النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
کتاب السير والجهاد
لما روى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم بَعَث خالد بن الوليد،
وقاتل بمَن معه صفوفَ قريش بأسفل مكة، حتى هزمهم الله، ثم أمر
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح، فرُفع عنهم، فدخلوا في الدين،
فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، حتى فتحها (١).
[أدلة من السنة على أن مكة فُتحت عنوة]
وأما ما روي في ذلك من جهة السنة: فما روي عن النبي عليه الصلاة
والسلام من جهات مختلفة - كرهتُ ذِكر أسانيدها خوف الإطالة - أنَّ النبي
صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: ((إِن مكة حرام، حرَّمها الله تعالیُ،
لم يَحِلَّ فيها القتال لأحدٍ قبلي، ولا يحلَّ لأحدٍ من بعدي، ولم يَحِلَّ لي
إلا ساعة من نهار))(٢).
رواه ابن عباس وأبو شريح الخزاعي وأبو هريرة.
وقد أجاز لي أحمد بن محمد بن يعقوب بن شيبة قال: حدثنا جدي
قال: حدثنا زهير بن حرب حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا أبي قال:
سمعت يونس يحدث عن الزهري عن مسلم بن يزيد حدثني سعد بن بكر
أنه سمع أبا شريح الخزاعي ثم الكعبي يقول:
((أَذِنَ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في قتال بني بكر،
حتى أصبنا منهم مارّاً بمكة، ثم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم برَفْع
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٣٦٩٠٢) ٤٠٠/٧، مجمع الزوائد ١٧٣/٦، السيرة
النبوية لابن هشام ٤١٤/٢.
(٢) صحيح البخاري (مع الفتح) ١٦٦/١، شرح معاني الآثار ٣٢٧/٣.

١٠٢
کتاب السير والجهاد
السيف))(١). وذكر الحديث.
قال أحمد (٢): وحدثنا جدي يعقوب بن شيبة قال: حدثنا يعلى بن
عبيد حدثنا محمد بن عبيد الله العرزمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده.
قال يعقوب: وحدثنا عبد الوهاب بن عطاء الجعابي وروح بن عبادة
قالا: حدثنا حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وساق
الحديث عن روح أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة قال: ((كُفّوا
السلاح إلا خزاعة عن بني بكر، فأذِنَ لهم حتى صلوا العصر، ثم قال لهم:
كُفْوا السلاح))(٣). وذكر الحديث.
وذكر يعقوب أيضاً عن سويد بن سعيد حدثنا عبد الرزاق عن معمر
عن عثمان الجزري عن مقسم عن ابن عباس، ذَكَر قصة الفتح، وقال فيها:
((إن النبي عليه الصلاة والسلام دخل مكة، وأمر أصحابه بالكفِّ،
فقال: كُفّوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر ساعة، ثم أمرهم فكفّوا، فَأَمِنَ
الناسُ كلهم إلا أربعة: ابن أبي سَرْح، وابن خَطَل(٤)، ومقيس بن
(١) مجمع الزوائد ١٨٠/٦ وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات، السيرة النبوية
لابن هشام ٤١٤/٢.
(٢) أي أحمد بن محمد بن يعقوب بن شيبة، وليس المراد المؤلف: أحمد
الجصاص.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٣٦٩٠٤) ٤٠٣/٧.
(٤) ابن خطل: عبد الله بن خطل، رجل من بني تيم بن غالب، أهدر النبي صلى
الله عليه وسلم دمَه يوم الفتح، وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله: أنه كان
مسلماً، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدِّقاً، ومعه مولى يخدمه، فقتله،
=

١٠٣
كتاب السير والجهاد
صبابة(١)، وامرأة أخرى(٢).
وذكر غيره: ((أنه أمر بقتل قيِّنْتَيْن(٣) كانتا تغنِيان بهجاء رسول الله صلى
الله عليه وسلم))
ولو وجدوهم متعلِّقين بأستار الكعبة.
فقُتل ابن خطل، ومقيس، وإحدى المرأتين، واستأمن عثمان لعبد الله
بن سعد بن أبي سَرْح، فلم يجبه النبي عليه الصلاة والسلام، حتى سأله
ثلاثاً فأجابه وبايعه، ثم قال: ألم يكن منكم رجل رشيد يقوم إلى هذا فيقتله
حين رآني أمسكتُ عن بيعته؟
حيث لم يصنع له ما طلبه، ثم ارتد مشركاً، فقتله سعيد بن حريث وأبو برزة
الأسلمي، سنة ٨هـ السيرة النبوية لابن هشام مع الروض الأنف، ص ٩٢ - ٩٣، عيون
الأثر ٢٢٨/٢.
(١) مقيس بن صبابة بن حزن بن يسار الكناني القرشي، شاعر اشتهر في
الجاهلية، حرم الخمر على نفسه، شهد بدراً مع المشركين، أسلم أخ له، قتله
أنصاري خطأ، قدم المدينة مظهراً الإسلام، أمر له الرسول صلى الله عليه وسلم بالدية
فقبضها، وترقب قاتل أخيه، وقتله، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه، قتله نميلة
بن عبد الله يوم الفتح سنة ٨هـ. السيرة النبوية لابن هشام مع الروض الأنف ٩٣/٤،
الأعلام للزركلي ٢٨٣/٧.
(٢) مصنف عبد الرزاق (٩٧٣٩) ٣٧٧/٥، مصنف ابن أبي شيبة (٣٦٩١٣)
٤٠٤/٧، مجمع الزوائد ١٧٦/٦. قال الهيثمي، روى أبو داود منه طرفاً، ورواه
الطبراني ورجاله ثقات، وأورد مجموعة روايات ٦/ ١٧٢ - ١٧٣، ١٧٦.
(٣) والقينتان، هما لابن خطل، قتلت إحداهما، وهربت الأخرى، حتى
استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد، فأمَّنها. السيرة النبوية مع الروض
الأنف ٤ / ٩٣.

١٠٤
كتاب السير والجهاد
فقالوا: هلاَّ أومأتَ إلينا يا رسول الله.
قال: ما ينبغي لنبيِّ أن يكون له خائنة الأعين (١).
وفي بعضها: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما ينبغي لنبي أن
يَقتل بالإشارة))(٢)، وأنه قال بعد ذلك: ((لا تُغْزِئُ مكة بعد اليوم أبداً))(٣)،
((ولا يُقتل قرشيٌّ بعد اليوم صبراً)(٤).
* وما روي في سائر الأخبار الشائعة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم
قال: ((مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومَن أغلق بابه فهو آمن، ومَن
دخل المسجد فهو آمن، ومَن ألقى سلاحه فهو آمن))(٥):
فهذا ضَرْبٌ من الأخبار المروية في نص قول رسول الله صلى الله عليه
وسلم في الأمر بالقتل وبالقتال.
وقد وردت من جهات مختلفة، ونقلَتْها الأمة بحيث لا يحتمل التواطؤ
والاتفاق، ولا يجوز فيها الوهم والغلط، ولا مساغ للشك معها.
ومنها: ما روي في أخبارٍ ثابتة بأسانيد صحيحة، ورواه أهل المغازي
(١) مجمع الزوائد ٦ / ١٧٢.
(٢) تاريخ الطبري ١٦٠/٢، الروض الأنف ٩٢/٤، عيون الأثر ٢٢٧/٢،
البداية والنهاية ٢٩٦/٤.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة بمعناه (٣٦٩١١) ٤٠٤/٧، البداية والنهاية عن
الترمذي ٣٠٥/٤.
(٤) صحيح مسلم ١٢ / ١٣٤.
(٥) صحيح مسلم ١٣٣/١٢، مجمع الزوائد ١٦٩/٦، مصنف ابن أبي شيبة
(٣٦٩٠٢) ٤٠٢/٧.

١٠٥
كتاب السير والجهاد
جميعاً ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الفتح: أترون
أوباش قريش؟ أُحصُدوهم حصداً، وأمرَّ إحدى يديه على الأخرى، حتى
ظنوا أنَّ السيف لا يُرْفَع عنهم، فجاء أبو سفيان فقال: أُبيدت خضراء
قريش، فلا قريش بعد اليوم(١)، فحينئذ قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن)).
وأنه بعث خالد بن الوليد في المَجْنَبة اليمنى، والزبير في المجنبة
اليسرى، وأن خالداً قتل رجالاً بالخَتْدمة (٢)، ثم انهزموا، فقال قائلهم:
إذ فَرَّ صفوان وفَرَّ عكرمة(٣)
إنك لو شهدت يوم الخدمة
فلو كان هناك صلح، كيف يخفى على خالد بن الوليد، وعلى صفوان
وعكرمة، وهما من رؤساء قریش.
* وضرب آخر من الأخبار يقتضي ذلك من فحواها وإن لم يكن من
النبي صلى الله عليه وسلم قولٌ منصوص فيها:
(١) صحيح مسلم ١٢٦/١٢، شرح معاني الآثار ٣٢٤/٣، مصنف ابن أبي شيبة
٣٩٧/٧، الفتح الرباني (٣٦٤) ١٤٩/٢١.
(٢) يوم الخندمة، الخدمة: جبل بمكة، لما ورد النبي صلى الله عليه وسلم عام
الفتح، جَمَعَ صفوان وعكرمة وسهيل بن عمرو جميعاً بالخندمة ليقاتلوه، ولكنهم
هُزموا. معجم البلدان ٢/ ٣٩٢.
(٣) صحيح مسلم بمعناه غير أنه لم يذكر فيه بيت الشعر ١٣١/١٢، مجمع
الزوائد ١٧٧/٦، وفيه: رواه الطبراني عن عروة مرسلاً، وفيه ابن لهيعة، وحديثه
حسن وفيه ضعف، وروى بيت الشعر: وأنت لو رأيتنا بالخندمة. السيرة النبوية لابن
هشام مع الروض الأنف ٩٢/٤، عيون الأثر ٢٢٦/٢.

١٠٦
كتاب السير والجهاد
فمنها: حديث الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال:
((لما كان يوم أُحد قُتِل من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة،
ومثّلوا بهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن كان لنا مثل هذا
لِنُرْبِيَنَّ عليهم.
فلما كان يوم فتح مكة، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة
عَنْوة، فقال رجل لا يُعرف: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: الأسود والأبيض آمن، إلا مقيس بن صبابة، وابن خَطَل،
وقيّنتَيْ فلان قد سمَّاه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ
بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ، وَلَيِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلْصَّبِينَ﴾(١).
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصبر ولا نعاقب))(٢).
فهذا الخبر یوجب أنها فُتحت بالسيف من وجوه:
أحدها: قوله دخلها عَنوة.
والآخر: قول القائل: ((لا قريش بعد اليوم)).
والآخر: قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((الأسود والأبيض آمن
إلا فلان وفلان وفلان))، ولو كان صُلحاً، لم يحتج إلى ذلك، ولدخل
مقيس ومَن ذكر معه في الصلح، فلم يجز قَتْلهم.
(١) النحل: ١٢٦.
(٢) الفتح الرباني (٣٢٦) ١٨/ ١٩٢، مصنف ابن أبي شيبة (٣٦٧٤٤) ٣٦٦/٧،
وقال السيوطي: أخرجه الترمذي وحسنه، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند
والنسائي وابن المنذر ... إلخ. وذكره من طرق مختلفة، الدر المنثور ١٧٨/٥.

١٠٧
كتاب السير والجهاد
والآخر: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نصبر ولا نعاقب)):
فدل على أنه لو شاء لعاقب، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا
عُوقِبْتُم بِهِ،﴾.
* فإن قال قائل: ليس في ذكر العَنوة دلالة على القهر؛ لأن العَنوة قد
تكون صلحاً، كما أنشدنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب أنه أنشد:
ولكن بحدِّ المَشْرَفِيّ استَقَالها(١)
وما أخذوها عَنوةً عن مودة
وزعم أنَّ معنى العنوة في هذا الموضع: الصلح.
فيقال له: إن هذا غلط فاحش على اللغة(٢)؛ لأن العَنوة: من عَنا،
يعنو: إذا ذلَّ وخضع، وصار أسيراً. ومنه قول الله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ
لِلْحَيّ اُلْقَيُّومِ ﴾(٣)،، معناه: خضعت وذلت.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا الله في النساء، فإنهن
عَوَانٍ))(٤)، يعني: أسراء، والعاني: الأسير في لغة العرب. فاقتضى قوله:
(١) في هامش (ر،م): البيت لكثيّر عزّة. اهـ. وفي لسان العرب: عنا، يعنو: يأتي
أيضاً بمعنى أخذ الشيء صلحاً، والعنوة أيضاً: المودة، باب الواو والياء فصل العين
١٠١/١٥.
(٢) فإن قيل: إن كتب اللغة بينت أن هذه الكلمة من الأضداد، كما تقدم في
الحاشية السابقة، فقد أجاب الجصاص عن هذا بعد سطور.
(٣) طه: ١١١، وانظر إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس ٥٨/٣.
(٤) صحيح مسلم ١٨٣/٨ قطعة، سنن أبي داود (معالم السنن للخطابي)
١٩٦/٢.

١٠٨
كتاب السير والجهاد
((فتحها عَنوة)): أنه غلبهم، فصاروا أسرى في يده.
وأما قول الشاعر: ((فما أخذوها عَنوة عن مودة)): فلا دلالة فيه أنه أراد
الصلح؛ لأن المعنى: أنهم لم يأخذوه أسراء عن مودة تقدمت بينهم، ثم
صارت عداوة، لكن لم تزل العداوة التي كانت بينهم قائمة فأخذوها على
هذا الوجه، ليكون أغيظ لهم.
ويحتمل أنهم لم يأخذوها، بأن أظهروا لهم مودة وعهداً، ثم نكثوا أو
غدروا، فأخذوها على وجه الغدر والمخادعة، لكن أخذوها جهداً بحدٍ
السيف.
* وعلى أنه ليس بنا حاجة إلى ما يحتمل التأويل من الألفاظ، لأن
الأخبار المتواترة المنصوص فيها ذِكْر القتال، أشهر من أن تخفى.
ومن نحو ما وصَفْنا من الأخبار: ما رويَ ((أن أم هانىء أجارت يوم
الفتح حَمَوَيْن (١) لها، وأن علياً رضي الله عنه أراد قتلهما، فأغلقت عليهما
الباب، وجاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: يا رسول الله! إني
أجَرْتُ حَمَوَيْن لي، وإن علياً يريد قَتْلهما.
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: قد أَجَرْنا مَن أجَرْتِ، وأَمَّنَّا مَن
أَمَّنْتِ))(٢).
(١) حموين: تثنية حم، وأحماء المرأة: ذوو قرابة زوجها، المغرب ص١٣١،
النهاية ١ /٤٤٨.
(٢) صحيح البخاري (مع الفتح) ٢٠٩/٦، مصنف ابن أبي شيبة (٣٦٩٢٨)
٤٠٧/٧، السنن الكبرى ٩٥/٩، شرح معاني الآثار ٣٢٢/٣، السيرة النبوية لابن
هشام ٩٣/٤، الفتح الرباني ١١٦/١٤.

١٠٩
كتاب السير والجهاد
وقد نقلت الأمة هذا الخبر، واحتجت به في جواز أمن النساء؛
ودلالته على ما ذكرنا من وجهين:
أحدهما: أنه لو كان هناك صلح، لما خفي على علي رضي الله عنه
مع محله من النبي صلى الله عليه وسلم(١)، ومعلوم أنّ صلح الحديبية
جرى على يده، وهو الذي كتبه(٢)، فكيف كان يقتل حَمَوَيْ أم هانىء، مع
علمه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمَّنهم بالصلح.
والوجه الآخر: قوله عليه الصلاة والسلام: ((قد أمََّّا مَن أمَّنْتِ، وأَجَرْنَا
مَن أَجَرْتٍ)): فأخبر أنَّ أمانها حصل بأن أمَّنَتْهما، ولو كانا آمنين قبل ذلك
بالصلح، ما كان لأمانها تأثيرٌ ولا حكم.
* ونوع آخر: وهو ما روي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح
مكة، صعد إلى باب الكعبة، وأخذ بعضادتي الباب، ثم قال: ما تقولون
معاشر قریش؟
قالوا: نقول: أخٌ کریم، وابنُ عم، ملکْتَ، فاصنع ما شئت.
قال: فإني أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ
اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ﴾(٣)، وقد أجَرْتُكم، إلا ما كان من ابن
خَطَل، وذكر الآخرَيْن معه (٤).
(١) شرح معاني الآثار ٣٢٣/٣.
(٢) صحيح البخاري (مع فتح الباري) ٤٠٤/٦.
(٣) يوسف: ٩٢.
(٤) شرح معاني الآثار ٣٢٥/٣، السنن الكبرى ١١٨/٩.

١١٠
کتاب السير والجهاد
وفي بعضها: قال لهم: ((أنتم الطّلَقاء))(١): فدل ذلك على ما قلنا من
وجوه:
أحدها: ((قد ملكتَ فاصنع ما شئت)): فدل أنه لم یکن صلح.
والثاني: قوله: ((قد أجرتُكم))، ولو كانوا آمنين بالصلح، لم يكن لهذا
القول وجه(٢).
والثالث: قوله: ((أنتم الطلقاء))، وبلغ من استفاضة ذلك في الأمة، أنَّ
الصحابة كانوا يسمون قريشاً الذين أطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم حين
فتح مكة: الطلقاء، مثل سهيل بن عمرو، ومعاوية، وأشباههما من الناس،
حتى كانوا يسمُّون أبناءهم: أبناء الطلقاء.
وقال عمر: إن هذا الأمر - يعني الخلافة - لا يصلح للطلقاء، ولا
لأبناء الطلقاء (٣).
فكانت هذه سمة لازمة لهم ولأبنائهم، حتى صارت كالنسب،
لشهرتها واستفاضتها، ولو كان دَخَلَها صلحاً، ما كان هؤلاء طلقاء، كما
لم يكونوا طلقاء حين دخلها النبي صلى الله عليه وسلم لعمرة القضاء عن
صلح الحديبية.
* ونوع آخر: وهو ما ذكره أهل المغازي، فيما عدُّوا من مغازي
رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قاتل، فعدُّوا فيها فتح مكة.
قال الواقدي: ((حدثني نيف وعشرون رجلاً من أهل المدينة، فكلّ قد
(١) السيرة لابن هشام ٤١٢/٢، السنن الكبرى ١١٨/٩.
(٢) الجوهر النقي لابن التركماني ١١٨/٩، فتح الباري ٣٩/٨.
(٣) ينظر تاريخ الإسلام للذهبي: ((عهد الخلفاء الراشدين))، ص٤٦٦.

١١١
كتاب السير والجهاد
حدثني بطائفة من هذا، وبعضهم أوعى من بعض قال:
وكانت مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي غزا بنفسه سبعاً
وعشرين غزوة، وكان ما قاتل فيها تسعاً: بدر القتال، وأُحُد، والمُرَيْسِيع،
والخندق، وقُرَيظة، وخيبر، والفتح، وحُنَين، والطائف)).
فكلُّ أهل المغازي عدُّوا ((الفتح)) من الغزوات التي قاتل فيها النبيُّ
صلى الله عليه وسلم.
* ونوع آخر: وهو ما روي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة
يوم الفتح، وعلى رأسه مِغْفَر (١).
وقال جابر: ((وعلى رأسه عمامة سوداء))(٢)، ولو دخلها صلحاً لدخلها
حراماً، كما دخلها في عمرة القضاء، إذ كان دخوله إياها عن صلح (٣)،
فدلَّ على أن تَرْكه الإحرام كان لأجل القتال (٤).
* فهذه أخبار متواترة، قد وردت من جهات مختلفة في فتح النبي
صلى الله عليه وسلم مكة عَنوة بالسيف، مثلُها يوجب العلم لسامعيها،
لاستفاضتها وانتشارها، وامتناع التواطؤ على ناقليها، ولا يُحكى على أحدٍ
من السلف والخلف ردُّ شيء من ذلك ولا إنكارُه، ولا معارضتُه بخبر
شائع أو شاذ على وجهٍ من الوجوه، ولا شكَّ فيه أحدٌ منهم غيرُ الشافعي
(١) صحيح البخاري (مع شرحه عمدة القاري) (٢٩٣) ٢٨٢/١٧، شرح معاني
الآثار ٣٢٩/٣.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٣٦٩١٨) ٤٠٥/٧، شرح معاني الآثار ٣٢٩/٣.
(٣) صحيح البخاري (مع الفتح) ٤٠٢/٧، البداية والنهاية ٢٢٧/٤.
(٤) شرح معاني الآثار ٣٢٩/٣.

١١٢
كتاب السير والجهاد
رحمه الله تعالى، فإنه زعم أنَّ مكة فُتحت صُلْحاً (١)، من غير خبرِ رواه
فیه، ولا حكاية عن أحد من السلف فيما ادعاه.
ولئن لم يوجب مثلُ هذا الخبر العلمَ الحقيقي، لم يكن لنا سبيل إلى
إثبات شرعٍ من الشرع من جهة خبر التواتر، ولئن لم يثبت خبر التواتر،
فخبر الواحد أحرى أن لا يثبت، وهذا يؤدي إلى بطلان الأخبار رأساً،
والانسلاخ من الدين بواحدة (٢).
* ومما يدل على بطلان دعواه الصلح من جهة النظر (٣): أنه لو كان
فتحها صلحاً، لوجب أن يَرِدَ النقل به متواتراً، لكثرة مَن حضره من
الناس، ولحاجة الجميع إلى معرفته من الفريقين جميعاً، من أهل مكة،
ومِن عَسكر النبي صلى الله عليه وسلم، لما في الصلح من حقن الدماء،
وحَظْر الأموال، فكانت حاجة الفريقين ماسّةً إلى معرفته، فكيف يجوز أن
يخفى مثله ولم يعلموه؟ ولو علموه لنقلوه.
وقد علمنا أنَّ صلح الحديبية كان أيسر أمراً من فتح مكة، وقد ورد به
النقل متواتراً؛ لأن مثل ذلك بحضرة تلك الجماعة لا يجوز خفاؤه، ولا
(١) قال ابن سيد الناس في عيون الأثر ٢٢١/٢ القول بأن مكة كانت مؤمَّنة قول
جماعة من أهل العلم، منهم الإمام الشافعي رحمه الله، وفي فتح الباري ٩/٨ القول
بأن مكة فتحت صلحاً، قول الإمام الشافعي، والإمام أحمد في رواية عنه، وانظر
روضة الطالبين ٢٧٥/١٠، شرح المنهاج للمحلي ٢٢٥/٤.
(٢) هذا إذا لم يكن هناك مجال للاجتهاد في النص ، واحتمال للاختلاف،
وهذا الكلام من الجصاص رحمه الله قد تمَّ التنبيه في المقدمة في ترجمته إلى أنه من
كلامه الشديد المغمور في بحر حسناته إن شاء الله.
(٣) ينظر شرح معاني الآثار ٣١١/٣.

١١٣
كتاب السير والجهاد
كتمانه؛ لأن مثل تلك الجماعة لو جاز وقوع الاتفاق منهم على كتمانه
وإخفائه، لجاز منهم الاتفاق والتواطؤ على نقل خبرِ لا أصل له، وتجويزُ
ذلك يؤدي إلى بطلان خبر التواتر.
* وأيضاً: فإنه يقال للقائل بذلك: خَبِّرنا عن صلح النبي صلى الله عليه
وسلم قريشاً حين قصد مكة عام الفتح على أي وجهٍ كان؟
وقد علمنا انتقاض صلح الحديبية بينه وبينهم، أصالحهم على
إقرارهم على كفرهم، وقد علمنا أنه كسر أصنامهم حين دخلها؟(١).
أو صالحهم على جزية(٢)، أو على خراج معلوم، يؤدونه إليه عن
أنفسهم وبلادهم، وقد علمنا أنه لم يكن يُقرُّ أحداً من مشركي العرب على
جزية وخراج، ولم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف؟.
أو صالحهم على إقرارهم بغير جزية؟ فهذا أبعد من الجواز مع القوة
والعُدَّة.
أو دخلها وقد أسلموا؟
فإن كان كذلك، لم يُحتجْ بعد ذلك معهم إلى صلح؛ لأنهم قد
عصموا دماءهم وأموالهم بالإسلام، فلا یکون دخوله بعد ذلك على وجه
الصلح.
* ولا يجوز أيضاً أن يقال: إنه فتحها؛ لأن أهل بلد لو أسلموا من غير
قتال: لم يجز أن يقال: إن الإمام قد فتحه.
(١) صحيح البخاري (مع شرحه عمدة القاري) (٢٩٤) ١٧ /٢٨٣.
(٢) شرح معاني الآثار ٣٢٤/٣، السيرة لابن هشام مع الروض ١٠٤/٤، السنن
الكبرى ١١٧/٩.

١١٤
کتاب السير والجهاد
فالقول بالصلح في فتح مكة منتقضٌ من جميع جوانبه، سوى ما
تردُّه(١) من الأخبار المتواترة.
* فإن قال قائل: إنما دَفَعَنا أن تكون مكة فُتحت عَنوة بظاهر كتاب الله
تعالى في حكم الغنائم، وبدلالة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل
مکة حین دخلها.
فأما ظاهر الكتاب: فبقول الله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ
لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى﴾(٢) الآية.
فلو كان فتحها عَنوة لقسمها بين الغانمین.
وبقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَفُوهَا﴾(٣).
فأخبر أنَّ ما غلبنا عليه فهو لنا وفي ملكنا، فلما أقرَّ النبي صلى الله
عليه وسلم أهل مكة على أرضهم وأموالهم، ولم يقسمها بين الغانمين،
ولم يَسترقَّ أحداً من أهلها، علمنا أنها فُتحت صلحاً؛ لأنه لو فتحها
عَنوة، لما كان يسقط حق الغانمين عما استحقوه لقتالهم، ولما أسقط حق
الله تعالى في الخمس عن أرضهم وأموالهم(٤).
* فإنه يقال لهذا القائل: خَبِّرنا عن خبر التواتر إذا ورد من الجهات
التي يمتنع فيها التواطؤ والاتفاق هل يوجب العلم؟
(١) في (ر، جـ): ((ما يرد)).
(٢) الأنفال: ٤١.
(٣) الأحزاب: ٢٧.
(٤) ينظر فتح الباري ٩/٨، روضة الطالبين ٢٧٥/١٠.

١١٥
كتاب السير والجهاد
فإن قال: يوجب العلم(١).
قيل له: فهلاّ جمعتَ بينه وبين ظاهر الكتاب في حكم الغنائم، فقلت:
إن الإمام مخيَّر في إقرار أهل البلد على أرضهم وأموالهم، وقسمتها بين
الغانمين (٢)، فتستعمل الخبر مع الآية.
وخبِّرني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسائر الصحابة الذين
اتفقوا معه على إقرار السواد على أرضهم من غير إخراج الخمس، ولا
قسمتِها بين الغانمين، هل خالفوا حكم الكتاب؟
فإن قال: نعم: طَعَنَ في الصحابة الذين تثبت الحجة باتفاقهم.
وإن قال: لا، ولكن استدللنا بفعلهم على أنّ للإمام أن لا يقسم،
ويوقفها على المسلمين، وأنه إن شاء قسمها، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ
أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾، فجمعنا بين فعل عمر مع الصحابة،
وبين الآية.
قيل له: فهلا جمعتَ بين الآية وبين تصحيح الأخبار الواردة في فتح
مكة عَنوة، واستدللتَ بذلك على أنَّ الإمام مخيّرٌ في الأرضين على الوجه
الذي قلنا.
* أما قوله تعالى: ﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ﴾(٣): فلا دلالة
(١) في نسخة قونية وغيرها جاء النص هكذا: (هل يوجب العلم؟ فإن قال: لا،
كُلُّم في تصحيح التواتر، فإن قال: يوجب العلم)، وكأن فيه تكراراً، والله أعلم.
(٢) شرح معاني الآثار ٢٤٦/٣.
(٣) الأحزاب: ٢٧.

١١٦
كتاب السير والجهاد
فيه على شيء من ذلك؛ لأن ظاهر قوله: ﴿وَأَوْرَنَكُمْ﴾: لا يوجب
الملك، قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾(١).
ولأنا قد اتفقنا أنَّ نفس الغلبة لا توجب ملك الأرضين، ورقاب أهلها
للغانمين، ألا ترى أنَّ للإمام أن يقتلهم قبل القسمة، ولو ملكهم بنفس
الغلبة لما جاز قتلهم بعد ذلك، وقد منَّ النبي صلى الله عليه وسلم على
الزبير بن باطا اليهودي(٢)، وسوَّغه ماله، وهو من بني قريظة الذين حكم
فيهم سعد بن معاذ بقَتْل الرجال، وسَبْي الذرية، وغنيمة الأموال(٣)،
بمسألة ثابت بن قيس، وقال: له عندي يدٌ، أريد أن أجزيَه بها، فأبى الزبير
أن يَقْبَل ذلك، وقال: ألحقوني بأصحابي، فقُتِل فيمن قُتِل منهم.
ولو كان ماله قد ملكه الغانمون بنفس حُكْم سعد، لما وَهَبَه النبيُّ
صلى الله عليه وسلم بمسألة ثابت.
(١) فاطر: ٣٢.
(٢) الزبير بن باطا اليهودي، منَّ على ثابت بن قيس في الجاهلية يوم بُعَاث،
ولما كان الحكم على يهود بني قريظة القتل للمقاتلة، طلب ثابت من الرسول أن يهبه
الزبير، ليكافئه بيده، فمنَّ عليه بنفسه وماله وولده، فأبى إلا أن يلحق بالأحبة - زعماء
بني قريظة الذين قُتِلوا - وطلب من ثابت أن تكون مكافأته له قتله، فضرب عنقه، ولما
بلغ أبا بكر الصديق مقالته: ((ألقى الأحبة)): قال: يلقاهم والله في نار جهنم خالداً
مخلداً. السيرة النبوية لابن هشام مع الروض الأنف ٢٧٠/٣-٢٨٤، عيون الأثر
١٠١/٢.
(٣) صحيح البخاري (مع فتح الباري) ٢٣٠/٧، شرح معاني الآثار ٢١٦/٣،
السنن الكبرى للبيهقي ٦٣/٩.

١١٧
كتاب السير والجهاد
وقد قال مخالفنا: إن الغانمين لا يملكونه بنفس الغلبة، فكيف يَستدل
بقوله: ﴿وَأَوْرَتَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ﴾: على أنَّ نفس الغلبة توجب لهم
الملك؟
وأيضاً: فإن هذه الآية نزلت في شأن بني قريظة وخيبر، وسائر
قرى اليهود، التي فتحها النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلها
(١)
للغانمين (١).
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن
صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًاً
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَكِرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ﴾(٢).
فإنما أخبر أنه أورثهم هذه الأرضين المذكورة لهؤلاء، فما في هذا من
الدليل على أنَّ ذلك من حكم سائر الأرضين؟ أمِن جهة الظاهر أو
القیاس؟
فإن قال: من جهة الظاهر.
قيل له: حكم الظاهر مقصور على ما ورد فيه؛ لأن غيره لم يدخل في
اللفظ، وأما الظاهر: فإنما هو ما يقتضيه اللفظ، ويشتمل عليه، فأما ما لا
يتناوله اللفظ، فلا يقال فيه إنه الظاهر.
وإن قال: من جهة القياس.
(١) الدر المنثور ٦ / ٥٩٢.
(٢) الأحزاب: ٢٧.

١١٨
کتاب السير والجهاد
قيل له: فكأنك إنما اعترضت على الأخبار التي رويناها، وما نقلَتْه
الأمة من فتح مكة عَنوة بالقياس، وهذا ظاهر البطلان.
فإن قيل: لما ((قيل للنبي عليه الصلاة والسلام حين فتح مكة: ألا تنزل
دارك؟ فقال: وهل ترك لنا عقيلٌ من رباع))(١)؟.
دل على أنه فتحها صلحاً، لأنه لو فتحها عَنوة، لأخذ داره.
قيل له: فوقع الصلح على أن لا يُرَدَّ على النبي عليه الصلاة والسلام
ملكه الذي کان له في الدار؟
فإن قال: نعم.
قيل له: من أين لك هذا؟
فإن قال: لأنه لا وجه للحديث غیر ذا.
قيل له: لم قلتَ هذا؟، وما أنكرتَ أن يكون المعنى فيه: ما روي أن
عقيلاً باع دورهم لما هاجر للنبي عليه الصلاة والسلام، فأخبر النبيُّ عليه
الصلاة والسلام أنَّ عقيلاً لم يترك له داراً ينزلها، لأنه احتوى عليها،
وملكها بذلك، وجاز بيعه فيها(٢).
ودلَّنا ذلك على أنَّ أهل الحرب إذا غَلَبوا على أموالنا ملكوها (٣)؛
(١) شرح معاني الآثار ٤٩/٤، السنن الكبرى ١٢٢/٩، صحيح البخاري بمعناه
مع فتح الباري ١١/٨.
(٢) عمدة القاري ٢٢٧/٩، فتح الباري ١١/٨، السنن الكبرى للبيهقي
١٢٢/٩، شرح معاني الآثار ٤٩/٤.
(٣) شرح معاني الآثار ٢٦٢/٣.

١١٩
كتاب السير والجهاد
لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنه لم يَبْق له ملك، لأجل ما فعله
عقیل.
ثم يقال له: أليس كان ملك النبي عليه الصلاة والسلام باقياً في الدار
التي أخذها عقيل، وتصرف فيها عندك؟
فإذا قال: نعم.
قيل له: فما الذي منع النبيَّ عليه الصلاة والسلام مِن أخذها (١)؟ وقد
أسلم أهل مكة في اليوم الذي فتحها النبي عليه الصلاة والسلام إلا نفراً
يسيراً منهم هربوا، مثل صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وأنت
تقول: إن مِلْكَ النبي عليه الصلاة والسلام كان باقياً في الدار، وإسلامُهم
يوجب ردَّ ملكه عليه على أصلك، فما فائدة قوله على أصلك: ((وهل ترك
لنا عقيل من دار؟»، وما معنى امتناعه من نزول داره، وليس هناك مانعٌ
یمنعه؟
* وإن مَن اعترض على الأخبار الواردة في فتح مكة عَنوة بمثل هذا
الضعيفُ العقل، والعَجَبُ ممن يَقْبل أخبار الآحاد، ولا يلتفت معها إلى
معارضتها للكتاب والسنة الثابتة، ويقضي بها على ظاهر الكتاب، ثم
يعترض على الأخبار المتواترة بمثل هذه الاعتراضات الواهية(٢).
(١) قال ابن حجر: ((واختلف في تقرير النبي صلى الله عليه وسلم عقيلاً على ما
يخصه هو، فقيل: ترك له ذلك تفضلاً عليه، وقيل: استمالة له وتأليفاً، وقيل:
تصحيحاً لتصرفات الجاهلية كما تصحح أنكحتهم))، فتح الباري ١١/٨، عمدة
القاري ٩/ ٢٢٧.
(٢) كما تقدم التنبيه على مثل هذا، وأن هذا الكلام جاء في معارك الجدال
=

١٢٠
کتاب السير والجهاد
[قسمة الغنيمة]
قال أبو جعفر: (وإذا قسم الإمامُ الغنيمة ضَرَبَ للفارس سهمين،
وللراجل سهماً واحداً، وهو قول أبي حنيفة(١)، وقال أبو يوسف محمد:
للفرس سهمين).
والأصل في ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ
خُسَهُ﴾(٢).
فأضاف الغنيمة إلى جماعتهم بعد إخراج الخمس، وإطلاق إضافة
الغنيمة إليهم، يقتضي المساواة بينهم، كقوله تعالى: ﴿فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا
تَرَكَ﴾(٣)، وكقوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِ الثُّلُثِ﴾(٤)، وكقول القائل: هذه
الألف لهؤلاء العشرة: أنهم يستحقونها على المساواة.
فلما كان إطلاق اللفظ على هذا الوجه يقتضي المساواة، قلنا: إن
مقتضى اللفظ إيجاب التسوية بين الفارس والراجل، إلا فيما يقوم الدليل
على تخصيصه، فلما اتفق الجميع على تفضيله بسهم واحد، خصصناه في
الظاهر، وبقي حكم العموم في إيجاب التسوية فيما عداه(٥).
والنقاش العلمي، وهو مغمور في بحر حسناته إن شاء الله.
(١) السير الكبير ٨٨٥/٣، الهداية ٢٣٥/٥.
(٢) الأنفال: ٤١.
(٣) النساء: ١٧٦.
(٤) النساء: ١٢.
(٥) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٢٣٩/٤.