النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
کتاب السير والجهاد
حريقُ الْبُوَيْرة(١) مستطير(٢)
وهان على سَراة بني لؤي
* وقد كره الأوزاعي قطع الشجرة المثمرة، واحتج بأن أبا بكر
الصديق رضي الله عنه نهى الجيش الذي أنفذه إلى الشام عن قطع الشجرة
المثمرة(٣).
والمعنى في ذلك عندنا: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد كان وعدهم
فَتْحَها، وأنها تصير للمسلمين، فلذلك كرهه(٤) لما بيَّنَّاه.
ولما روي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسامة: ((أَغِرِ على أُبنى
صباحاً، وحَرِّق))(٥).
مسألة : [تحريق حصون العدوِّ، وإغراقُها بالماء]
قال أبو جعفر: (وله أن يرميَهم بالمنجنيقات، وأن يحرِّقَ حصونهم
(١) البويرة: تصغير بئر، وهي موضع معروف بالمدينة كان لليهود، وكان به
نخل بني النضير. غريب الحديث لابن حجر فصل (ب، ي)، معجم البلدان ٢٩٠/٥.
(٢) مستطير: منتشر متفرق، كأنه طار في نواحيها. لسان العرب (ر، ط).
والحديث وقصته في صحيح البخاري ٢٦٦/٧، السنن الكبرى ٨٣/٩، شرح ديوان
حسان بن ثابت الأنصاري، تحقيق عبد الرحمن البرقتني ص ١٤٧.
(٣) شرح السير الكبير ٤٣/١، فتح الباري ١١٦/٦، المبسوط للسرخسي
٣١/١٠، الروض الأنف للسهيلي ٢٥٠/٣، المصنف لابن أبي شيبة ٨٧/٦.
(٤) شرح السير الكبير ٤٣/١، مشروعية قطع الأشجار وإفساد الزرع، هذا إذا
لم يغلب على الظن أنهم مأخوذون بغير ذلك، فإن كان الظاهر أنهم مغلوبون، وأن
الفتح بادٍ: كره ذلك؛ لأنه إفساد في غير محل الحاجة، وما أبيح إلا لها، وينظر شرح
فتح القدير ١٩٨/٥.
(٥) سبق تخريجه.

٢٢
كتاب السير والجهاد
بالنيران، ويغرِّقَها بالماء، ولا يمتنع من ذلك لأجل مَن في أيديهم من
الأسرى، ومَن لا يجوز لنا قتله)(١).
وذلك لما حُدِّثنا عن أبي داود قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح
قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس
رضي الله عنهما عن الصعب بن جثامة ((أنه سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم
عن الذراري من المشركين يُبَيَّتون، فيصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال
رسول الله صلی الله علیه وسلم: هم منهم))(٢).
فقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم أن يُبَيَّتوا مع إخبار السائل بما
يُصاب من الذراري، فلم ینهه من أجل ذلك.
وقد ((رمى النبي صلى الله عليه وسلم أهلَ الطائف حين
حاصرهم)) (٣)، مع علمه بمن فيهم من الذراري الذين لا يُتُعمَّدون بالقتل.
قال أحمد: ولا يوجب أصحابنا لمن أصيب من الأسرى وغيرهم
على هذا الوجه دية ولا كفارة؛ لأنهم مأمورون برمي الكفار مع العلم بمَن
فيهم من الأسرى، وجواز إصابتهم به، فصاروا في حكم المأمور برميه
(١) شرح السير الكبير ١٤٦٧/٤، المبسوط للسرخسي ٣٢/١٠.
(٢) صحيح البخاري (مع الفتح) كتاب الجهاد ١١٠/١٢.
(٣) المراسيل لأبي داود السجستاني (٣٣٥) ص٢٤٩، نصب الراية ٣٨٢/٣،
قال الزيلعي: ذكره الترمذي في الاستئذان معضلاً، ورواه أبو داود في المراسيل، وابن
سعد في الطبقات، ورواه العقيلي في ضعفائه مسنداً، وقال الشيخ الأرناؤوط في
هامش المراسيل: رجاله ثقات غير ثور .. فإنه من رجال البخاري، التلخيص الحبير
١٠٤/٤، وأورد طريق أبي داود في المراسيل، وبعض ما أورده الزيلعي، ثم ذكر ما
رواه الأوزاعي مما جاء من الإنكار من أنه رماهم بالمنجنيق.

٢٣
کتاب السير والجهاد
وقتله، فلا يجب فيه شيء(١).
مسألة : [موضع قسمة الغنائم]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي للإمام إذا غنم غنيمة أن يقسمها في دار
الحرب(٢) حتى يُخرجها إلى دار الإسلام).
وذلك لأن المسلمين لا يثبت لهم فيها حق إلا بحيازتها في دار
الإسلام، ومن أجل ذلك قال أصحابنا: إن مَن مات من الجند قبل إحراز
الغنيمة في دار الإسلام: لم يكن لورثته منها شيء، وإذا مات بعد
إحرازها: كان نصيبه منها لورثته.
(١) الهداية ١٩٨/٥، السير الكبير ١٤٧١/٤، المبسوط السرخسي ٦٥/١٠.
(٢) دار الحرب: تصير دار الإسلام دار الحرب عند أبي حنيفة بشروط ثلاثة:
١- إجراء أحكام الكفار على سبيل الاشتهار، وأن لا يُحكم فيها بحكم
الإسلام.
٢- أن تكون متصلة بدار الحرب، لا يتخلل بينهما بلد من بلاد الإسلام.
٣- أن لا يبقى فيها مؤمن ولا ذمي آمناً بأمانه الأول؛ الذي كان ثابتاً قبل استيلاء
الكفار، للمسلم بإسلامه، وللذمي بعقد الذمة.
وقال أبو يوسف ومحمد: تصير الدار دار حرب بشرط واحد لا غير، وهو إظهار
أحكام الكفر، وهو القياس.
أما دار الإسلام: فهي التي يمكن للمسلمين فيها: ١ - إجراء الأحكام. ٢ - ثبوت
الأمن للمقيم فيها من المسلمين فيها. ٣- كونها متاخمة لدار الإسلام على قوله،
وعلى قولهما بالأول فقط.
ينظر الفتاوى الهندية ٢٣٢/٢، ابن عابدين ١٧٤/٤، فتح القدير ٢٢٤/٥
وسيذكر المؤلف هذا التفصيل لدار الحرب والإسلام عند الكلام عليهما.

٢٤
کتاب السير والجهاد
ولذلك قالوا أيضاً: إذا لحقهم جيشٌ آخر قبل أن يُخرجوها إلى دار
الإسلام: شَركوهم فيها (١).
والدليل على أنَّ حقهم لا يثبت في الغنيمة إلا بالحيازة والإحراز: أنَّ
الموضع الذي حصلوا فيه من دار الحرب لا يصير من دار الإسلام
بحصول الجيش فيه، ولو ثبت حقهم فيه دون الحيازة، لصار من دار
الإسلام، ولو كان كذلك: كان يجب أن تكون أحكام تلك البقعة حكم دار
الإسلام، حتى تنقطع العصمة بين مَن حصل هناك وبين أهل الحرب في
عتق العبيد إذا خرجوا، فحصلوا في ذلك الموضع، ووقوع الفُرقة بين
المهاجرة المسلمة إذا حصلت هناك وبين زوجها.
وكان ينبغي أن يكون لو لحقهم جيشٌ قبل أن يظهروا على دار الحرب
أن لا يشاركهم في البقعة التي كان الجيش الأول اجتازوا بها، ووطؤوها،
ولا خلاف أنَّ جيشاً لو لحقهم، ثم ظهروا على دار الحرب جميعاً: أنَّ
الأول والثاني شركاء في جميع الدار، فدل أنَّ حق الأولين لم يثبت فيها
بظهورهم عليها دون حيازتها وإحرازها، وكذلك الأموال.
فإن قيل: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم قَسَم غنائم بني المصطلق قبل
رجوعه إلى المدينة))(٢).
قيل له: قَسَمها بعد ما صار الموضع من دار الإسلام، ولم يقسمها
قبل ذلك، ونحن كذلك نقول: إذا صارت الدار دار الإسلام، لظهور
المسلمين عليها، وحيازتهم لها: قَسَم فيها الغنائم.
(١) شرح السير الكبير ١٠٠٥/٣، الهداية ٢٢٢/٥، فتح القدير ٢٢٤/٥.
(٢) السنن الكبرى ٥٤/٩.

٢٥
كتاب السير والجهاد
ويدل على ما ذكرنا: أنه يجوز له أن يأكل من الطعام الذي غنموه في
دار الحرب، ولا يأكل منه إذا خرج إلى دار الإسلام.
ويدل عليه أنَّ مَن باع حصته منها: لم يجز بيعه (١).
مسألة : [أَخْذ ما يحتاجه الإنسان من طعام وعلف الغنيمة]
قال أبو جعفر : (وما كان في الغنيمة من طعام أو عَلَفٍ: لم يكن على
مَن احتاج إلى ذلك جُنَاحٌ أن يأخذ منه مقدار حاجته وإن لم يستأذن الإمامَ
في ذلك)(٢).
لما حُدِّثنا عن أبي داود قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري قال:
حدثنا أنس بن عياض عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ((أنَّ جيشاً غنموا
في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً وعَسَلاً، فلم يؤخذ منهم
الخمس)»(٣).
وهذا يدل على أنهم أكلوه في دار الحرب قبل أن يُخرجوه إلى دار
الإسلام؛ لأنهم لو أخرجوه: لم يختلف الفقهاء أنَّ الخمس واجب فيه (٤).
وثبت بذلك جواز الأكل بغير إذن الإمام، ما لم يُحرَز في دار
الإسلام، ويكون حينئذٍ بمنزلة المباحات من الصيد والثمار، فلا يجب فيه
شيء
ويدل عليه أيضاً: ما حُدِّثنا عن أبي داود قال: حدثنا موسى بن
(١) السير الكبير ١٠١٧/٣، الفتاوى الهندية ٢١١/٢، المبسوط ١٢/١٠.
(٢) السير الكبير مع شرحه ١٠١٧/٣، بدائع الصنائع ١٢٣/٧.
(٣) سنن أبي داود ٦٠/٢، صحيح البخاري بمعناه ١٩٦/٦.
(٤) الفتاوى الهندية ٢١١/٢، نيل الأوطار ١٣٣/٨، بدائع الصنائع ١٢٣/٧.

٢٦
كتاب السير والجهاد
إسماعيل والقعنبي قالا: حدثنا سليمان عن حميد - يعني ابن هلال - عن
عبد الله بن مغفل قال: ((دُلِّيَ(١) جِرابٌ من شحم يوم خيبر، قال: فأتيته،
فالتزمته، قال: ثم قلت: لا أعطي من هذا أحداً اليوم شيئاً، قال: فالتفتُّ،
فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسَّم إلي))(٢).
فلم ينكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام قَوَلَه: ((لا أعطي اليوم أحداً
منه شيئاً))، فدل على جواز أكله من غير استئذان الإمام (٣).
وقد روي إباحة ذلك عن جماعة من السلف، منهم ابن عمر وسلمان
وإبراهيم والحسن وعطية بن قيس في آخرين منهم(٤)، من غير خلاف
يُحكى عن أحد من نظرائهم.
مسألة : [أخذ المجاهد السلاح وغيره من الغنيمة عند الحاجة]
قال أبو جعفر: (وكذلك إن كان فيها سلاح، فلا بأس أن يقاتل به من
احتاج إليه، ثم يردُّه في الغنيمة، وكذلك ثياب اللبس، وأداة الركوب، ولا
يأخذ شيئاً من ذلك بغير حاجة إليه)(٥).
(١) دلاه من سطح بحبل أي: أرسله فتدلى، ومنه حديث ابن مغفل ((دلي على
جراب)) المغرب ص١٦٧، وينظر النهاية لابن الأثير ١٣١/٢.
(٢) سنن أبي داود ٦٠/٢، واللفظ له. مصنف ابن أبي شيبة ٥٠٤/٦، صحيح
البخاري مع الفتح - بمعناه - ١٩٥/٦، صحيح مسلم - بمعناه - ١٢ / ١٠٢.
(٣) ينظر تبيين الحقائق ٢٥٢/٣.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٥٠٤ -٥٠٥.
(٥) شرح السير الكبير ١٠٢١/٣، ١١٩٢/٤، الفتاوى الهندية ٢١١/٢،
الهداية ٢٢٨/٥.

٢٧
کتاب السير والجهاد
وذلك لما روى أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، ((أنه قَتَلَ
أبا جهل بن هشام بسيفه))(١).
وروي ((أنَّ ابن الدَّغُنَّة قَتَلَ دُريد بن الصُّمَّة(٢) بسيفه).
ولم ينكر النبيُّ عليه الصلاة والسلام ذلك عليهما.
ألا ترى أنه لو رماه المشرك بسهم: كان له أن يرميَه به، ولا خلاف في
ذلك نعلمه.
[مسألة] :
(ولا ينتفع بشيء من ذلك لغير حاجة)(٣).
لما حُدِّثنا عن أبي داود قال: حدثنا سعيد بن منصور وعثمان بن
أبي شيبة - واللفظ له - قال أبو داود: وأنا لحديثه أتقن، قالا(٤): حدثنا
أبو معاوية عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي مرزوق
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٤٧٩/٦.
(٢) دريد بن الصمة الجشمي البكري من هوازن، يكنى أبا قرة، شجاع من
الأبطال الكفار، والشعراء المعمرين، غزا نحو مئة غزوة، لم يهزم في واحدة منها،
وأدرك الإسلام، ولم يسلم، خرجت به هوازن يوم حنين تيمناً به، وهو أعمى، فلما
انهزمت جموع هوازن أدركه ربيعة بن رفيع السلمي الملقب (ابن الدغنّة) فقتله، عاش
١٦٠ سنة، ويقال ١٢٠ سنة، الروض الأنف للسهيلي ١٣٩/٤، الأعلام ٣٣٩/٢،
وينظر لتخريج قتله يوم حنين التلخيص الحبير ١٠٣/٤، وأنه في الصحيحين.
(٣) شرح السير الكبير ١٠٢١/٣، الهداية وفتح القدير ٢٢٨/٥، الفتاوى الهندية
٢١١/٢، المبسوط ٣٥/١٠.
(٤) في (ر، د): وعثمان بن أبي شيبة واللفظ له، قالا: حدثنا أبو معاوية ... إلخ
والمدون کما في سنن أبي داود.

٢٨
کتاب السير والجهاد
مولى تُجيب عن حنش الصنعاني عن رويفع بن ثابت الأنصاري أنَّ النبي
صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب
دابة من فَيء المسلمين، حتى إذا أعجفها(١): ردَّها فيه، ومَن كان يؤمن
بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوباً من فَيء المسلمين، حتى إذا أخلقه (٢):
ردَّه فیه))(٣).
مسألة : [الغنائم التي عجز المسلمون عن حملها إلى دار الإسلام]
قال: (وما أصاب المسلمون في دار الحرب من الغنائم، وعجزوا عن
حمله من غير الحيوان: أحرقوه بالنار، وما كان من ماشية: ذبحوها، ثم
أحرقوها بالنار).
وذلك لوجهين:
أحدهما: ما يلحق الكفار من ذلك من الغيظ والأسف.
والثاني: لئلا يقووا به على قتال المسلمين (٤).
وقد ((قطع النبي صلى الله عليه وسلم نخلَ بني النضير وحرقها)) (٥).
و((قطع من كروم الطائف))(٦).
(١) أعجفها: أي أهزلها. النهاية لابن الأثير ١٨٦/٣.
(٢) أخلقه: أي صار قديماً عتيقاً بالياً. ينظر مختار الصحاح (خلق).
(٣) سنن أبي داود ٦١/٢، وفي الفتح الرباني ٧١/١٤ قال: حسَّن الحافظ ابن
حجر إسناده، وقال رواته ثقات.
(٤) المبسوط ٣٦/١٠، الفتاوى الهندية ٢٠٨/٢.
(٥) تقدم.
(٦) السنن الكبرى ٨٤/٩.

٢٩
کتاب السير والجهاد
و((أمر أسامة بن زيد أن يُغِير ويحرِّق))(١).
إلا أنَّ الحيوان يُذبح، ثم يحرق؛ لأن إحراقها مُثْلة، وفيه زيادة في
إيلامها من غير نفع، وقد «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صَبْر
الحيوان، وأن يُتخذ شيءٌ من الروح غَرَضاً، ونهى أن يُمثَّل بالحيوان))(٢).
مسألة : [قتل النساء والصبيان والرهبان ونحوهم]
قال: (ولا يَقتل المسلمون في دار الحرب صبياً، ولا معتوهاً، ولا
أعمى، ولا مقعَداً، ولا الرهبان، ولا أصحاب الصوامع، ولا النساء، إلا
أن يقاتلوهم، فيكون لهم قَتْل مَن قاتلهم منهم).
قال أبو بكر: قال محمد بن الحسن: ولا يقتل من الرهبان،
والسائحين(٣) مَن لم يخالط الناس من أصحاب الصوامع، ممن قد طَيَّن
الباب على نفسه، ولا يؤسرون، ولا تؤخذ منهم الجزية، ومَن خالط
الناس منهم: كان بمنزلة سائر رجالهم المقاتلين، فيُقتَلون، ويؤسَرون،
وتُؤخذ منهم الجزية(٤).
والأصل في حَظْر قتل من ذكرنا: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال:
حدثنا عمر بن حفص السدوسي قال: حدثنا عاصم بن علي قال: حدثنا
(١) تقدم.
(٢) قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٤ /١١٢: النهي عن قتل الحيوان صبراً في
مسلم عن جابر، ولأحمد وغيره في النهي عن صبر البهائم بأسانيد جياد. اهـ.
(٣) في (د): السياحين، والسياحة هي: الذهاب في الأرض للعبادة والترهُّب.
لسان العرب (سيح).
(٤) ينظر: الهداية وفتح القدير ٢٠١/٥، الفتاوى الهندية ١٩٤/٢.

٣٠
كتاب السير والجهاد
قيس بن الربيع عن عمر مولى عنبسة عن زيد بن علي عن أبيه عن علي بن
أبي طالب رضي الله عنه. قال:
((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشاً من المسلمين إلى
المشركين قال: انطلِق باسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، لا
تقاتلوا القوم حتى تحتجُّوا عليهم، فادع القوم إلى شهادة ألا إله إلا الله،
وأن محمداً رسول الله، والإقرارَ بما جاء من عند الله، فإن أجابوكم:
فإخوانكم، وإن أبَوْا: فناصبوهم حرباً، واستعينوا بالله تعالى، ولا تقتلوا
وليداً، ولا طفلاً ولا امرأة، ولا شيخاً كبيراً، ولا تُغَوِرُنَّ(١) عيناً، ولا
تَعقُرُنَّ شجراً إلا شجراً يَضُرُّ بكم - يعني: تَغدِروا يمنعكم قتالاً - ولا تمثِّلُوا
بآدمي ولا بهيمة، ولا تَغُلُّوا، ولا))(٢).
وحُدِّثنا عن أبي داود قال: حدثنا أبو صالح الأنطاكي محبوب بن
موسى أخبرنا أبو إسحاق الفزاري عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن
سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اغزوا باسم
الله، وفي سبيل الله، وقاتلوا مَن كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا، ولا تَغْلَّوا
ولا تمثِّلُوا، ولا تقتلوا وليداً))(٣).
(١) في (ر): ولا تغدون، وكذا في (حـ). ولا تعورن عيناً: يقال عورت الركية،
وأعرتها وعُرْتها: إذا طممتها، وسددت أعينها التي ينبع منها الماء، النهاية لابن الأثير
٣١٩/٣. تغورن: الغور، غور كل شيء عمقه وبعده. الماء الغائر: الذي لا يقدر عليه.
النهاية لابن الأثير (غ و)، ٣٩٣/٣.
(٢) السنن الكبرى ٩٠/٩، وقال: (في هذا الإسناد إرسال وضعف، وهو
بشواهده مع ما فيه من الآثار يقوى، والله أعلم). اهـ.
(٣) سنن أبي داود ٣٦/٢، صحيح مسلم ٣٧/١٢.

٣١
کتاب السير والجهاد
وحُدِّثنا عن أبي داود قال: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا
وكيع عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال:
((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً على سرية أو جيش
أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه، وبمَن معه من المسلمين خيراً، وقال:
إذا لقيتَ عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال، فأيتَها
أجابوك إليها فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك:
فاقبل منهم، وكفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار
المهاجرين، وأعلِمْهم أنهم إن فعلوا ذلك: أنَّ لهم ما للمهاجرين، وأن
عليهم ما على المهاجرين.
فإن أبوا واختاروا دارهم: فأعلِمْهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين،
يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في
الفيء ولا الغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.
فإن هم أَبَوْا: فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا: فاقبل منهم،
وکفَّ عنهم.
فإن أبَوْا: فاستعن بالله تعالى، وقاتلهم، وإذا حاصرتَ أهل حصن،
فأرادوك أن تُنزلهم على حكم الله تعالی: فلا تُنزلهم، فإنکم لا تدرون ما
يحكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم، ثم اقضوا فيهم بعد ما
(١)
شئتم))(١).
قال سفيان بن عيينة: قال علقمة: فذكرت هذا الحديث لمقاتل بن
حيان، فقال: حدثني مسلم قال أبو داود: هو ابن هيضم عن النعمان بن
(١) سبق تخريجه، وأنه في صحيح مسلم.

٣٢
كتاب السير والجهاد
مقرن عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث سليمان بن بريدة (١).
قال أحمد : وروى أبو حنيفة هذا الحديث عن علقمة بن مرتد كنحو
رواية الثوري، وزاد فيه:
((وإذا أرادوا منكم أن تعطوهم ذمة الله تعالى: فلا تعطوهم، ولكن
أعطوهم ذمتكم وذمة آبائكم، فإنكم إن تَخفِروا ذمتكم خيرٌ من أن تخفِروا
ذمة الله))(٢).
وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال:
حدثنا عبد الرحمن بن حماد قال: حدثنا سفيان عن سعيد عن علقمة بن
مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه، وذكر الحديث بطوله، وقال فيه:
((إذا حاصرتَ أهلَ حصن فإن أرادوك أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة
نبيك: فلا تجعل لهم ذلك))(٣)، وذكر معنى حديث أبي حنيفة.
قال أحمد : قال لي أبو بكر الجعابي قد رواه الثوري كرواية أبي
حنيفة، الإسنادُ والمتن جميعاً متساويان.
ورواه أيضاً عن علقمة شعبة والمسعودي وإدريس الأودي وغيلان بن
جامع ويحيى بن أبي أنيسة وزيد بن أبي أنيسة.
وحُدِّثنا عن أبي داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا يحيى
بن آدم وعبيد الله عن الحسن بن صالح عن خالد بن الفرز قال: حدثني
(١) سنن أبي داود ٣٥/٢، صحيح مسلم ٣٧/١٢.
(٢) جامع الترمذي ٤٠/٢، وقال: حسن صحيح، صحيح مسلم ٣٩/١٢،
مصنف عبد الرزاق ٢١٨/٥، جامع المسانيد الخوارزمي ٢٩١/٢.
(٣) مصنف عبد الرزاق ٢١٩/٥.

٣٣
كتاب السير والجهاد
أنس بن مالك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخاً
فانياً، ولا طفلاً، ولا صغيراً، ولا امرأة، ولا تغُلُّوا، وضُمُّوا غنائمكم،
وأصلحوا، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين))(١).
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن النضر بن بحر قال:
حدثنا عباس بن الوليد بن صبح قال: حدثنا زيد بن يحيى قال: حدثنا
هشيم عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: ((نهى رسول الله صلى
الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان إلا مَن عدا(٢) بالسيف))(٣).
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا
سعید قال حدثنا هشیم عن جویبر عن الضحاك قال: «نھی رسول الله صلى
الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان إلا من عدا بالسيف))(٤).
قال: حدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا يوسف بن يعقوب قال: حدثنا
عبد الواحد بن غياث قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا أيوب قال:
حدثني شيخ بمنى عن أبيه. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) السنن الكبرى ٩٠/٩، جامع المسانيد للخوارزمي ٢٩١/٢، سنن أبي داود
٣٦/٢، نصب الراية ٣٨٦/٣، الهداية في تخريج أحاديث البداية - بداية المجتهد -
أحمد الغماري ٢٣/٦.
(٢) في (ر، حـ): ((من غزا)).
(٣) سنن أبي داود من طرق أخرى، وبغير هذا اللفظ ٤٩/٢، وليس فيه عبارة:
(إلا من عدا بالسيف) وكذا غيره من كتب السنن، جامع الترمذي ٣٨٦/٢، سنن ابن
ماجه (٢٨٦٨) ١٤٣/٢، شرح معاني الآثار ٢٢١/٣.
(٤) مصنف عبد الرزاق ٢٠٢/٥.

٣٤
كتاب السير والجهاد
(ينهى عن قتل العُسَفاء(١)، والوُصَفاء))(٢).
وقد روي عن حنظلة الكاتب، وقيل: إن أخاه رباح بن الربيع رواه عن
النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه أمر رجلاً أن يلحق خالد بن الوليد، فقال:
قل له: لا يقتلن ذرية، ولا عسيفاً))(٣).
وقيل: إن الثوري وهِمَ فيه حين رواه عن أبي الزناد عن المرقع عن
حنظلة؛ لأن أصحاب أبي الزناد رووه عن المرقع بن صيفي عن رباح بن
الربيع أخي حنظلة الكاتب أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر
الحدیث.
وحدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا محمد بن أيوب الرازي قال:
حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي
حبيبة الأشهلي عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم ((أنه كان إذا بعث جيوشه قال: اخرجوا باسم الله،
(١) العُسَفاء: الأجراء ... ويروى الأسفاء: جمع أسيف بمعناه، وقيل: الشيخ
الفاني، وقيل: العبد.
الوُصَفَاء: جمع: وصيف، والوصيف: العبد. النهاية لابن الأثير، ٢٣٦/٣،
١٩١/٥.
(٢) السنن الكبرى ٩١/٩، مصنف عبد الرزاق ٢٠٠/٥. الفتح الرباني لترتيب
مسند الإمام أحمد ٦٤/١٤. قال ابن حجر في القول المسدد مع الفتح الرباني: لم
أقف عليه لغير الإمام أحمد. وفي إسناده رجل لم يسم.
(٣) المستدرك للحاكم ١٩٠/٢٥٦٥، ١٣٣/٢، وأقره الذهبي على تصحيحه،
السنن الكبرى ٩١/٩، مصنف عبد الرزاق ٢٠١/٥، سنن ابن ماجه رقم (٢٨٤٢)
٩٤٨/٢. الهداية على البداية للغماري ٢١/٦.

٣٥
کتاب السير والجهاد
تقاتلون في سبيل الله مَن كفر بالله، لا تغدِروا، ولا تمثِّلُوا، ولا تغُلُّوا، ولا
تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع))(١).
قال أحمد: وإنما جمعنا بين هذه الآثار لِمَا تنتظمه من أصول مسائل
السِّيَر وأحكامها، لنُنِّه على معانيها مجموعةً، ليكون أقرب إلى فهم قارئه،
وأحضَرَ متناوَلاً لطالبيه، فنقول:
* أما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث علي الذي قدَّمنا: ((باسم
الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله)): فإنه ابتدأ فيه باسم الله تبركاً
بذكره تعالى؛ لأن كل أحدٍ مندوبٌ إلى أن يجعل افتتاح أموره بسم الله.
* وقوله: ((في سبيل الله، وعلى ملة رسول الله)): أمرٌ منه بأن يكون
قتالهم لله تعالى خالصاً، لا يشوبه رياء، ولا طلبُ شيء من أعراض الدنيا.
كما قال تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَعْلَمُوَأْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ (٢)،
﴿ وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾(٣).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا
فهو في سبيل الله))(٤).
* وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تقاتلوا القوم حتى تحتجُّوا
(١) الفتح الرباني لترتيب المسند ٦٥/١٤. السنن الكبرى ٩٠/٩، مصنف عبد
الرزاق ٢٢٠/٥، صحيح مسلم ٣٧/١٢، التلخيص الحبير ٩٦/٤.
(٢) البقرة: ٢٤٤.
(٣) الأنفال: ٣٩.
(٤) صحيح البخاري ٢١/٦.

٣٦
کتاب السير والجهاد
عليهم)): فإن هذه اللفظة لم نجدها في غير هذا الحديث، وفيها فائدة
عظيمة، وهي أن لا يُقتصر على الدعاء دون الاحتجاج عليهم لصحة
قولنا، وبطلان قولهم (١)، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولًا ﴾(٢)، وقال سبحانه: ﴿لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾(٣) :
يعني حتى يقيم عليهم الحجة بالرسل فيما طريقه السمع.
[ما يقوله الكافر ليُحكَم بإسلامه: ]
* وقال عليه الصلاة والسلام: ((وادع القوم إلى شهادة ألا إله إلا الله
وأن محمداً رسول الله، والإقرارَ بما جاء من عند الله: فإن معناه عندنا: أن
عُظْم مَن كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعوهم كانوا مشركين جاحدين
للتوحيد، ونبوةِ النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مَن أعطىُ منهم الإقرارَ
بهذين داخلاً في الإسلام، ومَن كان من المشركين الجاحدين للتوحيد
والرسالة إذا قال: لا إله إلا الله، أو قال: أشهد أنَّ محمداً رسول الله، أو
قال: أنا مسلم: فهو عند أصحابنا مسلم، كذا قال محمد بن الحسن في
السير (٤).
وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((أُمرت أن أقاتل
(١) قريب منه في المبسوط ١٠/ ٢، شرح فتح القدير، ١٩٦/٥. بدائع الصنائع،
٧ /١٠٠.
(٢) الإسراء: ١٥.
(٣) النساء: ١٦٥.
(٤) شرح السير الكبير ١٥٠/١، بدائع الصنائع ١٠٣/٧، الفتاوى الهندية
١٩٥/٢.

٣٧
کتاب السير والجهاد
الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها: عصموا مني دماءهم
وأموالهم إلا بحقها))(١).
وقال أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((أمرت أن أقاتل المشركين
حتى يقولوا لا إله إلا الله))(٢).
وقال النبي عليه الصلاة والسلام لأسامة حين قَتَل الرجل الذي حين
أراده قال: لا إله إلا الله: ((مَن لك بلا إله إلا الله؟
فقلت: إنما قالها مخافة السلاح.
قال: فهلا شَقَفْتَ عن قلبه.
قال: فما زال يقول: مَن لك بلا إله إلا الله؟ حتى وددت أني لم أُسلم
إلا يومئذ))(٣).
فهذه الآثار تدل على صحة قولهم: في أنَّ المشركين الذين يقاتلون
على التوحيد، إذا قالوا: ((لا إله إلا الله)): صاروا بذلك مسلمين.
* وأما قوله: في أن مَن قال مِن هؤلاء: إني مسلم، فإنه يُقبل منه(٤):
فِلِمَا روى ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد الله بن عدي الخيار
عن المقداد بن الأسود أنه أخبره ((أنه قال: يا رسول الله! أرأيتَ إن لقيتُ
(١) سبق تخريجه.
(٢) السنن الكبرى ٩٢/٣. قال البيهقي: أخرجه البخاري في الصحيح. سنن
الدار قطني ٢٣٢/١ ولفظ الحديث فيهما ((حتى يشهدوا)).
(٣) ينظر صحيح البخاري ٤١٧/٧، صحيح مسلم ٩٩/٢، سنن أبي داود
٤٢/٢، مصنف ابن أبي شيبة ٦ /٤٨٠.
(٤) شرح السير الكبير ١٥٢/١، الفتاوى الهندية ١٩٥/٢.

٣٨
كتاب السير والجهاد
رجلاً من الكفار فقاتلني، فضرب إحدى يديَّ بالسيف، ثم لاذ مني
بشجرة، فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟
قال رسول الله: لا تقتله.
فقلت : إنه قطع يدي؟
قال رسول الله: لا تقتله، فإن قتلتَه فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنتَ
بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال))(١).
حدثنا بذلك محمد بن بکر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا
قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث عن ابن شهاب.
ويدل عليه أيضاً: ما حُدِّثنا عن أبي داود قال: حدثنا محمد بن بشار
حدثنا محمد بن محبب أبو همام الدلال حدثنا سفيان بن سعيد عن أبي
إسحاق عن حارثة بن مضرب عن فرات بن حيان ((أنَّ رسول الله صلى الله
عليه وسلم أمر بقتله، وكان عيناً لأبي سفيان، وكان حليفاً لرجل من
الأنصار، فمرَّ بحلقة من الأنصار فقال إني مسلم، فقال رجل من الأنصار:
يا رسول الله! إنه يقول: إني مسلم؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن منكم رجالاً نكِلُهم إلى
إيمانهم منهم فرات بن حيان))(٢).
فجعله النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً بقوله: ((إني مسلم))؛ لأنهم
(١) صحيح مسلم ٩٨/٢، سنن أبي داود ٤٢/٢، مصنف ابن أبي شيبة
(٣٣١٠٧) ٤٨١/٦.
(٢) سنن أبي داود ٤٥/٢، المستدرك رقم (١٦٧/٢٥٤) ١٢٦/٢ وصححه
ووافقه الذهبي.

٣٩
کتاب السير والجهاد
كانوا ينكرون ذلك، ويرون أن مَن قاله دخل في دين النبي عليه الصلاة
والسلام(١).
ولذلك قال أصحابنا في المشركين الجاحدين للتوحيد إنه يُقْبَل منهم
قول: ((لا إله إلا الله))، ويُکفُّ عنهم.
وكذلك إن قالوا: ((محمد رسول الله))، وكذلك إن قال: ((إني مسلم))؛
لأن ظاهر هذا القول يقتضي أن يكون مسلماً.
وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم لقومٍ بظاهر الإسلام لأجل
سجودهم فحسب(٢).
فيما حُدِّثنا عن أبي داود حدثنا هناد بن السري حدثنا أبو معاوية عن
إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: بعث
رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى خثعم، فاعتصم ناسٌ منهم
بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم،
فأمر لهم بنصف العَقْل، وقال: إني بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر
المشركين))(٣).
فحكم عليه الصلاة والسلام لهم بالإسلام لظهور السجود منهم؛
لأنهم كانوا يأبَوْن ذلك في حال الشرك.
(١) شرح السير ١/ ١٥٢.
(٢) ينظر شرح السير الكبير ٢٢٦١/٥، بدائع الصنائع ١٠٣/٧.
(٣) سنن أبي داود ٤٢/٢، جامع الترمذي ٣٩٧/٢. ثم ذكره الترمذي من طريق
آخر من غير ذكر لجرير، وقال: وهذا أصح، مجمع الزوائد ٢٥٦/٥ وقيل: رواه
الطبراني، ورجاله ثقات.

٤٠
كتاب السير والجهاد
فإن قيل: لو كان حَكَم لهم بالإسلام لأمر لهم بجميع العَقْل.
قيل له: لم يُسقط نصف العقل لأجل أنه لم يحكم بحكم الإسلام،
وإنما أسقطه - والله أعلم - لأنه لم يثبت عنده أن قَتْلهم كان في دار الحرب
أو في دار الإسلام.
وجائز أن يكون ذلك في موضع يجوز أن يكون من دار الحرب،
ويجوز أن يكون من دار الإسلام، فإن كان في دار الحرب لم يجب شيء
وإن كان مسلماً، ولأجله قال عليه الصلاة والسلام: ((أنا بريء من كل
مسلم يقيم بين أظهر المشركين))، وإن كان في دار الإسلام: وجب جميع
العقل، فلما وجب في حالِ الجميع، ولم يجب في حال أخرى: أوجب
النصف.
وهذا أصل عندنا في اعتبار الأحوال، على حسب ما يقوله أصحابنا
في مسائلهم.
فإن قيل: فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر في خبر علي رضي الله عنه
أن يدعو إلى ثلاثة أشياء: التوحيد، والنبوة، والإقرار بما جاء من عند الله.
قيل له: كذلك نقول، ندعوهم إلى جميع ذلك، إلا أنهم إذا أظهروا
قبول أحد هذه الأشياء، فالظاهر أنهم قابلون لجميعها، ما لم ينكروا شيئاً
منها مما دُعوا إليه، استدلالاً بسائر الآثار التي ذكرنا.
[عدم الحكم بإسلام اليهود والنصارى لو نطقوا بالشهادتين]
* قال محمد بن الحسن(١) رحمه الله: وأما اليهود والنصارى الذين
(١) ينظر السير الكبير وشرحه ٢٢٦٥/٥.