النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
باب حد قطع الطريق
وإن شاء صلبهم.
وإن شاء قتلهم وترك القطع(٣).
ولم يُرو عنه خلاف ذلك في موضعٍ آخر فيما نعلم.
وذلك لأنه استحق هذه العقوبة بأخذ المال والقتل، وصار جميع ذلك
حدًّاً واحداً.
كما استحق قطع اليد والرجل بأخذ المال، ويكون ذلك حدًّاً واحداً.
كذلك لما استحق القتل والقطع بأخذ المال والقتل على وجه
المحاربة، صار جميع ذلك حدّاً واحداً.
ألا ترى أنَّ القتل في هذا الموضع مستَحق على وجه الحد، كالقطع،
وأن الأولياء لو عفوا: لم يصح عفوهم، فدل ذلك على أنهما جميعاً
كالحدِّ الواحد، فلذلك كان للإمام أن يجمعهما جميعاً عليه.
وله أن يقتلهم، فيدخل فيه قطع اليد والرِّجْل، وذلك لأنه لم يؤخذ
على الإمام الترتيب في الابتداء ببعض ذلك دون بعض، فله أن يبدأ
بالقتل، فيسقط القطع.
فإن قيل: هلا كان قتله مانعاً من قَطْعه، كما لو سرق وقَتل: قُتل ولم
يقطع.
قيل له: لما بينا من أنَّ جميع ذلك حدٌّ واحد، مستَحق بسبب واحد،
وهو القتل، وأَخْذُ المال على وجه المحاربة، وأما السرقة والقتل، فكل
(١) وفي (ق.ج): ((وصلبهم).
(٢) المبسوط ١٩٥/٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٤٢٥/٥.

٣٤٢
باب حد قطع الطريق
واحد منهما مستَحق بسبب غير السبب الذي استحق به الآخر، وقد أُمرنا
بدرء الحدود ما استطعنا، فلذلك بدأنا بالقتل لندرأ الحدَّ، ولما كان هذا
حدَّاً واحداً في قطّاع الطريق، لم يلزمنا إسقاط بعضه وإيجاب بعضه، وهو
مخيَّر مع ذلك بين القتل والصلب، لقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ
يُصَلَّبُواْ﴾.
مسألة: [إذا أخذوا المال وقتلوا]
وذكر أبو جعفر: (أنهم إذا أخذوا المال وقتلوا: قتلهم الإمام، ولم
يقطع لهم يداً ولا رِجْلاً، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد)(١).
قال أبو بكر : وهذا قول محمد، ولا أعلمه روي عن أبي حنيفة
رحمه الله في موضع.
وقول أبي حنيفة المشهور هو ما قدَّمناه، وهو أنَّ له أن يجمع بين
القتل والقطع، وله أن يبدأ بالقتل، فيسقط القطع.
وروی محمد عن أبي یوسف في ذلك مثل قول نفسه سواء.
(وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه قال(٢): إن شاء قطع
أيديهم وأرجلهم، وصَلَبَهم(٣)، وأما الصلب فلا أعفيه منه).
فكان الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف في رواية أصحاب الإملاء
(١) مختصر الطحاوي ص٢٧٦.
(٢) شرح فتح القدير ٤٢٥/٥، بدائع الصنائع ٩٣/٧.
(٣) وفي المختصر ص٢٧٦: ((إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ثم
قتلهم، وإن شاء قتلهم، ولم يقطع أيديهم وأرجلهم)

٣٤٣
باب حد قطع الطريق
إنما هو في ترك الصلب، فقال أبو حنيفة رحمه الله: له أن يقتلهم، ولا
يصلبهم(١)، وقال أبو يوسف: لابدَّ من صلبهم.
مسألة : [الصلب يكون بعد القتل أم قبله؟]
قال أبو جعفر : (والصلب المذكور في آية المحاربة هو الصلب بعد
القتل في قول أبي حنيفة)(٢).
قال أبو بكر : كان أبو الحسن الكرخي يحكي عن أبي يوسف أنه
يُصلب (٣)، ثم يقتل، يُبْعَج برُمحٍ أو غيره، وكان أبو الحسن رحمه الله
يقول: هذا هو الصحيح، وصَلْبه بعد القتل لا معنى له؛ لأن الصلب
عقوبة، وذلك غير ممكن في الميت.
قيل لأبي الحسن رحمه الله: لمَ لا يجوز أن يصلب بعد القتل رَدْعاً
لغيره؟
فقال: لأن الصلب إذا كان موضوعاً للتعذيب والعقوبة، لم يجز فعله
إلا على الوجه الموضوع في الشريعة.
مسألة : [عدم الجمع بين القتل والضمان]
قال أبو جعفر: (ومتىُ وَجَبَ القطع أو القتل: سَقَطَ ضمان المال
والجراحات)(٤).
(١) وفي (ق.ج): ((أن يقتله ولا يصلبه)).
(٢) شرح فتح القدير ٤٢٦/٥، بدائع الصنائع ٩٥/٧، حاشية ابن عابدين
٤/ ٠١١٥
(٣) ومثله في المختصر ص٢٧٦.
(٤) الهداية مع شرح فتح القدير ٤٢٧/٥، بدائع الصنائع ٩٥/٧.

٣٤٤
باب حد قطع الطريق
قال أبو بكر : الأصل في ذلك: أنَّ الحد متى وجب: سقط ضمان ما
تعلق به الحد من حق الآدمي، كالسارق إذا قُطِع: لم يَضمن السرقة،
وكالزاني إذا وجب عليه الحد: لم يلزمه المهر، وكالقاتل إذا وجب عليه
القود: لم يجب معه مال، فكذلك ما وصفنا.
وإذا سقط القطع أو القتل على وجه الحد، وجب ضمان ما تناوله من
مال ونفس، كالسارق إذا دُرِىء عنه القطع: وجب عليه ضمان المال،
وكالزاني إذا سقط عنه الحد: لزمه المهر.
مسألة : [توبة قطاع الطريق]
قال أبو جعفر: (وإن لم يَقْدر الإمام على قُطّاع الطريق حتى جاؤوه
تائبين: سَقَطَ عنهم ما كان وجب من طريق الحد، ووَجَبَ حقوق الآدميين
من القتل، والجراحات، وضمان المال)(١).
قال أبو بكر : أما وجه سقوط الحد المذكور في الآية، فلقول الله
تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَّهِمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ ﴾﴾(٢).
فأخرجهم مِن جملة مَن أوجب عليهم الحد بالاستثناء؛ لأن موضوع
الاستثناء لإخراج بعض ما دخل في الجملة، كقوله تعالى: ﴿إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ
إِنَّا لَمُنَبُوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥) إِلَّا أَمْرَأَتَهُ﴾(٣)، فأخرج آلَ لوط من جملة
(١) المبسوط ١٩٨/٩، بدائع الصنائع ٩٦/٧.
(٢) المائدة: ٣٤.
(٣) الحجر: ٥٩ - ٦٠.

٣٤٥
باب حد قطع الطريق
المهلَكين، وأخرج امرأته من جملة المنجَّيْن، وكقوله عز وجل: ﴿فَسَجَدَ
اٌلْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿ إِلَّ إِبْلِسَ﴾(١)، فكان إبليس خارجاً من جملة
الساجدين، فكذلك لما استثناهم من جملة مَن أوجب عليهم الحد إذا
تابوا قبل القدرة عليهم، فقد نفى وجوب الحد عليهم.
(٢)
فإن قيل: فقد قال في السرقة: ﴿فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ﴾(٢)،
ولم تكن توبة السارق مسقِطةً للحدِّ عنه.
قيل له: لأنه لم يستثنهم من جملة مَن أوجب عليهم الحد، وإنما أخبر
أنَّ الله غفور رحيم لمن تاب منهم، ولا دلالة في ذلك على إسقاط الحد،
وفي آية المحاربين استثناء يوجب إخراجهم من الجملة.
وأيضاً: فإن قوله عز وجل: ﴿ فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ﴾: يصلح
ءُ
أن يكون كلاماً مبتدأ، مستغنياً بنفسه عن تضمينه بغيره، وكل كلام استغنى
بنفسه في إيجاب الفائدة، لم نجعله مضمَّناً بغيره، وأما قوله تعالى: ﴿إِلَّا
الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيَّهِمْ﴾: فمفتقِرٌ في صحته إلى ما قبله، فمن
أجل ذلك كان مضمَّناً به.
وقد روى الشعبي أنَّ حارثة بن زيد حارب الله ورسوله، وسعى في
الأرض بالفساد، ثم تاب من قبل أن يُقْدَر عليه، فكتب عليٌّ رضي الله عنه
إلى عامله بالبصرة: أنّ حارثة بن زيد ممن حارب الله ورسوله، ثم تاب من
(١) الحجر: ٣٠-٣١.
(٢) المائدة: ٣٩.

٣٤٦
باب حد قطع الطريق
قبل أن يُقْدَر عليه، فلا تَعْرِض له إلا بخير (١).
مسألة : [قطاع الطريق في المصر والمدينة]
قال: (ولا يكون قطع الطريق في مصر من الأمصار، ولا مدينة من
المدائن، ولا بقربهما، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.
قال: وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أنهم إذا كابروا أهل
مدينةٍ من المدائن ليلاً: كانوا في حكم قُطّاع الطريق)(٢).
قال أبو بكر: قال أبو يوسف: إذا شَهَروا السلاح نهاراً على أهل مصر
أو قرية: فهم المحاربون، وكذلك إذا فعلوه ليلاً بسلاح أو عِصِيٍّ، وإن
كابروا بالنهار بغير سلاح: فليسوا بمحاربين.
والأصل في ذلك: أنَّ المعنى الذي باين السارقُ به قطاعَ الطريق، هو
أنَّ قاطع الطريق أَخَذَ المال على وجه الامتناع والمحاربة، والسارق أَخَذَه
على وجه الاستخفاء، فوجب عليه القطع، وغُلَظت العقوبة على
المحارب لما باين السارقُ المحاربَ، فالمحاربة على جهة الامتناع.
وها هنا قسم ثالث لا يقطع رأساً، وهو المختلِس الذي أَخَذَ المال لا
على وجه الاستخفاء ولا المحاربة، فأسقط النبي صلى الله عليه وسلم عنه
القطع بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا قطْع على مختلس)) (٣).
ومعلوم أنَّ قطاع الطريق لا مَنَعَة لهم في الأمصار، ولا في المواضع
القريبة منها؛ لأن مَن أرادوا قطع الطريق عليه يلحقه الغوث من جهة أهل
(١) السنن الكبرى ٢٨٤/٨، المحلى لابن حزم ٣٠٢/١١.
(٢) المبسوط ٢٠١/٩، شرح فتح القدير ٤٣١/٥.
(٣) سبق تخريجه.

٣٤٧
باب حد قطع الطريق
المصر، وإن كان في موضع لا يلحقه الغوث من أهل مصر: فهم قُطَّاع
الطريق، فثبت أنهم في المصر بمنزلة المختلس والمنتهب، لا تجري
عليهم أحكام قطاع الطريق، لعدم المنعة فيه.
ووجب أن لا يختلف في المنتهِب حكم الليل والنهار، كما لا يختلف
في المختلس حكم الليل والنهار.
وأيضاً: فإنه إذا ثبت أنهم غير محاربين في المصر نهاراً لما وصفنا،
وجب أن يكون الليل كذلك؛ لأنهم لم يحصل لهم امتناع بالليل، وإنما
أكثر ما فيه غفلة الناس عنهم بنومهم، والنوم لا يوجب لهم امتناعاً، ألا
ترى أنَّ مَن أخذ ثوب إنسانٍ نائم: لم يجز أن يقال: إنه ممتنع لغفلته عنه
بالنوم، فلم يكن بمنزلة قطاع الطريق.
فإن قيل: فيجب أن يكون: لو أنَّ عشرة اعترضوا قافلة فيها ألف رجل
ألا يكونوا محاربين.
قيل له: هم محاربون؛ لأن عشرة قد يجوز أن يمتنعوا على ألف رجل
حتى لا يقدروا عليهم إذا لم يكونوا في المصر، كالأعراب والأكراد
ونحوهم، ولو كانوا في المصر لم يمكنهم أن يمتنعوا على أهل المصر،
فلذلك اختلف حكمهم في المصر وغيره.
وأيضاً: فإن الموضع الذي خرجوا فيه هم فيه ممتنعون، وحضور
القافلة والجمع العظيم هناك شاذ نادر، ولا تقيم القافلة أيضاً هناك، وإنما
هي مجتازة، فلا يُخرجهم من حكم قطاع الطريق باجتيازها هناك.
* وأما أبو يوسف: فإنه لم يعتبر المصر، وإنما اعتبر إمكان معاملتهم
إياه بالقتل وأخذ المال قبل غياث الناس إياه، فإذا كانوا بهذه الصفة: كانوا
قطاع الطريق، وأجرى عليهم حكم المحاربين، ومتى أمكن المقصود

٣٤٨
باب حد قطع الطريق
بذلك أن يستغيث بالناس قبل أن يعاجلوه بالقتل وأخذ المال، لم يكونوا
محاربين.
ومعلوم أنهم إذا حملوا عليه بالسلاح في مصر أو غيره نهاراً، فقد
يمكنهم أن يقتلوه قبل غوث الناس، فكانوا محاربين، وكذلك إذا قصدوه
بعِصِيٍّ وغيره ليلاً في المصر لهذه العلة.
فأما إذا قصدوا بالعِصِيِّ نهاراً، فقد يمكنه أن يستغيث بالناس قبل أن
يأتوا عليه ويأخذوا المال، فلم يكونوا من أجل ذلك محاربين، ألا ترى
أنهم لو هدَّدوه بغير عِصِيٍّ ولا سلاح، لم يكونوا محاربين، وكذلك لو
أخذوا ماله على هذا الوجه، فالحكم إنما تعلق عنده بحصول هذه الحال
التي وصفنا دون الأماكن.
مسألة : [الاشتراك في قطع الطريق]
قال أبو جعفر: (وإن كان الذي ولِيَ القتل من قطاع الطريق بعضُهم:
كان حكمهم في ذلك كحكمهم لو وَلُوه كلَّهم)(١).
قال أبو بكر : وهذا لا نعلم فيه خلافاً بين الفقهاء.
والمعنى فيه أيضاً: أنَّ حكم المحاربة والمنعة لم يحصل إلا
باجتماعهم جميعاً، فلما حصل السبب الذي به تعلق حكم المحاربة
باجتماعهم، وجب أن لا يختلف فيه حكم مَن ولِيَ القتل، ومَن كان منهم
رِدءاً وظهيراً وعوناً، ألا ترى أنَّ الجيش إذا غنموا من أهل الحرب لم
يختلف فيه حكم مَن ولِيَ القتال ومَن كان منهم رِدءاً وظهيراً.
(١) أحكام القرآن ٤١٤/٢، شرح فتح القدير ٤٢٧/٥.

٣٤٩
باب حد قطع الطريق
* قال أبو جعفر : (وسواء قتلوا بحجر أو بعصا أو بسيف في
ذلك)(١).
وذلك لأنا نجري الحكم على مَن لم يلي القتل، فمَن ولِيَ ذلك بعصا
أحرى بذلك.
مسألة : [قطع الطرق على ذي رَحِم مَحْرم]
قال: (وإن كان مِن قُطَّع الطريق ذو رَحِم مَحْرم من المقطوع عليهم
الطريق : لم تقم عليهم الحدود، وقُتِل الذين وَلُوا القتل، وكان ذلك إلى
الأولياء، دون الإمام)(٢).
وذلك لأن مشاركة ذوي الرحم المَحْرم إياهم في ذلك، يمنع وجوب
الحدِّ عليهم؛ لأنه ممن لو تفرَّد لم يجب عليه الحد، كما لو سرقوا وفيهم
ذو رحم مَحْرم: لم يُقطع واحد منهم، وكما لو قتل رجلان رجلاً عمداً،
وأحدهما أبوه أو مجنون: لم يجب القود على واحد منهما، وإذا سقط
الحدُّ ثبت حقوق الآدميين في القصاص، والمال، كما أنّ سقوط القطع في
السرقة يوجب ضمان المال.
مسألة :
قال : (والحكم في قطاع الطريق فيما يُقطع من أيديهم وأرجلهم
كحكم السرَّاق في جميع ما وصفنا، من شلل أيديهم، ومِن ذهاب
بعضها)(٣).
(١) المصدر السابق.
(٢) المبسوط ٢٠٣/٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٤٢٩/٥.
(٣) المبسوط ٢٠٢/٩.

٣٥٠
باب حد قطع الطريق
وذلك للعلة التي وصفناها في السرقة، وهي أنه لا يجوز أن يلحقهم
من الضرر بالقطع أكثر مما هو مستحق بالسرقة.
مسألة : [حكم النساء والصبيان في قطع الطريق]
قال أبو جعفر : (والنساء والعبيد في قطع الطريق، كالرجال
وكالأحرار في جميع ما وصفنا)(١).
قال أبو بكر : قوله في النساء إنهن بمنزلة الرجال في قطع الطريق:
خلافُ المشهور من مذهب أصحابنا، ولا خلاف بين أصحابنا أنَّ المرأة لا
يجري عليها أحكام قطاع الطريق والمحاربين وإن حضرتْ معهم.
وإنما اختلفوا في الرجال المحاربين إذا كانت معهم امرأة، وشاركتهم
في المحاربة، فقال أبو حنيفة وزفر ومحمد(٢): لا يجب الحدُّ على واحد
منهم، وتجب حقوق الآدميين، من ضمان المال والقصاص، سواء كان
الذي ولِيَ القتل المرأة أو الرجال.
وقال أبو يوسف: أقتل الرجال البالغين العقلاء، ولا أَحُدُّ المرأة، ولا
أُضمّنها شيئاً؛ لأن الحدَّ أُقيم على الرجال، سواء كان الذي ولِيَ ذلك
المرأة أو الرجال.
وقال محمد: لا أَحُدُّ الرجال إذا كان فيهم امرأة، وأضمنهم حقوق
الآدميين، فإن كانت المرأة هي التي ولِيَت القتل وأَخْذَ المال: قَتَلْتُها
(١) المبسوط ١٩٧/٩، فتح القدير ٤٣٢/٥، حاشية ابن عابدين ١١٧/٤،
المغني ٣١٤/١٠.
(٢) هكذا في الأصول ذكر محمد مع أبي حنيفة وزفر، وسيأتي بعد قليل ذكر
قول محمد لوحده.

٣٥١
باب حد قطع الطريق
وضمَّنْتُها المالَ، ولم أَحُدَّ الرجالَ، ولا أُضمّنُهم شيئاً.
* وأما العبيد البالغون، فهم بمنزلة الأحرار في قولهم جميعاً.
[مشاركة الصبي لقطاع الطريق]
وإذا شاركهم صبيٌّ أو مجنونٌ: لم يُحَدَّ منهم أحدٌ في قول أبي حنيفة
ومحمد، سواء كان الذي ولَيَ القتل وأَخْذ المال الصبيُّ، أوالمجنون، أو
الرجال العقلاء.
وقال أبو يوسف: إن كان الذي ولِيَ القتل وأَخْذ المال الرجالُ
البالغون: أُجري عليهم أحكام قطاع الطريق، وإن ولِيَه الصبي أو المجنون:
لم يجب على أحد منهم قطع ولا قتل.
وفرَّق أبو يوسف بين المرأة إذا ولِيَت القتل وأخذت المال، وبين
الصبي والمجنون إذا وليا ذلك(١).
وجهة الفرق بينهما: أنَّ فِعْل المرأة صحيح يتعلق عليه الأحكام، ألا
ترى أنها إذا سرقت: قُطعت، وإذا قَتَلت: قُتِلت، فلا يسلبهم حضورها
حكم قطاع الطريق، ويكون فِعْلها في ذلك كفعلهم؛ لأن فِعْل أحدهم
كفعل جميعهم فيما يستحق به من حكم المحاربة، فلذلك لم يختلف حكم
فعلها وفعلهم.
ولا تُجرى عليها عنده حكم المحاربين؛ لأنها ليست من أهل القتال
والمحاربة، ولا يحصل بها امتناع، ألا ترى أنها إذا حضرت قتال
المشركين: لم يُسْهَم لها، إلا أنها مع ذلك حضورها ليس بشبهة في سقوط
الحد عن الباقين، فكانت في ذلك بمنزلة مَن لم يحضر.
(١) شرح فتح القدير ٤٢٩/٥.

٣٥٢
باب حد قطع الطريق
وأما الصبي والمجنون فإن حضورهما عنده كلا حضور، فإن قتلا أو
أخذا المال: لم تُجْرَ أحكام المحاربين إلا على الرجال العقلاء؛ لأن فعلهما
ليس بفعل صحيح في السرقة والقتل ونحوه مما يتعلق به حدٍّ أو قصاص.
وفارقا المرأة من هذا الوجه، إلا أنهما والمرأة سواء في أنَّ حضورهما
ليس بشبهة في سقوط الحد عن الرجال.
* وأما أصل أبي حنيفة ومحمد في ذلك: فهو أنّ المرأة والصبي
والمجنون، لما لم يكونوا من أهل المحاربة، ثم شاركوا المحاربين في
الخروج والاجتماع، وهو السبب الذي به حصل الامتناع وحكم المحاربة:
وجب أن يكون ذلك شبهة في سقوط الحد عن الباقين، كما لو كان معهم
ذو رَحِم مَحْرم من المقطوع عليهم، كانت مشاركته إياهم شبهة في سقوط
الحد عن الباقين؛ لأنه لو انفرد بذلك لم يُحَدَّ، كذلك إذا شارك الآخرين،
فكان ذلك حكم المرأة والمجنون والصبي.
ألا ترى أنَّ النساء لو انفردن بالخروج، وقَطْعِ الطريق: لم تُجْرَ عليهن
أحكام قطاع الطريق في قولهم جميعاً، كذلك إذا شاركن الرجال، وكما لو
شاركهم في السرقة مَن لايجب عليه القطع: كان ذلك شبهة في سقوط
القطع عن الآخرين، وكالرجلَيْن إذا قتلا رجلاً، وأحدهما أبوه، أو
مخطىء، أو مجنون.
مسألة : [اشتراط نصاب السرقة في قطع الطريق]
قال أبو جعفر: (ولا يكون على قطاع الطريق فيما أخذوا من
الأموال ما يوجبه أَخْذ الأموال في ذلك من العقوبة، حتى يكون الذي
يصيب كل واحد منهم من ذلك المال إذا قَسِم على عددهم: عشرة

٣٥٣
باب حد قطع الطريق
دراهم فصاعداً، أو قيمتها)(١).
وذلك لأن قطعهم لمَّا تعلق بأخذ المال، وَجَبَ اعتبار المقدار فيه،
كاعتباره في السرقة حين تعلق القطع فيها بأخذ المال، وعلى أنه إذا ثبت
أن حكم القطع يتعلق فيه بأخذ المال، فلا خلاف في اعتبار المقدار فيه؛
لأن كلَّ مَن أوجبه لأجل المال، اعتبر فيه المقدار.
* وإنما لم يعتبر مالك بن أنس في ذلك مقدار المال المأخوذ؛ لأن
من أصله: أنهم يستحقون أحكام المحاربين من غير أَخْذ المال(٢)، والله
أعلم.
(١) المبسوط ٩/ ٢٠٠، الهداية مع شرح فتح القدير ٤٢٣/٥.
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٤٨/٤.

٣٥٥
كتاب الأشربة
كتاب الأشربة
وأحكامها(١)
مسألة : [نقيع الزبيب]
قال أبو جعفر: (ونقيعُ الزبيب إذا لم يُطبخ لا بأس به ما لم يَغْلِ
ويشتدَّ، فإذا غلى واشتدَّ: فلا خير فيه)(٢).
قال أبو بكر : أما إذا لم يُغْلِ: فلا خلاف بين الأمة في إباحة شربه،
وكذلك نقيع العنب، ونقيع التمر، وأما إذا غلىُ: فهو محرَّمٌ عندنا،
وكذلك نقيع التمر وهو السكر.
والأصل فيهما: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة، والعِنَبة))(٣).
(١) الأشربة: جمع: شراب: وهو اسمٌ لما يشرب من المائعات، كالأطعمة،
جمع: طعام، والمراد بها هنا: الأشربة المحرمة، وما يجب فيه الحد منها. ينظر:
البناية ٤٩٤/٩، المصباح مادة (شرب).
وفي المختصر المطبوع ص٢٧٧: (كتاب الأشربة وأحكامها، وما تجب فيه
الحدود منها، ومقادير الحدود فيها).
(٢) الجامع الصغير ص ٤٨٥، أحكام القرآن ٤٦١/٢، المبسوط ١٣/٢٤،
البناية شرح الهداية ٤٩٥/٩، المغني ٣٣٦/١٠، بدائع الصنائع ٢٩٤٢/٦ ط مصطفى
البابي الحلبي، حاشية ابن عابدين ٦/ ٤٥٢.
(٣) صحيح مسلم ١٥٧٣/٢ ح١٩٨٥، سنن الترمذي ٢٩٨/٤، سنن أبي داود
=

٣٥٦
كتاب الأشربة
وهذا اللفظ يتناول أولَ خارجٍ منهما من الشراب، وهو النَّء منه قبل
انتقاله إلى حال أخرى بالطبخ.
وأيضاً: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال:
حدثنا الحميدي قال: حدثنا أيوب اليمامي قال: حدثنا عمر بن حفص قال:
حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه ((أنه كان وَصيفاً (١) يُدير الكأس على
ناسٍ من الأنصار في ناحية فيهم أبو طلحة، وما بالمدينة يومئذٍ خمر إلا
البُسْر والتمر، فكانوا يشربونه، وأنا أدير عليهم الكأس، فأتينا، فقيل: إن
الله عز وجل قد حرَّم الخمر.
فأهراقوا ما بقي من شرابهم، وانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وأنا معهم، فجاء رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله! إني
كنتُ أبيع خمراً من التمر والبُسْر في خابيةٍ ليتيم في حِجْري؟
قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى يديه على
الأخرى، وقال: «قاتل الله اليهود: حُرِّمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا
أثمانَها، أهرِقْه))(٢).
وقد ذُكر في بعض ألفاظ الحديث عن أنس: ((وكان خمرهم يومئذٍ
الفضیخ))(٣).
٤/ ٠٨٤
(١) الوصيف: هو الخادم. ينظر مختار الصحاح (وصف).
(٢) مختصراً بمعناه رواه مسلم ١٥٧١/٢، سنن أبي داود ٨١/٤، سنن النسائي
٢٨٧/٨.
(٣) الفضيخ: شراب متخذ من البُسْر المفضوخ، أي المشدوخ، السنن الكبرى
=

٣٥٧
كتاب الأشربة
ودلالة هذا الخبر على تحريم نقيع التمر من وجوه:
أحدها: قوله: ((وكان خمرهم يومئذٍ البُسْر والتمر))، وفي بعضه:
((الفضيح))، وهو نقيع البسر، ثم أخبر أنَّ الأنصار الذين كان يسقيهم
إِهراقوها حين بلغهم تحريم الخمر، فدلَّ ذلك على تحريمه عندهم من
وجهين: أحدهما: إطلاق اسم الخمر عليه، وأنهم علّقوا تحريمه بتحريم
الخمر.
والآخر: اتفاقهم على تحريمه، مع ما روي في تحريمه عن عمر، وابن
مسعود، وابن عمر رضي الله عنهم في آخرين من الصحابة، فصار ذلك
إجماعاً من السلف عليه.
والوجه الآخر من الدلالة على ذلك: قول الأنصاري: يا رسول الله!
إني كنت أبيع خمراً من التمر والبسر في خابية ليتيم، فأمره النبي صلى
الله عليه وسلم بإراقته، فلم ينكر عليه الصلاة والسلام تسميته إياه
خمراً، فاقتضى ذلك تحريمه، ثم أمره بإراقته، واقتضى ذلك أيضاً
تحریمە.
مسألة : [حكم الأنبذة]
قال أبو جعفر : (وكل شيء من الأنبذة - سوى نبيذ الزبيب -: النقيع
من العسل والذَّرَة والزبيب والتمر وما سواهن، عَتِق أو لم يَعْتِق، خُلِط
بعضُه ببعض أو لم يُخلط، بعد أن يُطبخ: فلا بأس به، وإنما المكروه نبيذ
الزبيب المعتَّق إذا غلى، وهذا كله قول أبي حنيفة رضي الله عنه الذي رواه
٢٨٦/٨، مصنف عبد الرزاق ٢١٢/٩، شرح معاني الآثار ٢١٣/٤.

٣٥٨
كتاب الأشربة
محمد عن أبي يوسف في كتاب الأشربة من الأصول)(١).
قال أبو بكر : لا فرق بين المعثَّق وغير المعثَّق من نبيذ الزبيب والتمر
بعد أن يكون مطبوخاً عند أبي حنيفة، والذي ذكره أبو جعفر عن أبي
حنيفة من كراهة نبيذ الزبيب المعتَّق غير معروف، والأصل الذي يجمع
مذهب أبي حنيفة في ذلك: ما رواه ابن رُستم عن محمد قال: قال أبو
حنيفة: الأنبذة كلها حلال إلا أربعة أشياء: الخمر، والمطبوخ إذا لم يذهب
ثلثاه ويبقى ثلثه - قال أبو بكر: يعني مطبوخ العنب -، ونقيع التمر - فإنه
سكر-، ونقيع الزبيب.
وأما أبو يوسف: فإنه كان يقول في سائر الأشربة إذا بقيت بعد البلوغ
عشرة أيام: فلا خير فيها، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة. روى ذلك ابن
سماعة عنه.
وحكى ابن شجاع عن الحسن بن أبي مالك أن أبا يوسف قيل له: هل
في نفسك من النبيذ شيء؟ فقال أبو يوسف: وكيف لا يكون؟ في نفسي
منه شيء، وقد اختلف فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في
نفسي منه مثل الجبال.
وأما محمد بن الحسن: فإن هشاماً ذكر أنه سأله عن النبيذ ما أسكر
كثيره؟ فقال: أحبُّ إلي أن لا أشربه، ولا أحرِّمه.
وقال في كتاب الأشربة من الأصل: وقال أبو يوسف: يكره كل شراب
من الأنبذة يزداد جودة على طول الترك، ولا أجيز بيعه، ووقتُه عشرة
(١) المراجع السابقة الفقهية.

٣٥٩
كتاب الأشربة
أيام، فإذا بقي أكثر من عشرة أيام: فهو مكروه، وإن كان يحمض في عشرة
أیام، أو أقل: فلا بأس به.
وهو قول محمد، ثم رجع أبو يوسف وحده، وقال: لا بأس بذلك كله(١).
والذي ذكره أبو جعفر من قول أبي يوسف في كراهة المعثَّق، هو
مرجوعٌ عنه من قول أبي يوسف إلى قول أبي حنيفة، قد روى رجوعَه
جماعة.
* فأما الحجة لما قدمنا ذكره من قول أبي حنيفة في إباحة ما خلا
الأربعة الأشربة التي ذكرناها: فهي من جهة ظاهر الكتاب، والسنة،
واتفاق السلف، والنظر.
[دليل الإباحة من القرآن الكريم]
فأما جهة الظاهر، فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ نُسْقِيَكُمْ مِمَا فِى
بُطُونِهِ، مِنْ بَيِّنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لََّنَا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّرِبِينَ ﴿ وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ
تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَّاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾(٢).
وكان المفهوم من ظاهر هذا الخطاب إباحة جميع ما ذُكر في هذه
الآيات، إذ كانت واردة مورد الامتنان بها، وبيَّن موضع النعمة بإباحة
منافعها.
والسَّكَر: اسمٌ يتناول النبيذ على الإطلاق، لما حُدِّثنا عن علي بن عبد
العزيز عن أبي عبيد قال: حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عطاء
(١) المبسوط ٨/٢٤.
(٢) النحل: ٦٦ -٦٧.

٣٦٠
كتاب الأشربة
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((السَّكَر النبيذ)).
وروى مندل بن علي عن أبي روق عن الشعبي قال: ((هو ما يصنع منه
من النبيذ، والرزق الحسن: ما كانوا يصنعونه من الزبيب والتمر))(١).
وإذا تناوله الاسم على الإطلاق، دخل في الإباحة، فلم يخرج منها
شيء إلا بدلالة.
وقد روي عن بعض السلف: ((أنَّ السَّكَر الخمر))(٢).
وقال بعضهم: نقيع التمر.
وهو عندنا يتناول جميع ذلك، وظاهر الآية يقتضي إباحة الكل، إلا
أنَّ الدلالة قد قامت على تحريم الخمر، ونقيع التمر، فأخرجناهما من
الجملة، وبقي حكم اللفظ فيما عداهما.
* وأخرى من جهة الظاهر: وهو قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأُشْرَ بُواْوَلَا
تُرِفُوا﴾(٣).
فتضمن ظاهره إباحة جميع المشروب ما دون السَّرَف، والسَّرَف هو
مجاوزة الحد عن مقدار ما أبيح منه.
وقال تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُ اَ لْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ
(١) أحكام القرآن ٣٢٢/١.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٢٩/٨.
(٣) الأعراف: ٣١.
٠