النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب الحدود
ويدل عليه من جهة السنة: ما حدثناه ابن قانع قال: حدثنا حامد بن
محمد قال: حدثنا شريح يعني ابن النعمان قال: حدثنا مروان بن معاوية
عن يزيد بن أبي خالد عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها
قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((لا تجوز في الإسلام شهادة مُجرَّب عليه شهادة زور، ولا مجلودٍ
حداً، ولا ذي غِمْر على أخيه))(١)، وذكر الحديث.
وروى عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أنَّ
هلال بن أمية لما قذف امرأته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يُجلد
هلال بن أمية، وتبطل شهادته في المسلمين))(٢).
وروى بعضهم في هذا الحديث: أنَّ الأنصار قالت هذا القول، ويجوز
أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله، وقالته الأنصار أيضاً.
وعموم هذه الأخبار تُبطل شهادة القاذف على التأبيد.
فإن قيل: عموم هذه الأخبار يوجب بطلان شهادة كل محدود، في
قذفٍ کان أو غيره.
قيل له: هو كذلك، ولولا دلالةٌ قامت على قبولها في غير القاذف بعد
التوبة، لقلنا بها.
* ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على أنَّ التوبة لا تأثير لها في إسقاط
(١) سنن الترمذي ٥٤٥/٤ ح ٢٢٩٨ وقال: هذا حديث غريب، ومعنى: غِمْر:
أي صاحب عداوة.
(٢) مسند أحمد (مع الفتح الرباني) ٢٦/١٧، وفيه أول الحديث أنه صلى الله
عليه وسلم أمر بجلد هلال بن أمية.

٢٢٢
كتاب الحدود
الحد لِمَا تعلق به من حقوق الآدميين، وليس كذلك سمة الفسق، لأنه لا
يتعلق به حق الآدمي، وهو حق الله تعالى خالصاً.
* وأما ما رواه سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب أنّ
عمر رضي الله عنه قال لأبي بكرة: ((إن تُبْتَ، قَبِلتُ شهادتك))(١).
فإن هذا لا يصح، من جهة أنَّ سعيد بن المسيب لا يصح له سماع من
عمر، ولأن سفيان بن عيينة شكَّ فيه حتى استعمله عن عمر بن قيس،
وعمر بن قيس هذا مطعونٌ عليه في حديثه(٢)، وقد روى قتادة عن الحسن
وسعيد بن المسيب أنهما قال: ((لا تقبل شهادته بعد التوبة))(٣).
* وأما الفصل بين حد القذف وسائر الحدود، فهو أنّ حد القذف به
يتعلق بطلان الشهادة، لأنا نجيز شهادته قبل أن يُحَد، فلما لم يجز ارتفاع
الحد الذي به يتعلق بطلان الشهادة، وجب أن لا يرتفع موجَبه من
بطلانھا.
وأما حد السرقة والزنى وشرب الخمر، فلم يتعلق شيء منه ببطلان
الشهادة، وإنما تعلق بطلان الشهادة فيها بالفعل الذي استحق به الحد قبل
إقامته، فأشبه سائر الأفعال الموجبة لإسقاط الشهادة مما لا يتعلق به
إيجاب حد، فوجب أن يسقط حكمها بالتوبة، إذ كان ما يتعلق من ذلك
بحصول سمة الفسق يرتفع بارتفاع سمة الفسق.
فإن قال قائل: جميع ما استدللتَ به من الآية، ينتقض عليك بقولك:
(١) مصنف عبد الرزاق ٣٨٣/٧.
(٢) تهذيب التهذيب ٤٣١/٧، أحكام القرآن ٢٧٣/٣.
(٣) أحكام القرآن ٢٧٣/٣.

٢٢٣
كتاب الحدود
إن النصراني إذا حُدَّ في قذف، ثم أسلم، قُبلت شهادته(١).
قيل له: ليس كذلك، لأن الكافر لم يدخل قط في حكم الآية عندنا
من جهة اللفظ؛ لأن الله تعالى إنما حكم بهذا الحكم فيمن لزمتهم سمة
الفسق بوقوع حد القذف بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْبَلُوْلَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَكَ هُمُ
اُلْفَسِقُونَ﴾(٢)، والكافر قد كان مستحِقاً لاسم الفسق قبل القذف، وقبل
الحد، فلم تتناوله الآية، وإنما حَدَدْنا الكافر بغير الآية.
مسألة : [قبول شهادة النصراني بعد الإسلام]
قال أبو جعفر : (ومَن حُدَّ في قذف وهو نصراني: لم تجز شهادته في
حال كفره، وإن أسلم بعد ذلك: جازت شهادته على أهل الذمة وأهل
الإسلام)(٣).
قال أبو بكر : وذلك لأن وقوع الحد به أسقط عدالته التي يتعلق بها
قبول الشهادة، فلم تجز شهادته في حال كفره، فإن أسلم: جازت
شهادته، وذلك لأن الشهادة تفتقر في صحة قبولها إلى معنيين: عدالة
الدين، وعدالة الفعل؛ لأن مَن كان معتقِداً للإسلام يحتاج مع إسلامه إلى
عدالة الأفعال؛ لأن الفاسق غير مقبول الشهادة وإن كان من أهل الإسلام.
وإذا كان كذلك، فالمسلم إذا حُدَّ في قذف: أبطل وقوع الحدِّ به
عدالته من جهة الدين والفعل جميعاً، فإذا تاب، فإن توبته إنما أحدثت له
(١) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٣٨/٥.
(٢) النور: ٤.
(٣) الجامع الصغير ص٢٩٢، الهداية مع شرح فتح القدير ٣٣٨/٥.

٢٢٤
كتاب الحدود
عدالةً من طريق الفعل دون الدين؛ لأن دينه هو الذي كان يعتقده، وقد
أبطلت عدالته فيه.
وأما النصراني إذا حُدَّ، فإنما بطلت عدالته من جهة دينه الذي
يعتقده، ومن جهة الفعل أيضاً، فإذا أسلم وتاب، حصلت له عدالة الدين
والفعل جميعاً، وهذه عدالة مستحدثة من هذين الوجهين، لم يُطلها
الحد، إذ لم تكن موجودة في حال وقوع الحدِّ به.
مسألة : [فيمن قذف وهو نصراني ثم أسلم وقد ضرب بعض الحد]
قال أبو جعفر: (وإن قَذَفَ وهو نصراني، فضُرِب بعض الحد، ثم
أسلم، فضرب بقيته وهو مسلم: جازت شهادته)(١).
قال أبو بكر : وذلك لأنه إنما ضرب بعض الحد وهو مسلم، وبعض
الحد لا يُبطل عدالة الإسلام، فمن أجل ذلك جازت شهادته.
مسألة : [قذف الكافر بعد إسلامه]
قال: (ومَن زنىُ من النصارى، ثم أسلم: فلا حدَّ على قاذفه)(٢).
وذلك لأن من شرط حد القذف: إحصان المقذوف بالعفة، والزاني
قد زالت عفته، فلا حدَّ على قاذفه.
وأيضاً: فإنه صادقٌ في قوله: ((يا زاني))؛ لأن لزوم هذه السمة غير
مقصور على حال الفعل، بل قد يجوز تسميته بها بعد انقضاء الفعل، قال
الله تعالى: ﴿الَّانِيَةُ وَالزَّانِ فَأَجْلِدُ واْ كُلّ وَحِدٍمِنْهُمَا﴾، ومعلوم أنه لم يُرِد جلدَهما في
(١) المصادر السابقة.
(٢) شرح فتح القدير ٣٣٧/٥.

٢٢٥
كتاب الحدود
حال الفعل؛ لأن ذلك ممتنع، فإذا كان صادقاً في قذفه، لم يجب عليه
الحد؛ لأن وقوع الحد به حكم بكذبه، قال الله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ
بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾(١)، وغير جائز إيجاب الحكم بكذبه،
مع صحة العلم بكونه صادقاً.
مسألة : [قذف الجماعة أو الرجل مراراً]
قال: (ومَن قذف رجلاً مِراراً، أو قذف جماعة: فليس عليه إلا حدَّ
واحد)(٢).
وذلك لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾(٣)، وذلك يتناول قذف
الجماعة والواحد، ثم قال: ﴿فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً﴾(٤)، فاقتضى عمومُها
الاقتصار على حدٍّ واحد.
لما روى محمد بن كثير قال: حدثنا مخلد بن الحسين عن هشام عن
ابن سيرين عن أنس بن مالك «أنَّ هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن
سحماء، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اِئت بأربعة
شهداء، وإلا فحدٌّ في ظهرك، قال: والله يا رسول الله إن الله ليعلم أني
الصادق، قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أربعة وإلا فحدٍّ في
(١) النور: ١٣.
(٢) المبسوط ١١١/٩، حاشية ابن عابدين ٥٨/٤، المغني ١٢٤/٨.
(٣) النور: ٤.
(٤) النور: ٤.

٢٢٦
كتاب الحدود
ظهرك))(١). يقول عليه الصلاة والسلام ذلك مراراً، فنزلت آية اللعان.
فثبت بذلك أنَّ قذف الجماعة لا يوجب إلا حدًّاً واحداً؛ لأنه قَذَفَ
شخصين(٢)، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ عليه حدًّاً واحداً، وقد
كان قَذْف الزوجات حينئذٍ يوجب الحد(٣)، ثم نُسِخ باللعان.
وأيضاً: أجمعوا أنَّ مَن قذف امرأته مراراً: أنه لا يجب عليه إلا لعان
واحد، واللعان حدُّ الأزواج في قذف الزوجات، وقد روي عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال في امرأة هلال بن أمية حين جاءت بالولد
على الصفة المكروهة: ((لولا ما مضى من الحدِّ، لكان لي ولها شأن)).
فوجب أن يكون كذلك حكم الجلد إذا قذف الأجنبيَّ مراراً.
وأيضاً: حد القذف عندنا حقُّ الله عز وجل، لما بينَّاه فيما سلف،
کحد الزنى والشرب ونحوه، فلا یجب إلا حدٌّ واحد.
مسألة : [حكم القذف أثناء الحد]
قال أبو جعفر: (ومَن قَذَفَ رجلاً، فضُرب بعض الحد، ثم قَذَفَ
آخر: فلا شيء عليه إلا ما بقيَ من الحدِّ الأول)(٤).
وذلك لأن اجتماع هذه الحدود لما كان شبهة في سقوطها، ووجوب
(١) سنن أبي داود ٦٨٦/٢ ح ٢٢٥٤، سنن الترمذي ٣٣١/٥ ح٣١٧٩، وقال:
هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث هشام بن حسان، أحكام القرآن
للجصاص ٢٧٠/٣.
(٢) أي زوجته، وشريك بن سحماء.
(٣) في الأصل: الجلد.
(٤) رد المختار ٥٨/٤٤.

٢٢٧
كتاب الحدود
الاقتصار على واحد منها، كان بقاء بعض الحد مثل بقاء جميعه؛ لأن ما
كان شبهة كان وجود بعضه كوجود جميعه في كونه شبهة ، ألا ترى أنَّ
الأب لما كان له شبهة ملك في جارية ابنه، لم يختلف الحكم في ملكه
لبعضها أو لجميعها في باب سقوط الحد عن الأب بوطئها(١).
وكذلك وقوع كمال الحد بعد قذف الثاني، وَجَبَ أن يكون كوقوع
جميعه في استيفاء حده.
وليس هذا مثل النصراني إذا حُدَّ بعض الحد، ثم أسلم فحُدَّ بقيته في
حال الإسلام، فلم يمنع ذلك جواز شهادته، من قِبَل أنّ شرط بطلان
الشهادة استيفاء الحد بكماله في حال الإسلام، وليس وجود بعضه موجباً
لإسقاطها.
مسألة : [عتق العبد القاذف قبل أن يُحد]
(وإذا قذف العبد رجلاً، فلم يُحَدَّ حتى أُعتق: فإن عليه حد العبد).
وذلك لأن وجوب الحد يتعلق بالقذف، وقد استقر عليه أربعون
جلدة، والعتق ليس بموجب، فلا يغير حكم ما وجب.
مسألة : [قذف الحربي المستأمِنَ المسلم]
قال أبو جعفر: (وعلى الحربي المستأمَن الحدُّ إذا قذف مسلماً، وإن
زنى: لم يُحَدَّ في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يُحَد)(٢).
(١) المبسوط ٩٦/٩.
(٢) المبسوط ١١٩/٩، ٩٧، الهداية مع شرح فتح القدير ٣٣٨/٥، حاشية ابن
عابدین ٤ / ٥٤-٥٦.

٢٢٨
كتاب الحدود
أما حد القذف فإن المطالبة به حق لآدمي، لما تناول من عِرضه، فهو
كسائر الحقوق الواجبة للآدميين، فيؤخذ به، لأنا لم نعطه الأمان على أن
يتناول عِرْضَنا، كما لم نعطه الأمان على تناول مالِنا.
فإن قيل: المطالبة بحد السرقة حق الآدمي، ومع هذا لا يُقطع الحربي
إذا سرق.
قيل له: ليس كما ظننت، لأن المسروق منه لا حقَّ له في المطالبة
بالقطع، وإنما حقه المطالبة بالمال، ألا ترى أنه لو ردَّ المال قبل
الخصومة، سقطت مطالبته، وأنه لو ثبتت السرقة عند الحاكم، وردَّ المال
عليه، فغاب وترك المطالبة بالقطع: قطع.
وأما حد القذف فإن حق الآدمي فيه المطالبة بإقامته لا بشيء غيره،
ألا ترى أنه لا يحدُّ إلا بحضوره ومطالبته، وأنه لو غاب: لم يحد.
وأما حد الزنى، فهو حق الله تعالى، لا حق لآدمي فيه، وهو لم نعطه
الأمان على أن نجريَ عليه أحكامنا، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يصير
ذمياً داخلاً في أحكامنا، وذلك خلاف ما يقتضيه الأمان.
* وأما أبو يوسف، فإنه يقيم عليه حد الزنى، لقول الله تعالى: ﴿ وَأَنِ أَعْكُمْ
بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾(١) قال: فلو أمكنني أن أتّبعهم في ديارهم بأحكامنا فعلت.
مسألة : [الإقرار بالزنى بغائبة]
قال أبو جعفر: (ومَن أقرَّ أنه زنى بامرأة غائبة: فإنه يُحدُّ)(٢).
(١) المائدة: ٤٩.
(٢) المبسوط ٩٥/٩، ٩٨، شرح فتح القدير ٢٢٣/٥.

٢٢٩
كتاب الحدود
كما حدَّ النبي صلى الله عليه وسلم ماعزاً والجهنية وغيرهما.
* قال: (فإن حضرت وأقرَّت بمثل ذلك: أُقيم عليها الحد أيضاً
بإقرارها).
* قال : (فإن حضرت قبل أن يُحدَّ الرجل، فكذَّبته وطالبت بحَدِّها:
حُدَّ لها في القذف، ولم يحدَّ في الزنىُ).
وذلك لأنه حين حددناه في القذف، فقد حكمنا بكذبه في إقراره
بوطئه إياها.
* قال: (ولو حُدَّ للزنى، ثم حضرت، فكذَّبته، وطالبت بحدِّها:
لم يُحَدَّ لها؛ لحصول اليقين أنه لا يجوز اجتماع الحدَّيْن عليه للفعل
ور
المُقَرِّ به).
لأنه لا يخلو من أن يكون صادقاً أو كاذباً، فإن كان صادقاً: فعليه حدُّ
الزنى دون حد القذف، وإن كان كاذباً: فعليه حدُّ القذف ، وإذا حُكم عليه
بأحدهما: انتفى الآخر.
وأيضاً: فإن حَكَمْنا عليه بحد الزنى: حُكِمٍ بصدقه في إقراره به، وإذا
صار محكوماً بصدقه: لم يُحَدَّ للمرأة.
مسألة : [رجوع أحد الشهود الأربع في قضية الزنى]
قال أبو جعفر: (ومَن شهد عليه أربعة بالزنىُ، فلم يُقْضَ بشهادتهم
حتى رجع أحدُهم: حُدُّوا جميعاً للقذف)(١).
قال أبو بكر: وذلك لأنهم صاروا قَذَفة قبل أن تتم شهادتهم، لأن
(١) المبسوط ١٠٣/٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٢٨٩/٥، ٢٩٢.

٢٣٠
كتاب الحدود
الشهادة يتعلق حكمها بالقضاء، وإمضاء الحكم بها.
[مسألة : ]
قال: (وإن قضى القاضي بشهادتهم، ثم رُجِم، ثم رجع أحدُهم: فإنَّ
عليه ربع دية المشهود عليه، وعليه الحد في قَذْفه إياه).
وذلك لأن الشهادة قد تمَّت بإمضاء الرجم، وسقطت المراعاة فيها،
فإذا رجع أحدُهم: صُدِّق على نفسه خاصة في إيجاب الضمان والحدِّ،
ولم يُصدَّق على فسخ شهادة الآخرين، وقد تلفت النفس بشهادة الأربعة،
وقد رجع واحد، فعليه ضمان ما أتلفه بشهادته، وهو ربع النفس، وعليه
الحدُّ؛ لأن ذلك القول صار قذفاً منه الآن فلزمه الحدُّ، كمن قذف رجلاً
بعد الموت.
وليس هذا بمنزلة مَن قذف رجلاً في حياته، ثم يموت المقذوف:
فيسقط الحد عن القاذف، من قِبَل أنّ هذه كانت شهادة صحيحة إلى
وقت الرجوع، وإنما صارت قذفاً عند الرجوع، فصار كقاذف
الميت.
وذهب زفر إلى أنَّ هذا قاذف قبل الموت، فلا حدًّ علیه.
[مسألة : ]
قال أبو جعفر: (وإن رجع أحدُهم بعد قضاء القاضي بشهادتهم،
وقبل إقامة الحدِّ على المشهود عليه، فإن أبا حنيفة قال: يُحدُّون جميعاً،
وقال أبو يوسف ومحمد: يُحَدُّ الراجع، ولا يُحَدُّ الباقون).
قال أبو بكر : أبو يوسف مع أبي حنيفة في هذه المسألة، والذي ذكره

٢٣١
كتاب الحدود
هو قول محمد وحده(١).
وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف: أنَّ هذه الشهادة حكمها مراعى، ما
لم يُستوفَّ الحد بها، ألا ترى أنّ الشهود هم الذين يبدؤون بالرجم امتحاناً
لهم، وليُعلم أنهم ثابتون على الشهادة أم لا.
ويدل عليه: اتفاق الجميع على سقوط الحد عن المشهود عليه برجوع
الراجع منهم، فوجب أن يكون حالها بعد قضاء الحكم بها قبل استيفاء
الحدِّ، کھي قبله.
وليست هذه كرجوع الشاهد بعد إمضاء الحكم بشهادته في إثبات
الأموال وسائر الحقوق، في أنه لا تأثير لرجوعه إلا في إيجاب الضمان
عليه؛ لأن رجوعهم قبل استيفاء المال لا يؤثر في الحكم الذي أمضاه
الحاكم، ورجوعهم في الحد قبل استيفائه يبطله.
وأيضاً: فلما كانت الشبهة العارضة في الحدِّ قبل استيفائه، بمنزلة
الشبهة الموجودة في حال الفعل في باب سقوط الحدِّ، وَجَبَ أن يكون
الرجوع عن الشهادة قبل استيفاء الحدِّ، بمنزلة الرجوع عنها قبل الحكم.
* وذهب محمد إلى أنه لمَّا لم يبطل المال برجوع الشاهد بعد
الحكم، وبَطَل قبل الحكم، وَجَبَ مثله في الحد، فلا ينفسخ الحكم
الواقع من الحاكم، والحدُّ والمالُ وإن كانا مفترقين من جهة سقوط الحد
بالرجوع بعد إمضاء الحكم، وامتناع سقوط المال، فإن اختلافهما إنما كان
من جهة أن من شأن الحدود إسقاطها بالشبهة، فغير جائز إيجاب الحد
على الشهود الباقين بالشبهة التي بها أسقطنا الحد عن المشهود عليه.
(١) المراجع السابقة، والمغني مع الشرح الكبير ١٧٧/١٠.

٢٣٢
كتاب الحدود
مسألة : [اشتراط حضور الشهود الأربعة في إثبات الزنى]
(وإذا شهد أربعة على رجل بالزنى، وجاءوا متفرّقين، حُدّوا جميعاً،
إلا أن يقيموا الشهادة وهم حضور في مجلس الحكم)(١).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّمَ﴾ ،
فشرط في زوال الحد أن يأتي القاذف بأربعة شهداء، فإذا جاء بثلاثة معه،
فالحدُّ واجب.
ويدل عليه أيضاً: حديث أنس بن مالك أنَّ هلال بن أمية لما قذف
امرأته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ايتيني بأربعة يشهدون، وإلا فحدٌّ
في ظهرك)) (٢)، ولو جاز أن يكون شاهداً، قال: ((ايتيني بثلاثة يشهدون)).
وأيضاً: لما جاء وحدَه كان قاذفاً، ولزمه الحدُّ إلا أن يقيم البينة على
الزنى، فلا يبرأ إلا بأربعة غيره يشهدون؛ لأنه لا يجوز أن يبرأ بشهادة
نفسه، وهذا لمخالفنا ألزم، لأنهم يزعمون أنه فاسق بالقذف، فكيف
یکون شاهداً فیه؟
مسألة : [حُكم من صدَّق القاذف]
قال: (ومَن قذف رجلاً بالزنى، فقال له رجل: صدقتَ: حُدَّ الأول،
ولم يُحَدَّ الثاني)(٣).
وذلك لأن قوله: صدقت: يحتمل تصديقه في القذف وفي غيره، ولا
(١) المبسوط ٩٠/٩.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) بدائع الصنائع ٤٤/٧، ط / دار العربي.

٢٣٣
كتاب الحدود
يكون قاذفاً بالاحتمال.
* (ولو قال له: صدقتَ هو كما قلتَ: حُدَّاً جميعاً)(١).
وذلك لأن قوله: هو كما قلتَ: تصديقٌ له في نفس القذف بلا احتمال
لغيره، فصار كقوله: هو زان؛ لأنا قد عقلنا به ما نعقل بصريح القذف.
وليس هذا إيجاب حدٍّ بكناية؛ لأن هذه الكناية بمنزلة الصريح، إذ
كان المعقول منها ما يعقل من الصريح.
مسألة :
قال: (ومَن كان له عبد، وللعبد أمِّ حُرّةٌ مسلمة قد ماتت، فقذفها
مولاه: فليس للعبد أن يأخذ مولاه بحدّها)(٢).
لأن العبد لا يملك ذلك على المولى، كما لا يملك عليه سائر
الحقوق، ألا ترى أنه لو قتله: لم يُقْتَل به.
مسأل : [قذف الأب أم ابنه]
قال : (وكذلك الابن لا يأخذ أباه بحَدِّ أمه).
لأن الابن لا يملك ذلك على أبيه، والدليل عليه: أنه لو قذفه لم يُحَدَّ
مع كونه محصناً، ولو قتله: لم يُقْتَل به، فما دونه أحرى أن لا يملكه منه.
مسألة : [قذف أم النصراني المسلمين]
قال : (وإذا قذف أمَّ النصرانيّ، أو العبدِ، وهي حرة مسلمة قد ماتت:
(١) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٢٥/٥.
(٢) المصدر السابق.

٢٣٤
كتاب الحدود
فلهما أن يأخذا بحدِّها)(١).
وذلك لأن هذا قذفٌ صحيح، قد حصل به القدح في نسبهما، وكان
لهما أن يأخذاه بالحد كالحر المسلم.
ولا يشبه هذا قذفه لهما، فلا يجب الحد، من قِبَل أنّ هذا ليس بقذف
صحيح، لأنه لم يقذف محصناً.
مسألة : [قذف امرأة غريبة معها أولاد لا يُعرف لهم أب]
قال أبو جعفر : (وإذا قَدِمَتْ المرأة من بعض البلدان، ومعها أولاد لا
يُعرف لهم أب، فقذفها رجل: فلا حدَّ عليه)(٢).
وذلك لأنه لمَّا لم يُعرَف لأولادها أب، أشبهت الزانية، والزانية لا
نسب لأولادها من جهة الأب، فلما أشبهت الزانية من هذا الوجه، سقط
الحدُّ عن قاذفها، لأن الحدَّ يَسقط بالشبهات.
مسألة : [شهادة الأعمى والمحدود في القذف]
قال : (ومَن شهد عليه أربعة بالزنى، وهم عُميان، أو محدودون في
قذف: حُدُّوا جميعاً)(٣).
وذلك لأن بطلان شهادتهم من جهة اليقين، أما الأعمى فإنه لا يشاهد
المشهودَ عليه، فصار بمنزلة من قال: رأيتُه زنى، ثم قال: لم أره زنىُ،
فيكون مكذِّباً لنفسه.
(١) المراجع السابقة.
(٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٣٤/٥.
(٣) المبسوط ٨٩/٩.

٢٣٥
كتاب الحدود
وأما المحدود في القذف، فقد حكم ببطلان شهادته بالحد الواقع به،
فلما بطلت شهادته من طريق الحكم، خرج من أن يكون من أهل الشهادة.
مسألة : [شهادة غير العدول في الزنى]
قال: (ولو شهد عليه أربعةٌ فُسَّاقٌ أحرارٌ مسلمون، لم يُحَدَّ واحد
وذلك لأنهم من أهل الشهادة؛ لأنه لا يقع الحكم ببطلان شهادتهم،
لأن الفسق المانع من قبولها لا يصح إثباته عند الحاكم، ولا الخصومة في
إثباته، فلم يخرج من أن يكون من أهل الشهادة.
ووجه آخر: وهو أن الفسق إنما يمنع قبول الشهادة من جهة ما ظهر
منه، وجائز أن يكون تائباً في حال إقامة الشهادة، فلم يحصل معنى يقين
ببقائه على الفسق، ولا وقع الحكم ببطلان شهادته، فلذلك لم يُحَدُّوا.
وليس كذلك الكفار والعبيد والمحدودون؛ لأن شهادتهم قد بطلت
من جهة الحكم.
مسألة : [من قال لشخص : لست بابن فلان]
قال أبو جعفر : (ومَن قال لرجلٍ في غضب: لستَ بابن فلانٍ الذي
يُدعىُ له: ضُرِب الحدَّ)(٢).
وذلك لأن كلامه خرج مخرج السب والشتم، ولا وجه له فيما يقتضيه
الحال غير نفي نسبه عن أبيه.
(١) المبسوط ٨٩/٩.
(٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٢١/٥.

٢٣٦
كتاب الحدود
وقد روى ابن وهب عن عبد الله بن يزيد عن المسعودي عن القاسم
بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود رضي الله عنه: ((لا حدَّ إلا في اثنتين:
قَذْفُ محصنة، أو بنفي رجل عن أبيه))(١).
قال أبو بكر: وهذا إذا كانت أمه محصنة؛ لأنه قاذف لها، فإن كانت
حية، فهي التي تأخذ بالحد، وإن كانت ميتة، فللابن أن يأخذ بحدِّها.
وإن كانت الأم غير محصنة: فلا حدَّ على قائل ذلك.
* قال: (وإن قال في غير غضب: فلا حدَّ عليه)(٢).
وذلك لأن اللفظ في هذه الحال يحتمل وجهين في العادة: أحدهما:
أنه لا يُشْبه أباه في أخلاقه وأفعاله، ويحتمل أيضاً: نفي نسبه من أبيه، وإذا
احتمل اللفظ غير القذف: لم يُحَدَّ؛ لأنه لا يجوز إقامة الحد بالشبهة، وهو
من شأنه أن يَسقط بالشبهة.
مسألة : [نسبة الولد إلى الجد أو العم أو الخال]
قال: (ولو قال: لستَ بابن فلانٍ لجدِّه: لم يُحَدَّ)(٣).
لأنه صادقٌ، ليس هو ابنه على الحقيقة.
* (ولو قال: أنت ابن فلان لعمه أو خاله أو زوج أمه: لم يُحَدّ)(٤).
(١) السنن الكبرى ٢٥٢/٨، مصنف عبد الرزاق ٤٢٣/٧، المحلى لابن حزم
٢٦٦/١.
(٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٢١/٥.
(٣) المرجع السابق ٣٢٩/٥.
(٤) المرجع السابق ٣٢٩/٥.

٢٣٧
كتاب الحدود
وذلك لأن الله تعالى قد سمَّى العم أباً(١) بقوله: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ
ءَابَآئِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْخَقَ﴾(٢).
وأما الخال، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الخالة
والدة))(٣)، فإذا كانت الخالة والدة، فالخال والد.
وروي في تأويل قوله عز وجل: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾(٤) قال:
كانت خالته وأبوه(٥).
وأما زوج الأم، فقد روي في تفسير قوله تعالى: ﴿يَبُنَىَّ أُرْكَب
مَّعَنَا﴾(٦): أنه كان ابنَ امرأته(٧)، فمتى نَسَبَه إلى مَن يجوز إطلاق الاسم
الذي نسبه إليه بحال: لم يُحَدَّ.
مسألة: [من قال الرجل: يا زاني، فردَّ عليه نفس القول]
قال أبو جعفر: (ومَن قال الرجل: يا زاني، فقال: لا، بل أنتَ: يُحَدُّ
(١) وفي الأصل: ((قد سمى الأب عماً)).
(٢) البقرة: ١٣٣.
(٣) الفتح الرباني ٦٥/١٧، المستدرك ١٢٠/٣، قال الحاكم: هذا حديث
صحيح الإسناد.
(٤) يوسف: ١٠٠.
(٥) أحكام القرآن ١٧١/٣.
(٦) هود: ٤٢.
(٧) أحكام القرآن ١٦٥/٣، أي ربيبه.

٢٣٨
كتاب الحدود
كل واحد منهما لصاحبه)(١).
لأن قوله: ((لا)): نفيٌ لما قذفه به، وقوله: ((بل)): كلمة استدراك
وإثبات لما نفاه عن نفسه له، وهذا المعنى معقول من لفظه وإن كان كناية،
كما يعقل من الصريح.
مسألة: [من قال لامرأته: يا زانية، فردَّت عليه بمثل قوله]
قال: (ومَن قال لامرأته: يا زانية، فقالت: لا، بل أنت: فإنها تُحَدُّ،
ولا تلاعَن)(٢).
وذلك لأنا متى أمكننا أن نتوصل إلى إسقاط الحد، وجب علينا أن
نفعل، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ادرؤوا الحدود ما
استطعتم))(٣)، ولو بدأنا باللعان: كان حدها باقياً، فإذا بدأنا بحدِّها سقط
اللعان، لأن المحدود في القذف لا يلاعِن، فوجب أن نبدأ بحدِّها.
مسألة :
قال: (ومَن قال لامرأته: يا زانية، فقالت: زنيتُ بك: فلا حدَّ، ولا
لعان).
وذلك لأن تحت هذه الكلمة معنيان: أحدهما: الاعتراف منها بالزنى،
وذلك يُسقط اللعان، والآخر: قذفها إياه، بأنه زنى بها، والمرأة لا تكون
زانية بزوجها، فلم يكن عليها حَدٌّ من أجل ذلك.
(١) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٣١/٥.
(٢) المرجع السابق ٣٣٢/٥.
(٣) سبق تخريجه.

٢٣٩
كتاب الحدود
فإن قيل: فإذا لم تكن المرأة زانية بزوجها، فلا ينبغي أن يكون ذلك
اعترافاً منها بالزنى، فالواجب أن يكون بينهما اللعان.
قيل له: قد يصح في حال أن تكون زانية به قبل النكاح، واحتمال
اللفظ لذلك يسقط اللعان، والحال يقتضي أن لا تكون زانية به، ولم
يضف القذف إلى حال قبل النكاح، فيثبت القذف، فلذلك كان الأمر فيه
على ما وصفنا.
مسألة: [إقرار الرجل أو المرأة بالزنى، ونفي الآخر]
قال: (وإذا أقرَّ أربع مرات أنه زنى بامرأة، وقالت: تزوجتَني، أو
أقرَّت هي أربع مرات، وقال هو: تزوجتُها: سقط الحدُّ، وعليه المهر)(١).
وذلك لأن دعوى النكاح يوجب الخصومة في إثباته، وإذا حصلت
فيه الخصومة، صار ذلك شبهة في سقوط الحد؛ لأن الحدَّ لا يثبت
بالخصومات.
وأيضاً: على أصل أبي يوسف ومحمد: أنَّ المدعى عليه منهما،
يُستحلف على دعوى الآخر، فإذا وقفنا الحد على حصول اليمين، أوجب
ذلك إسقاطه، من قِبَل أنه يوجب أخذ الحد بالنكول أو اليمين، وإذا سقط
الحد وجب المهر، لأن الوطء في غير ملك لا يخلو من إيجاب حدٍّ أو
مهر.
مسألة :
قال: (وإذا تزوج المجوسي ذاتَ مَحْرمه ووطئها، ثم أسلم، فقذفه
(١) المبسوط ٩٨/٩.

٢٤٠
كتاب الحدود
رجل: فعليه الحد في قول أبي حنيفة)(١).
لأنه قد كان مقَرَّاً على ذلك النكاح، فكان حكمه حكم النكاح
الصحيح، فوجب على قاذفه الحد بعد الإسلام.
* (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يحد قاذفه).
لأنا قد علمنا أنه وطىء وطئاً حراماً في غير ملك، فأقل أحواله أن
یکون بمنزلة من وطی علی نکاح فاسد.
مسألة : [من قال لمسلم : يا فاسق أو يا خبيث]
قال: (ومَن قال لمسلم: يا فاسق، أو يا سارق، أو يا خبيث: عُزِّر)(٢).
وذلك لأنه قد نال من عِرْضه، وذلك محظورٌ عليه، فقد قال النبي
صلى الله عليه وسلم: ((دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام))(٣)،
فيجب أن يُزجر عن ذلك بالتعزير، كما يُزجر عن القذف بالحد، ولا يُبلَغِ
به الحد، لأنه دون القذف، كما لا يُبلغ بالجماع فيما دون الفرج الحد،
وقد بينًا قبل ذلك أنَّ التعريض بالقذف لا حدَّ فيه.
* وقال مالكٌ في قوله: ((يا خبيث)): يُحلَّف بالله ما أراد القذف، ثم
يُعزَّر(٤).
وهذا القول ظاهر الفساد؛ لأن الله عز وجل قد نهى عن التجسس
(١) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٣٨/٥.
(٢) المبسوط ١١٩/٩، حاشية ابن عابدين ٦٩/٥.
(٣) صحيح البخاري ٨٣/٧، صحيح مسلم ١٩٨٦/٣ ح ٢٥٢٤.
(٤) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٣٠/٤.