النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ کتاب السير والجهاد وكان حكماً مخصوصاً بالحال التي خرج الكلام عليها، دون سائر الأحوال. كما حدثنا أحمد بن خالد قال: حدثنا محمد بن علي الذهلي قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا غالب بن حجرة قال: حدثتني أم عبد الله، وهي بنت الملقام بن التلب عن أبيها عن أبيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن أتى بمُوَلِّ(١): فله سلبه))(٢). ومعلوم أنَّ مَن أتى بمُوَلّ، لا يستحق سلبه إذا لم يشترط ذلك له أمير الجيش. وأيضاً: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرِّق في قوله: ((مَن قتل قتيلاً: فله سلبه)): بين حال الإقبال والإدبار، وقد وافَقَنا مخالفُنا على أنه إذا قتله في حال الإدبار: لم يستحق سلبه، فعلمنا أنه كلام مقصور الحكم على حال قول الإمام للجند في وقت القتال دون غيرها. فإن قيل: ما رويتم من الأخبار التي استدللتم بها على أنَّ السلب لا يُستحق بالقتل، إنما هي في قصص في يوم بدر، قبل حُنَين، وقوله: ((مَن قَتَل قتيلاً: فله سلبه)): كان في يوم حُنَين، فكان ناسخاً له. قيل له: ليس كذلك؛ لأن قصة المددي مع خالد بن الوليد رضي الله (١) ضُبطت هذه اللفظة في نسخة قونية هكذا: (مُوَلَّ): وضعت ضمة فوق الميم، وفتحة فوق الواو، والشدة فوق اللام مع كسرتين من تحت، ولعل المعنى: المتولِّي عن الزحف، والله أعلم. (٢) السنن الكبرى ٣٢٤/٦، كنز العمال (١١٣١٥) ٤٤١/٤، وقد جاء النص فيهما: ((بمولی)). ٦٢ کتاب السير والجهاد عنه كانت بعد حُنين، ولم يجعله النبي عليه الصلاة والسلام مستحِقاً للسلب بالقتل. وأيضاً: فمتى أمكننا الجمع بين هذه الأخبار من غير نسخ لبعضها ببعض، لم يجز لنا إيجاب النسخ مع إمكان الجمع، وجِهَةَ الجمع بينهما صحيح من الوجه الذي ذكرنا، فلا يجوز حَمْلها على النسخ. فإن قيل: لا يصح لكم الاحتجاج بقصة بدر، وتَرْكه إعطاء السلب للقاتل، لأن داود بن أبي هند قد روى عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: ((مَن قتل(١) كذا، فله كذا، فذهب شُبَّان الرجال، وجلست الشيوخ تحت الرايات، ثم طلب الشبان نَفَلَهم، وأبى عليهم الشيوخ، فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾(٢)، فقَسَم بينهم بالسواء) (٣). ففي هذا الحديث أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يعطهم ما وعدهم من النَّفَل بقوله: ((مَن قتل كذا: فله كذا))، ولم يدل ذلك على أنَّ الإمام إذا قال: ((مَن قتل قتيلاً: فله سلبه)): أنَّ القاتل لا يستحق السلب، فكذلك لا يدل على أنَّ السلب في الأصل غير مستحق للقاتل. قيل له: هذا الحديث فاسد المعنى من وجهين: (١) في (د): ((من فعل))، وكذلك في المطبوع من أسباب النزول للواحدي ص٢٦٥، لكن في بقية النسخ كما أثبت، وقد تقدم الحديث. (٢) الأنفال: ١. (٣) سبق من غير طريق ابن عباس. ٦٣ کتاب السير والجهاد أحدهما: أنه قد روى أبو زميل عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنَّ الغنائم لم تكن قد أُحِلَّت حين حارب النبي عليه الصلاة والسلام ببدر، وإنما أُحِلَّت بعد القتال))(١). وكذا روى أبو هريرة رضي الله تعالی عنه. والثاني: أن النبي عليه الصلاة والسلام لو كان وعدهم شيئاً، لم يكن يجوز منه إلا الوفاء، ولا يجوز عليه خُلْف الوعد، فثبت بذلك فساد حديث عكرمة هذا. * ومن الدليل على صحة قولنا من طريق النظر: اتفاق الجميع على أنَّ سَلَب القتيل الذي لا يُعرف قاتله في حكم سائر الغنيمة، ولو كان القاتل مستحِقاً للسَّلَب بقَتْله، لوجب أن يكون بمنزلة اللقطة، وأن يُعرَّف، فإن لم يُعْرَف صاحبه: لم يقسم، وتُصدِّق به، كما يتصدق باللقطة، فلما اتفق (١) الأموال لأبي عبيد، رقم (٧٦٣، ٧٦٨، ٧٦٩)، ص٣٨٤، ٣٨٦، تفسير ابن كثير ٢٩٦/٢، شرح السير الكبير للسرخسي ٥٩٨/٢. والمشهور أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قتل قتيلاً: فله سلبه)): إنما كان يوم حنين، وأما قوله ذلك يوم بدر، وأُحد، فأكثر ما يوجد من رواية من لا يحتج به، وقد روى أرباب المغازي والسير أن سعد بن أبي وقاص قتل يوم بدر سعيدَ بن العاص وأخذ سيفه، فنفله رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه، حتى نزلت سورة الأنفال، وأن الزبير بن العوام بارز يومئذ رجلاً فنفله رسول الله سلبه، وأن ابن مسعود نفله رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سلب أبي جهل، وأما ابن الكلبي - أحد رجال السند - فمضعف عندهم، وروايته عن أبي صالح عن ابن عباس مخصوصة بمزيد تضعيف. ينظر عيون الأثر لابن سيد الناس ٣١٨/١. ٦٤ کتاب السير والجهاد الجميع على أنه يكون غنيمة، دل على أنَّ القاتل لم يستحقه بالقتل(١). فإن قيل: فيلزمك هذا في سلب القتيل الموجود بعد قول الإمام: مَن قتل قتيلاً فله سلبه: إذا لم يُعرَف قاتله، أن يُجعل سلبه بمنزلة اللقطة، فإنه قد ملكه بقَتْله إياه(٢). قيل له: لسنا نعرف الرواية عن أصحابنا في هذه المسألة بعينها، وقد يحتمل أن يقال: إنه بمنزلة اللقطة، تُعرَّف، وإذا احتمل أنَّ ذلك قولهم، سقط سؤالك. ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على أنَّ الرِّدء(٣) والمقاتل سواء في استحقاق سائر المغنم(٤)، فوجب أن يكون القاتل وغيره سواء في استحقاق سائر السلب، لأن المعنى في ذلك: أنَّ القاتل والغانم كل واحد منهما إنما نال ما نال بظَهْر الآخر ومعونته، ومن أجله استوى الجيش مع السرية فيما غنمته؛ لأنها غنمت بظهر الجيش وبمعونتهم، فكذلك القاتل لما كان قَتْله بمعونة الآخرين وقوتهم، وجب أن يساووه في استحقاق سَلَب قتیله. فصل : [تعريف السلب] قال أبو جعفر : (وسلبه: دابته التي هو راکبها، وما كان معه من سلاح (١) المبسوط ١٠/ ٤٧. (٢) شرح السير الكبير ١١٤٢/٤، شرح معاني الآثار ٢٢٧/٣، الهداية وفتح القدیر ٢٥١/٥. (٣) الردء: بالكسر: العون والناصر. النهاية لابن الأثير ٢١٣/٢. (٤) الهداية ٢٢٥/٥، بدائع الصنائع ١٢٦/٧. ٦٥ کتاب السير والجهاد مما هو حامله، ومِن كسوة مما هو لابسها، ولا يكون ما سوى ذلك سلباً). قال أحمد : السَّلَب: ما يسلبه مما هو مستعمِله وفي يده، فأما ما كان في يد غيره من بهيمة أو خيمة أو عبد أو نحو ذلك: فليس بسلب، كما أن ما في بيته، وفي رحله: ليس بسلب. ويدل على أنَّ فرسه من سلبه: ما روي في قصة المَدَدي، وقد ذكرناها قبل، أنه حاز فرسه وسلاحه، ولم ينكر عليه خالد إلا من جهة أنه استكثره، لا من جهة أنَّ الفرس ليس بسلبه(١). قال أحمد: ومن الناس مَن يخمِّس السلب، ثم يجعل الباقي للقاتل(٢)، وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سلب مرزبان(٣) الزارة(٤)؛ لأنه استکثره، وإذا ثبت أنه مخموس، صحّ أنه کسائر الغنائم، فالواجب أن یکون حکمه حكمها. مسألة : [استحقاق الإمام السلب أيضاً] قال أبو جعفر: (وإذا قال الإمام هذا القول، كان هو فيه كسائر الناس، فإن قَتَلَ قتيلاً: فله سلبه). (١) سبق تخريجه. (٢) ينظر السير الكبير ٦٠٣/٢. (٣) والمرزبان - مرازية الفرس -: وهو الفارس الشجاع المقدم على القوم، دون الملك، وهو معرب. النهاية ٣١٨/٤. (٤) مصنف ابن أبي شيبة ٤٧٨/٦، مصنف عبد الرزاق ٢٣٣/٥. ٦٦ کتاب السير والجهاد لأن: ((من)): ينتظم سائر العقلاء، وهو أحدهم(١). فإن قيل: ينبغي أن يكون القائل خارجاً منه، كما لو قال رجل: إن دخل داري هذه رجل فعبدي حر: كان هو خارجاً من اليمين؛ لأنه هو المخاطِب بذلك. قيل له: لم يخرج من اليمين من أجل أنه مخاطِب، دون أن يكون أضاف الدار إلى نفسه بالكناية؛ لأنه لو قال: إن دخل هذه الدار أحد، ولم يضفها إلى نفسه، كان هو أيضاً داخلاً في اليمين. وهذا نظير الإمام إذا قال: ((مَن قتل قتيلاً، فله سلبه))؛ لأنه لم يضف إلى نفسه شيئاً. قال: (ولو كان الإمام قال: ((من قَتَل منكم قتيلاً فله سلبه)): لم يستحق هو سلباً إن قتل قتيلاً). لأن قوله: ((منكم)): لا يجوز أن يدخل هو فيه؛ لأن هذه الكاف، كناية عن غيره، ولا يصح أن يكون كناية عن نفسه؛ لأن الكناية عن نفسه لا تكون بالكاف، فصار كقوله: ((إن قتل غیري رجلاً، فله سلبه)): فلا يدخل هو فيه(٢). مسألة : [استحقاق القاتل أسلاب جميع من قتلهم] قال أبو جعفر: (إذا قال الإمام: مَن قتل قتيلاً فله سلبه، فقَتَلَ رجلٌ قتلى: استحق أسلابهم جميعاً). (١) أصول البزدوي مع كشف الأسرار ٥/٢-٨. (٢) ينظر السير الكبير ٦٦٣/٢. ٦٧ كتاب السير والجهاد وذلك لما روى أنس أنَّ أبا طلحة قَتَلَ يوم حنين عشرين رجلاً، وأخذ أسلابهم(١). ولأن المعنى في قوله: ((مَن قتل قتيلاً فله سلبه)): أنَّ ذلك مستَحقٌّ له بالقتل على أي وجه وقع من غير شرط عدد بعينه(٢). وهو كقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطًَا فَتَحْرِرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾(٣)، فلو قتل رجلين: لزمته كفارتان؛ لأن المعنى فيه تعظيم حرمة الدم، كما أنَّ المعنى في جعل السالب: التضريةُ له على القتال، والتحريض له على قتل العدو. فإن قيل: قوله: ((مَن)): لا يقتضي التكرار؛ لأنه لو قال: ((مَن دخل مِن نسائي الدار، فهي طالق)): فدخلت امرأة منهن، فطلقت، ثم دخلتها مرة أخرى: لم تطلق أخرى. قيل له: لعمري إن قوله: ((مَن)): لا يقتضي التكرار، ولم يعلق حكم التكرار في قوله: ((مَن قتل قتيلاً، فله سلبه)): باللفظ، بل بالمعنى، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٤)، إنما (١) سنن أبي داود ٦٥/٢، مصنف ابن أبي شيبة (٣٣٠٨٤) ٤٧٨/٦، قال ابن حجر: ورجاله رجال الصحيح، القول المسدد ١٤ /٨١ مع الفتح الرباني. (٢) أشار محمد بن الحسن إلى أن هذا استحسان، وفي القياس لا يستحقه، فقد خرج الكلام منه عاماً، بتصرف قليل ينظر: السير الكبير ٦٦٥/٢، حاشية ابن عابدين ٤/ ١٥٤. (٣) النساء: ٩٢. (٤) النساء: ٩٢. ٦٨ كتاب السير والجهاد تعلق فيه وجوب الرقبة الثانية بالمعنى، لا باللفظ؛ لأن المعنى لما كان مفهوماً، تعلق الحكم به على أي وجه وقع، وأما الطلاق فحكمه مقصور على اللفظ، ولا يقع بالمعنى دون اللفظ (١). مسألة : قال أبو جعفر: (وإن قتل رجلان أو أكثر قتيلاً: فلهم سلبه، إلا أن يكون الأغلبَ عَجْزُ المقتول عنهم، وقُوَّتُهم عليه، فإنهم إذا قتلوه كذلك: لم يستحقّوا سلبه). قال أحمد: إذا كان الأغلب أنَّ مثل المقتول لا يقاوم القاتلين: فهو بمنزلة الأسير يأخذه الجيش أو السرية: فلا يستحقون سلبه، إلا إذا قتلوه(٢). مسألة: [تصرفات الإمام فيما يظهر عليه من أرض العدو] قال أبو جعفر: (وإذا ظهر الإمام على أرض من أرض العدو، كان فيها بالخيار: إن شاء خمّسها، وقسم أربعة أخماسها بيت الذين افتتحوها، وإن شاء تركها كما ترك عمر أرض السواد، فيكون أهلها يملكونها، ويكونون ذمةً للمسلمين، ويُؤدُّون الخراج (٣) عن رقابهم وعنها) (٤). (١) ينظر كشف الأسرار ٥٠٦/٢، شرح السير الكبير ٦٦٥/٢. (٢) شرح السير الكبير ٧٠٧/٢، وينظر المختصر ص٢٨٤، وما نقله محققه عن شرح الطحاوي للإسبيجابي، ففيه زيادة إيضاح. (٣) الخراج لغة: الكراء والغلة، وهو ما يخرج من غلة الأرض، ثم سُمِّ ما يأخذه السلطان خراجاً، أي من وظيفة الأرض. أنيس الفقهاء ص ١٨٥، فتح القدير على الهداية ٢٧٨/٥. (٤) هذا إذا لم يسلموا، وكان فَتْح هذه الأرض عَنوة، أما إذا أسلموا: فهم = ٦٩ کتاب السير والجهاد قال أحمد: قال الله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. ... ﴾ (١). الآية، فاقتضى ظاهر الآية معنيين: أحدهما: أن الغانمين يستحقون أربعة أخماس الغنيمة. والثاني: أن الخمس مصروفٌ في الوجوه المذكورة فيها، فلو أنا خلَّينا وظاهرها: أجريناها على حسب مقتضاها وموجَبها، إلا أنه لما ثبت بالآثار المتواترة التي لا ينساغ الشك فيها بنقل أهل السير والمغازي، وبدلائل الكتاب والسنة، أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة عَنوة بالسيف(٢)، ومنَّ على أهلها، وأقرَّهم على أملاكهم فيها. وصح عندنا أن النبي عليه الصلاة والسلام فتح عُظْمِ حصون خيبر بالسيف، وقسم بعضها، ولم يقسم بعضاً(٣). وأقرَّ عمرُ بن الخطاب أهلَ سواد العراق(٤) على أملاكهم بموافقة جُلِّ الصحابة: صار ما ثبت من ذلك مجموعاً إلى حكم الآية الواردة في حكم الغنائم، فقلنا: إن الإمام مخيَّرٌ بين أن يخمِّسها، ويقسم أربعة أخماسها بين أحرار، وأرضهم ورقيقهم لهم، وتكون أرضهم أرض عشر. شرح السير الكبير ١٠٣٩/٣، ٢١٧٩/٥، الأموال لأبي عبيد ص ٦٩، الهداية ٢١٦/٥. (١) الأنفال: ٤١. (٢) كما سيأتي في كلام المؤلف مفصلاً. (٣) الأموال لأبي عبيد ص ٧٠. (٤) سواد العراق: رستاق العراق وضياعها التي افتتحها المسلمون في عهد عمر بن الخطاب، سمي بذلك لسواده بالزروع، وهو متاخم لجزيرة العرب. معجم البلدان ٢٧٢/٣. ٧٠ كتاب السير والجهاد الغانمين على ما في الآية. وإن شاء أقرَّ أهلَها على أملاكهم، على حسب ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام في أهل مكة، وعلى حسب ما روي في قصة خيبر أن النبي عليه الصلاة والسلام وقف بعضها، ولم يقسمه(١)، وعلى سبيل ما فعله عمر رضي الله تعالى عنه بالسواد بحضرة الصحابة رضي الله عنهم. * وأما ما ذكرناه من فتح النبي عليه الصلاة والسلام مكة عَنوة بالسيف، فعسى أن نُفرد لها مسألة نبيِّن فيها مخالفة مَن خالف فيها الأخبارَ المتواترة، والنقلَ الشائع، ودلائل الكتاب والسنة(٢). * وأما ما ذكرناه من قسمة النبي عليه الصلاة والسلام بعضَ خيبر، وتَرْكِه قسمةَ بعضها: فمن جهة ما روى الحجاجُ عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بالشطر، ثم أرسل ابنَ رواحة فقاسمهم» (٣). وعبيدُ الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: ((أنّ النبي عليه الصلاة والسلام عامَل أهلَ خيبر على شطرِ ما خرج من الزرع)»(٤). (١) سنن أبي داود ١٤٢/٢، الأموال لأبي عبيد ص٧١، السنن الكبرى للبيهقي ١٣٣/٩. (٢) كما سيأتي. (٣) شرح معاني الآثار ٢٤٦/٣، سنن أبي داود ٢٣٥/٢، وفي القول المسدد لابن حجر (مع الفتح الرباني ١١٥/١٥): أخرجه ابن ماجه، وسنده جید. (٤) شرح معاني الآثار ٢٤٦/٣، صحيح البخاري ١٠/٥، سنن أبي داود = ٧١ كتاب السير والجهاد وروى إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام نحوه(١). ثم روى ابن وهب وابن المبارك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: ((لولا أن يكون الناس بَيَّاناً (٢)، ليس لهم شيء، لَمَا فتح الله عليَّ قرية إلا قسمتُها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر))(٣). فدل ذلك على أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن قسم خيبر بکمالها، ولکنه قسم طائفة منها. وقد بُيِّن في حديثٍ آخر مقدار ما قَسَم وما ترك، فروى سفيان عن ٢٣٥/٢. (١) شرح معاني الآثار ٢٤٧/٣، مجمع الزوائد ١٢٣/٤ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. (٣) قال ابن حجر في فتح الباري: (بَّاناً)): كذا للأكثر بموحدتين مفتوحتين، الثانية ثقيلة، وبعد الألف نون. قال أبو عبيد: بعد أن أخرجه عن ابن مهدي: قال ابن مهدي: يعني شيئاً واحداً، قال الطبري: البيان في المعدم الذي لا شيء له، فالمعنى: لولا أن أتركهم فقراء معدمين لا شيء لهم أي متساوين في الفقر. وأما (بياناً): أي شيئاً واحداً، وأما: (يباباً): أرض يباب: أي خراب، قال الجوهري يقال: خراب يباب، وليس بإتباع ... اليباب عند العرب: الذي ليس فيه أحد. ينظر فتح الباري ٣٩٥/٧، النهاية لابن الأثير (الباء مع الباء، بيان)، لسان العرب (ب ي، بيب)، نيل الأوطار ١٦٢/٨. (٣) شرح معاني الآثار ٢٤٦/٣، صحيح البخاري ٣٩٥/٧، سنن أبي داود ١٤٤/٢، الأموال لأبي عبيد ص٧١. ٧٢ كتاب السير والجهاد يحيى بن سعيد عن بشير(١) بن يسار عن سهل بن أبي حثمة قال: ((قَسَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين: نصفاً لنوائبه وحاجته، ونصفاً بين المسلمين، قَسَمَها بينهم على ثمانية عشر سهماً) (٢). فينبغي أن يكون الذي دفعه إلى اليهود مزارعة ومعاملة، هو النصف الذي وقفه ولم يقسمه، على ما روي في حديث ابن عباس وابن عمر وجابر (٣) رضي الله عنهم: ((ثم تولى عمر قَسْمه بين المسلمين في خلافته، لمَّا أجلى اليهود عن خيبر)) (٤). ولو لم يكن الإمام مخيَّراً بين القسمة وتركها، لما ترك النبي عليه الصلاة والسلام قسمتها، ولم يكن يقفها على نوائبه، فدل ذلك على خيار الإمام فيما يغلب عليه من الأرضين على الوجه الذي ذكرنا(٥). فإن قيل: قد روى محمد بن إسحاق عن ابنٍ لمحمد بن مسلمة عمن أدركه من أهله: ((أن النبي عليه الصلاة والسلام حاز حصون خيبر وأموالها إلا حصنَيْن: الوطيح، والسلالم، فسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام (١) في (حـ،ر): بشر. (٢) سنن أبي داود ٢/ ١٤٢. مصنف ابن أبي شيبة (٣٢٩٧٤)، ٤٦٦/٦، وفي القول المسدد (مع الفتح الرباني ١١٤/١٤) قال ابن حجر: سكت عنه أبو داود والمنذري، وسنده جید. (٣) الأحاديث المذكورة آنفاً. (٤) الأموال لأبي عبيد (١٤٢) ص٧١. (٥) شرح معاني الآثار ٢٤٧/٣، معالم السنن للخطابي ٣٠/٣، الأموال لأبي عبيد ٢٧١/٣، الهداية مع شروحها ٢١٦/٥. ٧٣ کتاب السير والجهاد أن يسيِّرَهم، ويحقن دماءهم، ففعل، فلما سمع بهما أهل فَدَك(١)، صنعوا ذلك، فسألوه مثل ذلك. ثم إن أهل خيبر سألوا النبيَّ عليه الصلاة والسلام أن يعاملهم على النصف، فصالحهم على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، فصالحهم أهل فَدَك على مثل ذلك، فكانت أموال خيبر فيئاً بين المسلمين، وكانت فَدَك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب (٢). فقد يجوز أن يكون ما لم يقسمه النبي عليه الصلاة والسلام من خيبر هو هذان الحصنان، لأنه عليه الصلاة والسلام صالحهم على الجلاء، ولم يوجف المسلمون عليه، فكانت لرسول الله عليه الصلاة والسلام، يفعل فيهما ما يشاء، كالنضير وفَدَك(٣). قيل له: هذا غلط؛ لأنهم أُجْلُوا عنها بعدما أقام النبي عليه الصلاة والسلام عليهم لقتالهم وحاصرهم، وما كان هذا سبيله فهو للغانمين، إذا أراد الإمام قسمته كسائر ما أوجفوا عليه، وقهروا أهله بالسيف. ألا ترى أنه فرَّق في هذا الحديث بين حكم مال فَدَك، وبین حكم ما أُجْلُوا عنه، وحصونُ خيبر كانت فيئاً بين المسلمين، وكانت فَدَك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم لم يَجْلِبوا عليها بخيلٍ ولا ركاب. (١) فَدَك: قرية بالحجاز، بينها وبين المدينة يومان؛ وقيل ثلاثة. معجم البلدان ٢٣٨/٤. (٢) السيرة النبوية لابن هشام ٣٣٧/٢، سنن أبي داود ١٤١/٢ - ١٤٣. (٣) سنن أبي داود ١٢٨/٢. ٧٤ كتاب السير والجهاد وأما النضير فكان سبيلها سبيل فَدَك(١)، أَعْطَوا بأيديهم، وسلموها إلى النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن ينهض لقتالهم. ويحتمل أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يقسم شيئاً من أرض خيبر بين الغانمين(٢)، وأن تكون رواية مَن روى أنه عليه الصلاة والسلام قسم خیبر على معنیین: قسمة الثمرة التي فارق اليهود عليها(٣)، كما قيل في قصة خيبر. ثم قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الكتيبة، وهي حصن هناك بين قرابته ونسائه، وبين رجال ونساءٍ من المسلمين(٤)، ومعلوم أنه لم يقسم الرقبة، وإنما قسم الثمرة. ويدل عليه: قول ابن عمر في قسمة عمر خيبر: إنه خيَّر أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، فمنهن من اختارت الأرضين، ومنهن مَن اختارت الأوساق التي كنَّ يأخذْنَها. فهذا يدل على أنَّ رواية مَن روى أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قسم خيبر، إنما المعنى فيه قسمة الغلة. ويدل عليه أيضاً: ((أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث عبد الله بن (١) أي أنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة. (٢) السيرة النبوية لابن هشام ٣٥٣/٢. (٣) كما في حديث نافع عن ابن عمر ((وكان التمر يقسم على السُّهمان من نصف خيبر)). سنن أبي داود ٢/ ١٤١. (٤) السيرة النبوية لابن هشام، ذكر مقاسم خيبر ٣٤٩/٢. ٧٥ کتاب السير والجهاد رواحة رضي الله عنه خارِصاً(١))(٢). فدل على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتولى قسمة ما يؤخذ منهم بين المسلمين، ولو كان قد قسم الأرضين، لطالب كل واحد لنفسه بالخرص. فإن قيل: روى محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: ((خرجت أنا والزبير والمقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها، فلما قَدِمناها، تفرَّقنا في أموالنا، فعُدِيَ عليَّ تحت الليل وأنا نائمٌ على فراشي، ففُدِعت يداي من مِرْفَقَيَّ، فلما أصبحت استصرخ عليَّ صاحباي، فَأَتَيَاني، فقالا: مَن فعل بك هذا؟ فقلتُ: لا أدري. فأصلحا من يدي، ثم قَدِموا بي على عمر، فقال: هذا عملُ يهود، ثم خطب، فقال: يا أيها الناس إن رسول الله عليه الصلاة والسلام عامل يهود خيبر على أنا إن شئنا أخرجناهم، ثم إنهم عَدَوْا على عبد الله، ففعلوا به ما قد بلغكم، فمن كان له مال بخيبر، فليلحق به، فإني مخرجٌ يهود، فأخرجهم))(٣). (١) الخرص: يقال: خرص النخلة والكرمة، يخرصها خرصاً: إذا حزر ما عليها من الرطب تمراً، ومن العنب زبيباً، فهو من الخرص: الظن، لأن الحَزَر إنما هو تقدير بظن. النهاية لابن الأثير ٢٢/٢. (٢) سنن أبي داود ٢٣٦/٢، شرح معاني الآثار ١١٣/٤، مصنف ابن أبي شيبة ٣٩٣/٧، الهداية على البداية للغماري ٢٨٩/٦. (٣) أخرجه أحمد ((الفتح الرباني بترتيب مسند أحمد)) ٨٦/٢٣، وفي القول المسدد: أخرجه البخاري بمعناه عن مالك عن نافع عن ابن عمر. اهـ، وقد جاء في نص المخطوطة عدة أخطاء أصلحتها من مسند أحمد. ٧٦ كتاب السير والجهاد فدلَّ ذلك على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد كان قسم رقبة الأرضین بینھم. قيل له: ليس فيما ذكرتَ دليل على ما وصفتَ، إذ ليس يمتنع أن يكون المراد ما سُمِّي له من الأوساق، دون رقبة الأرضين، وكما سمَّى لأزواج النبي عليه الصلاة والسلام أوساقاً(١)، ثم خيَّرهنَّ عمرُ بين أن يأخُذُنَها، أو يقسم لهن من الأرضين بقسطها(٢). ويحتمل أن يكون سمَّى لكل واحدة موضع رقبة بعينه، تأخذ عنه الأوساق، وأضاف ذلك إلى نفسه، لما ثبت له من الحق في ثمرته. * ومما يدل على أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يقسم رقاب الأرضين، وأنه أقرَّ اليهود على أملاكهم التي كانت لهم فيها قديماً: أنَّ مِلْك الأرضين لو حصل للغانمين، لم يجز أن يعطاها هؤلاء إلا على جهة المزارعة، أو الإجارة، وهما عقدان لا يصحان بالاتفاق إلا على مدة معلومة، ولم يشترط النبي عليه الصلاة والسلام لهم مدة معلومة. ويدل عليه أيضاً: قوله لهم: ((إنا متى شئنا أخرجناكم))، ولو كانت أملاكهم قد زالت من أيديهم إلى الغانمين، لما احتاج إلى هذا الشرط؛ لأن المؤاجر لا يحتاج إلى ذلك. (١) وقدر ذلك كما في سنن أبي داود ١٤١/٢. ((أطعم كل امرأة من أزواجه من الخمس مائة وسق تمراً، وعشرين وسقاً من شعير)). (٢) انظر سنن أبي داود ٢/ ١٤٢. صحيح البخاري بشرحه عمدة القاري باب المزارعة بالشطر ونحوه ١٢ / ١٦٧. ٧٧ کتاب السير والجهاد ويدل عليه: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يأخذ من الغانمين الذين كان لهم قسط من ثمرة خيبر العُشْر، ولا نصف العشر، ولو كانت الأرضون ملكاً لهم، وكانت في يد اليهود على وجه الإجارة أو المزارعة، لَمَا خلا من إيجاب عشر، أو نصف عشر؛ لأن أرض المسلم لا تخلو من ذلك. وأي الوجهين ثبت مما وصفنا: مِن تَرْك النبي عليه الصلاة والسلام قسمة جميع خيبر، أو قسمة بعضها، فدلالته قائمة على صحة ما وصفنا، من أنَّ غلبة الجيش على الأرض لا توجب نَقْل ملكها إليهم إلا باختيار الإمام تملكيهم إياها، وأن له إسقاط حقهم عن رقبتها، كما وقف النبي عليه الصلاة والسلام بعض أرض خیبر على نوائبه: منها: الكتيبة للخمس، ولطعام أزواجه، وطعامٍ رجالٍ سعوا في الصلح بينه وبين أهل فَدَك(١) وهذه نوائب ثابتة على ما روي في الأخبار. ومنها: الوطيح والسلالم، على ما بيَّنَّا فيما تقدم، جَعَلَها النبي عليه الصلاة والسلام محبوسة على وجوه، ولم يقسمها بين المقاتلة. فإذا جاز أن يوقف بعض الغنيمة، وتُصْرَف غلته في مصالح المسلمين، ويمنع تمليكه مَن حضر فَتْحه، دَلَّ ذلك على أنَّ المقاتلة لا يستحقون ملك الأرضین إلا باختيار الإمام ذلك لهم، على الوجه الذي وصفنا. فإن قيل: يجوز أن يكون الذي حبسه النبي عليه الصلاة والسلام من خيبر على نوائبه، وطعام أزواجه، كان من الخمس الذي لا حقَّ للمقاتلة فیه. (١) منهم محيصة بن مسعود أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين وسقاً من شعير؛ وثلاثين وسقاً من تمر. السيرة النبوية لابن هشام ٤٤٩/٢. ٧٨ کتاب السير والجهاد قيل له: هذا غلط؛ لأن سهل بن أبي حثمة ذكر أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قسم خيبر نصفين: نصفاً لنوائبه وحاجته، ونصفاً بين المسلمين، قسمه بينهم على ثمانية عشر سهماً، فهذا يُسقط ظنَّ مَن توهم أنَّ ما وقفه کان من الخمس. فإن قيل: فقد قسمها عمر رضي الله عنه بين الغانمين من حين أجلى عنها اليهود، فدل ذلك على معنيين: أحدهما: أنه لم يسقط حقَّ الغانمين من رقابهما. والثاني: أنه لو كان أقرَّهم عليها على أنها ملكهم على ما كانت عليه قبل الفتح، لما جاز له أن یجليهم عنها. قيل له: دلالة فعل النبي عليه الصلاة والسلام فيها على النحو الذي قدَّمنا قائمةٌ على ما وصفنا، وذلك لأن المقاتلة لو كانوا مستحقيها، لَمَا وقف نصفها وقتاً من الزمان لنوائبه وحاجاته، وهي ملك لغيره، ولَمَا سلَّمها أيضاً إلى اليهود معاملةً ومزارعةً إلا بإذنهم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يتصرف في أموال المسلمين بغير رضاهم، فلما دفعها إليهم من غير استئذان منه لهم، دل على أنه قد كان له إقرارهم فيها على أملاكهم، على حسب ما كانوا مالكيها فیما قبل. وأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه أخرجهم عنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرط عليهم: ((إن لنا أن نخرجكم متى شئنا))، فلما كان إقراره إياهم على هذا الشرط، كان له أن يخرجهم. ولمعنى آخر: وهو ما روي أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((لا ٧٩ کتاب السير والجهاد يجتمع دينان في جزيرة العرب))(١)، فكان ذلك عذراً في إخراجهم، وكذلك نقول في أهل بلد إذا فتحناه، وأقررنا أهله على أملاكهم: إن لنا إخراجهم عنه لعذر، كما أخرج عمر رضي الله عنه أهل نجران، لما بلغه عنهم كثرة خيلهم وسلاحهم، وخاف على أهل المدينة منهم(٢)، ولَمَّا جاز له إخراجهم من أملاكهم للوجوه التي ذكرنا، كان له حينئذ أن يجعلها للغانمين، ويقسمها بينهم، كما له أن يفعل ذلك بدءاً في حال قهرهم، وقَتْحٍ بلدهم. وأما فعل عمر رضي الله تعالى عنه في السواد: فقد قال إسماعيل بن جعفر روى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر رضي الله تعالى عنه: ((أنه أراد أن يقسم السواد بين المسلمين، وأمر بهم أن يُحْصَوْا، فوجد الرجل يصيبه اثنين وثلاثة من الفلاحين، فشاور في ذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فقال علي رضي الله عنه وعنهم: دعهم یکونون مادة للمسلمین)). وفي الأخبار: أنَّ علياً رضي الله عنه قال له: إنك إن قسمتهم بين هؤلاء، لم تُصِبْ من بعدهم شيئاً، فتركهم عمر رضي الله عنه، وبعث عليهم عثمان بن حنيف، فوضع عليهم ثمانية وأربعين، وأربعة وعشرين، (١) السنن الكبرى ٢٠٨/٩، مصنف ابن أبي شيبة (١٢٩٩٢) ٤٦٨/٦)، سنن أبي داود ١٤٧/٢، مجمع الزوائد ٣٢٨/٥، الفتح الرباني ٢٨٦/٢٣. وانظر القول المسدد معه. (٢) مصنف ابن أبي شيبة (٣٧٠١٤) ٤٢٦/٧)، سنن أبي داود ١٤٨/٢، السنن الكبرى ٢٠٨/٩، نيل الأوطار ٢١٦/٨. ٨٠ كتاب السير والجهاد واثني عشر(١). وهذا فعل مشهور عن عمر، قد ورد به النقل من جهة الاستفاضة، بحيث لا يعتري فيه ريب، وكذلك في مقدار الخراج من درهم(٢) وقفيز(٣) على كل جريب (٤) يصلح للزرع(٥). واعترض مخالفونا على احتجاجنا بذلك من وجهين: أحدهما: أن عمر لم يقرهم عليها على أنها ملكهم، بل على أنها ملك للمسلمين، وجعلها في أيديهم على وجه الإجارة(٦). والثاني: أنَّ عمر وإن رأى ذلك، فقد خالفه فيه غيره من الصحابة(٧)، (١) مصنف ابن أبي شيبة طرفاً منه (٣٢٩٧٢)، ٤٦٦/٦، السنن الكبرى ١٣٤/٩، الأموال لأبي عبيد ص٧٤. (٢) الدرهم ستة دوانق، وهو سبعة أعشار المثقال، ويساوي بالجرام: ٢,٩٧٥، ينظر: الخراج والنظم المالية ص٣٤٣. (٣) القفيز: ثمانية مكاكيك، والقفيز المقدر في الخراج يعادل: ٣٦ صاعاً من القمح، أي ما يزن ٢٦,١١٢كغ، أو ما سعته ٣٣,٠٥٣لتراً. ينظر: لسان العرب (ز،ق)، هامش الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان لابن الرفعة، تحقيق د. محمد الخاروف، ص٧٢. (٤) الجريب مكيال قدره أربعة أقفزة، إذاً مقدار الجريب ٤×٣٣,٠٥٣ = ١٣٢,٢١٢ لتراً بالجرام ٤×٢٦,١٢٢ =١٠٤,٤٤٨ كجم. المصباح المنير (ج.ر)، هامش الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان ص ٧٢. (٥) مصنف ابن أبي شيبة، ٤٣٥/٦. (٦) الأموال ص٨٨. (٧) كبلال وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم، ثم وافقوه، ينظر الأموال =