النص المفهرس

صفحات 1-20

شَرْخُ أهْصَرِالطَّوَانِيّ
(٢٢٩ - ٣٢١ هـ)
(في اَلْفِقْهُ الْخَفِيّ)
لِلإِمَامِ أبِى بَكِالرَّازِي الْعَصَّاصِ
(٣٠٥- ٣٧٠ هـ)
المجَلّد السَّابع
تحقيئ
د/ زينب محمّد حَسَ خلائه
أعدّالكتَابَ للطَّبَاعَةِ وَرَاجَعَه وَصَحُّ
أ.د /سائد بكداش
دَارُ الشَِّ الإسْلامِيَّة
دَارُ السَّرة

3

شَرْعُ الفَجْرِ الطَّوَِّي
٧

حُقُوْقُ اُلْطَبْعُ مَحْفُوظَة ◌ِلْمُعْنَنِالْكِتَابٌ
الطّبْعَة الأولى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠م
شركة دار البشائر الإسْلاميّة
لِلِطَّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتّوزيعِ ش. م.م
أنتها الشيخ رمزي ومشقية رحمه الله تعالى سنة ١٤٠٣هـ -١٩٨٣م
بَيروت - لبنانُ مَربْ: ١٤/٥٩٥٥ هاتفٌ: ٧٠٢٨٥٧
e-mail: bashaer@cyberia.net.lb
فَاكس : ٧٠٤٩٦٣ / ٠٠٩٦١١
٧
د
،
- أْمَدِيْنَةُ المُغَوَّرَةُ
3
د.
يُطلَبُ الكِتَابُ مِنْهَا عَلَى العنَوَانِ التَّالي:
البَرِيدُ الإلكتروني SRAJ1000@hotmail.com

٥
كتاب السير والجهاد
کتاب السِّير(١) والجهاد
مسألة : [فرضية الجهاد]
قال أبو جعفر: (الجهاد واجبٌ، إلا أنَّ المسلمين في سعةٍ ما لم
يُحْتَج إليهم).
قال أحمد : الجهاد عند أصحابنا فرضٌ على الكفاية، إذا قام به
بعضُهم سقط عن الباقين، وليس بفرضٍ على أحدٍ في نفسه (٢)، وهو مثل
غَسْل الموتى، والصلاة عليهم، ودَفْنهم، ومثل طلب علم الدين، والقيام
به وتعلیمه.
: ويُحكى عن ابن شُبْرُمة (٣)، والثوري أنَّ الجهاد تطوع، وليس
بواجب.
(١) سمِّي بكتاب: السِّير والجهاد، لأنه يُبَيَّن فيه سير الإمام وجهاده ومعاملاته
مع الغزاة، وكذلك مع الكافرين من أهل الحرب، وأهل العهد والذمة. ينظر بدائع
الصنائع ٩٧/٧، فتح القدير ١٨٧/٥.
(٢) ينظر السير الكبير ١٨٧/١، بدائع الصنائع ٩٨/٧، المقنع شرح القدوري
للأقطع لوحة ١٥٦، الهداية مع فتح القدير ١٨٩/٥، الفتاوى الهندية ١٨٨/٢،
العناية على الهداية ١٨٩/٥.
(٣) عبد الله بن شُبْرمة، الإمام العلامة، فقيه العراق، قاضي الكوفة، ت ١٤٤،
له ترجمة في سير أعلام النبلاء ٣٤٧/٦.

٦
کتاب السير والجهاد
والدليل على وجوبه في الجملة: قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ
وَهُوَكُزْهُ لَّكُمْ﴾(١).
ومعناه: فُرض عليكم، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾(٢).
وقال: ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً﴾(٣)، وقال: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَّوْمِ الْآَخِ﴾(٤) الآية، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ
أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَثَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾(٥)، إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ
يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
والوعيد لا يلزم في ترك غير الواجبات.
وقال: ﴿آنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ
اللَّهِ ﴾ (٦).
وظاهر هذه الآي أوامر تقتضي الإيجاب، ولا يجوز صرفها عن
الوجوب إلى الندب إلا بدلالة، ولا دلالة من السنة، ولا من إجماع الأمة
على أنها ليست على الإيجاب.
(١) البقرة: ٢١٦.
(٢) البقرة: ١٨٣.
(٣) التوبة: ٣٦.
(٤) التوبة: ٢٩.
(٥) التوبة: ٣٨-٣٩.
(٦) التوبة: ٤١.

٧
کتاب السير والجهاد
بل قد وردت آثار متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم موجبة لمثل
ما اقتضته هذه الآيات من فرض الجهاد. منها:
حديث جبلة بن سحيم عن أبي المثنى العبدي عن ابن الخصاصية
السدوسي «أنّ النبي عليه الصلاة والسلام اشترط عليه في البَيْعة: أن اشهَدْ
ألا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وتصليَ الخمس، وتصومَ شهر
رمضان، وتحجَّ حجة الإسلام، وتؤديَ الزكاة، وتجاهدَ في سبيل الله
تعالى.
قال: قلت: يا رسول الله اثنتان ما أطيقهما: الزكاة، والله مالي إلا
عشرة ذود(١)؛ وهنَّ رِسْل(٢) أهلي وحمولتهن، وأما الجهاد: فإنهم
يزعمون أنَّ مَن ولَّى الدبر: فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن أحضر
القتال: کرهتُ الموت، وخشیتُ على نفسي.
قال: فقبض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يده، ثم حرَّكها، فقال: لا
صدقة ولا جهاد، فبِمَ تدخل الجنة؟ !. ثم قلت: أبايعك يا رسول الله،
قال: فبايعْنِي عليهن كلهن))(٣).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يقولوا:
(١) الذود من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع. وقيل: ما بين الثلاثة إلى العشر،
ينظر النهاية لابن الأثير ١٧/٢.
(٢) الرِّسْل بالكسر: اللبن، والمراد هنا أنَّ هذه الإبل الذود هي شراب أهلي،
ليس لهم غيرها، وهي التي يحملون عليها، ينظر النهاية لابن الأثير ٢٢٣/٢.
(٣) السنن الكبرى ٢٠/٩ بمعناه، المستدرك ٨٩/٢، وصححه ووافقه الذهبي.

٨
كتاب السير والجهاد
لا إله إلا الله، فإذا قالوها: عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها))(١).
وروىُ سُمَيُّ عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن مات ولم يغز، ولم يحدِّث نفسه
بالغزو، مات على شعبةٍ من نفاق))(٢).
وروى القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ((مَن لم يغزُ، أو يجهز غازياً، أو يخلُّفْ غازياً في أهله بخير:
أصابه الله تعالى بقارعة(٣)) (٤).
قال يزيد بن عبد ربه في حديثه: قبل يوم القيامة.
والآثار الواردة في فرض الجهاد أكثر من أن يحتمل ذِكْرُها هذا
الكتاب.
* وإنما قلنا إنه فرض على الكفاية، وليس هو على كل أحدٍ في عينه،
لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَآَفَّةٌ﴾ (٥).
فدل على أنَّ فرض الجهاد على الكفاية، فهذه الآية قد تضمنت لزوم
الجهاد، وأنه على الكفاية.
ويدل عليه أيضاً: قوله عز وجل: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ
(١) صحيح مسلم ٥٢/١ (رقم ٣٢) كتاب الإيمان.
(٢) سنن أبي داود ١٠/٢، سنن النسائي ٨/٦، المستدرك ٨٨/٢-٨٩
(٣) بقارعة: أي بداهية تهلكه، النهاية لابن الأثير ٤٥/٤.
(٤) سنن أبي داود ١٠/٢، سنن ابن ماجه ١٢٦/٢ (٢٧٨٨).
(٥) التوبة: ١- ٢.

٩
کتاب السير والجهاد
الضَّرَرِ وَالْمُجَّهِدُونَ فِى سَبِيلِ الَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى
اَلْفَعِدِينَ دَرَجَةُ وَكُلّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىَّ وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْفَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾(١).
فمَدَحَ الجميع، وفضّل المجاهدين، ولو كان فرضاً على كل واحد في
نفسه، لكان مستحِقاً للَّوْم بالقعود(٢).
* ويدل عليه من جهة السنة: حديث يزيد بن أبي حبيب عن يزيد بن
أبي سعيد مولى المهري عن أبيه عن أبي سعيد الخدري ((أنّ رسول الله
صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني لِحْيان، وقال: ليخرج من كل رجلين
رجل، ثم قال للقاعد: أيكم خَلَفَ الخارجَ في أهله وماله بخير: كان له
مثل نصف أجر الخارج))(٣).
ويدل عليه أيضاً: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((أنَّ رجلاً جاء إلى
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني اكتُتبت في غزوة كذا وكذا، وإنَّ امرأتي
تريد أن تحج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حُجَّ مع امرأتك))(٤).
فأباح له تَرْكَ الغزو من غير فرض انصرف إليه،؛ لأنه لم يكن عليه
الخروج مع امرأته(٥)، فدل ذلك على أنَّ فرض الجهاد غير متعيِّن على كل
أحد بنفسه.
(١) النساء: ٩٥.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ٣١٥/٤، التفسير الكبير للرازي ٩/١١.
(٣) سنن أبي داود ١٢/٢، المستدرك ٩٢/٢ وصححه ووافقه الذهبي.
(٤) قريب من هذا اللفظ في صحيح البخاري (مع الفتح) ٤ /٥٩، صحيح مسلم
٩ / ٩.
(٥) لأن الزوج غير مجبر على الخروج معها بالحج. بدائع الصنائع ١٢٣/٢.

١٠
كتاب السير والجهاد
وأيضاً: فإن الله تعالى إنما فرض الجهاد لإقامة الدين(١)، قال الله
تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾(٢).
وفي إلزام فرض الجهاد الكافة في وقت واحد: ذهابٌ للدين،
وهلاكٌ للناس؛ لأنهم يشتغلون عن معايشهم وأرضهم، ويُخلَّون
أهليهم وأولادهم، وفي ذلك بَوَارُهم وهلاكُهم، وفي هلاكِهِم
اعتلاءُ(٣) الكفار عليهم، وذهابُ دينهم، فدلَّ على أنَّ فرض الجهاد
على الكفاية.
مسألة : [استئذان الأبوين للجهاد]
قال أبو جعفر: (ومَن كان له أبوان لم يجاهد إلا بإذنهما له في
ذلك)(٤).
وذلك لما حُدِّنا به عن أبي داود قال: حدثنا محمد بن كثير قال:
أخبرنا سفيان قال: حدثنا عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو
رضي الله عنه قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا
رسول الله، جئت أبايعك على الهجرة، وتركتُ أبويَ یبکیان.
قال: ارجع إليهما، فأضحِكْهما كما أبكيتَهما))(٥).
وروى حبيب بن أبي ثابت عن أبي العباس عن عبد الله بن عمرو قال:
(١) السير الكبير ١٨٨/١، الهداية ١٩٠/٥.
(٢) الأنفال: ٣٩.
(٣) في (ق): استيلاء.
(٤) السير الكبير ١٩١/١، بدائع الصنائع ٩٨/٧، الفتاوى الهندية ١٨٩/٢.
(٥) سنن أبي داود ١٦/٣، سنن ابن ماجه (٢٨٠٩) ١٣٣/٢.

١١
کتاب السير والجهاد
((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أجاهد؟
قال ألكَ أبوان؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهِد))(١).
وحُدِّثنا عن أبي داود قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا عبد الله
بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث أنَّ دراجاً أبا السمح حدَّثه عن
أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ((أنَّ رجلاً هاجر إلى النبي
صلى الله عليه وسلم من اليمن، فقال: هل لكَ أحدٌ باليمن؟ قال: أبواي.
قال: أَذِنَا لك؟ قال: لا. قال: فارجع فاستأذِنْهما، فإن أذِنَا لكَ فجاهد،
وإلا فَبَرَّهما(٢).
مسألة : [مَنْ تؤخذ منه الجزية، ومَن لا تُقبل منه]
قال أبو جعفر: (ونقاتل أهلَ الكتاب عَرَبَهم وعَجَمهم، والمجوسَ(٣)
ممن سوى العرب حتى يسلموا، أو يُعطُوا الجزية عن يد وهم صاغرون،
ونقاتل من سواهم من الكفار حتى يسلموا).
قال أبو بكر: قوله في أهل الكتاب: تُقبل منهم الجزية عرباً كانوا أو
(١) سنن أبي داود ١٧/٢، جامع الترمذي (مع تحفة الأحوذي) ٢١٣/٣. قال
الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي تحفة الأحوذي: هذا الحديث أخرجه الشيخان
وأبو داود والنسائي.
(٢) سنن أبي داود ١٧/٢، المستدرك (٢٥٠١) ١١٤/٢، وفي إرواء الغليل
للألباني ٢١/٥ : الحديث بمجموع طرقه صحيح.
(٣) المجوس: فرقة من الكفرة يعبدون الشمس والقمر والنار، ويزعمون أنَّ
الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة، ينظر النهاية لابن الأثير ٢٩٩/٤،
المعجم الوسيط (مجس).

١٢
کتاب السير والجهاد
عجماً، والمجوس، فهو كما قال الله تعالى(١).
وأما قوله: ((ونُقاتل مَن سواهم من الكفار حتى يسلموا)): فليس هذا
الإطلاق بسديد على مذهب أصحابنا؛ لأن من مذهبهم: قبولَ الجزية من
سائر أصناف مشركي العجم، سواء كانوا من عَبَدَة الأوثان أو غيرهم.
وإنما لا تُقبل من مشركي العرب خاصة، ومن المرتدين، هذان
الصنفان لا يُقبل من رجالهم إلا الإسلام أو السيف، وسائر الكفار يُقَرُّون
على كفرهم بالجزية، وذلك منصوصٌ عنهم، ذكره محمد بن الحسن في
((السِّيَر الكبير))(٢).
فأما قبول الجزية من أهل الكتاب، فالأصل فيه: قول الله تعالى:
قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَزَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ
صَغِرُونَ﴾(٣).
فهذا عامٌّ في سائر أهل الكتاب عربهم وعجمهم.
(١) ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَزَّمَاللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ
صَغِرُونَ ﴾ التوبة: ٢٩.
(٢) شرح السير الكبير ١٨٩/١، المبسوط ٧/١٠، الخراج لأبي يوسف
ص١٢٨، الفتاوى الهندية ١٨٩/٢.
(٣) التوبة: ٢٩.

١٣
کتاب السير والجهاد
[لا يُقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف]
* وأما مشركو العرب: فلا لايُقبل منهم إلا الإسلام أو السيف،
والأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُنسَلَخَ اُلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ
حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنِ تَابُواْ
وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّوْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١).
وهذا في مشركي العرب، لقوله تعالى: ﴿فَتِّمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى
مُذَّتِهِمْ﴾(٢)، والعهد إنما كان بين النبي عليه الصلاة والسلام، وبين
مشركي العرب.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف،
وكان ذلك حكماً جارياً فيهم.
فإن قيل: آية الجزية قاضية عليه؛ لأن أهل الكتاب مشركون.
قيل له: لا خلاف أنَّ حكم آية الجزية ثابت في أهل الكتاب من العرب
والعجم، وإنما الخلاف في مشركي العرب وغيرهم، ممن ليس من أهل
الكتاب، هل تقبل منهم الجزية أم لا؟
وقد دللنا بظاهر الآيات التي قدَّمنا على أنهم لا يُقَرُّون على الكفر
بالجزية، وأنه لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو السيف.
* وأما الدلالة على قبول الجزية من مشركي العجم: فهو ما روى علي
(١) التوبة: ٥.
(٢) التوبة: ٤.

١٤
كتاب السير والجهاد
بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما ((أنّ النبي صلى الله
عليه وسلم أخذ الجزية من المجوس)).
وليس المجوس بأهل كتاب، لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوَأْ إِنَّمَا أُنْزِلَ
اُلْكِنَبُ عَ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾(١): يعني به اليهود والنصارى، ولو كان
المجوس أهل كتاب لصاروا ثلاث طوائف.
وأيضاً: في حديث عبد الرحمن بن عوف ((أنَّ النبي صلى الله عليه
وسلم حين أخذ الجزية من المجوس قال: سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب))(٢).
فدل ذلك على أنهم ليسوا أهل كتاب.
وقد تلقَّت الصحابة رضي الله عنهم هذا الخبر بالقبول، واستعملوه في
مجوس العراق حين فتحوه، ولمَّا ثبت ذلك في المجوس، وليسوا أهل
كتاب: دلَّ على جواز أخذها من سائر مشركي العجم.
وأيضاً: ما روي ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما أُنزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَيِينَ﴾(٣)، وأمره الله تعالى بالدعاء، عرض نفسَه على
القبائل، وقال لهم: هل لكم أن تُجيبوني إلى كلمةٍ تَدِين لكم بها العرب،
وتؤدِّيَ إليكم بها الجزيةَ العجمُ)).
(١) الأنعام: ١٥٦.
(٢) الموطأ مع شرحه الزرقاني (٦٢٢) ١٣٩/٢، الأموال لأبي عبيد ص ٤٠،
قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٧١/٣: رواه ابن أبي عاصم في كتاب النكاح
بسند حسن اهـ.
(٣) الشعراء: ٢١٤.

١٥
كتاب السير والجهاد
فعمَّ جميعَ العجم بأداء الجزية، وأخبر أنَّ العرب تدين لهم بها، فدل
على أنه لا تُقبل منهم الجزية، إلا أنَّ أهل الكتاب منهم مخصوصون من
هذه اللفظة لقيام الدلالة.
وأيضاً: ما رواه أبو حنيفة والثوري وغيرهما عن علقمة بن مرثد عن
سليمان بن بريدة عن أبيه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
بعث أميراً على جيش أو سرية، وذكر الحديث إلى قوله: وإذا لقيتَ عدوَّكَ
من المشركين، فادْعُهم إلى إحدى ثلاث خصال، فأيتهن ما أجابوك إليها
فاقْبَل منهم، وكُفَّ عنهم، إلى قوله: فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن
أجابوك: فاقْبَل منهم، وكفَّ عنهم))(١).
فعمَّ جوازَ أخذ الجزية من سائر المشركين، ولما قامت الدلالة على
أنَّ مشركي العرب لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، خصصناه من هذه
الجملة، واستعملنا باقيَ اللفظ على العموم في مشركي العجم.
فإن قيل: هلا استعملتَ قولَه تعالى: ﴿فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾(٢): في سائر
المشركين، ولمَ كان ما في الخبر من جواز أخذ الجزية من المشركين أَوْلى
بالاستعمال من عموم لفظ الآية في إيجاب القتل دون الجزية؟
قيل له: من قِبَل أنَّ وجوب الجزية متأخر عن الأمر بالقتل؛ لأن النبي
عليه الصلاة والسلام قد كان مأموراً بالقتال بعد الهجرة، ولم يكن وجوب
الجزية إلا في آخر أيامه عليه الصلاة والسلام(٣)، فوجب أن يكون خبر
(١) صحيح مسلم ٣٧/١٢، سنن أبي داود ٣٥/٢.
(٢) التوبة: ٥.
(٣) حيث كان نزول آية الجزية في السنة التاسعة، تفسير ابن كثير ٣٧١/٢.

١٦
كتاب السير والجهاد
ذكر الجزية قاضياً على حكم الآية الواردة في وجوب القتال(١) مُخصِّصاً
لها.
مسألة : [تبليغ الدعوة للعدوِّ قبل قتاله]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي قتال أحدٍ من العدو ممن لم تبلغه
الدعوة ... ) إلى آخر ما ذكره(٢).
قال أحمد: الأصل في الدعاء(٣) قبل القتال: قول الله تعالى ذِكْره:
﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ (٤).
ومن جهة الأثر: ما روي في حديث علقمة بن مرثد عن سليمان بن
بريدة عن أبيه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر رجلاً على
سرية قال له: ادعهم إلى الإسلام)) (٥)، وذكر الحديث.
وروى أبو حازم عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم لما
(١) وهي قوله تعالى: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ التوبة: ٥.
(٢) وتمام عبارة الطحاوي في المختصر المطبوع ص٢٨١: (ممن لم تبلغه
الدعوة حتى يُدعى إلى الإسلام قبل ذلك، فإن أسلموا: قُبِل منهم، وكُفَّ عنهم، ثم
يُدعون إلى التحول من دارهم إلى دار الإسلام، فإن قبلوا ذلك: كُفَّ عنهم، وإلا
أُعلموا أنهم كأعراب المسلمين، ليس لهم في فيئهم ولا في غنيمتهم نصيب، وإن أبَوا
الإسلام: استُعين بالله عز وجل عليهم، ثم قوتلوا بعد ذلك). اهـ
(٣) ينظر السير الكبير وشرحه ٧٥/١.
(٤) الإسراء: ١٥.
(٥) صحيح البخاري ٦ /١٠٩.

١٧
کتاب السير والجهاد
وجَّه علياً رضي الله عنه إلى خيبر قال: ((ادعهم إلى الإسلام))(١).
وفي حديث أنس قال: ((لا تقاتلهم حتى تدعوهم)).
وروى سفيان وحجاج عن أبي نجيح عن أبيه عن ابن عباس قال: ((ما
قاتل رسول الله عليه الصلاة والسلام قوماً حتى يدعوهم))(٢).
فهذا حكمٌ مستعمل فيمن لم تبلغه الدعوة.
* وسائر ما ذكر أبو جعفر من كلامه، فإنه احتذى فيه حديث علقمة
بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه في سياقة ألفاظه.
مسألة : [استحباب دعاء مَن بلغته الدعوة أيضاً]
قال أبو جعفر: (وإن كانوا ممن قد بلغته الدعوة، ورأى الإمام أن
يدعوهم: دعاهم كما ذكرنا، وإن رأى أن لا يدعوهم: لم يدعهم).
قال أحمد : دعاء مَن بلغته الدعوة حَسَنٌ أيضاً (٣)، لما روي ((أنَّ النبي
صلى الله عليه وسلم أمر علياً رضي الله عنه بدعاء أهل خيبر، وقد كانوا
ممن بلغتهم الدعوة)) (٤).
(١) عزاه في نصب الراية ٣٧٨/٣ لمسند الإمام أحمد، ولم أجده فيه.
(٢) مسند أحمد (الفتح الرباني) ١٤ /٤٦، مصنف ابن أبي شيبة ٤٧٦/٦،
مصنف عبد الرزاق ٢١٨/٥، السنن الكبرى ١٠٧/٥، مجمع الزوائد للهيثمي،
وفيه: رواه أحمد، وأبو يعلى والطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال
الصحيح.
(٣) السير الكبير وشرحه ٧٧/١، الهداية وفتح القدير ١٩٧/٥، المبسوط
السرخسي ٣١/١٠.
(٤) مصنف عبد الرزاق (٩٤٢٤) ٢١٧/٥، مصنف ابن أبي شيبة ٤٧٦/٦،
=

١٨
كتاب السير والجهاد
وإن تَرَكَ الدعوةَ، واقتصر على ما قد حصل لهم من العلم بدعوة
النبي عليه الصلاة والسلام: جاز.
وذلك لما روى الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد: أنَّ النبي عليه
الصلاة والسلام قال له: ((أَغِرِ على أُبنىُ(١) صباحاً، وحرِّق))(٢).
وروى حماد عن ثابت عن أنس قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يُغِير على العدو عند صلاة الصبح، فيستمع: فإن سمع أذاناً:
أَمسَكَ، وإلا: أغار))(٣).
وعن جندب الجهني: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية،
وأمرهم بشنِّ الغارة))(٤).
وقد حدثنا أبو بكر محمد بن بكر بن عبد الرزاق البصري قال: حدثنا
أبو داود قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم
قال: أخبرنا ابن عون قال: ((كتبتُ إلى نافع(٥) أسأله عن دعاء المشركين
عند القتال، فكتب إليّ: أنَّ ذلك كان في أول الإسلام، وقد أغار نبيُّ الله
نصب الراية ٣٧٨/٣.
(١) أُبْنِىُ: بالضم ثم السكون وفتح النون والقصر بوزن حبلى: موضع بالشام من
جهة البلقاء بمؤتة. معجم البلدان ٧٩/١.
(٢) سنن أبي داود ٣٦/٢، السنن الكبرى ٨٣/٩.
(٣) سنن أبي داود ٤٠/٣، السنن الكبرى ٨٠/٩.
(٤) سنن أبي داود بمعناه ٥٢/٢. شرح معاني الآثار للطحاوي ٢٠٨/٣.
(٥) نافع الفقيه، مولى ابن عمر رضي الله عنهما، تابعي مدني ثقة، ت ١١٧،
ينظر تهذيب التهذيب ٤١٣/١٠.

١٩
کتاب السير والجهاد
صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارُّون(١)، وأنعامُهم تُسقى
على الماء، فقتل مقاتِلتَهم، وسبى سَبْيَهم، وأصاب يومئذ جويرية بنت
الحارث)».
حدثني بذلك عبد الله، وكان في ذلك الجيش.
قال أبو داود(٢): ((هذا حديث نبيل، رواه ابن عون عن نافع، ولم
یشرکە فیه أحد)).
فثبت بهذه الأخبار جوازُ ترك الدعاء لمن بلغته الدعوة(٣).
مسألة : [تبييت العدو والإغارة عليهم]
قال أبو جعفر: (وللإمام إذا لم يَحْتج إلى الدعوة فيما وصفنا أن
يُبَيِّت(٤) مَن نزل بساحته من العدو، ويقتلَ مقاتِلتَهم، ويسبيَ ذراريهم
ونساءهم، ويَغْنمَ أموالهم، ويقطعَ أشجارَهم المثمرة وغير المثمرة).
وذلك لما وصفنا من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بالغارة
والتحريق.
وحديث جندب الجهني ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية
وأمرهم بشنِّ الغارة)).
(١) غارُّون: بالتشديد، أي غافلون. ينظر النهاية لابن الأثير ٣٥٥/٣.
(٢) سنن أبي داود (٢٦٣٣)، صحيح مسلم ٣٥/٢.
(٣) السير الكبير وشرحه ٧٨/١، الهداية وشرح فتح القدير ١٩٦/٥.
(٤) أن يبيت: البيات: إيقاع الحرب بالليل. غريب الحديث لابن حجر ص٤٠،
المصباح المنير (بَيَت).

٢٠
کتاب السير والجهاد
وحديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما في قصة بني المصطلق(١).
* وأما غنيمة الأموال، وسَبي الذراري، فلقول الله عز وجل:
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾(٢).
وما نقلته الأمة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في المشركين إذا
غلبهم بالسيف(٣).
* وأما قطع الشجر المثمر: فلقول الله تعالى: ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ
تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ﴾(٤).
فأباح تعالى القطعَ والترك، وصوَّب(٥) الجميع من الفريقين.
وقَطَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير (٦)، وقال فيه حسان
بن ثابت:
(١) تقدم قريباً ذكر هذه الأحاديث الثلاثة.
(٢) الأنفال: ٤١.
(٣) شرح فتح القدير ٢١٥/٥.
(٤) الحشر: ٥.
(٥) قال المؤلف في أحكام القرآن ٤٢٩/٣: صوَّب الله الذين قطعوا، والذين
أبوا.
(٦) بنو النضير، اسم قبيلة لليهود الذين كانوا بالمدينة، وغزاهم النبي صلى الله
عليه وسلم سنة ٤هـ، والقصة في مختلف كتب السنن، السنن الكبرى ٨٣/٩، معجم
البلدان ٢٩٠/٥، وينظر التلخيص الحبير ١٠٣/٤ وأنها في الصحيحين.