النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ كتاب السير والجهاد بين ظهراني المسلمين عندنا، فمن قال منهم: ((أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)): فإنه لا يكون بهذا مسلماً؛ لأنهم جميعاً يقولون هذا عندنا في بلدهم، ليس من نصراني ولا يهودي نسأله إلا قال ذلك، فإذا فسَّرَ قولَه: قال: رسولُ الله إليكم. قال: وكان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: لا يكون هذا منهم إسلاماً حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويُقِرُّوا بما جاء به من عند الله، فإن كان نصرانياً: قال: وأبرأ من النصرانية، وإن كان يهودياً: قال: وأبرأ من اليهودية، فإذا قال هذا: كان مسلماً (١). [وجوب قتال جميع الكفار، ومنهم القرامطة والباطنية] * وأما قوله عليه الصلاة والسلام في حديث بريدة، وحديث ابن عباس: ((قاتلوا مَن كفر بالله))(٢): فإنه يدل على وجوب قتال جميع أصناف الكفار وقَتْلِهم، وأن أحداً منهم لا يُقَرُّ على ما هو عليه من الكفر إلا بالجزية ممن يجوز أَخْذ الجزية منهم، وإلا: فالإسلام أو السيف، كنحو مَن يعطي الإقرار بجملة التوحيد وتصديق النبي عليه الصلاة والسلام، وينقضه بردِّ النصوص، مثل القرامطة المتسمية بالباطنية(٣)، فإن استحقاق (١) السير الكبير وشرحه ١٥٢/١، بدائع الصنائع ١٠٣/٧. (٢) سبق تخريجه، وينظر الفتح الرباني ٤٦/١٤، مجمع الزوائد ٣١٩/٥. (٣) القرامطة والباطنية، جاء في حاشية ابن عابدين ٤ /٢٤٤ مطلب حكم الدروز والتيامنة والنصيرية والإسماعيلية قال: ((يُعلم مما هنا حكم الدروز والتيامنة، فإنهم في البلاد الشامية يظهرون الإسلام والصوم والصلاة والحج، ويقولون المسمى به غير المعنى المراد، ويتكلمون في جناب نبينا صلى الله عليه وسلم كلمات فظيعة، وللعلامة المحقق عبد الرحمن = ٤٢ کتاب السير والجهاد القتل لا يزول عنهم بزعمهم أنهم مقرُّون بجملة التوحيد والنبوة؛ لأنهم ينقضون ذلك في الحال بقولهم: إن للشريعة باطناً مراداً غير ما نقلَتْه الأمة، وكذلك أشباههم من سائر الملحدين. ويدل عليه أيضاً: شرْطُ النبي عليه الصلاة والسلام في حديث علي رضي الله عنه الإقرارَ بما جاء به من عند الله تعالى، مع ما تقدم من الإقرار بالتوحيد، وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذه الطوائف من الملحدين، غير مقرِّين بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله، لردِّهم الشريعة المنصوص عليها، وإنما إقرارهم بدءاً بالجملة تلاعباً بالدين، وتخوفاً من أن يُحملوا على إظهار ما أسرُّوه من الإلحاد. وليس سبيل هؤلاء المنافقين الذين أقرَّهم النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يقتلهم، مع علمه بكفرهم؛ لأنهم كانوا يُظهرون للنبي عليه الصلاة والسلام الإسلام، ولا يُظهرون له الكفر، وإنما يُظهرونه لأصحابهم(١)، العمادي فتوى مطولة، وذكر فيها: أنهم ينتحلون عقائد النصيرية، والإسماعيلية الذين يلقبون بالقرامطة والباطنية الذين ذكرهم صاحب المواقف. ونقل عن علماء المذاهب الأربعة أنه لا يحل إقرارهم في ديار الإسلام بجزية ولا غيرها، وأنه لا تقبل توبتهم. وينظر فتح القدير ٣٣٢/٥، الفرق بين الفرق للبغدادي ص٢٨١، ٣١٣. (١) فتح القدير ٣٣٢/٥، حاشية ابن عابدين ٢٤١/٤، وإن كان الذي يظهر من كلام صاحب الفتح أنه لا فرق بين الزنديق والمنافق، إذ لا يطمئن إلى ما يظهره كل من التوبة، وإخفاء كل منهما اعتقاده، ويشتركان في إبطان الكفر، ويفترقان في أن المنافق غير معترف بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، والزنديق قد يكون مسلماً وقد يكون كافراً لا يشترط فيه الاعتراف بالنبوة، كما أشار صاحب الحاشية. ٤٣ کتاب السير والجهاد كما ذكر الله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَا﴾(١) الآية. وهؤلاء مع إظهارهم التوحيد، يظهرون نقضه بقولهم: إن له باطناً غير الظاهر المعقول منه. والذي عندي من مذهب أبي حنيفة: أن هذه الفرقة - أعني القرامطة، المتسمية بالباطنية - لا تُقبل منهم التوبة بعد أن وُقِفَ على اعتقاد الواحد منهم، وأنه مباحٍ الدم بذلك؛ لأن أبا حنيفة قد كان قال في الساحر: إنه لا يستتاب، واعتلّ في ذلك بأنه جَمَع إلى الكفر السعيَ في الأرض بالفساد، وفسادُ هذه الطائفة في الأرض على الملة والنفوس أعظمُ من فساد الساحر. وإنما لم يتكلم أصحابنا في حكم هذه الطائفة وغيرهم من الملحدين؛ لأنهم لم يكونوا حدثوا في ذلك الزمان، وإنما حدثوا بعدهم(٢)، فأردنا أن نبيِّن حكمهم، لكي إن اتفق في مستقبل الزمان إمامٌ للمسلمين يغضب لدين الله تعالى، أن يتلاعب به الملحدون، أو يسعَوْا في إطفاء نوره: أجرى عليهم حكم الله وإن كان وجود ذلك بعيداً في عصرنا، والله تعالى ولي دينه، وناصر شريعته. * وفي حديث علي رضي الله عنه وغيره: ((ولا تقتلوا وليداً، ولا طفلاً، ولا امرأة، ولا شيخاً كبيراً)): وكذلك قال أصحابنا، فأما الشيخ الكبير إذا كان ذا رأي: فإنه يُقتَل، (١) البقرة: ١٤. (٢) ذكر أصحاب التواريخ أن دعوة الباطنية ظهرت أولاً في زمان المأمون (١٩٨-٢١٨ هـ)، وانتشرت في زمان المعتصم (٢١٨-٢٢٧هـ). النجوم الزاهرة ١٤٢/٤، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٣٠٧، ٢٣٥، الفرق بين الفرق ص ٢٨٤. ٤٤ كتاب السير والجهاد لما روي أن دريد بن الصمة قتله ابن الدُّغنّة في حرب حُنَيْن(١)، وكان شيخاً كبيراً، ولم ينكر النبي عليه الصلاة والسلام قَتْلَه، لأنه كان ذا رأي. وقد روى الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شَرْخهم))(٢): فاستعملنا الحديثين جميعاً، وقلنا: إذا كان ذا رأي يُقْتَل؛ لحديث سمرة، وقصة دريد بن الصمة. وإذا كان شيخاً فانياً لا رأي له، ولا ينهض لقتال: لم يُقْتُل(٣)؛ للأحاديث الأخر التي ذكرنا، إذ يكون الشيخ حينئذ بمنزلة الطفل والمجنون، إلا أن يقاتِل، فيجوز أن يُقتل، على ما روينا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان إلا مَن عدا بالسيف))(٤). * وأما قوله عليه الصلاة والسلام في حديث علي رضي الله عنه: ((ولا تَغُوْرُنَّ عَيناً، ولا تَعْقِرُنَّ شجراً)): فإن هذا عندنا على معنى ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في وصيته للأمراء: ((أن لا تعقروا شجرة مثمرة لما كان النبي صلى الله عليه وسلم وعَدَهم بأن الله سيُغْنِمُهم إياها)». (١) سبق. (٢) سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي ٣٩١/٢، وقال عنه: وهذا حديث حسن صحيح غريب، سنن أبي داود ٥٠/٢. وقوله: شرخهم: الشرخ: الغلمان الذين لم يُنبتوا. (٣) المبسوط السرخسي ١٠/ ١٣٧. (٤) تقدم. ٤٥ كتاب السير والجهاد [النهي عن المُثلة: ] * وقوله: ((ولا تمثِّلُوا بآدمي ولا بهيمة))(١): قد أفادنا النهي عن المثلة بالكفار وبهائمهم إذا لم يقدروا على إخراجها؛ لأن النهي عن المثلة قد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام شائعاً مستفيضاً على الإطلاق في غير هذه الأخبار. وفائدة ذكره في وصايا الأمراء: أنه قد كان يجوز أن يُتوهَّم أن أهل الحرب إذا كانت دماؤهم مباحة: أن المثلة بهم مباحة، فأبان النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن النهي عن المثلة عام فيهم وفي غيرهم. وأفادنا النهي عن المثلة بالبهيمة، أنا متى لم نقدر على إخراجها: لا يجوز لنا أن نعقِرها، أو نتركها، أو نبتدئ فنحرقها، ولكن نذبحها، لئلا يكون مثلة، ثم نحرقها(٢). [النهي عن الغلول والغدر : ] * وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث علقمة بن مرثد: ((ولا تغُلُّوا ولا تَغْدِروا)): فإن الغلول هو الخيانة في المغنم، وهو اسم مخصوص بذلك، ليس يكاد يُسمى به الخيانة في غير الغنيمة (٣)، قال تعالى: ﴿ وَمَا (١) مصنف عبد الرزاق رقم ٩٣٥٧، ١٩٩/٥، السنن الكبرى ٨٥/٩، السير الكبير وشرحه ٤٠/١. (٢) المبسوط للسرخسي ٣٧/١٠، حاشية ابن عابدين ١٤٠/٤. (٣) ينظر المغرب ص٣٤٤. ٤٦ كتاب السير والجهاد كَانَ لِيِّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾(١). وأما الغدر: فإنه وإن كان محظوراً من طريق العقل قبل السمع، فإن النبي عليه الصلاة والسلام زاده توكيداً، لئلا يُظن جوازه في أهل الحرب. * وأما قوله عليه الصلاة والسلام في حديث بريدة: ((إذا لقيتَ عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خلال: أحدها: إعطاء الجزية)): فإنه يدل على جواز أخذ الجزية من سائر مشركي العجم، لعموم اللفظ، وقد بينًا ذلك فيما تقدم. [التحول من دار الكفر إلى دار الإسلام] قال عليه الصلاة والسلام: ((فإن أجابوك إلى الإسلام فاقبَلْ منهم، وادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلِمْهم أنهم إن فعلوا ذلك، فإن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم، فأعلِمْهم أنهم يكونون مثل أعراب المسلمين، يَجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا)): فإن سقوط حقهم من الفيء بتَرْك الهجرة يحتمل معنيين: أحدهما: أن ذلك كان في وقت ما كانت الهجرة إلى المدينة فرضاً، وكذا كان يقول أبو الحسن الكرخي رحمه الله تعالى . والثاني: أن يكون المراد الانضمام إلى جيوش المسلمين، والدخول في جملتهم، ليكونوا يداً واحدة على أعدائهم، ويتناصروا باجتماعهم (١) آل عمران: ١٦١. ٤٧ كتاب السير والجهاد على مخالفيهم(١)، كما قال الله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾(٢)، فإذا لم ينضموا معهم في أمصارهم، وانقطعت نصرتهم عنهم، فلم يستحقوا شيئاً من فيئهم، وكانوا بمنزلة سائر العوام الذين لا نصرة فيهم: فلا يستحقون شيئاً من الفيء والغنيمة. ويحتمل أن يكون ذلك خطاباً لمن أسلم من أهل الحرب قبل أن تصير داره دار الإسلام، وتكون باقية على حكم الحرب، فلا تجري حينئذ عليه أحكامنا مادام هناك، كما قال صلى الله عليه وسلم في خبر آخر: ((أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا: يا رسول اللهِ لِمَ؟ قال: لا تراءى ناراهما))(٣)، ويكون ذلك أصلاً في أن أحكامنا لا تجري على كل مَن أسلم مِن أهل الحرب قبل أن يخرج إلينا، وأنه يكون (١) ينظر المبسوط ٦/١٠. (٢) التوبة: ٧١. (٣) سنن أبي داود ١٠٥/٣ (ط دعاس)، مجمع الزوائد ٢٥٦/٥، وفي معالم السنن ٢٧٢/٢. والمراد بقوله: ((لا تراءى ناراهما)): فيه وجوه: ١- لا یستوي حکماهما. ٢- عدم مساكنة الكفار في بلادهم حيث فرَّق الله بين داري الإسلام والكفر، فلا يرى المسلم نارهم إذا أوقدوها. ٣- لا يتسم المسلم بسمة المشرك، ولا يتشبه به في هَدْیه وشكله. بتصرف. ٤٨ کتاب السير والجهاد باقياً على حكم الحرب حتى لا يكون لدمه قيمة على مَن قتله(١). [محاصرة أهل الحصن وطلبهم النزول على حكم الله] وأما قوله عليه الصلاة والسلام في حديث بريدة: ((وإذا حاصرتَ أهلَ حِصْن فأرادوك أن تُنزلهم على حكم الله: فلا تُنزلهم على حكم الله، فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم، ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم)): فإن ذلك يحتمل معنيين: أحدهما: أنهم إذا غابوا عن حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، جوَّزوا أن يكون الحكم الأول قد نُسخ، وحدث حكم آخر خلاف ما علموه، فقال: ((لا تُنزلوهم على حكم الله))، وهم لا يدرون في ذلك الوقت ما حكم الله تعالى فيهم، أهو الأول، أو حكمٌ حادث غير الأول؟ فلا تُقْدِموا على إنزالهم على حكم الله إلا على بصيرة منكم، ويقينٍ بحكم الله تعالى. ومن أجل ذلك قال أبو يوسف: إنه جائز لنا أن ننزلهم على حكم الله تعالى؛ لأن حكم الله تعالى قد استقر في الكفار، ولا يجوز ورود النسخ عليه بعد النبي عليه الصلاة والسلام(٢)، فإذا نزلوا على حُكْم الله تعالى، حَكَم الإمامُ فيهم بحُكْمه فيمن غُلبوا عَنوة: إن شاء قتلهم، وإن شاء استرقّهم، وإن شاء منَّ عليهم، وأقرَّهم على أرضهم. والوجه الثاني: أنه لما كان في شريعة النبي عليه الصلاة والسلام إباحة الاجتهاد في إدراك أحكام الله تعالى، وكان جائزاً أن يكون حكم الله تعالى (١) السير الكبير ١٢٦/١، بدائع الصنائع ١٠٥/٧. (٢) ينظر كشف الأسرار للبخاري ١٦٠/٣. ٤٩ کتاب السير والجهاد فيهم من طريق الاجتهاد، وهم لا يعلمون ذلك من ديننا، كان في إنزالهم على حكمه ضربٌ من التغرير (١) لهم، مما لو علموه حقيقة، عسى أن لا ينزلوا عليه، ومن أجل ذلك قال محمد بن الحسن: لا ينبغي لنا أن ننزلهم الآن علی حکم الله تعالی. ووجهٌ آخر: وهو أنه لو كان حكم الله فيهم عند نزولهم عليه موكولاً إلى رأينا واختيارنا، إما بالقتل أو بالسبي أو المنِّ - كما قال أبو يوسف - كان ذلك بمنزلة نزولهم على حكمنا، وهم لم يرضوا بالنزول على حكمنا، فلذلك لم يجز أن نُنْزلهم على حكم الله الآن، إذ كان ذلك بمنزلة النزول على حكمنا، وهم لم يرضوا بذلك منا (٢). * وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((وإن أرادوا منكم أن تعطوهم ذمة الله، فلا تعطوهم ذمة الله، ولكن أعطوهم ذِمَمَكم وذِمَمَ آبائكم)): فإن وجهة تعظيم حرمة ذمة الله، وهو وإن كان لا يجوز أن يخفر ذمة نفسه، فإن ذمة الله أعظم على ما بيَّنه في الخبر بقوله: ((فلأن تَخفروا ذممكم أيسر من أن تَخفروا عهد الله))، ألا ترى أن اليمين بالله هي الموجبة للكفارة، دون اليمين بغيره، تعظيماً لحرمة عهد الله . [النهي عن قتل الأجير ما لم يكن من أهل الحرب] وأما قوله في حديث رباح بن الربيع أخي حنظلة الكاتب: ((ولا تقتلوا (١) في نسخ المخطوط جميعها: ((التعزير))، ولكن يرجح أنها: ((التغرير))، وعبارة البدائع ١٠٧/٧ تشير إلى ذلك، وأن الإنزال على حكم الله تعالى من الإمام قضاء بالمجهول. (٢) ينظر بدائع الصنائع ١٠٧/٧. ٥٠ كتاب السير والجهاد ذرية ولا عَسيفاً)»: فإن العسيف: الأجير، والمعنى فيه: إذا لم يكن من أهل حربنا، وإنما هو أجير من غيرهم استأجروه لبعض الأعمال: فلا يُقْتَل، فأما إن كان من أهل الحرب: فإنه يُقْتَل، ولا فرق بين أن يكون أجيراً أو غيره بعد أن يكون من أهل القتال(١). * وفي حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع)): فهو حجة لما قال محمد في أنّ أصحاب الصوامع الذين لا يخالطون الناس لا يُقْتَلون(٢). وقد ذكر أبو جعفر رحمه الله مسائل قد مرَّ الكلامُ فيها في عرض ما تقدم من المسائل، فكرهتُ إعادتها خوف الإطالة(٣). مسألة : [السَّلَبُ واستحقاقه] قال: (ومن قتل من المسلمين قتيلاً من العدو: لم يكن له سَلَبه (٤)، وكان سلبه كسائرٍ الغنيمة، إلا أن يكون الإمام قد قال قبل ذلك بعد ما حضر لقتال العدو: مَن قَتَل قتيلاً فله سَلَبُه: فإنه يستحق (١) ينظر شرح السير الكبير ١٤١٥/٤. (٢) ينظر شرح السير الكبير، ٤١/١. (٣) ينظر مختصر الطحاوي ص٢٨٣. (٤) السلب اصطلاحاً: هو ما يأخذه أحد القِرنَيْن في الحرب من قِرْنه مما يكون عليه ومعه، من سلاح وثياب ودابة وغيرها، ينظر النهاية لابن الأثير ٣٨٧/٢، المغرب ص٢٣٠، بدائع الصنائع ١١٥/٧، وسيذكر الجصاص تعريفه بعد هذه المسألة. ٥١ کتاب السير والجهاد القاتل سَلَبَ المقتول)(١). قال أحمد: قال الله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾(٢). ويقتضي ظاهر ذلك معنيين: أحدهما: أن ما حصل غنيمة: كان لسائر الجند بعد الخُمُس. والآخر: وجوب الخمس في سائر الغنائم، والسَّلَب غنيمة، ولا يختص به بعضُهم دون بعض؛ لأن الله تعالى جعله لجميعهم بقوله: ﴿غَنِمْتُم﴾، ولَمَّا أوجب فيه الخمس: دلَّ على أن أربعة أخماسه للجند؛ لأن ذلك حكم الغنائم(٣). فإن قال قائل: هذا فيما غنمَتْه الجماعة، وأما ما غَنمَه الواحد منهم: فلم يدخل في الآية. قيل له: ليس كذلك؛ لأن لفظ الآية يتضمن ما غنمه الجماعة، وما انفرد به الواحد من الجماعة، كقوله عزَّ وجل: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾(٤): تضمَّن النهي لكل أحد أن يقتل نفسه، وللجماعة أن يقتل بعضُهم بعضاً. وأيضاً: لم يختلفوا أن ما غنمه الواحد إذا لم يقتل صاحبه، فهو (١) السير الكبير ٥٩٤/٢، بدائع الصنائع ١١٥/٧، المبسوط ٤٧/١٠. (٢) الأنفال: ٤١. (٣) المبسوط ٤٨/١٠، فتح القدير ٢٥٠/٥. (٤) النساء: ٢٩. ٥٢ کتاب السير والجهاد والجماعة فيه سواء، وذلك بالآية، لأنها تقتضيه، فثبت أن المراد: الواحدُ والجماعةُ إذا غنموا. ثم قَتْله إياه، لا يُخرجه من أن يكون سلبه غنيمة، فوجب أن يكون للجماعة بدلالة ظاهر الآية. * ويدل على ذلك من جهة السنة: ما حدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا الحسن بن المثنى قال: حدثنا عفان بن مسلم حدثنا يوسف بن يعقوب الماجشون حدثنا صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده عبد الرحمن بن عوف، ذكر قصة قَتْل أبي جهل يوم بدر، وأن معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأخبراه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكما قَتَله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلتُه، فقال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر في سيفيهما، فقال: كلاكما قَتَلَه، وقضىُ بسَلَبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح(١). فلو كان القاتل مستحقاً للسلب بقتله دون غيره من الناس، لاستحقّا جميعاً للسلب، لقوله عليه الصلاة والسلام لهما: ((كلاكما قتله))، ثم قضى مع ذلك بسلبه لأحدهما، فدلَّ ذلك على أنه لا يُستحق بالقتل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يجعل ما استحقه أحدهما من نصيبه من السلب لصاحبه إلا باستئذانه ورضاه (٢). (١) صحيح البخاري ١٨٨/٦، صحيح مسلم ١٢ / ٦١. (٢) شرح السير الكبير ٥٩٤/٢، المبسوط ٤٧/١٠، عيون الأثر لابن سيد الناس ٣١٥/١. ٥٣ کتاب السير والجهاد * ويدل عليه أيضاً: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثني صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة(١)، فرافقني مددي(٢) من أهل اليمن، وذكر الحديث إلى أن قال: ((فقتل المدديُّ الروميَّ، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله عزَّ وجل للمسلمين، بعث إليه خالد بن الوليد، فأخذ منه السلب. قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد أما علمتَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته. قلت: لتردنَّه عليه، أو لأعرفنَّكها(٣) عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأبى أن يردّ عليه. قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقَصَصْتُ عليه قصة المددي، وما فعل خالد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خالد! ما حَمَلَك على ما صنعت؟ قال: یا رسول الله استکثرته. (١) غزوة مؤتة: كانت في السنة الثامنة من الهجرة في جمادى الأولى، ومؤتة قرية من أرض البلقاء من الشام. سيرة ابن هشام (مع الروض الأنف) ٤/ ٧٠. (٢) أي أعوانه وأنصاره الذين كانوا يمدون المسلمين في الجهاد. النهاية لابن الأثير ٣٠٨/٤. (٣) في (ر.ح): ((لأعرفنكما)). ٥٤ کتاب السير والجهاد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خالد، ردًّ عليه ما أخذتَ منه. قال عوف: فقلت له: دونك يا خالد. ألم أفٍ لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك ؟ فأخبرتُه. قال: فغضب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال: يا خالد! لا تردَّ عليه، هل أنتم تاركون لي أمرائي، لكم صفوة أمرهم، وعليهم كدره)) (١). فهذا الحديث يدل على أن القاتل لم يستحق السلب، وأن أَمْره إياه كان بإعطائه على جهة الاستحباب، لأنه لو كان مستَحقاً له، لما قال عليه الصلاة والسلام لخالد: ((لا تردَّ عليه)). * ويدل عليه أيضاً: ما روى حماد بن زيد (٢) عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن رجل من بلقين، قال: ((قلت: يا رسول الله: هل أحد أحق بشيء من المغنم من أحد؟ قال: لا، حتى السهمُ يأخذه أحدكم من جنبه، فليس بأحق به من أخيه))(٣). (١) أبو داود ٦٥/٢، صحيح مسلم باختصار ٦٤/١٢، وقد أورد الإمام الجصاص الحديث بالمعنى، فصححته وعدلته كما في سنن أبي داود، لنصه أنه عن طريقه. (٢) في النسخ المخطوطة للكتاب: حماد بن سلمة، وفي سنن البيهقي، حماد بن زيد، وأراه الصواب، إذ ليس في شيوخ بن سلمة من اسمه بديل، على العكس من ابن زيد. تنظر ترجمة حماد بن زيد تهذيب الكمال ٢٣٩/٧. (٣) السنن الكبرى للبيهقي بمعناه ٦٢/٩، وكذا ذكره ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم ... ﴾. الأنفال: ٤١، تفسير ابن كثير ٣٢٣/٢. ٥٥ كتاب السير والجهاد وذلك عموم في سائر المغانم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفرِّق بين أن يكون قاتِلاً وغير قاتل. * ويدل عليه أيضاً: حديث مكحول عن أبي سلام عن أبي أمامة الباهلي عن عبادة بن الصامت في قصة بدر (١) لما اختصم الذين قاتلوا، والذين حرسوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فادَّعاه كلا الفريقين لنفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾(٢)، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم علىُ فَوَاق))(٣). وذكر هذه القصة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال فيها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليردَّ قويُّ المؤمنين على ضعيفهم))(٤). وروي نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما. * ويدل عليه أيضاً: ما حدثنا أحمد بن خالد الحَرُوري شيخ ثقة من (١) في (ر، حـ): ((في قصة زيد)). (٢) الأنفال: ١. (٣) المستدرك للحاكم (١٦/٢٦٠٠) ١٤٥/٢، وصححه وأقره الذهبي، السنن الکبری ٥٧/٩. وقوله عن فواق: أي قسمها في قدر فواق ناقة، وهو ما بين الحلبتين، وقيل: أراد التفضيل في القسمة، كأنه جعل بعضهم أفوق من بعض. النهاية لابن الأثير ٤٧٩/٣. (٤) مصنف ابن أبي شيبة رقم (٣٣٢٨٤) ٤٩٩/٦. مسند أحمد (٢٢٢٥٦) ٤٤٢/٦، وفي القول المسدد، لابن حجر (مع الفتح الرباني للبنا) ١٤/ ٨٥ حديث عبادة، قال: قال الترمذي: هذا حديث صحيح. اهـ. قال ابن حجر: وأورده الهيثمي، وقال: رجال أحمد ثقات، ورواه أيضاً الحاكم في المستدرك، وصححه وأقره الذهبي، سنن أبي داود بمعناه عن عمرو ٧٣/٢. ٥٦ کتاب السير والجهاد أهل الريِّ قال: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي قال: حدثنا محمد بن المبارك وهشام بن عمار قالا: حدثنا عمرو بن واقد عن موسى بن يسار عن مكحول عن جنادة بن أبي أمية قال: نزلنا دابق(١) وعلينا أبو عبيدة بن الجراح، فبلغ حبيبَ بن مسلمة أن ابن صاحب قبرس (٢) يريد طريق أذربيجان(٣)، ومعه زَبَرْجَد وياقوت ولؤلؤ ودیباج، فخرج في جند حتى قتله في الدرب، وجاء بما كان معه إلى أبي عبيدة، فأراد أن يخمِّسه، فقال حبيب: يا أبا عبيدة، لا تحرمني رزقاً رزقنيه الله تعالى، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل السَّلَب للقاتل. فقال معاذ بن جبل: مهلاً يا حبيب، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما للمرء ما طابت به نفسُ إمامه (٤). وعموم هذا الخبر ينفي أن يكون السلب للقاتل إلا بطيبة نفس الإمام، فدل على أنه لا يستحقه بالقتل إلا بتقدمه من الإمام بذلك قبل القتل، أو (١) دابق: قرية قرب حلب من أعمال عِزار، بينها وبين حلب أربعة فراسخ. معجم البلدان ٤١٦/٢. (٢) قبرس: جزيرة (٩٢٥٢ كم ٢ - ٥٨,٠٠٠ نسمة) في البحر المتوسط عاصمتها نيقوسيا، معظم سكانها يونانيون، وبها أقلية تركية مهمة، الموسوعة العربية الميسرة ٣٦٨/٢ ١هـ. (٣) أذربيجان: فى الإقليم الخامس، ويتصل حدها من جهة الشمال ببلاد الديلم والجبل والطرم، وهو إقليم واسع، ومن مشهور مدائنها: تبريز، وهي أذربيجان الإيرانية. معجم البلدان ١٢٨/١. الموسوعة العربية ١ /١٠٧. (٤) مجمع الزوائد ٣٣٣/٥، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عمرو بن واقد، وهو متروك. ٥٧ کتاب السير والجهاد أن يجعله له من الخمس. [أدلة المخالفين القائلين بأن السلب للقاتل، ومناقشتها] * فإن احتج مَن جعل السلب للقاتل في سائر الأحوال بما روى أبو قتادة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال يوم حنين: ((مَن قتل قتيلاً له عليه بيِّنة: فله سلبه))(١). وذلك بعد انقضاء الحرب. وبما روى أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال يوم حُنَيْن: ((مَن قتل كافراً: فله سلبه، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلاً، وأخذ أسلابهم))(٢). وبما روى عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في السلب للقاتل ولم يُخمِّس السلب))(٣). وروى سمرة بن جندب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((مَن قتل قتیلاً فله سلبه))(٤). (١) صحيح البخاري ١٩٠/٦، صحيح مسلم ٥٧/١٢. (٢) سنن أبي داود ٦٥/٢، قال أبو داود: هذا حديث حسن، مصنف ابن أبي شيبة رقم (٣٣٠٨٢) ٤٧٨/٦، الفتح الرباني بترتيب مسند أحمد ٨١/١٤. وفي القول المسدد (مع الفتح الرباني): أخرجه أبو داود وسكت عنه، وكذا المنذري، ورجاله رجال الصحيح. (٣) تقدم، وأنه ثابت في صحيح مسلم. (٤) السنن الكبرى ٣٠٩/٦، سنن ابن ماجه رقم ٢٨٦٥، ١٤٣/٢ ولفظه: ((من قتل قتيلاً فله السلب)). وفي هامشه: قال البوصيري في الزوائد : ... فيه ابن سمرة ... ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن القطان: حاله مجهول، وباقي رجال الإسناد = ٥٨ كتاب السير والجهاد وروى شريك عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال: انتدب رجل من المشركين يوم بدر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام للزبير: يا زبير بارِزْه، فقتله الزبير، فَنَفَلَه (١) النبيُّ عليه الصلاة والسلام سَلَبه))(٢). وروى أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: ((نفلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر سيف أبي جهل، كان قَتَله))(٣). وقد روينا قبل ذلك أن معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو قتلاه، ومعناه: أنهما أثخناه حتى صار ميئوساً من حياته، وأدركه عبد الله بن مسعود وبه رمق، فأجهز عليه(٤)، وكذا رُوي في المغازي. * قيل له: ليس في شيء من هذه الأخبار ما ينافي ما قلناه، وذلك لأن ثقات، قال محقق السنن محمد الأعظمي: إسناده حسن. (١) النفل اصطلاحاً: ما يُنفله الغازي: أي يعطاه زائداً على سهمه، أو كما قال الكاساني في البدائع ١١٥/٧: عبارة عما خصه الإمام لبعض الغزاة، تحريضاً لهم على القتال. وينظر أنيس الفقهاء: ص١٠٤، ١٨٣. (٢) شرح معاني الآثار ٢٢٦/٣، مصنف ابن أبي شيبة رقم ٣٣٠٩٢، ٤٧٩/٦. وليس فيه: أنه يوم بدر، مصنف عبد الرزاق (٩٤٧٠)، ٢٣٤/٥ وفيه: أنه رجل من بني قريظة، السنن الكبرى، وفيه أيضاً: أنه يهودي من بني قريظة، وذكر الحديث مرسلاً، وقال: روي موصولاً عن ابن عباس ٣٠٨/٦. (٣) سنن أبي داود ٦٦/٢، مجمع الزوائد ٣٣٤/٥. قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه: إسماعيل بن أبي إسحاق أبو إسرائيل الملائي، وهو ضعيف، وقال أحمد: يكتب حديثه، مصنف ابن أبي شيبة ٦ /٤٧٩. (٤) تقدم، وانظر تاريخ الطبري ٣٦/٢. ٥٩ کتاب السير والجهاد ما أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام القاتل من السلب، لا يخلو من أحد وجھین : إما أن يكون باستحقاق، لتقدم القول من النبي عليه الصلاة والسلام عند حضور القتال بأن مَن قتل قتيلاً فله سَلَبُه، وكذلك نقول في أمير الجيش إذا قال: مَن قتل قتيلاً فله سلبه: استحق القاتل السلب، وكان أخصّ به من سائر الناس. أو أن يكون لم يتقدم من النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك قول عند حضور الحرب، فرأى النبيُّ عليه الصلاة والسلام أن يعطيَه إياه من الخُمُس(١)، تحريضاً منه لهم على القتال، وتضرية(٢) على العدو. فإن قيل: لو كان أعطاه من الخمس لبيَّن في الخبر. قيل له: ولو كان أعطاهم من جملة الغنيمة لبيَّن، فإذا لم يكن نَقْل بيان أحد الوجهين بأَوْلى من نقل الآخر: سَقَط الاحتجاج به، وعُلِم أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قد أعطى المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين(٣)، ولم يُذكر في شيء من الأخبار أنه أعطاهم من الخمس، ولكنه لما كان معلوماً أنه لم يكن يعطيهم من غنيمة الجيش، إذ لو كان كذلك لاستأذنهم، كما استأذنهم في إطلاق سباياهم، عَلِمْنا أنه أعطاهم من الخمس الذي كان له صَرْفه في الوجوه التي يراها، مما هو أردُّ على (١) عمدة القاري ٦٦/١٥، المبسوط ٤٩/١٠، فتح القدير ٢٤٩/٥، السير الكبير ٥٩٤/٢. (٢) التضرية: من أضراه بالشيء: أي أغراه به. ينظر مختار الصحاح (ضري). (٣) في (د): ((غنائم خيبر))، وهو خطأ، ينظر تاريخ الطبري ١٧٥/٢. ٦٠ كتاب السير والجهاد المسلمين وأنفع لهم(١). فإن قيل: هلا جعلت قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن قتل قتيلاً، فله سلبه)): عاماً في سائر الأحوال والأزمان. قيل له: لأنا متى أمكننا استعمال حكم الأخبار التي قدمناها في أن السلب غير مستحق للقاتل بالقتل دون تقدمة الإمام، جمعنا بينها وبين هذه الأخبار، فقلنا: إن هذا قول مقصور الحكم على الحال التي خرج عليها الخطاب. كما روى حبيب بن مسلمة الفهري عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ((كان يَتْفُل الثلث بعد الخمس))(٢). وكان ذلك حكماً مقصوراً عند الجميع على الحال، دون أن يكون عاماً في سائر الأزمان بغير تقدمة من الإمام قبل القتال. وكما قال عليه الصلاة والسلام يوم الفتح: ((مَن ألقى سلاحه: فهو آمن، ومَن دخل المسجد: فهو آمن، ومَن أغلق بابه: فهو آمن)) (٣). (١) السير الكبير وشرحه ٥٩٤/٢، ٤٩٧، عيون الأثر ٢٥٠/٢، مصنف عبد الرزاق (٩٣٤١ - ٩٣٤٤)، ١٩١/٥، بدائع الصنائع ١١٥/٧. (٢) سنن أبي داود ٧٢/٢، المستدرك (١٥/٢٥٩٩) ١٤٥/٢، الفتح الرباني (٢٥٩) ١٤/ ٨٥، وفى القول المسدد: صححه ابن الجارود وابن حبان والحاكم وأقره الذهبي. (٣) صحيح مسلم ١١٣/١٢، مجمع الزوائد ١٦٩/٦، إلا أنه في أغلب الروايات لم يذكر مَن ألقى سلاحه مع تقدیم وتأخير.