النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ كتاب السرقة خارجة عن هذين المعنيين، فلم تكن يده صحيحة، ألا ترى أنَّ السارق لو استهلكه بعد ما قُطِع: لم يضمنه، فعلمتَ أنها ليست بيد ضمان، وليست بيد أمانة؛ لأن المسروق منه لم يأتمنه عليها، وقد أخذها من يده بغير إذنه، فلما كان كذلك، كان كأنه سرق من غیر یدٍ، فلم يقطع. وأيضاً: إن السارق عندنا إذا قُطع، ليس له أن يخاصم المسروق منه في رده إلى يده، وكذلك لو غصبه منه غاصب، لم تكن له الخصومة في رده إلى يده، فلما لم يكن خصماً في إثبات السرقة، لم يقطع سارقه. مسألة : [لو سُرق المسروق نفسه مرة ثانية] (ومَن سرق ثوباً، فقُطع فيه، ثم سرق مرة أخرى: لم يقطع) (١). والأصل في ذلك: أنه لا يجوز عندنا إثبات الحدود بالقياس، وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق، فلما عدمناهما فيما وصفنا، لم يبق في إثباته إلا القیاس، ولا يجوز ذلك عندنا. فإن قيل: هلا قطعتَه بعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَهُوَأ أَيْدِيَهُمَا﴾(٢). قيل له: السرقة الثانية لم يتناولها العموم قط؛ لأنها توجب قَطْع الرِّجْل، والقطع الذي توجبه الآية إنما هو قطع اليد. وأيضاً: فإن وجوب القطع يتعلق بالفعل والعين جميعاً، والدليل على (١) المبسوط ١٦٥/٩. (٢) المائدة: ٣٨. ٢٨٢ كتاب السرقة ذلك: أنه متى سقط القطع، وجب ضمان العين، كما أنَّ حدَّ الزنى لما تعلق بالوطء، كان متى سقط الحد، وجب ضمان الوطء، وكما أنه لمَّا تعلق وجوب القصاص بقتل النفس، كان متى سقط القصاص، وجب ضمان النفس. وكذلك وجوب ضمان العين في السرقة عند سقوط القطع، يوجب اعتبار العين في ذلك، فلما كان فعل واحدٍ في عينين لا يوجب إلا قطعاً واحداً، كان كذلك حكم الفعلين في عين واحدة ينبغي ألا يوجب إلا قطعاً، إذ إنَّ لكل واحد من المعنيين - أعني الفعل والعين - تأثيراً في إيجاب القطع. فإن قيل: فلو زنى بامرأة، فحُدَّ، ثم زنى بها مرة أخرى: حُدَّ ثانياً، مع وقوع الفعلين على عين واحدة. قيل له: لأنه لا تأثير ههنا لعين المرأة في تعلق الحد بها، وإنما وجوب حد الزنى تعلق بالوطء، ولا تأثير لعين المرأة فيه. والدليل على ذلك: أنه متى سقط الحد، ضمن الوطء، ولم يضمن عين المرأة، وفي السرقة متى سقط القطع، صارت عين السرقة مضمونة علیه. وأيضاً: فقد صارت السرقة في يده بعد القطع في حكم المباح التافه، بدلالة أنَّ استهلاكه لا يوجب عليه ضمانه، فوجب أن لا يقطع فيها بعد ذلك، كما لا يقطع في سائر المباحات التافهة في الأصل، وإن حصلت ملكاً للناس، كالطين والخشب والحشيش والماء. ومن أجله قالوا: لو كان غزلاً، فنسجه ثوباً بعد ما قُطِعٍ، ثم سرقه مرة ٢٨٣ كتاب السرقة أخرى: قطع فيه (١)؛ لأن حدوث هذا الفعل فيه يبطل حكم الإباحة المانعة من وجوب القطع. كما أنه لو سرق خشباً: لم يقطع فيه، ولو كان جعل منه باباً، فحدث فيه من الصنعة ما يُخرجه عن الحالة الأولى، ثم سرقه: قطع فيه (٢). وأيضاً: لما كان حصول القطع فيه يوجب إبراءه من استهلاكه، قام القطع فيه مقام دفع قيمته، فصار كأنه عوضه عنه، فأشبه حصول الملك له في المسروق؛ لأن استحقاق البدل عليه يوجب له الملك، فلما أشبه الملك من هذا الوجه: سقط القطع؛ لأن القطع تسقطه الشبهة، والشبهة أن یشبه المباح من وجه. مسألة : [سرقة المسروق بعد تغيير هيئة الشيء المسروق] قال أبو جعفر : (ولو سرق غَزْلاً قيمته عشرة دراهم، فقُطع فيه، ثم نَسَجَ ذلك الغزل ثوباً، فسرقه مرة أخرى: قُطِع)(٣). قال أبو بكر : وذلك لأن هذه عينٌ غير الأُولىُ في الحكم، من قِبَل أنّ مستحق الغزل لا يستحق الثوب بملكه الغزل، والدليل عليه: أنَّ مَن غصب من رجل غزلاً، فنسجه ثوباً: لم يستحق مالك الغزل الثوب، وكان الثوب للغاصب عندنا، فلما كان ذلك في حكم عين أخرى، وجب أن يُقطع، كما لو سرق ثوباً آخر: قُطع فيه. ولا يلزم هذه المسألة على شيء مما قدَّمنا من حِجَاج المسألة، أما (١) المبسوط ١٧٤/٩. (٢) بدائع الصنائع ٦٨/٧. (٣) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٧٩/٥. ٢٨٤ كتاب السرقة الحجاج الأول، فإنها كانت من جهة نفي القطع إلا بتوقيف أو اتفاق، والقطع في الثوب باتفاق وإن كان قد قطع في غزله مرة. وعلى العلة الثانية لا تلزم أيضاً؛ لأن هذه غير الأولى في الحكم، لما بينا، وقد كانت العلة أنّ حكم القطع متعلق بالعين، وليست هذه تلك العين في الحكم. وعلى علة الإباحة أيضاً لا تلزم؛ لأن حدوث هذا الضرب من الصنعة يقطع عنه حكم الإباحة على ما بينًا. ولا يلزم أيضاً على علة إقامة القطع مقام أخذ البدل؛ لأن هذا لما كان في الحكم عيناً أخرى، لم يثبت فيها حكم الملك بأخذ البدل على عين غيرها. مسألة : [حكم الطرَّار] قال أبو جعفر: (ومَن طَرّ(١) من رجل دراهمَ كانت معه يجب في مثلها القطع، فإن أبا حنيفة كان يقول: إن طرَّها من خارج الكُمِّ: لم يُقطع، وإن طرَّها من داخله: قُطِع، وقال أبو يوسف: قُطْع في الوجهين)(٢). الأصل فيه: أنَّ وجوب القطع متعلق بانتهاك الحرز بأخذه على وجه الاستسرار، والكُمُّ حِرْزٌ لما فيه، ولا يمكن انتهاكه إلا بإدخال يده فيه، فوجب القطع، إذ هو سارقٌ منتهكٌ للحرز بسرقته، وهذا هو شريطة (١) طرَّ الشيء: قطعه، وطرَّ الثوب والكُمّ: شقّه، وطَرَّ الهمايين أي الأكياس التي تُجعل فيه الدراهم، وتوضع وتُشد على الوسط: أي شقها. ينظر المغرب ١٩/٢، المصباح المنير (طرر). (٢) الهداية مع شرح فتح القدير، والعناية ٣٩٠/٥. ٢٨٥ كتاب السرقة وجوب قطع السرَّاق. وأما إذا طرَّها من خارج الكم، فإن خارج الكم ليس بحرز، فلا يكون ما كان خارج الكُمِّ محرَزاً بالكُمِّ، كما لا يكون خارج الدار حرزاً، ولا یکون باب الدار حرزاً بالدار. وليس أخذ الصُّرَّة من الكُمِّ كأخذ المتاع من البيت إذا لم يدخله، فلا يجب القطع؛ لأن انتهاك حرز البيت إنما يكون بدخوله، وأَخْذ المال منه، ولا يمكن انتهاك حرز الكُمِّ بدخوله، وإنما ينتهك بإدخال اليد وأخذه. مسألة : [تغيير هيئة الذهب والفضة المسروق] قال: (ومَن سرق فضة أو ذهباً يساوي عشرة دراهم فقُطِع فيه، وقد عمل الفضة دراهم، أو الذهب دنانير، فإن أبا حنيفة قال: يردَّان الدراهم والدنانير على المسروق منه، وقال أبو يوسف ومحمد: لا سبيل عليهما)(١). قال أبو بكر : هذه المسألة مبنية على أصله: في أنَّ الصنعة لا تأثير لها في إسقاط حق المغصوب منه، ألا ترى أنه يقول فيمن غصب فضة، فضربها دراهم (٢)، أو صاغها حلياً: أنَّ للمغصوب منه أخذها بعينها، ولا يمنع ما أحدث فيها من الصياغة من أخذ عينها. وقال أبو يوسف ومحمد: لا سبيل للمغصوب منه عليها، ولكن يضمن الغاصب المثل أو القيمة. فلذلك قال أبو حنيفة: له أخذها في السرقة، وقال أبو يوسف (١) المبسوط ١٧٤/٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٤٢٠/٥. (٢) وفي (ج): ((أو ذهباً فضربه دنانيراً)). ٢٨٦ كتاب السرقة ومحمد: قد انقطع حقه عنها، وصار ما أحدث فيها مستهلِكاً لها، ولا يضمن شيئاً؛ لأن حصول القطع ينفي الضمان. وإنما لم يكن للصنعة تأثير فيهما؛ لأنها لا تخرجها عن حكمها في كونهما موزونة، ولا يخرج عن حال الوزن، ولا يجوز التفاضل فيه، والعين مع ذلك باقية؛ لأن اسم الفضة لم يزل عنها. وليست كالحنطة إذا طحنها؛ لأن عين الحنطة معدومة مع زوال المنافع، إذ لا تسمى حنطة بعد الطحن، وإن كان اعتبار المساواة واجباً فيها. ووجهٌ آخر: وهو أنَّ حق المغصوب إنما ينقطع بالصنعة إذا أزال عُظْم منافع العين، كالحنطة إذا طحنت ونحوها، وعُظْم منافع الذهب والفضة باق مع وجود الصنعة؛ لأن المبتغى منهما أعيانهما، لا الصنعة، فلم ينقطع حق صاحبها بحدوث الصنعة. وليست كالحديد إذا ضربه سيفاً، أو إناءً من وجهين: أحدهما: أن الحديد يخرج بالصنعة عن حكمه الأول، حتى يصير غير موزون بعد أن كان موزوناً، وليس كذلك الذهب والفضة. والوجه الآخر: أنَّ عُظْم منافع الحديد ونحوه إنما هو في الصنعة الموجودة فيه، لا في عينه، لأنه لا ينتفع بهما إلا بالصنعة، ألا ترى أنَّ الصنعة فيه قد يجوز أن تأتيَ على قيمة الأصل، وأما الذهب والفضة فالمبتغى منهما اقتناؤهما وادخارهما، لا الصنعة، وذلك موجود مع عدم الصنعة. [تغيير هيئة الحدید المسروق] قال: (ومَن سرق حديداً، فعمله كوزاً، ثم قُطع فيه: لم يكن ٢٨٧ كتاب السرقة للمسروق منه على الكوز سبيل في قولهم). وذلك لما بينًا أنَّ حدوث الصنعة فيه يقطع حق صاحبه عن العين، ولا يضمن شيئاً لأجل حصول القطع. مسألة : [تكرار الإقرار في السرقة] قال: (ومَن أقرَّ بالسرقة عند الإمام مرة واحدة: قُطع في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لم يقطع حتى يقرَّ مرتين)(١). وجه قولهما: ما روى عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أُتي بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله! هذا سرق. فقال عليه الصلاة والسلام: ما إخاله سرق، فقال السارق: بلى يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: اذهبوا به فاقطعوه، فقُطِع))(٢). ورواه غير الدراوردي عن يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكروا فيه أبا هريرة، منهم: الثوري، وابن جريج، ومحمد بن إسحاق. قال أبو بكر: على أي وجه حصلت الرواية، فحكمه ثابت؛ لأن (١) المبسوط ١٨٢/٩، بدائع الصنائع ٨٢/٧، المغني ٢٨٦/١٠. (٢) سنن أبي داود ٤٥٣/٤ ح ٤٣٨٠، الفتح الرباني ١١٢/٦، المستدرك ٣٨١/٤، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، نصب الراية ٣٧١/٣، نيل الأوطار ٣٠٨/٧. ٢٨٨ كتاب السرقة إرسال مَن أرسله لا يمنع صحة وَصْل مَن وَصَلَهُ (١). وعلى أنه لو حصل مرسلاً، كان حكمه ثابتاً؛ لأن المرسل والموصول عندنا سواء فيما يوجبان من الحكم، فقد قطعه النبي صلى الله عليه وسلم بإقراره مرة واحدة. فإن قيل: إنما قطعه بالشهادة؛ لأنهم قالوا: سرق. قيل له: ليس كذلك؛ لأنه لو كان كذلك، لاقتصر عليها، ولم يرجع إليه في مسألته وتلقينه الجحود، فلما قال عليه الصلاة والسلام بعد ما قالوا سرق: ((ما إخاله سرق))، ولم يقطعه حتى أقرَّ، ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قطعه بإقراره دون الشهادة. فإن قيل: روى حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبي المنذر مولى أبي ذر عن أبي أمية المخزومي ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي بلصِّ اعترف اعترافاً، ولم يجد معه المتاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما إخالك سرقت. قال: بلى يا رسول الله، فأعادها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثاً، قال: بلى، فأمر به فقُطْع)) (٢). ففي هذا الحديث أنه لم يقطعه بإقراره مرة واحدة، وهو أقوى إسناداً من الأول. قيل له: ليس في الخبر بيان موضع الخلاف بيننا، وذلك لأنه ليس فيه (١) أحكام القرآن ٢/ ٤٢٧. (٢) سنن أبي داود ٥٤٢/٤ ح ٤٣٨٠، الفتح الرباني ١١٢/١٦، التلخيص الحبير ٦٦/٤. ٢٨٩ كتاب السرقة إقرار السارق مرتين، وإنما فيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أعاد عليه القول مرتين أو ثلاثاً، وليس يمتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أعاد عليه القول مرتين أو ثلاثاً قبل أن يُقِرَّ، ثم أقرَّ. فإن قيل: فقد قال: اعترف اعترافاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما إخالك سرقت))، فأعاد مرتين أو ثلاثاً. قيل له: يحتمل أن يريد به اعترف بعد ما قال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مرتين أو ثلاثاً. وأيضاً: لو ثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أعاد ذلك عليه بعد الإقرار الأول، لم يكن فيه دلالة على أنَّ الإقرار الأول لم يتعلق به وجوب القطع، إذ ليس يمتنع أن يكون حَدُّ القطع وجب، فأراد النبي صلى الله علیه وسلم أن يتوصل إلى إسقاطه بتلقينه الرجوع عنه. فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما ينبغي لولي أمرٍ أن يؤتى بحدٍّ إلا أقامه))(١)، فلو كان القطع واجباً بإقراره بدءاً، لما اشتغل عليه الصلاة والسلام بتلقينه الرجوع عنه، ولسارع إلى إقامته. قيل له: ليس وجوب القطع مانعاً من استثبات الإمام في أمره، ولا موجباً عليه قطعه في الحال؛ لأن ماعزاً قد أقرَّ عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنى أربع مرات، فلم يرجمه حتى استثبته، وقال: ((لعلك لمست، أو قبَّلت))، وقال لأهله: ((أبه جِنَّة))(٢)، ولم يدل ذلك على أنَّ الرجم لم يكن قد وجب بالإقرار أربع مرات. (١) سبق تخريجه. (٢) سبق تخريجه. ٢٩٠ كتاب السرقة ولا يعترض حكم هذا الخبر على ما رويناه من خبر أبي هريرة؛ لأن فيه أمراً بقطعه حين أقرَّ مرة واحدة، ومعلوم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يُقْدِمِ على إقامة حدٍّ لم يجب بعد، وليس يمتنع أن يؤخِّر إقامة حدّ قد وجب، للاستثبات والأخذ بالثقة. ويدل على صحة ما ذكرنا: ما روى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري عن أبيه ((أنَّ عمرو بن سمرة أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني سرقت جملاً لبني فلان، فأرسل إليهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا فَقَدْنا جملاً لنا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فقُطعت يده))(١). ففي هذا الخبر أيضاً أنه قطعه بإقراره مرة واحدة. * ووجهه من طريق النظر: أنَّ السرقة المقَر بها لا تخلو من أن تكون عيناً أو غير عين، فإن كانت عيناً، ولم يجب القطع بالإقرار الأول، فقد وجب ضمانها لا محالة، من قِبَل أنَّ صحة الملك للآدمي تثبت بالإقرار الأول، ولا تتوقف على الإقرار الثاني، وإذا ثبت له الملك، ولم يثبت القطع، صارت مضمونة عليه، وحصول الضمان ينفي القطع. وإن كانت السرقة المقَر بها ليست بعين، فقد صارت ديناً بالإقرار الأول، وحصولها في ذمته، ينفي القطع على ما وصفنا. فإن قيل: إذا جاز أن يكون حكم تناوله على وجه السرقة بدءاً موقوفاً غير موجب للضمان إلا على شريطة نفي القطع، فهلاّ جعلتَ حكم إقراره موقوفاً في تعلق الضمان به على سقوط القطع أو وجوبه. (١) سبق تخريجه. ٢٩١ كتاب السرقة قيل له: لأن نفس الأخذ يوجب القطع إذا ثبت بشهادة، وليس هو بموقوف، وإنما يجب الضمان بعد سقوط القطع، وأما الإقرار فإن لم يكن أوجب القطع بدءاً، فينبغي أن يوجب الضمان، ووجوب الضمان ينفي القطع؛ لأن الإقرار الثاني لا ينفي ما قد حصل عليه من الضمان النافي للقطع بإقراره الأول. فإن قيل: هذا اعتلالٌ منتقِض بالإقرار بالزنى؛ لأن إقراره الأول بالزنى إذا لم يوجب حدًّاً، فلا بدَّ من إيجاب المهر به؛ لأن الوطء لا يخلو من إيجاب حدٍّ أو مهر، وإذا انتفى الحد، ثبت المهر، وإقراره الثاني والثالث والرابع لا يسقط المهر الواجب بدءاً، وهذا يؤدي إلى سقوط اعتبار عدد الإقرار في الزنى، ولما صح وجوب اعتبار عدد الإقرار في الزنى مع وجود العلة التي من أجلها منعت اعتبار عدد الإقرار في السرقة، دل ذلك على فساد اعتلالك. قيل له: ليس الأمر على ما ظننتَ، وذلك أنَّ سقوط الحد في الزنى لا على معنى الشبهة لا يجب به مهر؛ لأن البضع لا قيمة له إلا من جهة العقد أو شبهة عقد، فإذا عري من ذلك، لم یجب مهر. ويدل على ذلك: اتفاقهم جميعاً على أنه لو أقرَّ بالزنى مرة واحدة، ثم مات، أو قامت عليه البينة بالزنى، ومات قبل أن يُحدَّ: لم يجب عليه المهر في ماله، ولو مات بعد إقراره مرة واحدة بالسرقة، لكانت السرقة مضمونة عليه باتفاق منهم جميعاً. فقد حصل من قولهم جميعاً إيجاب الضمان بإقراره مرة واحدة بالسرقة، وسقوط المهر مع الإقرار بالزنى وإن لم يحصل به حدٍّ. * ومما يُحتج به لأبي يوسف: ما روى الأعمش عن القاسم بن عبد ٢٩٢ كتاب السرقة الرحمن عن أبيه ((عن علي رضي الله عنه أنَّ رجلاً أقر عنده بسرقة مرتين، فقال: قد شهدتَ على نفسك شهادتين، فأمر به فقُطِع، وعلّقها في عنقه))(١). وليس في هذا الحديث أيضاً دلالة على أنه كان من مذهب علي رضي الله عنه أنه لا يقطع إلا بالإقرار مرتين؛ لأنه إنما قال: شهدتَ على نفسك شهادتين، ولم يقل: لو أقررتَ مرة واحدة لم أقطعك، ولا أنه لم يقطعه حين أقر مرة واحدة، حتى أقرَّ مرتين. * ومما يحتج به لأبي يوسف من طريق النظر: أنَّ هذا لما كان حدَّاً تسقطه الشبهة، وجب أن يكون أقل ما يصح به إقراره مرتين، كالزنى اعتبر فيه عدد الإقرار بعدد الشهادة. ويلزمه على هذا الاعتبار الإقرار بشرب الخمر بالشهادة عليه؛ لأنه حدٌّ تسقطه الشبهة، إلا أنَّ في غالب ظني أني سمعت أبا الحسن الكرخي رحمه الله(٢) أنه قد وجد عن أبي يوسف في شرب الخمر أنه لا يُحدُّ حتى يقرّ مرتین کعدد الشهود في إثباته. ولا يلزمه عليه حد القذف؛ لأن المطالبة به حق الآدمي، وليس كذلك سائر الحدود، لأنه لا حقَّ لآدمي فيها، وإنما الحق لله تعالى فيها. وهذا الضرب من القياس مدفوع عندنا؛ لأن المقادير لا تؤخذ من طريق المقاييس فيما كان هذا وصفه، وإنما طريقها التوقيف. (١) مصنف ابن أبي شيبة ٩/ ٤٩٤، مصنف عبد الرزاق ١٩١/١٠. (٢) أحكام القرآن ٤٢٩/٢. ٢٩٣ كتاب السرقة مسألة : [شهادة النساء في الحدود والقصاص] قال: (ولا تُقبل شهادة النساء في حدٍّ، ولا قصاص، ولا شهادة على شهادة)(١). قال أبو بكر: الأصل في ذلك: ما روى الزهري أنه قال: ((مضت السُّنَّة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده ألا تُقبل شهادة النساء في الحدود، ولا في القصاص))(٢). ولأن النساء قائمات في الشهادة مقام الرجل، قال الله تعالى: ﴿فَإِنِ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾(٣)، فلم يجز أن يثبت بهن حدٌّ، كالشهادة على الشهادة، ولا نعلم خلافاً في أنَّ الشهادة على الشهادة غير جائزة في الزنى، وكذلك شهادة النساء، وإذا لم يجز في الزنى، كانت سائر الحدود بمثابته، لمشاركتها إياه في كونه حداً حتى يسقط بالشبهة، ولهذه العلة لم يجز كتاب القاضي إلى القاضي في إثبات الحدِّ؛ لأنه قائم مقام الغير. مسألة : [سرقة المصحف] قال: (ولا قَطْع علىُ مَن سرق مصحفاً وإن كان مفضَّضاً) (٤). وذلك لأنه لما كان له حقُّ التعلم منه إذا احتاج إليه، صار ذلك شبهة في درء الحد عن سارقه، ألا ترى أنه لا يسعه منعه إذا احتاج إليه (١) كتاب الأصل ٥١٦/٤، المبسوط ٦٦/٩، المغني والشرح الكبير ٤٠/١٠. (٢) نصب الراية ٧٩/٤، مصنف عبد الرزاق ٣٣٠/٨. (٣) البقرة: ٢٨٢. (٤) المبسوط ١٥٢/٩، شرح فتح القدير ٣٦٨/٥، المحلى ٣٣٧/١١. ٢٩٤ كتاب السرقة ليتعلم منه، فلما ثبت له حق الأخذ من وجه، صار بمنزلة السارق من بيت المال. ولا يجب القطع لأجل الفضة التي عليه؛ لأنها تبع، ألا ترى أنه لو باع المصحف دخلت فيه الفضة، كما يدخل الجلد والدفتان. مسألة : [عدم القطع في الطيور والأسماك](١) قال : (ولا قطع في طيرٍ، ولا صيدٍ). وذلك لما روي عن عثمان وعلي رضي الله عنهما من نحو ذلك، من غير خلاف من أحد من الصحابة رضي الله عنهم (٢). وأيضاً: فإنه تافه مباح الأصل، فأشبه الحشيش والحطب، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا قطع في ثمر ولا كَثَر))(٣)، والكَثَر: قيل فيه: إنه النخل الصغار، وقيل: إنه الجُمَّر، وكلاهما لا قَطْع فيه عندنا، إلا أنَّ ذلك قد دلَّنا على أن لا قطع في الحطب، والمعنى فيه: أنه تافه في الأصل مباح، فإذا صار مملوكاً لم يقطع سارقه، وكلّ ما كان هذا وصفه لم يُقطع فیه سارقه. فإن قيل: الطير قد لا يكون تافهاً، بل يكون مالاً مرغوباً فيه جليلاً. قيل له: أما في حال الإباحة إذا كان فرخاً، فهو تافه، وإنما تكثر قيمته بعدما يصير مملوكاً بالتعليم. (١) المبسوط ١٥٤/٩، شرح فتح القدير ٣٦٥/٥. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣٢/١٠، المحلى لابن حزم ١١/ ٣٣٣. (٣) سنن الترمذي ٥٣/٤، سنن أبي داود ٥٤٩/٤، نصب الراية ٣٦١/٣. ٢٩٥ كتاب السرقة مسألة : [لا قطع في الطعام، ولا فيما يتسارع إليه الفساد] قال: (ولا قَطْع فيما يَفسد من نحو الفاكهة واللحم والطعام الذي هو كذلك)(١). قال أبو بكر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا قَطْع في طعام))(٢)، رواه الحسن. وعمومه يقتضي نفي القطع عن الجميع، إلا أنَّ الاتفاق خَصَّ ما كان مستحكِماً لا يُسرع إليه الفساد، وبقي حكم العموم فيما يُسرع إليه الفساد. وأيضاً: قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رافع بن خديج: ((لا قطع في ثَمَر ولا كَثَر))(٣). وعمومه يقتضي نفي القطع عن جميع الثمر، مستحكِماً كان أو غير مستحكم، إلا أنّ الاتفاق قد حصل على وجوب القطع فيما استحكم منه، وبقي حكم العموم فيما يُسرع فيه الفساد قبل حال الاستحكام. وإذا صح ذلك في الثمر، كان كذلك حكم جميع ما يُسرع إليه الفساد، کاللحم وغيره من وجهين: أحدهما: أنَّ أحداً لم يفرِّق بينه وبين الثمرة الرطبة، فإذا صح لنا نفي القطع في الثمرة بالعموم، كان هذا مثله. والوجه الآخر: أنَّ المعنى في الثمرة: أنها مما يُسرع إليها الفساد، (١) المبسوط ١٥٥/٩، شرح فتح القدير ٣٦٧/٥، المغني ٢٥٩/١٠. (٢) مصنف عبد الرزاق ٢٢٢/١٠، مصنف ابن أبي شيبة ٢٧/١٠، نصب الراية ٣٦٢/٣. (٣) سنن الترمذي ٥٣/٤، سنن أبي داود ٥٤٩/٤، نصب الراية ٣٦١/٣. ٢٩٦ كتاب السرقة فكل ما كان في معناها، فهذا حکمه. 93 ويدل عليه أيضاً: ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا قطع في الثمر المعلّق حتى يؤويه الجَرِين))(١). فهذا الخبر يدل على مثل ما دل عليه حديث رافع بن خديج. وفيه الدلالة على ما ذكرنا من وجه آخر: وهو أنه نفى القطع فيها حتى يؤويه الجرِین. والجَرِين: هو الموضع الذي يُجفّف فيه التمر في الصحراء، وليس بحِرز، وهو الذي يسميه أهل البصرة: الجوخان، وغيرهم يسميه البيدر، ولا فائدة في ذكر الجَرِين إلا بلوغه حال الاستحكام، وامتناع إسراع الفساد إليه. وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام: ((في خمسٍ وعشرين من الإبل بنت مخاض، وفي ستٍ وثلاثين بنت لبون))، وليس المعنى: وجود المخاض واللبن للأم، وإنما المعنى بلوغ هذا المقدار من السن، وكقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تُقْبل صلاة حائض إلا بخمار))(٢). فإن قيل: أراد بذلك نفي القطع إلا عمن يسرق من حرز. قيل له: قد بينًا أنَّ الجرين ليس بحرز، ولا ذكره مفيد لاعتبار الحرز في إيجاب القطع من غير هذا الخبر، فالواجب أن يكون لذلك فائدة مجددة غير الحرز، وهي ما وصفنا. (١) سنن أبي داود ٥٥٠/٤ ح ٤٣٩٠، المستدرك ٣٨١/٤، نصب الراية ٣٦٢/٣، شرح السنة للبغوي ٣١٩/١٠. (٢) سنن أبي داود ٤٢١/١، سنن الترمذي ٢١٥/١، وقال: هذا حديث حسن. ٢٩٧ كتاب السرقة مسألة : [سرقة الخشب] قال: (ولا قطع في شيء من الخشب إلا في الساج). قال: (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنَّ القَنَا(١) في ذلك كالساج، ويقطع فيه. وقال أبو يوسف: يقطع في الخشب كله إذا بلغ المقدار الذي يُقطع فیه)(٢). قال أبو بكر : الأصل في ذلك عند أبي حنيفة رضي الله عنه: أنَّ كل خشب غير مباح الأصل في دار الإسلام، فإنه يقطع فيه؛ لأنه لا يوجد في دار الإسلام إلا مالاً، وهو كسائر الأموال. وكذا يجيء على قوله الآبنوس والصَّنْدَل وسائر الخشب الذي لا يوجد في دار الإسلام. وإنما اعتبر ما يوجد منه في دار الإسلام مالاً، من قِبَل أنَّ الأملاك الصحيحة هي التي توجد في دار الإسلام، وما كان في دار الحرب، فليس بملك صحيح؛ لأنها دار إباحة، وأملاكُ أهلها مباحة، فلا يختلف فيها حكم ما كان مملوكاً، أو ما كان مباحاً، فلذلك سقط حكمها في اعتبار ما يكون مالاً، ووجب اعتبار كونه مالاً في دار الإسلام، فإذا لم يكن مباح الأصل هاهنا، كان كسائر الأموال، فلذلك وجب فيه القطع. وأما سائر الخشب، فإنه لا يقطع فيه قياساً على الكَثَر، وقد روي عن (١) القَنَا: خشب الرّماح. ينظر المغرب ١٩٨/٢ (قنو). (٢) المبسوط ١٥٣/٩، شرح فتح القدير ٣٦٤/٥، بدائع الصنائع ٥٦٨/٧، المغني والشرح الكبير ٢٤٤/١٠. ٢٩٨ كتاب السرقة النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا قَطْع في ثَمَر ولا كَثَر)) (١). وقيل في الكثر قولان: أحدهما: أنه الجُمَّار، والآخر: النخل الصغار، وهو عندنا على الأمرين، والجُمَّار لا قطع فيه، وهو الأصل في سقوط القطع عما يُسرع إليه الفساد، والكَثَر لا قطع فيه، وهو الأصل في نفي القطع عن كل خشب يوجد أصله مباحاً في دار الإسلام. فإن قيل: النخل غير مباح الأصل. قيل له: إنه مباح الأصل في كثير من المواضع، كسائر الشجر المباح الأصل وإن كان بعضها مملوكاً بالأخذ والنقل من موضع إلى موضع. ؛ وأما أبو يوسف: فإن من قوله: أنه يقطع في كل شيء إلا في التراب والسِّرجين(٢)، والطين. مسألة : [سرقة الأحجار الكريمة وغيرها] قال: (ولا يقطع في زِرْنِيخِ(٣)، ولا مَغَرة(٤)، ولا نُوْرة(٥). (١) سبق تخريجه. (٢) وفي الأصل: ((السرقين)) اهـ والسرقين هو السرجين، وهو الزبل. ينظر المصباح المنير (سرج). (٣) الزِّرْنيخ: بكسر الزاي والنون: حجر له ألوان كثيرة، وهو عنصر شبيه بالفلزات، له بريق، ومركباته سامة، يستخدم في الطب وفي قتل الحشرات. ينظر المعجم الوسيط ٣٩٣/١. (٤) المَغَرة: بفتح الميم والغين، والتسكين تخفيف، وهو الطين الأحمر. المصباح المنير (مغر). (٥) النُّورة: بالضم: حجر الكلس، ثم غلبت على أخلاط تضاف إلى الكلس من = ٢٩٩ كتاب السرقة ويُقطع في الياقوت والزَّبَرْجَد ونحوهما)(١). قال أبو بكر : الأصل فيه ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنه ((لم يكن يُقطع السارق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه)»(٢)، يعني الحقير، فكلُّ ما كان تافهاً مباح الأصل فلا قطع فيه، والزِّرْنِيخ، والنَّوْرة، والحِصُّ تافه مباح الأصل، ألا ترى أنَّ أكثر الناس يتركونه في موضعه مع القدرة على أخذه. وأما الياقوت، فإنه غیر تافه، بل هو ثمين رفيع، فيقطع فيه وإن كان مباح الأصل، كما قطع في سائر الأموال، لأن شريطة زوال القطع اجتماع المعنيين جميعاً، وهو أن يكون تافهاً في نفسه، ومباح الأصل. وأيضاً: فإنها أموال ليست للتبقية، بل للإتلاف، فهو كالخبز واللحم والماء ونحو ذلك، وأما الياقوت فهو مال مرادٌ للتبقية والقُنْية، كالذهب والفضة. ويدلك على الفصل بينهما: أنَّ الياقوت حيثما وُجد مالٌ مرغوبٌ فيه، لا يُترك مع القدرة عليه في أغلب الحال، والنُّوْرة ونحوها يتركها الناس مع القدرة عليها. مسألة : [الاشتراك في السرقة بين رجل في الحرز مع آخر خارجٍ عنه] قال : (ومَن سرق شيئاً، فلما انتهى به إلى باب البيت الذي سرقه منه، رماه إلى غيره، فأخذه، ثم خرج، فذهبا جميعاً: لم يقطع واحد منهما، زرنيخ وغيره، تستعمل لإزالة الشعر. المصباح المنير (نور). (١) المصادر السابقة. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٤٧٦/٩، نصب الراية ٣٦٠/٣. ٣٠٠ كتاب السرقة وإن رمى به خارجاً من البيت، ثم اتَّبعه فأخذه: قُطِعٍ)(١). قال أبو بكر : قال في الجامع الصغير (٢): إذا ناوله صاحباً له خارج الدار: لم يقطع، فإن رمى به ثم اتَّبعه، فأخذه: قُطِع، والذي ذكره أبو جعفر صحيح أيضاً، يروى ذلك عنهم في غير هذا الموضع. والأصل: أنه متى حصلت عليه يد أخرى غير يد الداخل قبل خروجه من الحرز: لم يقطع واحد منهما. فأما العلة في سقوط القطع إذا ناوله صاحباً له خارج الدار: فهي أنهما قد اشتركا جميعاً في إخراجه من الحرز، والخارج لا قطع عليه؛ لأنه لم ينتهك الحرز، إذ لم يدخله، فصار ذلك شبهة في سقوطه عن الداخل؛ لأنه قد شاركه في الفعل مَن لا يجب عليه القطع، كرجلين قتلا رجلاً عمداً، وأحدهما أبوه، أو كان أحدهما عامداً، والآخر مخطئاً، وكمجوسي ومسلم ذبحا شاة، فلا يُقتص من واحد منهما، ولا تؤكل الذبيحة. وأما إذا رمى به خارج الدار، فأخذه صاحبه قبل أن يخرج هو من الدار، فإن المعنى في سقوط القطع: أنه قد حصلت عليه يد أخرى قبل خروجه من الحرز، فخرج من الحرز وليس الشيء في يده، وإنما يتعلق وجوب القطع أيضاً بخروجه من الحرز والشيء معه؛ لأنه لو أخذ قبل أن يخرج من الحرز: لم يقطع، فوجب اعتبار حال خروجه من الحرز، فإن كان الشيء في يده: قَطع، وإلا: لم يقطع. (١) المبسوط ١٤٧/٩، شرح فتح القدير ٣٨٨/٥. (٢) الجامع الصغير ص ٢٩٧.