حقه في الأخذ، ولم يدل ذلك على بطلان حكم
السبب الذي به استحق الأخذ بدءاً(٣).
وكما نقول في الجارح: إن حكم جراحته مراعى، فإن سرت إلى
النفس: كان قاتلاً بالجراحة، وإن لم تَسْرِ: لم يثبت لجراحته حكم
(٤)
النفس (٤).
ونظائر ذلك أكثر من أن تُحصى، فكذلك إذا دخل دار الحرب
فارساً، فحكمه مراعى في استحقاق السهم، فإن بقي حياً إلى وقت حيازة
الغنيمة: ثبت حقه فيها، واعتبر حكمه يوم الدخول، وإن مات قبل ذلك:
علمنا أنه لم يستحق شيئاً، فسقط حكم الدخول.
* وأما إذا باع الفرس في دار الحرب، فإن الحسن بن زياد قد مرَّ علىُ
(١) شرح السير الكبير ٩١٠/٣، فتح القدير ٢٢٧/٥.
(٢) حاشية ابن عابدين ٥٨٩/٦، ٧٦٧، ٨٠٠.
(٣) تبيين الحقائق ٢٥٧/٥، الهداية والعناية عليها ٣٣٩/٨.
(٤) الدر المختار ٥٤١/٦، الهداية ١٦٥/٩، ٢٣٠، تبيين الحقائق ١٠٩/٦.

١٣٢
کتاب السير والجهاد
القياس فيما رواه من استحقاق سهم الفارس.
وأما محمد: فإنه أبطل سهمه، من قِبَل أنه قد انتفع به من وجه غير
وجه الحرب، فمنع ذلك اعتبار حکمه في استحقاق سهمه.
وليس ذلك كالموت، لأن ذلك يختلف حكمه في الأصول(١)، ألا
ترى أنَّ البائع إذا قتل ولد المبيعة قبل القبض: سقط عن المشتري حصته
من الثمن، لأنه قد استوفاه لنفسه من جهة، فلا يستوفي بدله، ولو مات
الولد موتاً: لم يسقط عن المشتري حصته من الثمن (٢).
مسألة : [الوقت الذي تملك فيه الغنيمة]
قال أبو جعفر: (ومن مات في دار الحرب قبل خروجه إلى دار
الإسلام: لم يكن له في الغنيمة شيء، وإن مات بعد خروجه إلى دار
الإسلام: ضرب له فيها بسهمه).
قال أحمد : هي على ثلاثة أحوال:
حال الغلبة والظهور قبل الحيازة: فلا يثبت للغانمين عندنا فيها ملك
ولا حقّ.
وحال الحيازة والإحراز: يثبت لهم فيها حقٍّ، ولا يملكون.
وحال القسمة: يملكون بها ما وقع في قسم كل واحد منهم.
والدليل على أنَّ الحق لا يثبت لهم في الغنيمة بنفس الغلبة، وأخذها
(١) السير الكبير وشرحه ٩٢٢/٣، ٩٣١، ٩٥٥، الاختيار ١٢٩/٣.
(٢) السير الكبير ١٣٠٨/٤. وهذا قول محمد، وأما أبو يوسف: فإنه يرى أنه
بالأخذ يدفع جميع الثمن، سواء فيه: أخذهما، أو الأم فقط، أو الولد فقط.

١٣٣
کتاب السير والجهاد
دون إحرازها: أنّ الموضع الذي وطئوه من بلاد العدو، لا يثبت لهم فيه
حق وإن غلبوا عليه، ولا يصير من دار الإسلام، وأن جيشاً لو لحقهم، لم
يكن الأولون أَوْلى بالموضع إذا ظهر على الدار من الآخرين، والمعنى فيه
عدم حيازته وإحرازه، فكذلك الأموال، لما كان هذا المعنى موجوداً فيها،
وجب أن یکون حکمها حکمه.
وكما أنَّ السرية إذا غنمت لا تكون أحقَّ بها من الجيش، دل على أن
نفس الأخذ لا يوجب الحق إلا بالحيازة والإحراز، فوجب من أجل ذلك:
أنَّ جيشاً لو لحقهم قبل إخراجها إلى دار الإسلام: أن يشاركوهم فيها، فإذا
صح أنَّ الجيش اللاحق قبل الإخراج يشاركونهم، ثبت أنّ الحق لم يثبت
فيها بنفس الأخذ دون الإحراز.
ألا ترى أنَّ الجيش لو لحقهم بعد إحراز الغنيمة في دارنا: لم
يشركوهم فيها، فدل على أنَّ الحق إنما يثبت في الغنيمة بإحرازها في دارنا
دون غلبتنا عليها، وأما إذا أحرزوها في دارنا، فقد ثبت الحق، فينتقل حق
كل واحد منهم إلى ورثته إذا مات بالدلالة التي وصفنا.
ويدل عليه أيضا: ما روي ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يُسهم لمن
لم يشهد خيبر ممن حضر بعد الفتح إلا لأبي موسى وأصحابه)»(١).
لأن الغنائم صارت محوزة بكون الموضع من دار الإسلام؛ لأن خيبر
صارت دار إسلام بظهور النبي صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على ثبوت
حق الغانمين فيها بالحيازة والإحراز، من أجل ذلك لم يُسهم النبي صلى
الله عليه وسلم لمن لَحِقَ بعد الفتح إلا لنفرٍ مخصوصين.
(١) سبق.

١٣٤
کتاب السير والجهاد
وإذا ثبت الحق فيها، انتقل إلى الوارث بالموت؛ لأنه حق مستقرٌّ وإن
لم يتعين(١)، كما ينتقل حق ولي الجناية في مخاطبة مولى العبد الجاني
بالدفع أو الفداء إلى ورثته، إذ كانت الحقوق الثابتة المستقرة قد تنتقل إلى
الوارث بالموت(٢).
ويدل على أنهم لا يملكون بالإحراز حتى يقسموا: أن للإمام قتل
الأسرى قبل القسمة، ولا يقتلهم بعد القسمة، ولو كانوا ملكوا لما جاز
قتلهم، كما لا يجوز قتلهم بعد القسمة(٣).
ولا يشبه هذا الحق حق الشفعة في بطلانها بموت الشفيع، من قِبَل أن
من شرط هذا الحق بقاء(٤) الملك فيما استحق الشفعة من أجله، بدلالة أنه
لو باع الدار التي بها استحق الشفعة: بطلت شفعته، ومِلْك الميت قد زال
بالموت لا محالة إلى غيره، فبطلت شفعته، والوارث لا يستحقها لعدم
ملكه وقت العقد، وحدوث ملكه بعد البيع لا يوجب شفعته في المبيع (6).
وأما حق الغنيمة فلم يَعْرِض فيه ما يبطله، فلذلك انتقل إلى الوارث،
كحق ولي الجناية، فإذا قسمت الغنيمة ملك كل واحد ما حصل له، كما
يملك ولي الجناية العبد إذا اختار المولى دفعه إليه بها، ولو أعتق واحد
من الجند نصيبه من السبي قبل القسمة: لم يعتق، كما لو أعتق ولي الجناية
(١) السير الكبير وشرحه ١٠٠٧/٣، فتح القدير ٢٢٤/٥.
(٢) تبيين الحقائق ١٥٣/٦، الاختيار لتعليل المختار ٥٠/٥.
(٣) شرح السير ١٠٢٦/٣، الفتاوى الهندية ٢٠٥/٤.
(٤) في (ر.حـ): من قبل أن شرط هذا الحق نفي الملك.
(٥) مختصر القدوري مع اللباب ١١٣/٢، تبيين الحقائق ٢٥٧/٥.

١٣٥
کتاب السير والجهاد
العبد الجاني لم يعتق وإن دفعه مولاه بالجناية(١).
ويدل على أنهم لا يملكون بالإحراز قبل القسمة: ما روي عن ابن
عباس عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((أنه نهى عن بيع المغانم قبل أن
تُفْسَم))(٢).
وحديث رويفع بن ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((مَن كان
يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبع نصيباً من المغنم حتى يقبضه))(٣).
ولو كان مملوكاً كان شريكاً، فكان يجوز بيعه كالشريك.
فصل : [مشاركة مَن لحق بالجيش في الغنيمة]
قال أبو جعفر: (ومَن لحق الجيشَ قبل إخراج الغنيمة إلى دار الإسلام
شركهم في الغنيمة).
وذلك لما وصفنا من أنَّ الحقَّ لم يثبت بنفس الأخذ.
* قال أبو جعفر: (إلا أن يكون الإمام قد قسم الغنائم بينهم أو
باعها، فلا يشركهم حينئذ مَن لحقهم بعد ذلك).
قال أحمد : يكره عندنا قسمة الغنائم في دار الحرب، وقد تقدم القول
(١) فتح القدير ٢٢٣/٥، تبيين الحقائق ١٧٤/٦، بدائع الصنائع ١٢٢/١،
المبسوط ٥٠/١.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٣٣٣٢٨) ٥٠٣/٦، نيل الأوطار ١٣٣/٨، الفتح
الرباني ١٤ / ٧١.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٣٣٣٢٢) ٥٠٣/٦، الفتح الرباني (٢٢٧) ٧٠/١٤،
وحسن الحافظ إسناده، وقال في بلوغ المرام: رواته ثقات.

١٣٦
کتاب السير والجهاد
في ذلك فيما سلف (١)، إلا أنه إذا قسمه الإمام: صحت القسمة، لأن ذلك
مما اختلف فيه الفقهاء، ويسوغ فيه اجتهاد الرأي، فإذا أمضاه مَن يجوز
حكمه: نَفَذَ وصح، فإذا صحت القسمة: مَلَكَ كل واحد منهم ما حصل
في قسمته، وما صح ملكه فيه لا يشاركه فيه اللاحقون من الجيش(٢).
والبيع كذلك أيضاً؛ لأن البيع يخرجه من بقائه على حكم الغنيمة
الأولى، إذا (٣) كان الثمن المأخوذ عنها غير مأخوذ على وجه الغنيمة،
فثبت حينئذ حق الغانمين فيه، ولا يشاركه فيه اللاحقون، وصار ذلك
كالقسمة، لأن كل مَن حصل له منهم بالقسمة شيء، فإنما حصل بعضه
على معنى المعاوضة، كذا سبيل القسمة إذا وقعت بالقيمة (٤).
[مسألة : ]
قال: (وإن فتح الإمام الدار، حتى صارت دار الإسلام: لم يشركهم
في الغنيمة مَن لحقهم بعد ذلك).
وذلك لما وصفنا من أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يقسم لمن لَحِقَ
بعد فتح خيبر إلا لمن ذكرنا، وجائزٌ أن يكون مَن قسم له ممن لم يشهد
الفتح أعطاه من الخمس.
(١) شرح مختصر الطحاوي للجصاص، تحقيق د/سائد بكداش، رسالة
دكتوراة ٢ / ٥٨٣.
(٢) شرح السير الكبير ١٠١٠/٣. الهداية وفتح القدير ٢٢٤/٥، وفيه الكراهة،
وهو قول في المذهب.
(٣) في (ر.حـ): إذ.
(٤) في (د، م): بالغنيمة.

١٣٧
كتاب السير والجهاد
مسألة : [فيمن يعطى من الغنيمة من غير إسهام]
قال أبو جعفر: (ولا يُسهَم لامرأة ولا عبد، ويُرْضَخ (١) لهما).
وذلك لما روى ابن عباس عن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ العبيد
والنساء كانوا يحضرون مع النبي عليه الصلاة والسلام الحرب، فلا يُسهم
لهم، ویَرْضَخُ لهم(٢).
مسألة : [الإسهام لمن مرض من الجيش وعجز عن القتال]
قال: (ومَن مرض من الجيش، فعجز عن القتال، أو جُرِح فصار
كذلك: أُسهم له كما يُسهَم لمن سواه)(٣).
وذلك لما حدثنا دعلج بن أحمد حدثنا محمد بن أحمد بن النضر
حدثنا معاوية بن عمرو، عن الفزاري عن ابن أبي أنيسة عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده قال: «لما كان يوم الفتح، خطب رسول الله صلى
الله عليه وسلم وهو مسندٌ ظهره إلى جدار الكعبة، فحمد الله، وأثنى
عليه، ثم قال: المؤمنون يدٌ على مَن سواهم، تكافأ دماؤهم، ويسعىُ
بذمتهم أدناهم، ويَعقد عليهم أولهم، ويردُّ عليهم أقصاهم، ولا يُقْتَل
مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهد، ولا يتوارث أهل ملتين)) (٤).
(١) أي يعطى لهم شيء قليل دون السهام، ينظر طلبة الطلبة ص١٨٩، فتح
القدير ٢٤١/٥.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٣٣٢١٧) ٤٩٢/٦، صحيح مسلم ١٢ /١٩٠.
(٣) ينظر: المبسوط ٤٦/١٠، السير الكبير ٩١٢/٣.
(٤) سنن أبي داود ٧٣/٢، الفتح الرباني (٣٢١، ٣٢٢) ١١٥/١٤، سنن ابن
ماجه ١١١/٢، شرح معاني الآثار ١٩٢/٣، وعبارة: ((ويعقد عليهم أولهم)): غير
=

١٣٨
کتاب السير والجهاد
قال: وزاد في الحديث ابن جريج عن عمرو بن شعيب: ((ويردُّ أدناهم
على أقصاهم، والمتسرِّي(١) على القاعد، والقوي على الضعيف)).
فسوَّى عليه الصلاة والسلام بين القوي والضعيف، فدخل فيه
الضعيف من جهة المرض، ومن جهة السن وغيرها.
وإنما ذكرنا الحديث على وجهه وإن كان موضع الدلالة منه على
مسألتنا هذا الحرف، لما ينتظمه من أحكام السير، لكن إذا احتجنا إلى
حرف منه في موضع غيره، لم نحتج إلى إعادته بطوله، وذِكْر إسناده.
وأيضاً: ما رواه جبير بن نفير الحضرمي عن أبي الدرداء قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أبغوني(٢) الضعفاء، فإنما تُرزقون
وتُنصرون بضعفائكم))(٣).
وحديث عمرو بن شعيب الذي قدَّمنا يدل على المسألة من وجه
آخر، وهو قول: ((ويردُّ عليهم أقصاهم، ومتسرِّيهم على قاعدهم»، فسوَّى
بين مَن قاتل ومَن لم يقاتل، بعد أن يكون حاضر الجيش، فلا فرق حينئذ
بين المريض والصحيح.
موجودة في الكتب السابق ذكرها.
(١) المتسري: الذي يخرج في السرية، وهي طائفة من الجيش يبلغ أقصاها
أربعمائة تبعث إلى العدو (سرى). النهاية في غريب الحديث والأثر ٣٦٣/٢.
(٢) في هامش (م، ب): يقال: أبغني خادماً: أي ابتغه لي، وفي النهاية: أبغني
كذا: أي اطلب لي. النهاية لابن الأثير ١٤٣/١.
(٣) السنن الكبرى ٣٣١/٩، سنن أبي داود ٣١/٢. جامع الترمذي ٣٢/٣.
وقال: حديث حسن صحيح، صحيح البخاري كشاهدٍ له ٦٧/٦.

١٣٩
کتاب السير والجهاد
قال أحمد : وقد تقدم ذكر ما يجوز فيه التفريق بين الشيئين، وبين ما
لا يجوز في كتاب البيوع.
مسألة : [إقامة الحدود في دار الحرب]
قال أبو جعفر : (ولا تقام الحدود في دار الحرب).
قال أحمد : قال محمد بن الحسن: إذا أتى ما يوجب الحدَّ في دار
الحرب في عسكر الخليفة، أو عسكر أمير قد كان يقيم الحدود في دار
الإسلام، فإن هذا يقيم الحدود في عسكره، كما كان يقيمها في بلاده،
وإذا كان ممن لا يقيم الحدود في دار الإسلام في عمله، مثل أمير السرية
ونحوها: فإنه لا یقیم الحد.
والأصل في ذلك عندهم: أنَّ الحدود تتعلق إقامتها بالإمام، أو بمَن
يقوم مقامه فيها، وليس للإمام يدٌ في دار الحرب، ولا تجري فيها
أحكامه، فإذا أتى الرجل في دار الحرب ما يوجب الحدَّ، لم يقمه عليه
الإمام بعد خروجه إلى دار الإسلام، لأنه لما لم یکن له يدٌ في حال وجوبه
في موضع الفعل، لم يصح إقامته من جهته، فلم يجب الحد في تلك
الحال، وإذا لم يجب في حال الفعل، لم يجب بالخروج إلى دار الإسلام،
لأن الخروج إلى دار الإسلام ليس هو سبباً موجباً للحد(١).
وأيضاً: لما لم يُبطل النبي صلى الله عليه وسلم ما كان من عقود الربا
بعد الفتح، مما قد حصل فيها القبض(٢)، دل ذلك على أنّ ما وقع في دار
(١) شرح السير الكبير ١٨٥١/٥، بدائع الصنائع ١٣٢/٧، البحر الرائق
١٠٠/٥.
(٢) تفسير الطبري ٢٢/٦.

١٤٠
كتاب السير والجهاد
الحرب مما كان من حقوق الله تعالى، لم يؤاخذ به بعد الإسلام، فدل
على أنَّ مَن أتى ما يوجب الحد في دار الحرب، لا يقام عليه بعد خروجه
إلى دار الإسلام.
وإذا ثبت ذلك، قلنا فيمن أتى ما يوجب عليه الحدَّ في عسكر
المسلمين، فإن كان هناك مَن تصح منه إقامة الحدود أقام الحد عليه؛ لأن
يده ثابتة عليه في الموضع، ويمكنه إقامة الحد عليه، فلزم الحد.
وأما إذا لم يكن أمير الجيش ممن يقيم الحد في دار الإسلام، فلا يدَ
له في دار الحرب، وصار بمنزلة مَن فعل ذلك في دار الحرب بحيث لا
عسكر للإمام فيه، ثم خرج إلى دار الإسلام، فلا يقام عليه الحد.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة الذي قدَّمنا، يدل
على ذلك أيضاً، لأنه قال: ((ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار
المهاجرين، فإن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما عليهم))(١).
فلم يُجْر عليهم أحكام المسلمين إلا بالهجرة من دار الحرب إلينا،
فدلَّ على أنَّ أحكامنا غير جارية على أهل دار الحرب ومَن كان فيها.
مسألة: [حكم نكاح مَن سُبيت أولاً ثم سُبي زوجها]
قال أبو جعفر: (ومَن سُبي من النساء ولها زوج في دار الحرب، ثم
سُبي زوجها بعد ذلك: كانا على نكاحهما، ما لم يكن الإمام قسم الغنائم
في دار الحرب، وما لم يكن أخرجها إلى دار الإسلام).
قال أحمد : وذلك لما بيّنًا من أنَّ الغنيمة لا تُملك ولا يثبت فيها حق
(١) سبق.