النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ كتاب الأشربة وروى ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن يزيد بن وهب عن محمد بن علي بن أبي طالب عن علي عن النبي صلى الله علیه وسلم «أنه جلد رجلاً في الخمر ثمانين)). فإن قال قائل: لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم إثبات حدٍّ الخمر، لما روى الخصيب بن ناصح عن عبد العزيز بن مسلم عن مطرف عن عمير بن سعيد النخعي قال: قال علي رضي الله عنه: ((مَن شرب الخمر فجلدناه، فمات ودَيْناه، لأنه شيء صنعناه))(١). وبما روى شريك عن أبي حصين عن عمير بن سعيد عن علي رضي الله عنه قال: ((ما حددت أحداً، فمات منه، فوجدت في نفسي شيئاً إلا الخمر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبيِّن فيها شيئاً))(٢). فهذا الحديث يفسد سائر ما رويته عن النبي صلى الله عليه وسلم في حد الخمر، ويبطل أصلكم أيضاً في أنَّ الحدود لا يجوز إثباتها قياساً. قيل له: ليس في هذا ما ينفي ما رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حد الخمر ثمانين، وذلك لأن شعبة روى عن قتادة عن أنس رضي الله عنه «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي برجل قد شرب الخمر، فأمر به، فضرب بنعلين أربعين، ثم أُتي أبو بكر رضي الله عنه برجل قد شرب الخمر فصنَعَ به مثل ذلك، ثم أُتي عمر رضي الله عنه برجل قد شرب الخمر، فاستشار الناسَ في ذلك، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله (١) صحيح البخاري ١٤/٨، صحيح مسلم ١٣٣٢/٢، شرح معاني الآثار ١٥٣/٣. (٢) أبو داود ٤ /٦٢٦. ٣٨٢ كتاب الأشربة عنه: أقل الحدود ثمانون، فضربه عمر رضي الله عنه ثمانين))(١). فأخبر في هذا الحديث أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر بضربه بنعلين أربعین، وذلك یکون ثمانین. كما روي عن علي رضي الله عنه ((أنه ضرب الوليد بن عقبة بسوط له طرفان أربعين))(٢)، وذلك يكون ثمانين جلدة. وأما قول علي رضي الله عنه: ((أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يبيِّن لنا فيه شيئاً))، وقوله: ((شيء صنعناه نحن)): فإن معناه: أنه لم يبيِّن مقدار حده قولاً ولا أمراً، وإنما ورد ذلك عنه فعلاً، ولم يقل: اِضربوه ثمانین، وإنما اتفق ضربه ثمانين، فلم يكن في ذلك مقدار الحد، إلا أنهم مع ذلك استدلوا أنَّ هذا الفعل كان منه عليه الصلاة والسلام على جهة الحد، لا على جهة التعزير؛ لأنه قد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام بغير هذا الخبر أنه قال: ((إذا شرب الخمر فاجلدوه)) (٣) ولم يذكر المقدار، ثم لما وجدوا المقدار في هذا الخبر، استدلوا به على أنه هو الحد المأمور به، فهذا معنى قوله رضي الله عنه: ((صنعناه))، والله أعلم. وأيضاً: فجائز أن يكون استعمال الرأي كان في نقله عن الجريد والنعال إلى السوط، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم روي عنه أنه أمر بضربه بالجرید والنعال. وأيضاً: لما اختلفوا بدءاً في مقداره، فقال بعضهم: أربعين، وقال (١) سبق تخريجه. (٢) سبق تخريجه ص ٦٣٢. (٣) سبق تخريجه. ٣٨٣ كتاب الأشربة بعضهم: ثمانين، وذلك قبل أن يُجْمِعوا، احتذَوْا بعد ذلك ضربه بالنعال ثمانين، لاحتمال أن يكون ضُرِب بنعلين جلدةً، واحتمال أن يكون جلْدیْن، فكان في اجتهادهم أنّ كل ضربة کجلدتین إذ كانت بنعلین، كما قال الله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَضْرِبِ بِّهِ، وَلَا تَحْنَثْ﴾(١)، فكانت الضربة الواحدة في معنى الأعداد الكثيرة على حسب عدد الأغصان، أو الخشب. فليس في ذلك إثباتُ حدٍّ بقياس، وإنما فيه استعمال الاجتهاد في احتذاء فعل النبي صلى الله عليه وسلم، كما يجتهد الجلاد في الضرب فيما يضرب به، ولا يفرِّط ولا يقصر في سائر الحدود المقدرة. فإن قيل: ردَّهم إياه إلى حد الفِرية، يدل على أنّ اجتهادهم كان في إثباته. قيل له: ليس كذلك؛ لأن هذا الضرب من الاجتهاد، لم يكن منهم إلا مع تقرره عندهم من ضرب النبي صلى الله عليه وسلم للسكران على الوجه الذي بينا. مسألة : [مقدار حد المملوك في الشرب] قال: (وحدُّ المملوك في ذلك، وفي جميع الحدود مثل نصف حد (٢) الحر)(٢). وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَتْهِنَّ نِصْفُمَا (١) سورة ص: ٤٤. (٢) المبسوط ٣١/٢٤، الهداية مع شرح فتح القدير ٣١١/٥. ٣٨٤ كتاب الأشربة عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾(١). ولم يختلف أهل العلم أنَّ حد العبد كذلك، فثبت أنَّ المعنى الموجب لنقصان حده هو الرق، فوجب أن يكون كذلك حكم سائر الحدود، لوجود الرق. مسألة : [النساء كالرجال في حد شرب الخمر] قال : (والنساء في ذلك كالرجال)(٢). لقول الله تعالى: ﴿الَِّيَةُ وَالزَّانِ فَأَجْلِدُ واْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾(٣)، فسوَّى بينهما في مقدار الحد. مسألة : [كيفية ضرب النساء] قال: (ولا تُضرب النساء قياماً، وإنما يُضربن قعوداً) (٤). وذلك لأن ذلك أستر لهنَّ. وقد روي ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يُحفر للغامدية، وأن تشدَّ عليها ثيابها))(٥). (١) النساء: ٢٥. (٢) المبسوط ٢٩/٢٤، حاشية ابن عابدين ٤ /٤١. (٣) النور: ٢. (٤) المصدر السابق. (٥) سبق تخريجه. ٣٨٥ كتاب الأشربة مسألة : [حكم عصير العنب ونحوه] قال : (والعصير حلالٌ شربه ما لم يَغْلِ ويَقْذِف بالزبد، فإذا صار كذلك: كان خمراً، وقال أبو يوسف: وإذا غلى ولم يقذف بالزبد: فهو خمر)(١). قال أبو بكر : وهو قول محمد، وروي نحو قول أبي حنيفة عن سعيد (٢) بن المسيب وعطاء ومجاهد، وهو قول الثوري فذهب أبو حنيفة إلى أنَّ اسم الخمر لا يتناوله حتى يقذف بالزبد؛ لأنه مختلفٌ فیه قبل ذلك، فلا يحرم ما لم يحصل له اسم الخمر بالاتفاق، إذ لا سبيل إلى إثبات الاسم إلا من طريق اللغة أو التوقيف والاتفاق. مسألة : [حكم الانتفاع بالخمر] ءِ قال أبو جعفر: (ولا يَحِلّ الانتفاع بالخمر للرجال ولا للنساء ولا للصبيان في حالٍ من الأحوال، لدواءٍ ولا غيره)(٣). قال أبو بكر: وذلك لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَوْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ﴾(٤). فدلَّت الآية على تحريم الانتفاع بها من سائر الوجوه من وجهين: (١) المبسوط ١٨/٢٤، بدائع الصنائع ٢٩٤١/٦، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ١٠ / ٩٣. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٣٥/٨، مصنف عبد الرزاق ٢١٧/٩. (٣) المبسوط ٢١/٢٤، بدائع الصنائع ٢٩٣/٦. (٤) المائدة: ٩٠. ٣٨٦ كتاب الأشربة أحدهما: قوله: ((رجس))، والرجس ما يجب اجتنابه. والآخر: قوله: ((فاجتنبوه))، وذلك يقتضي تحريم سائر وجوه الانتفاع. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في الأخبار المتواترة: ((إن الله حَرَّم الخمر، وحرَّم بيعها وأكلَ ثمنها))(١). وإطلاق لفظ التحريم يتناول انتفاعنا بها، وفعلنا فيها، لأن عين الخمر على الحقيقة لا تكون محرمة، إذ كانت فعلَ الله سبحانه، وإنما يتناول التحريمُ أفعالنا فيها، دون فعل الله عز وجل، فامتنع بذلك سائر وجوه الانتفاع. ويدل عليه أيضاً: تحريم النبي صلى الله عليه وسلم بيعَها، وأكلَ ثمنها، وذلك ضرب من ضروب الانتفاع. وقال عليه الصلاة والسلام: ((لعن الله اليهود حُرُّمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها))(٢). فأبان عليه الصلاة والسلام أنَّ التحريم إذا ورد مطلقاً، تناول سائر وجوه الانتفاع، ومن أجل ذلك قال أصحابنا: لا يجوز أن يسقيها البهائم، ولا يَبُلَّ بها طِيناً، ولا ينظر إليها للتلهِّي، ولا يُطعم كلابَه الميتة؛ لأن كل ذلك من ضروب الانتفاع، وإطلاق لفظ التحريم يتناول حَظْرَه. وقد حُدِّثنا عن أحمد بن علي الخزاز قال: حدثنا الحكم بن أسلمٍ قال: حدثنا شعبة عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن أبيه ((أنّ (١) سنن أبي داود ٤ /٨٢، سنن ابن ماجه ١١٢٢/٢. (٢) صحيح البخاري ٤ /١٤٥، صحيح مسلم ١٣٠٧/٢ ح ١٥٨١. ٣٨٧ كتاب الأشربة رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر، فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها داء، وليست دواء)» (١). مسألة : [تخليل الخمر] قال أبو جعفر: (فإن صارت خلاً: جاز بيعه، وحَلّ الانتفاع به، سواء صارت بذاتها خلاً أو بعلاج)(٢). قال أبو بكر : أما إذا صارت خلاً بذاتها، فلا خلاف بين السلف رضي الله عنهم في جواز الانتفاع به وشربه، قد روي ذلك عن جماعة منهم من غير خلاف عن أحد من نظرائهم. وأما إذا خَلَّلها هو، فقد روي عن بعض السلف رضي الله عنهم كراهته(٣). وقال أصحابنا: هو حلال، وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًّا حَسَنًا﴾(٤). روي في التفسير عن بعض السلف أنَّ الرزق الحسن: هو الخل (٥). (١) بمعناه صحيح مسلم ١٥٧٣/٢ ح ١٩٨٤، سنن أبي داود ٢٠٤/٤، مصنف عبد الرزاق ٢٥١/٩. (٢) المبسوط ٢٢٧/٢٤، بدائع الصنائع ٢٩٣٧/٦، تبيين الحقائق ٤٨/٦، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ١٠٩/١٠. (٣) مصنف عبد الرزاق ٩/ ٢٥٢. (٤) النحل آية: ٦٧. (٥) أحكام القرآن ٢/ ٤٦٣. ٣٨٨ كتاب الأشربة وإذا صح أنَّ الخل مرادٌ بما تضمنته الآية من الإباحة، كان ذلك عموماً في كل خلِّ، إلا أن يقوم الدليل على تخصيص شيء منه. وأيضاً: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((نِعْم الإدام الخل))(١). ولم يُفرِّق بين الخل المتَّخذ من الخمر وغيره، فهو على عمومه في الجميع. وأيضاً: فإن المعنى الموجب لتحريم الخمر، حدوث الاسم عندنا، وعند مخالفنا حدوث الشدة، بدلالة إباحته في حال كونه عصيراً، فإذا خُلِّل فقد زال المعنى الذي من أجله حُرِّم، فيزول التحريم، ويكون حينئذٍ بمنزلة الخل الذي يستحيل إليه الخمر من غیر تخليل آدمي. فإن احتجوا بما حدثنا ابن قانع عن بشر بن موسى قال: حدثنا عبد الصمد بن حسان قال: حدثنا سفيان الثوري عن إسماعيل السدي عن أبي هريرة عن أنس: ((أنه كان عنده مال اليتيم، فاشترى به خمراً، فلما حُرِّمت الخمر أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أجعله خلاً؟ قال: لا، أهرِقْه))(٢). قيل لهم: وما في هذا من الدلالة على أنه إذا جعلها خلاً مع النهي عن التخليل، مَنَعَ ذلك إباحة أكله، والانتفاع به، وليس يمتنع أن يقول لنا: لا تجعلوها خلاً، فإن جعلتموه خلاً، جاز لكم الانتفاع به بعد ذلك، كما لا يمتنع عندنا وعند مخالفينا جميعاً أن يقول: لا تذبحوا الشاة بسكين (١) صحيح مسلم ٦٢١/٢، سنن أبي داود ١٦٩/٤ ح ٣٨٢٠. (٢) صحيح مسلم ١٥٧٣/٢ ح ١٩٨٣، سنن أبي داود ٤ / ٨٢. ٣٨٩ كتاب الأشربة مغصوبة، فإن فعلتموه: جاز لكم أكلها، ألا ترى أنه منهي عن أن يجعل عصيرَ غيره خلاً، ولو فعل ذلك كان خلاً مباحاً. فإن قيل: فما وجه النهي عن تخليله؟ قيل له: على وجه التغليظ، لتحريم الخمر، ولقطع عادتهم التي كانت لهم في الانتفاع، كما أمر عليه الصلاة والسلام بشق الرَّاوية. وكَسَر أبو طلحة والأنصار معه الأواني(١)، ولم يكن شق الراوية واجباً، ولا كَسْر الأواني، لكن على جهة تغليظ حكم التحريم في تلك الحال. فإن قيل: لما كان منهياً عن الانتفاع بالخمر، وكان في تخليلها ضرب من الانتفاع، وجب أن يكون ممنوعاً منه. قيل له: ليس في التخليل شيء من الانتفاع بالخمر، وإنما يقع بعد ذلك الانتفاع بالخل، والخل ليس بخمر، ألا ترى أنه يجوز له أن يدبغ جلد الميتة، فَيَصِلَ إلى الانتفاع به بعد الدباغ، وليس ذلك انتفاعاً بالميتة، إذا كان ذلك الدباغ يُخرجه من أن يكون ميتة، كذلك لما كان التخليل يُخرجه من أن یکون خمراً، لم يمتنع جواز الانتفاع به. وجوازُ دباغ جلد الميتة، والتوصل إلى جهة استباحة الانتفاع به يجوز أن يكون أصلاً لإباحة تخليل الخمر؛ لأن الدباغ لما ذكّاه، أخرجه من حكم الميتة، وكذلك التخليل يُخرجه من أن يكون خمراً، فجاز له التوصل إلى ذلك بالتخليل. (١) صحيح البخاري ٢٤٣/٦، باب ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم في الأوعية والظروف بعد النهي. ٣٩٠ كتاب الأشربة مسألة: [طرح السمك أو الملح في الخمر] قال أبو جعفر : (ومَن كانت عنده خمر، فطرح فيها سمكاً وملحاً حتى صارت مربَّى(١): فلا بأس به في قول أبي حنيفة). وذلك لأنها تصير خلا، فتَحِلّ بالاستحالة. قال : (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أنّ الخمر إن كانت هي الغالبة: فكما قال أبو حنيفة رحمه الله، وإن كان ما جعل فيها هو الغالب عليها: فلا خير في ذلك)(٢). وكأن أبا يوسف ذهب إلى أنَّ الخمر إذا كانت هي الغالبة، فهذا ضرب من تخليلها، ويجوز له تخليل الخمر، وإن كان ما جعل فيها هو الغالب: فهو بمنزلة قطرة خمر خالطت ماء أو عجيناً أو نحو ذلك، فتنجسه و تفسده. إلا أنَّ ذلك لا يلزم أبا حنيفة؛ لأن الملح من شأنه أن يُحيلها خلاً، وقليل الخمر أولى بذلك من كثيرها. مسألة : [صب الخمر في الحنطة] قال: (ومَن صبَّ خمراً في حنطة: فقد أفسدها، فإن غُسلت وطُحنت، ولا يوجد للخمر فيها طعم ولا رائحة: فلا بأس بأكلها)(٣). (١) وفي الأصل: ((مرقا))، والمثبت من (ق.ج)، وكذلك من المطبوع من المختصر ص٢٧٩. (٢) المبسوط ٢٢/٢٤-٢٤، بدائع الصنائع ٢٩٣٧/٦، حاشية ابن عابدين ٤٥١/٦. (٣) المبسوط ٢٥/٢٤-٢٦، بدائع الصنائع ٢٩٣٧/٦. ٣٩١ كتاب الأشربة وذلك لأن الخمر نجسة، فنجَّست الحنطة، فإذا غُسلت: طهَّرها الغَسل، كما تطهر سائر النجاسات. مسألة : [بيع عصير العنب ممن يجعله خمراً] قال: (ولا بأس ببيع العصير من كل أحد: خاف البائع أن يتخذه المشتري خمراً، أو أَمِن ذلك)(١). وذلك لأن العصير مباحٌ جائزُ التصرف فيه، وإنما المأثم على مَن يتخذه خمراً لشربها، فأما البائع فلا شيء عليه في ذلك، كبيع الحرير والحُلي من الرجال: فهو جائز مباح وإن لم يأمن أن يلبسه الرجل، أو يستعمله فيما لا يجوز. فإن قيل: فقد كرهتم بيع السلاح في الفتنة، وفي عساكر الفتنة، فهلا كان كذلك بيع العصير ممن يتخذه خمراً؟ قيل له: الفصل بينهما: أنَّ السلاح على هيئته هذه يستعان به على القتال، فإذا كان زمان الفتنة: كره بيعه ممن يستعين به عليها، كما يكره إعطاء صاحب الفتنة من الخوارج وأهل الحرب، وأما العصير فلا بأس بالانتفاع به على هيئته كيف شاء صاحبه، وإنما المحظور منه بعد استحالته خمراً، وليست هي المعقود عليها في الحال. فإن قيل: فينبغي أن يكره بيع الحرير والحُلي من الرجال؛ لأنهما على هيئتهما ينتفع بهما في الجهة المحظورة. قيل له: لم نقل إن بيع السلاح مكروه، لأجل إمكان الانتفاع به على هذه الهيئة في الوجه المحظور، دون أن تكون الحال دالة عليه، وهو أن (١) المبسوط ٢٥/٢٤، بدائع الصنائع ٢٩٣٧/٦. ٣٩٢ كتاب الأشربة يكون في عسكر الفتنة، أو زمان الفتنة مع ما وصفنا من حاله. وأما الحرير والحُلي، فليس لهما حال ظاهرة يمنع بيعهما وإن كان الانتفاع بهما ممكناً على الوجه المحظور، وبيع العصير يُشبه من هذه الجهة بيع الحرير والحُلي من الرجال، إذ ليست ها هنا حال ظاهرة يقتضي أن يكون شراء العصير لأن يتخذ خمراً، فوجب أن لا يمنع بيعه. وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه لَعَنَ الخمرَ، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، وبيِّعها))(١): فما ذُكر في الخبر فلا دلالة عليه على مسألتنا؛ لأن ذلك واردٌ في الخمر، وكلامنا في عصيرٍ ليس بخمر. فإن قيل: إنما عنى عاصر العنب للخمر، فينبغي أن يكون بائع العصير للخمر مثله. قيل له: قولك إنه عنى عاصر العنب للخمر: دعوى لا دلالة عليه من الخبر، لأن الخمر نفسه قد يجوز أن يعتصر، بأن يطرح العنب في الإناء حتى ينشي ويغلي، ثم يعصر، فيكون عاصراً للخمر، وهذا الذي اقتضاه ظاهر الخبر؛ لأنه لَعَن عاصرَ الخمر، فينبغي أن يكون خمراً في حال العصير. وعلى أنا ننهى أيضاً عن عصير العنب للخمر، ومَن فعل ذلك فهو عاصر، وإنما مسألتنا فيمن باع ولم يعصره، وإنما خاف أن يعصره المشتري، فلا يكون البائع منهياً عنه لأجل فعلٍ يحدث بعده من غيره. (١) سبق تخريجه ص ٦٣٧. ٣٩٣ كتاب الأشربة مسألة : [حكم لحم الحيوان إذا شرب خمراً] قال: (ومَن كانت له شاة، فشربت خمراً، ثم ذبحها ساعتئذ: لم يحرم بذلك لحمها) (١). لأنها بمنزلة نجاسة جاوزتها، أو جاوزت أمعاءها، فلا يفسد بذلك لحمها، كما لو شربت ماء نجساً، وكما لا ينجس لحمها ولبنها بمجاورة الدم والفَرْث، قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَيِّنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لََّنَا خَالِصًا سَآَبِغَا لِلشَّرِبِينَ﴾(٢). مسألة : [الاضطرار لشرب الخمر] (وللمضطر أن يشرب من الخمر مقدار ما يُمسك رَمَقه، وكذلك الميتة والدم، ولا يتناول أكثر من ذلك)(٣). وذلك لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ أَضْطُرَ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾(٤). فأباح الأكل منها عند الضرورة، وهو عند الخوف على النفس، فإذا تناول منها ما أمسك الرمق، فقد زال الخوف في هذه الحال، فيعود إلى حكم التحريم، لزوال الضرورة المبيحة لها. والخمر وإن لم تكن مذكورة في الآية، فحكمها حكم ما هو مذكور فيها، لوجود الضرورة، وخوف التلف على النفس. (١) المبسوط ٢٨/٢٤، حاشية ابن عابدين ٣٤١/٦. (٢) النحل: ٦٦. (٣) المصدر السابق. (٤) البقرة: ١٧٣. ٣٩٤ كتاب الأشربة مسألة : [كيفية الضرب في التعزير](١) قال أبو جعفر : (والتعزير أشد الضرب). قال أبو بكر: يعني إذا رأى الإمامُ ذلك؛ لأنه موضوع للزجر والردع، فإذا لم يكن للإمام فيه بلوغ الحد، لورود الأثر في منعه، وجب عليه المبالغة في ردعه بشدة الضرب. مسألة : [ضرب الزاني أشدُّ من ضرب الشارب] قال : (وضرب الزاني أشدُّ من ضرب الشارب)(٢). وذلك لوجوه: أحدها: قول الله عز وجل في قصة الزاني: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ ◌ِهِمَا رَفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ﴾(٣). والآخر: أنه منصوص في كتاب الله تعالى، وضَرْب الشارب أُخِذ من جهة السنة. والثالث: ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ الشاربَ بالجريد والنعال)) (٤)، وهذا يدل على التخفيف. مسألة : [ضرب الشارب أشدُّ من ضرب القاذف] قال: (وضرب الشارب أشدُّ من ضرب القاذف)(٥). (١) المبسوط ٣٦/٢٤، الهداية مع شرح فتح القدير ٣٥١/٥. (٢) المصادر السابقة. (٣) النور: ٢. (٤) سبق تخريجه. (٥) المصادر السابقة. ٣٩٥ كتاب الأشربة وذلك لوجهين: أحدهما: أنَّ القاذف قد غُلِّظ عليه من جهة أخرى، وهي بطلان الشهادة، فلا يجوز أن يُجمَع عليه التغليظ من وجهين. والثاني: أنَّ القاذف جائزٌ أن يكون صادقاً في قذفه، وأن له شهوداً قعدوا عن إقامة الشهادة، لقصدهم الستر على الزاني، وهم في سعة من ذلك، فوجب تخفيفُ ضربه، وقد تقدم ذكر هذه المسائل في الحدود، وتكلمنا فيها بما يغني عن الإعادة. مسألة : [حكم من وُجدت منه ريح الخمر] قال: (ولا يُحدُّ مَن وُجد منه ريح خمر، ولا مَن قاء خمراً، لجواز أن يكون أُوْجِرَ مكرَهاً)(١). مسألة : [طلاق السكران] وقد تقدمت مسألة طلاق السكران في كتاب الطلاق(٢). مسألة: [شرب ما نُبِذ في الأوعية والظروف] قال: (ولا بأس بشرب ما انتُبذ في الدَُّّاء والنَّقِير والمُزَّفَّت)(٣). (١) المبسوط ٣١/٢٤ وما بعده، الهداية مع شرح فتح القدير ٣٠٨/٥. (٢) وأن أفعاله وأقواله كأقوال الصحيح، إلا الردة فإن زوجته لا تبين منه بهذا، على خلاف مع أبي يوسف. (٣) لأن الظرف لا يُحلُّ شيئاً ولا يُحرِّمه، وإنما نهي أولاً عن الانتباذ فيها، لأن الأنبذة تشتد في هذه الظروف أكثر مما تشتد في غيرها، ينظر العناية شرح الهداية ٣٨/٩. والنقير: هو الخشبة المنقورة، والمزفت: الوعاء المطلي بالزفت، والدباء: القرع. ينظر المغرب ٣٢١/٢ (نقر). ٣٩٦ كتاب الأشربة وذلك للأخبار المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إباحته بعد حَظْره(١). مسألة : [حكم أهل الذمة في شرب الخمر] قال : (ومَن شرب من أهل الذمة خمراً أو ما سواها مما يسكر كثيره: فلا حَدَّ علیه في ذلك وإن سكر)(٢). قال أبو بكر : وذلك أنهم غير ممنوعين من شرب الخمر، لأنهم أُعطوا الذمة على أن يخلّى بينهم وبين ذلك، كما أُعطوا على أن يُخلَّى بينهم وبين عبادة غير الله عز وجل ، فلا يجوز أن يجب عليهم الحدُّ فيما أُطلق لهم شربه. وأيضاً: فكما خلَّينا بينهم وبين شربها، فالتخلية واقعة بينهم وبين ما يوجب السكر منها، فينبغي أن لا يُحدُّوا. فإن قيل: هلا كانوا في ذلك بمنزلة المسلم الذي يشرب المباح من نبيذ التمر وغيره، ويُحدُّ إذا سكر؟ قيل له: لأن المسلم ممنوع من شرب ما يوجب السكر، وهؤلاء غير ممنوعين من ذلك، كما ليسوا ممنوعين من تموُّلها وبيعِها وشرائها. قال أبو جعفر: (وقال الحسن بن زياد: لا حدَّ عليه في ذلك إلا أن يَسْكَرِ، فإن سكر: حُدَّ في ذلك، كما يُحدُّ المسلم)(٣). (١) صحيح البخاري ٢٤٣/٦، فتح الباري ٥٨/١٠. (٢) المصادر الفقهية السابقة. (٣) حاشية ابن عابدين ٣٧/٤. ٣٩٧ كتاب الأشربة ويُشبه أن يكون ذهب إلى الوجه الذي ذكرناه في السؤال، وهو أن یکون کالمسلم إذا شرب النبيذ المباح، وسکِرَ منه. * ٣٩٩ فهرس الموضوعات فهرس الموضوعات باب الدیات في الأنفس وما دونها ٠ • ٥ مسألة: دية المسلمين وأهل الذمة ٥ مسألة: دية المرأة في النفس وما دونها. ١٠ مسألة: ما تحمله العاقلة من دية الرجل والمرأة ١١ مسألة: دية قَطْع الذكر والأنثيين ١٣ فصل: دية مفاصل الأصابع. ١٣ مسألة: دية قلع الأسنان ١٣ ١٤ مسألة: دية ثدي المرأة. ١٤ مسألة: دية قطع ثدي الرجل ١٥ مسألة: دية قطع اليد فيها أصبع أو أصبعان ١٦ مسألة: دية قتل العبد خطأ. مسألة: دية الجنين ١٧ مسألة: دية الجنين إذا خرج حياً، ثم مات ١٨ ١٩ مسألة: توريث الغرّة ٢٢ مسألة: خروج الجنين ميتاً بعد موت الأم. مسألة ٢٢ مسألة: دية جنين غير المسلمة ٢٢ ٤٠٠ فهرس الموضوعات مسألة: دية جنين الأمة من مولاها ٢٣ مسألة: دية جنين الأمة من غير مولاها ٢٣ مسألة: الجناية على الجنين .. ٢٤ مسألة: ذهاب البصر ونحوه بالجناية ٢٤ مسألة: الجناية على السنِّ. ٢٥ مسألة: اختلاف الضارب والمضروب في الجناية ٢٦ مسألة: نبات السن بعد القلع ٢٨ مسألة: الجناية على الظفر . مسألة ٢٨ ٢٨ ٢٥ مسألة: دية ذهاب شعر الرأس من الشجاج مسألة: تداخل الأرش في الدية ٣٠ مسألة: الدية في ذهاب قوة الشم وماء الظهر ٣٢ مسألة: دية عدم استمساك البول من الضرب ٣٢ مسألة: مَن قطع أصبعاً فشُلَّت أخرى. ٣١ مسألة: سراية الجناية. ٣٣ مسألة: كيفية القصاص في الشجاج ٣٤ فصل. ٣٦ باب القسامة ٣٧ مسألة: حكم القسامة، وبيان من الذي يحلف. ٣٧ فصل: إذا لم يتم العدد في القسامة خمسين ٤٩ مسألة: إذا وجد قتیل بین قریتین ٥٠