النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كتاب الأشربة اُلْفَجْرِ﴾ (١). وهذا مثل الأُولىُ في دلالتها على ما دلَّت عليه. وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾(٢)، وقال: ﴿فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِنْ رِّزْقِهِ،﴾(٣). فكلُّ مأكول ومشروب، فهو داخل تحت هذا العموم، لانطوائه تحت اللفظ، إلا ما قام دليله. * وضَرْبٌ آخر من دليل هذا العموم: وهو قوله تعالى: ﴿وَسَخََّلَكُمَّا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ (٤). ومقتضى هذا اللفظ ومضمونه إباحة جميع ما فيهما، حتى تقوم الدلالة على حَظْر شيء منها. وقال تعالى: ﴿لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَُّ اَلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنَّهَا﴾ (٥). فأخبر أنَّ ما لم يقم الدليل على حَظْره، فهو في حيِّز المعفو عنه. * وبهذا المعنى ورد الأثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه (١) البقرة: ١٩٧. (٢) الأعراف: ٣٢. (٣) الملك: ١٥. (٤) الجاثية: ١٣. (٥) المائدة: ١٠١. ٣٦٢ كتاب الأشربة داود بن أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله فرض فرائض فلا تضيِّعوها، وحرَّم حرمات فلا تنتهكوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها))(١). وقال سليمان التيمي أخبرنا أبو عثمان النهدي قال: سمعت سلمان الفارسي يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفِرَاء والجبن والسمن، فقال: ((الحلال ما أحلّ الله عز وجل في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه: فهو ما عفا الله عنه))(٢). فاقتضى ظاهر هذه الآثار مع ما تقدَّمها من الآيات إباحة جميع الأشياء، إلا ما قام الدليل على حظره. [دليل إياحة النبيذ من السنة] وأما الحجة من طريق السنة: فهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حسين بن جعفر القتاب الكوفي قال: حدثنا يزيد بن مهران قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن يزيد بن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنبيذ، فلما شمَّه قطَّب، وناوله الغلام، فلما كاد أن يقطع الأبطح، قالوا: يا رسول الله! أحلالٌ أم حرام؟ قال: ردُّوه، فلما ردُّوه، دعا بكوز من ماء، فصبَّه عليه، وقال: إذا اشتد (١) مشكاة المصابيح ٦٩/١. (٢) سنن الترمذي ٢٢٠/٤ ح١٧٢٦ وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه. ٣٦٣ كتاب الأشربة عليكم، فاكسروه بالماء))(١). وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قرة العجلي عن عبد الملك ابن أخي القعقاع ابن شور عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له شراب، فأُتي بقدحٍ منه، فلما قَرَّبه إلى فِيه: كَرِهه، فردَّه، فقال له بعض القوم: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: ردُّوه، فأخذه منه، ودعا بماء فصبّه عليه، ثم قال: أُنظروا هذه الأسقية إذا اغتلمت، فاقطعوا متونها بالماء))(٢). وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا معاذ قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو الأحوص قال: حدثنا سِمَاك بن حرب عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بردة بن نيار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اشربوا في الظروف، ولا تسكروا))(٣). قال: وحدثنا أحمد بن الوليد الكرابيسي قال: حدثنا أبو داود المباركي (١) مصنف عبد الرزاق ٢٢٥/٩، مصنف ابن أبي شيبة ١٣٩/٨، السنن الكبرى ٣٠٥/٨، وقال البيهقي: يزيد بن أبي زياد ضعيف لا يحتج به لسوء حفظه، المحلى لابن حزم ٤٨٤/٧. (٢) المراجع السابقة، وسنن الدار قطني ٢٦٢/٤، وقال: وقال غيره: عن عبد الملك بن قانع بن أخي القعقاع، وهو رجل مجهول ضعيف، وفي الجوهر النقي ٣٠٥/٨: قلت: ذكره ابن حبان في الثقات من التابعين. (٣) سنن الدارقطني ٢٥٩/٤ وقال: وهم فيه أبو الأحوص في إسناده ومتنه، أحكام القرآن للجصاص ٤٦٤/٢، المحلى لابن حزم ٤٨٢/٧. ٣٦٤ كتاب الأشربة قال: حدثنا ابن شهاب عن الأعمش عن أبي صالح عن المطلب عن أبي وداعة قال: ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح من نبيذ، فصبّ عليه الماء حتى تدفّق، ثم شربه))(١). قال: وحدثنا علي بن الصقر قال: حدثنا محمد بن عمر بن حيان الحمصي قال: حدثنا ضمرة قال: حدثنا عثمان بن عطاء(٢) عن أبيه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أحلّ نبيذ الجَرِّ بعد أن حرَّمه))(٣). والآثار الموجبة لتحليل النبيذ كثيرة كرهت إطالة الكتاب بذكرها، وقد ذكرتُ طرفاً منها في المسألة التي عملتُها في الأشربة(٤)، واستقصيت الكلام فيها لأصحابنا والمخالفين، من جهة الأثر والنظر، إلا أني أحببتُ أن لا أُخليَ هذا الكتاب من ذكر شيء منها على جهة الإيجاز والاختصار. ومما يدل على ما ذكرنا من طريق الأثر: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن زكريا قال: حدثنا العباس بن بكار قال: (١) السنن الكبرى ٣٠٤/٨، وقال البيهقي: وأبو صالح باذان ضعيف. (٢) وفي الهامش: ((عثمان بن عطاء الخراساني)) ضعفه الدارقطني وغيره. انظر كتاب الجرح والتعديل ١٦٢/٦، ميزان الاعتدال ٤٨/٣. (٣) مصنف عبد الرزاق ٢٠٨/٩، قال ابن الأثير في النهاية ٢٦٠/١: ((وفي حديث الأشربة: أنه نهى عن نبيذ الجَرّ، وفي رواية: نبيذ الحِرار. الجَرّ والحِرار: جمع جَرّة، وهو الإناء المعروف من الفخّار، وأراد بالنهي عن الجرار المدهونة، لأنها أسرع في الشدة والتخمير)) اهـ. (٤) وقد أُشير إليها في مقدمة التحقيق في ترجمة الجصاص. ٣٦٥ كتاب الأشربة حدثنا عبد الرحمن بن بشير(١) الغطفاني عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال: («سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأشربة عام حجة الوداع، فقال: حرامٌ الخمر لعينها، والسُّكْر من كل شراب))(٢). قال: حدثنا محمد بن زكريا العلائي (٣) قال: حدثنا شعيب بن واقد قال: حدثنا قيس عن قطب عن منذر عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنه نحوه. وقد روى عبد الله بن عبد العزيز البغوي قال: حدثنا محمد بن عبد الوهاب الحارثي قال: حدثنا سوار بن مصعب(٤) عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله حرم الخمرَ لعينها، قليلَها وكثيرَها، والسُّكْرَ من كل شراب))(٥). وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا حسين بن إسحاق قال: حدثنا عياش (١) وفي الهامش: ((عبد الرحمن بن بشير مجهول في الرواية)). ينظر ميزان الاعتدال ٢/ ٥٥٠. (٢) أحكام القرآن ٣٢٤/١، نصب الراية ٣٠٦/٤، وقال: عبد الرحمن هذا: مجهول في الرواية والنسب، وحديثه غير محفوظ. (٣) وفي الهامش: ((قال الدارقطني: محمد بن زكريا العلائي يضع الحديث)). انظر ميزان الاعتدال ٥٥٠/٣. (٤) وفي الهامش: ((سوار بن مصعب: شيخ أبي جهم. قال أحمد والدارقطني: متروك الحديث)). ميزان الاعتدال ٢٤٦/٢، المحلى لابن حزم ٤٨٢/٧. (٥) أحكام القرآن ٣٢٥/١، السنن الكبرى ٢٩٧/٨، المحلى لابن حزم ٤٨٢/٧. ٣٦٦ كتاب الأشربة بن الوليد قال: حدثنا علي بن عباس قال: حدثنا سعيد بن عمارة قال: حدثنا الحارث بن النعمان(١) قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الخمر لعينها حرام، والسُّكْر من كل شراب))(٢). وقد روى هذا الحديث محمد بن عبيد الله الثقفي عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس رضي الله عنه موقوفاً عليه(٣)، إلا أنَّ فتيا ابن عباس بذلك لا تنفي صحة رواية مَن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه الآثار تدل أيضاً على إباحة النبيذ الذي يسكر كثيره؛ لأنه علَّق تحريم الخمر لعينها، قبل حدوث السُّكْر منها، وعلَّق تحريم ما عداها بما يَحدث عن السكر. * وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((كلّ مسكر ءِ حرام)) (٤)، فإنه خبر لا يصححه أهل النقل لاختلاف الرواة في رفعه. ولو صح رفعه، واستقام سنده، لم يكن معارضاً لما قدَّمنا مما يوجب الإباحة؛ لأن الذي يقتضيه حقيقة اللفظ، هو ما يَحْدُث السُّكْرُ عنه، (١) وفي الهامش: ((الحارث بن النعمان عن أنس بن مالك: قال البخاري: منكر الحديث)). انظر كتاب الجرح والتعديل ٩١/٣، المحلى لابن حزم ٤٨٢/٧. (٢) سنن النسائي ٣٢١/٨، المحلى لابن حزم ٤٨٢/٧، نصب الراية ٣٠٦/٤. (٣) المصادر السابقة. (٤) صحيح البخاري (مع الفتح) ٦٢/٨ (٤٣٤٣)، ٤١/١٠ (٥٥٨٤)، صحيح مسلم، الأشربة ١٥٨٦/٣ (١٧٣٣). وما سيقوله المؤلف عن هذا الحديث بأن أهل النقل لا يصححونه، فهو مما يُعجب منه، إذ هو في الصحيحين. ٣٦٧ كتاب الأشربة ويوجَد عقيبه؛ لأن ما لا يَحدث السُّكْرُ عقيبه لا يقال له: مسكِرٍ، كما لا يقال لِلُقْمةِ من الطعام: هذا طعام مشبع، ولا للجُرعة من الماء هذا شرابٌ مُرْوٍ، وإنما يطلق ذلك فيما يقع الشبع والرِّي عقيبه. ويدل على أنَّ المراد ذلك: ما حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا محمد بن علي بن عتاب الجلاب المخزومي قال: حدثنا أبو إبراهيم الترجماني قال: حدثنا مشعل بن ملجان عن النضر بن عبد الرحمن عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل مسكر حرام». قال: ((اشرب، فإذا خفتَ: فدَعْ))(١). ويدل عليه أيضاً ما روي في بعض الأخبار: ((كلّ شراب أسكر فهو (٢) حرام))(٢). ولا يصح أن يقال للقليل منه إنه شراب قد أسكر ولمَّا يحدُث السكرُ عنه. وعلى هذا المعنى حمله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. روی حماد عن إبراهيم عن علقمة قال: سألت ابن مسعود عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسكر قال: الشَّربة الأخيرة. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله(٣). ويدل عليه أيضاً: ما حدثنا به بشر بن موسى قال: حدثنا هوذة قال: (١) لم أعثر على هذا النص فيما اطلعت عليه من مصادر. (٢) صحيح البخاري ٢٤٢/٦، سنن الترمذي ٢٩١/٤. (٣) أحكام القرآن ٤٦٣/٢. ٣٦٨ كتاب الأشربة حدثنا عوف عن سيار عن أبي الحكم عن بعض الأشعريين عن الأشعري قال: ((بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذاً إلى اليمن فقلت: يا رسول الله! تبعثنا إلى أرض بها أشربة منها البِتَع والمِزْر يشتدُّ حتى يُسكر قال : - وأعطي رسول الله جوامع الكلم - فقال: ((إنما أُحرِّم المسكر الذي يُسكر عن الصلاة))(١). ومعلومٌ أنَّ القليل منه لا يسكر عن الصلاة. * وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أسكر كثيره: فقليله حرام))(٢). ((وما أسكر الفَرَقُ منه: فملء الكفِّ منه حرام))(٣): فإنا متى حملنا قوله: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)): على ما يقتضيه ظاهره، حصل من ذلك أنَّ القليل مما يَحدث عنه السكر هو المحرَّم، فيكون قد وفينا اللفظ حقه من مقتضاه وموجبه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقل: ما أسكر كثيره، فالقليل مما لم يسكر حرام، وإنما حرَّم به القليل مما يُسکر، وکذلك نقول. ومَن حَمَله على ما أسكر كثيره، فالقليل مما لم يسكر حرام: فقد زال معنى اللفظ عن وجهه، وصَرَفه إلى غير حقيقته. (١) صحيح مسلم ١٥٨/٣ ح ١٧٣٣، أحكام القرآن ٤٦٤/٢، والبتَع من العسل، والمِزْر من الذرة والشعير. (٢) سنن الترمذي ٢٩٢/٤ وقال: هذا حديث حسن، سنن أبي داود ٤ /٨٧. (٣) سنن الترمذي ٢٩٣/٤ وقال: هذا حديث حسن، والفَرَق: مكيال كان معروفاً بالمدينة المنورة. ٣٦٩ كتاب الأشربة فهذا الخبر لأن يكون لنا أَوْلى من أن يكون علينا. * ووجه آخر: وهو أنه لو صحَّ أنه أراد تحريم القليل مما لم يُسكر إذا کان مما يُسکر کثیره، کان المعنی فیه: أنه متى قَصَدَ عند ابتداء شربه إلى بلوغ حد السكر: فكلَّه عليه حرام؛ لأنه قَصَدَ بالشرب معصية، وأرادها بالشرب کله، كما أنه إذا نوی بمشیه أن يمشي إلى سرقة، أو إلى زنى: كان مشيُّه ذلك معصية، كذلك إذا شرب(١) وهو يريد بذلك أن يشرب حتى يَسكر: كان القليل محرماً. وقد حدثنا ابن قانع قال: حدثنا محمود بن محمد قال: حدثنا رحمويه قال: حدثنا سوار بن مصعب عن المفضل عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن شرب شراباً ينوي فيه السكر، فقد عصى الله ورسوله))(٢). * ووجه آخر: وهو أنَّ الشراب إذا كان عنه السكر، فكله عامل فيه، وعن جميعه وقع، فصار جميعه مؤثراً فيه، كما أنَّ الحِرَاح الكثيرة إذا قتلت، كان جميعها موجباً للقتل، وكجماعة جرحوا رجلاً، وكل واحدة من الجراحات لو انفردت لم توجب الموت، ثم إذا اجتمعت فقتلت، كان القتل حادثاً عن جميعها، وكذلك حال السكر، وعلى هذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((ما أسكر الفَرَق منه، فالجرعة منه حرام))(٣)، إذ كان جميعه مؤثراً في إيجاب السكر، وعلى الوجه الآخر، إذا قَصَدَ بها السكر. (١) وفي (ق.ج) ((القليل)). (٢) لم أقف على نص هذا الحديث فيما تيسّر لي من المراجع. (٣) سبق تخريجه. ٣٧٠ كتاب الأشربة * فأما ما روي في ذلك عن الصحابة والتابعين، فهو أشهر من أن يُحتاج إلى الإكثار في ذكرها. فممن روي عنه بالأخبار المتواترة شُرْب النبيذ الشديد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تركتُ ذِكْر أسانيدها اكتفاء باستفاضتها وشهرتها عند أهل العلم. وكذلك قد تواتر عنه الخبر بإباحة ما ذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه، فيما كتب به إلى أمراء الأمصار بعد مشاورة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإشارتهم عليه بذلك(١). وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يشرب نبيذاً صلباً آخرُهُ يُسكر(٢). وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أشهد على البدريين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يشربون النبيذ في الحِرار الخُضْرِ(٣). وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حُرِّمت الخمرة لعينها، والسُّكْر من كل شراب. وروي عن ابن عمر، وأبي ذر، وأبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وعبد الله بن أبي أوفى، وزيد بن أرقم، (١) أحكام القرآن ٤٦٣/٢، مصنف ابن أبي شيبة ١٤٦/٨، المحلى لابن حزم ٤٨٧/٧. (٢) أحكام القرآن ٢/ ٤٦٤. (٣) مصنف ابن أبي شيبة ١٤٦/٨-١٥٥، وانظر ماعلقه العلامة الشيخ محمد عوامة على أحاديث وآثار كتاب الأشربة في تحقيقه للمصنَّف ١٢/ ١٦١ - ٢٥٩. ٠ ٣٧١ كتاب الأشربة وعمران بن حصين، وأبي بكرة، وجرير بن عبد الله، في آخرين من الصحابة شُرْب النبيذ، وإباحته بألفاظٍ مختلفة، وأسانيد صحيحة، تركتُ ذِكْرها كراهة الإطالة(١). وقد روي ذلك أيضاً عن عامة علماء التابعين، منهم شريح، وعطاء، والحسن، وعمرو بن ميمون، وأبو عبيدة بن عبد الله، وعمرو بن شرحبيل، والضحاك بن مزاحم، وعامة أصحاب عبد الله، وسعيد بن جبير، والشعبي، وماهان الحنفي، والربيع بن خثيم. رُوي عن أبي حازم الثوري قال: بعثني الربيع بن خثيم أشتري له طلاء (٢)، فاشتريته، وفيه بعض الحلاوة، فقال: رُدَّه، واشترٍ لي ما هو أشد منه. وقد حدثنا ابن قانع عن إبراهيم بن شريك الأسدي قال: حدثنا شهاب بن عباد العبدي قال: حدثنا حماد (٣) بن يزيد عن عاصم بن بهدلة قال: أدركتُ أقواماً يتخذون هذا الليل جَمَلاً(٤)، يلبسون المعصفر، ويشربون نبيذ الجَرِّ، لا يرون به بأساً، منهم: أبو وائل، وزِرُّ بن حُبَيش(٥). فقد استفاض عن عامة الصحابة والتابعين شرب النبيذ الشديد، وليس (١) مصنف ابن أبي شيبة ١٤٢/٨- ١٥٠، السنن الكبرى مع الجوهر النقي ٢٩٩/٨، حاشية ابن عابدين ٤٥٣/٦. (٢) المحلى لابن حزم ٤٩١/٧، والطلاء هو المثلّث الذي طبخ حتى ذهب ثلثاه، وقيل: الخمر. ينظر طلبة الطلبة للنسفي ص٣١٨، كتاب الأشربة. (٣) وفي الأصل: ((عباد))، والمثبت من (ق.ج). (٤) اتخذ الليل جملاً: أي سرئ كله. القاموس المحيط (جمل). (٥) مصنف ابن أبي شيبة ١٥٨/٨. ٣٧٢ كتاب الأشربة يوجد عن أحدٍ من السلف تحريم ما يبيحه أصحابنا من الأنبذة نصاً. ومن روي عنه كراهة شيء من ذلك، فإنما روي ذلك عنه في نقيع التمر والزبيب، والمنصَّ، وما لم يُردَّ إلى الثلث، فأما تحريم ما أبحناه، فغير موجود عن أحد منهم نصاً(١). [دليل إباحة النبيذ من طريق النظر] وأما وجه إباحته من طريق النظر: فهو أنه لما كانت بلوى أهل المدينة عامة بشرب نبيذ التمر والبُسْر، وسائر ما يخرج من النخل، ثم حُرِّمت الخمر، وليس بالمدينة منها شيء على ما روي عن جماعة من السلف، فلو كان التحريم شاملاً لما ذكرنا من الأنبذة، لكان من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف لهم عليه، لعِلْمه عليه الصلاة والسلام بظهور شربهم إياها، وعموم بلواهم بها. ولو وقَّفهم عليه، لوَرَدَ النقل به متواتراً مستفيضاً، كوروده في تحريم الخمر، إذ كانت الحاجة إلى معرفة حكم هذه الأشربة، أمسَّ منها إلى معرفة حكم الخمر، لقلة الخمر عندهم، وكثرة سائر الأنبذة المتخذة من النخل عندهم، فثبت بذلك أنها لم تدخل في تحريم الخمر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقِّفهم على تحريمها. ألا ترى أنَّ نقيع التمر والبُسر لمَّا كانا محرَّمَيْن، ورد النقل بتحريمهما من جهة التواتر(٢) والاستفاضة عن الصحابة والتابعين على النحو الذي قدَّمنا. (١) أحكام القرآن ٤٦٥/٢. (٢) شرح معاني الآثار ٢١٤/٤، حاشية ابن عابدين ٤٥٢/٦. ٣٧٣ كتاب الأشربة وأيضاً: فقد صح عندنا أنَّ الأشياء على أصل الإباحة، حتى يقوم الدليل من عقل(١) أو سمع على الحظر، وليس في العقل حَظْر ما أبحنا من الأشربة، ولا ثبت السمع بتحريمها، فهي باقيةً على أصل الإباحة. فصل : [حكم الأنبذة من غير النخل والكرم] وأما ما عدا الخارج من النخل والكرم من الأنبذة، فإن أبا حنيفة رحمه الله يبيحه بغير طبخ(٢)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قَصَر حكم التحريم على الخارج منهما بقوله صلى الله عليه وسلم: ((الخمر من هاتين الشجرتين))(٣). فاحتاج الخارج منهما إلى طبخ ينقلهما عن الحال التي كانا عليها، والنار قد تغير العصير والدبس، حتى تحيله إلى الناطف والبُخْتَجِ (٤)، وغيرهما من الأشياء التي يستحيل أن تكون خمراً بعد مصيرها إليها. وما عدا الخارج منهما من نبيذ العسل وغيره، لا يجيء منه خمر على الحقيقة بحال، فلذلك لم يعتبر فيه الطبخ، ولم يُحَدَّ من سَكِرٍ منه، وكان السُّكر منه كالسُّكر من الأدوية المسكرة، فلا توجب حدًّاً، ولا يكون قليلها محرماً. وأيضاً: لما قَصَر حكم التحريم على العدد المذكور، وجب أن يكون (١) أي قياس ووجوه نظر. (٢) المبسوط ٣/٢٤، بدائع الصنائع ٢٩٤٢/٦، حاشية ابن عابدين ٤٥٣/٦. (٣) صحيح مسلم ١٥٧٣/٢ ح ١٩٨٥. (٤) البُختج: تعريب: بُخته، أي مطبوخ، وهو اسم لما حُمِل على النار وطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. المغرب ٥٨/١، طلبة الطلبة كتاب الأشربة ص٣١٨. ٣٧٤ كتاب الأشربة هذا الحكم مقصوراً عليها دون غيرها، ومَنَع أن يكون غيرهما في حکمهما؛ حتى یکون لحصره إياه بالعدد فائدة. وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام: ((أُحلت لنا ميتتان ودمان))(١): يمنع أن يكون غيرهما من الدم والميتة لاحِقَاً بحكمهما. وكقوله صلى الله عليه وسلم: ((خمس يقتلهن المُحْرِمِ في الحِلِّ والحرم))(٢): يمنع أن يكون غير الخمس داخلاً في حكم الخمس. مسألة : [حكم صلاة مَن في ثوبه ما يُسكر كثيره] قال أبو جعفر: ((قال هشام(٣): وكان محمد يقول: مَن صلى وفي ثوبه مما يُسكر كثيره أكثرَ من مقدار الدرهم: أعاد الصلاة))(٤). قال أبو بكر: وذلك لأنه محرَّمٌ عنده؛ لأن كل شراب محرَّم، فهو نجس کالخمر. والدليل على نجاسة الخمر: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَاُلْأَنْصَابُ (١) سنن ابن ماجه ١١٠٣/٢، وينظر التلخيص الحبير ٢٥/١. (٢) صحيح مسلم ٨٥٦/١. (٣) هشام بن عبيد الله الرازي، فقيه حنفي، أخذ عن أبي يوسف، ومحمد، وكان يقول: لقيت ألفاً وسبعمائة شيخ، روى عن مالك وابن أبي ذئب، وعنه أبو حاتم، وأحمد بن الفرات وجماعة. وقال أبو حاتم: صدوق، ما رأيت أعظم قدراً منه بالري وعن ابن حبان قال: كان هشام ثقة. ميزان الاعتدال ٣٠٠/٤، الفوائد البهية ص٢٢٣، الأعلام ٨٧/٨. (٤) المبسوط ٣/٢٤-١٤، بدائع الصنائع ٢٩٤١/٦. ۔۔۔ ٣٧٥ كتاب الأشربة وَالْأَوْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ﴾(١). فلزم اجتنابها بظاهر الآية في سائر الأحوال، فهو إذاً مأمور بإزالتها عن ثوبه وبدنه کسائر النجاسات. فإن قيل: فقد جمع في الآية إلى الخمر الأنصاب والأزلام، ولو صلى ومعه شيء من الأنصاب والأزلام: لم تفسد عليه صلاته. قيل له: ظاهر الآية يقتضي ذلك، إلا أنَّ الدلالة قد قامت على جواز الصلاة معه، فخصصناه منها. مسألة : [السُّكْر من النبيذ] قال أبو جعفر: (ومَن سَكِرَ من النبيذ: حُدَّ في قولهم جميعاً)(٢). وذلك لما رواه ابن علية عن محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الله ابن عتبة بن عروة بن مسعود الثقفي عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا سكر أحدكم فاضربوه، ثم إن عاد فاضربوه، ثم إن عاد فاضربوه، ثم إن عاد الرابعة فاقتلوه))(٣). (١) المائدة: ٩٠، وينظر لأدلة نجاسة الخمر ما ذكره الأستاذ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله، في تعليقاته على كتاب: فتح باب العناية للقاري ص٢٩٥-٢٩٩، فقد أوسع الكلام في ذلك. (٢) المبسوط ١١/٢٤، بدائع الصنائع ٢٩٣٦/٦-٢٩٤٢، حاشية ابن عابدين ٤٤٩/٦. (٣) سنن الترمذي ٤٨/٤، سنن أبي داود ٦٢٤/٤، شرح معاني الآثار ١٥٩/٣، نصب الراية ٣٤٦/٣. ٣٧٦ كتاب الأشربة ورواه ابن أبي ذئب عن خاله الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا سكر فاجلدوه، ثم إذا سكر فاجلدوه، ثم إذا سكر فاجلدوه، ثم إذا سكر فاضربوا عنقه))(١). فأوجب الحدَّ بالسُّكْر، فدل على أنه أراد النبيذ؛ لأنه لو أراد الخمر، لكان وجوب الحد فيه متعلقاً بشرب القليل منها، كما روي في خبر عبد الله بن عمرو: ((إذا شرب الخمر فاجلدوه))(٢). فثبت بذلك أنَّ شرب النبيذ یوجب الحدّ إذا بلغ السُّكْر. وهو يدل أيضاً على أنَّ ما لا يَحْدُث منه السُّكْر من النبيذ لا يوجب الحدَّ؛ لأنه علَّق الحدَّ بوجود السُّكْر، دون غيره. مسألة: [السُّكْر الذي يتعلق به الحد] قال أبو جعفر: (ثم يختلفون - يعني أصحابنا - في السُّكْر الذي يوجب هذا الحد، فكان أبو حنيفة يقول: هو الذي لا يعقل صاحبُه الأرضَ من السماء، ولا المرأةَ من الرجل، وقال أبو يوسف في الإملاء: إذا كان أكثر كلامه الاختلاط: حُدَّ، وهو قول محمد)(٣). قال أبو بكر : وجه قول أبي حنيفة: أنَّ السكر الموجب للحدِّ لمَّا كان مختلفاً في حدِّه، لم يوجَب الحدُّ إلا بيقين، وهو السكر المتَّفق عليه، وحيثما شككنا فيما أنه يوجب الحدَّ أو لا يوجبه: أسقطنا الحدَّ فيه، من (١) المراجع السابقة. (٢) المراجع السابقة. (٣) المبسوط ٣٠/٢٤، بدائع الصنائع ٢٩٤٦/٦، الهداية مع شرح فتح القدير ٣١٢/٥، حاشية ابن عابدين ٤١/٤. ٣٧٧ كتاب الأشربة قِبَل أنا لا نوجب الحد بالشك، ولأن الفعل إذا كان مختلفاً فيه: هل هو من الفعل الذي يتعلق به وجوب الحد أم لا؟ لم يجب به الحد، كالقتل المختلَف فيه: هل هو عمد أو خطأ؟ وكالوطء المختلف فيه: هل هو زنى أم لا؟ فلا يجب القصاص والحد. مسألة : [مقدار حد شرب الخمر] قال: (وحَدُّ الخمر في قولهم جميعاً ثمانون جلدة)(١). وذلك لما روى الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أنَّ رجلاً من كَلْب يقال له: ابن وَبْرة، أخبره ((أنَّ أبا بكر رضي الله عنه جلد في الشراب أربعين، وكان عمر رضي الله عنه يجلد فيها أربعين، فبعثني خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى عمر أنَّ الناس قد انهمكوا في الخمر، فقال عمر رضي الله عنه لمن حوله: ما ترون؟ فقال علي رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين أرى ثمانين جلدة، وذلك أنه إذا شرب سكِرَ، وإذا سكِرِ هَذَى، وإذا هَذَى افترى، وعلى المفتري ثمانون))(٢). وروى مسلم بن إبراهيم عن هشام عن قتادة عن أنس ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، فاستشار عمر الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أرى أن (١) المبسوط ٣٠/٢٤، بدائع الصنائع ٢٩٣٦/٦، الهداية مع شرح فتح القدير ٣١٠/٥. (٢) سنن أبي داود ٦٢٨/٤، شرح معاني الآثار ١٥٣/٣، المستدرك ٣٧٥/٤ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. ٣٧٨ كتاب الأشربة تجعله كأخف الحدود ثمانين)»(١). فحصل بذلك اتفاق الصحابة على الثمانين في زمان عمر، وثبتت حجته؛ لأن عمر لا يشاور إلا مَن إذا قالوا كان قولهم حجة إذا أجمعوا عليه. وقد روى ربيعة عن السائب بن يزيد ((أنّ عمر رضي الله عنه جلد ابنه ثمانین))(٢). وروى أبو نعيم قال: حدثنا سفيان عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه قال: «أُتي علي رضي الله عنه بالنجاشي قد شرب الخمر في شهر رمضان، فضربه ثمانين، ثم أَمَرَ به إلى السجن، ثم أخرجه من الغد، فضربه عشرين، ثم قال: إنما جلدتُك هذه العشرين لإفطارك في شهر رمضان، وجُرْأَتك على الله))(٣). فصار ذلك إجماعاً منهم، كاتفاقهم على حَظْر بيع أم الولد. فإن قيل: قد رُوي عن علي رضي الله عنه («أنه أشار على عثمان رضي الله عنه بأن يضرب الوليد بن عقبة في الخمر أربعين، وقال: جَلَدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكلَّ سُنَّة))(٤). (١) صحيح البخاري ١٤/٨، صحيح مسلم ١٣٣٠/٢، سنن الترمذي ٤٨/٤، سنن أبي داود ٤ /٦٢١. (٢) شرح معاني الآثار ١٥٨/٣، نصب الراية ٣٥٠/٣، السنن الكبرى ٣١٢/٨. (٣) شرح معاني الآثار ١٥٣/٣، مصنف عبد الرزاق ٣٨٢/٧، والنجاشي هو الحارثي الشاعر. (٤) صحيح مسلم ١٣٣١/٢ ح ١٧٠٧، سنن أبي داود ٦٢٢/٤، شرح معاني = ٣٧٩ كتاب الأشربة وروى سعيد بن أبي عروبة عن الداناج عن حصين بن المنذر الرقاشي أبي ساسان عن علي رضي الله عنه قال: ((جَلَدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمر أربعين، وأبو بكر أربعين، وكمَّلها عمر ثمانين، وكل سنة))(١). ففي هذا الحديث وجهان من جهة الدلالة على بطلان الاحتجاج بما ذكرت: أحدهما: حصول الخلاف من الصحابة رضي الله عنهم في المقدار بعد موت عمر رضي الله عنه، والثاني روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعين. قيل له: أما إثبات الأربعين حدًّاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: فلا يصح؛ لأن ذلك لو كان حدًّاً ثابتاً عند علي رضي الله عنه، لأشار به على عمر حين استشاره في مقدار الحد، فلما لم يذكر له ذلك عند مشاورته إياه، دلّ على أنه لم يكن عنده في مقدار الأربعين سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روى محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه أنه أشار على عمر بأن يضرب الذين شربوا الخمر بالشام - وقالوا هي حلال، لقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ (٢) الآية - ثمانين، بعد أن الآثار ١٥٢/٣، التلخيص الحبير ٧٧/٤. (١) صحيح مسلم ١٣٣١/٢ ح ١٧٠٧، سنن أبي داود ٦٢٢/٤، شرح معاني الآثار ١٥٢/٣، التلخيص الحبير ٧٧/٤. (٢) المائدة: ٩٣. ٣٨٠ كتاب الأشربة يستتابوا))(١). وكيف اشتهر عن علي أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في حدٍّ الخمر أربعين، مع إشارته على عمر مرة بعد أخرى بأن يجلد في الخمر ثمانین. * وأما ما روي في قصة الوليد بن عقبة قال سفيان: روي عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي ((أنّ علياً رضي الله عنه جلد الوليد أربعين بسوط له طرفان))(٢). وروى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن علي رضي الله عنه مثله. فهذا يوجب أن يكون ثمانين؛ لأن كل ضربة بمنزلة سوطين، ولا ينافي ذلك رواية مَن روى أربعين؛ لأنه يكون أربعين ضربة بطرفي السوط، فیکون ثمانین. وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ضرب في الخمر ثمانين، رواه إسحاق ابن أبي إسرائيل قال: حدثنا هشام بن يوسف عن عبد الرحمن بن صخر الأفريقي عن جميل بن كريب عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمر ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر بشارب الخمر فجلده ثمانين))(٣). (١) شرح معاني الآثار ١٥٤/٣، وبمعناه المستدرك ٣٧٦/٤ وقال: صحيح الإسناد. (٢) شرح معاني الآثار ١٥٤/٣ وبمعناه المستدرك ٣٧٦/٤ وقال: صحيح الإسناد. (٣) شرح معاني الآثار ١٥٥/٣.