النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ كتاب الحدود وجوب الحد بصفة الإحصان، فلذلك لم يجز لنا إيجابه إلا مع وجود الصفة. فإن قيل: فالناس أحرار حتى يثبت الرق، فهلا حكمتَ بحريته من جهة الظاهر. قيل له: لأن الظاهر لا يُستحق به على الغير، وإنما تُدفع به الدعوى، ومن أجل ذلك قال أصحابنا: الناس أحرار إلا في أربعة أشياء: الحدود، والقصاص، والشهادة، والعَقْل. فإذا قطع يدَ رجل، وادَّعى القاطعُ أنَّ المقطوع عبد، فالقول قوله، ولا يُقتص منه حتى تثبت حرية المقطوع. وكذلك لو جنى عليه خطأ فيما دون النفس، لم تعقلها عاقلة الجاني حتى تثبت حرية المجني عليه. وكذلك لو شهد شاهد على رجل بحق، فقال المشهود عليه: هما عبدان، لم يُمض القاضي القضاءَ بشهادتهما حتى يثبت أنهما حران. والمعنى في ذلك كله: أنَّ الحكم بالحرية في الناس إنما هو من طريق الظاهر، والظاهر لا يُستحق به على الغير، وهذا أصلٌ صحيحٌ يستمر على الفروع. ومن نظائره: دارٌ في يدي رجل، بيعت دارٌ إلى جنبها، فأراد الذي في يده الدار أَخْذ الدار المبيعة بالشفعة: لم يكن له ذلك حتى يقيم البينة أنه مالك للدار التي في يده؛ لأن حكمنا له بالملك من أجل اليد إنما هو من جهة الظاهر، والظاهر لا يُستَحق به على الغير. ولو ادعى هذه الدارَ رجل، حكمنا للذي هي في يده بها حتى يستحقها غيره لأجل ظهور اليد، فصارت كأنها ملكه فيما يدفع به من ٢٠٢ كتاب الحدود دعوى المدعي، ولم يُحكم بأنها له فيما يستحق به على الغير. فإن قال قائل: ينبغي أن يكون القول قول المقذوف أنه محصن بالحرية، كما أنَّ القول قوله في أنه عفيفٌ لم يكن منه من الوطء الحرام ما يُسقط الحد عن قاذفه؛ لأن من شرائط وجوب الحد على القاذف عفة المقذوف، كما أنَّ من شرائطه حريته. قيل له: الفصل بينهما: أن الوطء الحرام طارىء على الإحصان لا محالة؛ لأنه متيقن عندنا أنه لم يكن واطئاً، وليس معنى يقين بأنه كان حراً إلا من جهة الظاهر. وأيضاً: البينة لا تقبل على أنه لم يطأ، فلا معنى لتكليفه إياها، لأنها تكون بينة على النفي، والبينات إنما تقبل على الإثبات دون النفي، والحرية معنى يصح قيام البينة عليها وإثباتها. مسألة : قال : (والقول قول القاذف أيضاً إنه عبد). فلا نضربه حدَّ الحرِّ،؛ لأن هذه الزيادة لا يجوز إثباتها عليه من طريق الظاهر. مسألة : [حد القذف ثمانون جلدة، وكيفية إقامته] قال : (والحدُّ ثمانون جلدة، قائماً غير ممدود، وعليه ثيابه، ويُنزع عنه الحشو والجلد)(١). (١) أحكام القرآن ٢٦٩/٣، الهداية مع شرح فتح القدير ٣١٧/٥. ٢٠٣ كتاب الحدود * فأما مقدار الحدِّ، فلقول الله تعالى: ﴿فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَْدَةً﴾(١). * ويُحدُّ قائماً غير ممدود؛ لما بيَّنَّاه في حد الزنى، والمرأة جالسة؛ لما بيَّنَّاه أيضاً. * ولا يُجرَّد في حد القذف، كما يجرد في حد الزنى؛ لما روي عن علي رضي الله عنه ((أنه ضرب رجلاً حداً وعليه قَباء أو قَرْطَف(٢)) (٣). ولأن حد القاذف أخف من حد الزاني، لجواز أن يكون صادقاً في قذفه، وقد كان يسع الشهود الستر على المقذوف، وتَرْك إقامة الشهادة عليهما بالزنى، فوجب أن يخفف عن الزنى. ولأن الله تعالى قال في الزنىُ: ﴿ وَلَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ﴾(٤). ولأن القاذف قد عوقب من جهة أخرى غير الجلد، وهي بطلان الشهادة. فإن قيل: ذكر سفيان بن عيينة قال: سمعت سعد بن إبراهيم(٥) يقول (١) النور: ٤. (٢) القرطف: كجعفر: القطيفة. القاموس المحيط. (٣) مصنف ابن أبي شيبة ١٤٨/١٠، مصنف عبد الرزاق ٣٧٣/٧. (٤) النور: ٢. (٥) كُتب في الحاشية تعليقاً على هذا الاسم: سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني قاضيها. كذا في الإرشاد. قلت: وكأن هذه الحاشية من مالك لهذه النسخة، وهو في تقريب التهذيب برقم (٢٢٢٧) قال: وكان ثقة فاضلاً عابداً. ٢٠٤ كتاب الحدود للزهري: ((إن أهل العراق يقولون: إن القاذف لا يُضرب ضرباً شديداً)(١)، ولقد حدثني أبي: أنَّ أمةَ أمّ كلثوم أمرت بشاة فسُلخت حين جلد أبو بكرة، فألبسته مسكها)»(٢). فهل ذلك إلا من ضرب شدید؟ قيل له: يجوز أن تكون لآثارٍ يسيرة حصلت في بدنه، ففعلت ذلك إشفاقاً عليه. مسألة : [عدم ثبوت حد القذف بالتعريض] قال: (ولا يجب حد القذف بالكناية)(٣). وذلك لأن الله تعالى أوجب الحد بقذف المحصنات بقوله تعالى: وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾، فغير جائز إثباته بالتعريض بالرمي، لما فيه من إثبات حدٍّ بقياس. وأيضاً: لما كان التعريض يحتمل القذف ويحتمل غيره، كان كالشهادة على الزنى أو الإقرار به، فلا يثبت حكمه إلا بالتصريح، كما لا يثبت حكم الشهادة والإقرار إلا بالتصريح. وأيضاً: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إِذْرؤوا الحدود (١) مصنف عبد الرزاق ٣٦٨/٧، السنن الكبرى ٣٢٦/٨. (٢) مصنف عبد الرزاق ٣٦٨/٧، السن الكبرى ٣٢٦/٨، والمسك: بفتح الميم، هو الجلد. القاموس المحيط. (٣) المبسوط ١١٩/٩، بدائع الصنائع ٤١٧٠/٩، حاشية ابن عابدين ٤٦/٤. ٢٠٥ كتاب الحدود بالشبهات))(١)، و(ادرؤوا الحدود ما استطعتم)) (٢)، ولا شبهة أكثر من احتمال اللفظ بغير القذف. وأيضاً: فإن التعريض كناية، والكنايات لا حُكْم لها بأنفسها، والدليل عليه: أنَّ كنايات الطلاق لا حكم لها إلا بانضمام النية إليها. وأيضاً: جعل الله التعريض بالخطبة كإضمارها بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِأَوْ أَكْتَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾(٣)، وفرَّق بينه وبين التصريح بها بقوله سبحانه: ﴿وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرًّا﴾ (٤). فلما اتفق الجميع على أن لا حدَّ في إضمار القذف، كذلك يجب أن يكون حكم التعريض. وأيضاً: فإن التعريض في الحقيقة، دون التصريح في نفس اللفظ، فلا جائز أن تكون عقوبته عقوبة التصريح، ألا ترى أنّ الحدَّ لما وجب في الجماع في الفرج، لم یکن فیما دونه بمنزلته. فإن قيل: روى مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن عمه عن عمرة بنت عبد الرحمن أنَّ رجلين استبًّا، فقال أحدهما للآخر: والله ما (١) مسند الإمام أبي حنيفة (مع شرحه) ص١٨٦، سنن الترمذي ٣٣/٤ ح ١٤٢٤، سنن الدارقطني ٨٤/٣، المستدرك ٣٨٤/٤، وينظر التلخيص الحبير ٥٦/٤، نصب الراية ٣٣٣/٣. (٢) ينظر الحاشية السابقة. (٣) البقرة: ٢٣٥. (٤) البقرة: ٢٣٥ ٢٠٦ كتاب الحدود أبي بزان، ولا أمي بزانية، فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب، فقال قائل: مَدَحَ أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مَدْح غير هذا، نرى أن تجلده الحد، فجلده عمر ثمانین(١). قيل له: إن عمر لم يستشر إلا مَن يكون قولُه خلافاً، فإذاً خالف، وقد قال له بعضهم: لا حدَّ عليه، وإذا وقع الخلاف بين السلف، وجب الاستدلال على صحة المقالة بغيرها. مسألة : [مقدار التعزير] قال أبو جعفر: (وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يُبلغ بالتعزير أربعين سوطاً)(٢). وذلك لما حدثنا ابن قانع قال: حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله عن سليمان بن يسار عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبي بردة بن نيار أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((لا يُجلَد فوق عشر جلدات إلا في حدٍّ من حدود الله تعالى))(٣). فانتفى بذلك أن يُبلغ بالتعزير الحد. فإن قيل: في هذا الخبر أنه لا يُجلد فوق عشر جلدات في غير حدٍّ، فأنت تبلغ بالتعزير فوق العشرة. (١) شرح الزرقاني على الموطأ ١٥٢/٤، مصنف ابن أبي شيبة ٥٣٨/٩، المحلى لابن حزم ٢٧٦/١١. (٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٤٨/٥، بدائع الصنائع ٤٢٢٠/٩. (٣) فتح الباري ١٧٥/١٢، صحيح مسلم ١٣٣٣/٢ ح ١٧٠٨. ٢٠٧ كتاب الحدود قيل له: اقتضى الخبر معنيين: أن لا يُبلغ به الحدَّ، وأن لا يجاوز به العشر، وقامت الدلالة على مجاوزة العشر، فبقي حكم اللفظ في نفي بلوغ الحد. وأيضاً: حدثنا ابن قانع قال: حدثنا ابن ناحية قال: حدثنا محمد بن الحصين الأصبحي قال: حدثنا عمر بن علي المقدمي قال: حدثنا مسعر عن خاله الوليد بن عثمان عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن ضرب حدّاً في غير حدٍّ، فهو من المعتدين))(١). ورواه أبو نعيم عن مسعر عن الوليد بن عثمان عن الضحاك عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى تَفِىّءَ إَِ أَمْرِ اللَّهِ﴾(٢)، فدلَّ على أنَّ التعزير على قَدْر ما يرى الإمام من المصلحة فيه وإن زاد على الحد، كما أوجب الله سبحانه قتال الفئة الباغية وقَتْلهم حتى يفيئوا إلى أمر الله. قيل له: ليس التعزير من قتال البغاة في شيء؛ لأن البغاة إنما يقاتلون على وجه الدفع إذا قاتلوا، ألا ترى أنهم لو قعدوا في بيوتهم لم يقاتلوا، وأما التعزير فهو مستَحق بفعلٍ فعله، قد استقر عليه حكمه، فيشبه الحد من هذا الوجه، فوجب أن لا يُبلَغ به الحد، لما ورد به التوقيف، كما لا يجلد في الزنى والقذف بأكثر مما ورد به التوقيف. * قال: (وروي عن أبي يوسف فيه روايتان: إحداهما: أنه يُنْقَص من (١) السنن الكبرى ٣٢٧/٨، نصب الراية ٣٥٤/٣، مجمع الزوائد ٢٨٤/٦. (٢) الحجرات: ٩. ٢٠٨ كتاب الحدود أقل حدود الأحرار، وهو ثمانون جلدة، وينقص من ذلك جلدة واحدة، أو ما رآه الإمام مما هو أكثر منها، وروي عنه: أنه على ما يراه الإمام بلا توقيت)(١). قال أبو بكر : في الأصل: خمسة وسبعون سوطاً على قول أبي يوسف، وذهب فيه إلى أنه يجب أن يُنقص من أقل حد الحر، وهو ثمانون، وجعل النقصان خمسة أسواط، لما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في التعزير أنه خمسة وسبعون سوطاً(٢)، فأخذ بقوله في نقصان الخمسة الأسواط، وخالفه في الحد الذي ينقص منه. مسألة : [حد العبد القاذف] قال أبو جعفر : (وحَدُّ العبد أربعون في قذفه الحرَّ)(٣). قال أبو بكر : روى الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ((يُجلد العبد في الفِرية أربعين))(٤). وروى الثوري أيضاً عن أبي ذكوان عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أدركت أبا بكر، وعمر، وعثمان، ومَن بعدهم من الخلفاء، فلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلا أربعين (6). (١) المبسوط ٣٦/٤، الهداية مع شرح فتح القدير ٣٤٨/٥، بدائع الصنائع ٩/ ٤٢٢٠، تبيين الحقائق ٢٠٩/٣، حاشية ابن عابدين ٦٠/٤. (٢) شرح السنة ٩/ ٣٤٤، نصب الراية ٣٥٤/٣. (٣) المبسوط ٣٦/٢٤، المغني والشرح الكبير ٢٠٦/٩. (٤) مصنف عبد الرزاق ٤٣٧/٧. (٥) مصنف ابن أبي شيبة ٥٠١/٩ وما بعده، مصنف عبد الرزاق ٤٣٧/٧، = ٢٠٩ كتاب الحدود وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه من قوله(١). ويُحكى عن الأوزاعي أنه يُضرب ثمانین(٢). وروي نحوه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ومحمد بن أبي بكر(٣). والحجة لقولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، وعضوا عليها بالنواجذ)) (٤)، وقد ثبت عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أنَّ حده أربعون، فلزم اتباعهم. وأيضاً: لما اتفق الجميع على أنَّ حده في الزنى على النصف من حدٍّ الحر، وجب أن يكون كذلك حد القذف، والمعنى الجامع بينهما: أنَّ كل واحد منهما عقوبة تُنَصَّف، وتُسقطها الشبهة. فإن قيل: فأنتم لا تثبتون الحدود بالقياس. قيل له: لم نثبت الأربعين بالقياس، بل بالاتفاق، وإنما أسقطنا ما عداها، وجائز عندنا إسقاط الحدود بالقياس، وليس ذلك كالقطع في السرقة، لأن القطع لا يتبعض، ألا ترى أنَّ عدة الأمة لما كانت على النصف من عدة الحرة، كانت عدتها بالشهور، شهر ونصف: نصفُ عدة السنن الكبرى ٢٥١/٨. (١) المصادر السابقة. (٢) بداية المجتهد ٤٤٢/٢. (٣) المراجع السابقة. (٤) أبو داود ١٣/٥ ح ٤٦٠٧، سنن الترمذي ٤٣/٥ ح ٢٦٧٦ وقال: هذا حديث صحيح. ٢١٠ كتاب الحدود الحرة؛ لأنها تتبعض، وعدتها بالحيض حيضتان؛ لأنها لا تتبعض. مسألة : [العفو في حد القذف] قال أبو جعفر: (ولا يجوز عفو المقذوف عن القاذف، وله مطالبته بالحد بعد ذلك، وقال أبو يوسف: عفوه جائز)(١). وقد أطلق محمد في بعض المواضع أنه من حقوق الناس، وأطلق في بعضها أنه من حقوق الله تعالى، والعبارتان جميعاً صحيحتان(٢). أما قوله: إنه من حقوق الناس، فإنما أراد أنَّ المطالبة به من حقه، لما لَحِقه من الشَّيْن بقذفه، وتناوله من عِرْضه، ولو لم يطالب لم يُحَدَّ. (١) المبسوط ١٠٩/٩، شرح فتح القدير ٣٢٦/٥، حاشية ابن عابدين ٥٣/٤. (٢) اختلف الفقهاء في تكييف حد القذف، هل هو حق الله تعالى أو حق للعباد؟ فعند الحنفية: حد القذف فيه حقان: حق للعبد، وحق الله تعالى، إلا أنَّ حق الله تعالى فيه غالب، لأن القذف جريمة تمس الأعراض، وفي إقامة الحد على القاذف تتحقق مصلحة العامة، وهي صيانة مصالح العباد، وصيانة الأعراض، ودفع الفساد عن الناس، وعليه فلا يجوز العفو عن هذا الحد، سواء رفع إلى الإمام أم لا. انظر المبسوط ١١٣/٩، شرح فتح القدير ٢٢٧/٥، بدائع الصنائع ٤٢٠٢/٩، بداية المجتهد ٤٤٣/٢. وعند الشافعية والحنابلة: حد القذف حق خالص للآدمي المقذوف، لأن القذف جناية على عِرْض المقذوف، وعِرْضه حقه، فكان البدل وهو العقاب، حقه كالقصاص، وعليه فيجوز للمقذوف العفو عن الحد، سواء قبل الرفع إلى الإمام أم بعده. انظر مغني المحتاج ١٥٥/٤، المغني والشرح الكبير ٢٠٤/٨. وذهب المالكية إلى أنه لا يجوز العفو بعد الرفع إلى الإمام، ويجوز قبله، ينظر: بداية المجتهد ٤٤٣/٢، تبصرة الحكام لابن فرحون ١٨٢/٢. ٢١١ كتاب الحدود وقوله: إنه من حقوق الله تعالى: أراد به نفس الحد، لا المطالبة به، إذ ليس يمتنع أن يكون الحق لواحد، والمطالبة به لآخر، كالوكيل بالبيع يطالب، وملك الثمن للآمر، وكذلك المشتري إذا كان وكيلاً، فإن قبض العبد إليه، والملك للآمر، والقطع في السرقة حق الله تعالى، والمطالبة للآدمي، لأنه لو لم یخاصم فیه: لم يقطع. والدليل على أنَّ نفس الحد من حقوق الله عز وجل، ولا يصح العفو فيه: أنَّ عدد الضرب المستحق بالقذف مقدَّر لا تجوز الزيادة عليه، ولا النقصان منه، فأشبه حد الزنى وشرب الخمر والسرقة، ألا ترى أنَّ ما كان من حقوق الناس مثل التعزير وغرامة المتلفات، تختلف مقاديرها على حسب ما يوجبه الرأي والاجتهاد فيها، وعلى حسب اختلاف المتلَف في نفسه. وليس في تعلق إقامته بخصومة الآدمي ومطالبته ما ينفي أن يكون حقاً الله تعالى، لا يجوز العفو فيه؛ لأن القطع في السرقة لا يثبت إلا بخصومة الآدمي، ولم يدل على أنه من حق الآدمي، وعلى جواز العفو فيه. فإن قيل: قد فرَّقتم بينهما من جهة إسقاطكم القطع في السرقة بالتقادم، وإيجابكم حد القذف مع التقادم إذا طالب به المقذوف. قيل له: اختلافهما من هذا الوجه، لا يمنع إسقاط سؤال السائل في تعلق إقامته بمطالبة الآدمي، واتفاقهما من الوجه الذي ذكرنا. وإنما اختلف حكمهما من الوجه الذي ذكرت، من قِبَل أنَّ حق المقذوف هو المطالبة بالحدَّ، لا غير، لما تناوله من عِرضه بقذفه، وأما القطع في السرقة فليس حق المسروق هو المطالبة بالقطع، وإنما حقه المطالبة بالمال، ألا ترى أنه لو ردَّ عليه المال قبل الخصومة، لم يكن له ٢١٢ كتاب الحدود أن يخاصمه في القطع، إلا أنهما مع ذلك قد تعلَّقا بمطالبة الآدمي وخصومته فيه، وإن اختلفا من وجه آخر. ومما يدل على أنه من حقوق الله سبحانه وتعالى: أنَّ الإباحة لا تُسقط حكمه، ألا ترى أنه لو قال له: اقذفني، فقذفه: وجب عليه الحد، وليس كالقصاص؛ لأن الإباحة تسقطه، ألا ترى أنه لو قال له: اقطع يدي، فقطعها: لم یکن عليه شيء. ودليل آخر: وهو اتفاق مخالفينا على أنَّ حد العبد في القذف على النصف من حد الحر، كحد الزنى، فلو كان من حق الآدمي ما اختلف الحر والعبد فيما يثبت عليه، كما لا يختلفان في سائر حقوق الناس، ألا ترى أنَّ العبد إذا قُتِل: كان الذي يثبت عليه من القصاص أو الدية في الرقبة مثل ما يثبت على الحر بجنايته. فإن قيل: فالحر والعبد يستويان في قطع السرقة، فقل: إن حد السرقة من حقوق الآدميين. قيل له: إن ما يستوي العبد والحر فيه، فهو من حقوق الآدميين، فيلزم ما ذكرت، وإنما قلنا إن من شأن حقوق الآدميين أن لا يختلف حكم الجناية فيما يثبت عليهم بها، فلما وجدنا الحر والعبد يختلفان في ذلك، علمنا أنه ليس بحق الآدمي، وليس يمتنع مع ذلك أن يتفقا في بعض حقوق الله عز وجل مما لا يتبعَّض، والقطع في السرقة لا يتبعض. وإن شئت قلت في الابتداء: إن الجلد(١) لما اختلف فيه الحر والعبد، وكان مما يتبعض من الحدود، أشبه حد الزنى، ولا يلزم عليه حد (١) وفي (ق.ج) ((الحد)). ٢١٣ كتاب الحدود السرقة، لأنه لا يتبعض. فإن قيل: فقد سقط حد القذف بتصديق المقذوف، فدل على أنه حقه، لولا ذلك ما سقط بقوله. قيل له: ولو قال المسروق منه للسارق: هو مالك، لم يجب فيه القطع، ولم يدل على أنَّ القطع حقٌّ له. وأيضاً: فإن سقوطه في هذا الوجه من جهة الحكم، لا يدل على أنه يملك العفو فيه، كما أنه لو طلَّق امرأته قبل الدخول، سقط نصف مهرها، ولا يدل على أنَّ له إسقاطه عن نفسه بغير طلاق، وكما لو ارتدت المرأة: حَرُمت عليه، ولو أرادت تحريم نفسها عليه بقولها: قد حرَّمت نفسي، لم تحرم، ولو وطىء أمَّها أو بنتها: حرمت عليه تحريماً مؤبداً، ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى في الأصول. ويُروى نحو قولنا عن الزهري، وهو قول الثوري والحسن بن صالح، والأوزاعي(١). وروي نحو قول أبي يوسف عن عمر بن عبد العزيز (٢). مسألة : [حد القذف غير موروث بموت المقذوف] (ومَن قذف رجلاً فمات المقذوف: سقط الحدُّ، ولم يُؤْرَث عنه)(٣). قال أبو بكر: وذلك لأنه لما ثبت أنه حق الله تعالى بما قدَّمنا، والله (١) مصنف ابن أبي شيبة ١١١/١٠، مصنف عبد الرزاق ٤٤٠/٧. (٢) المصادر السابقة. (٣) المبسوط ١١٣/٩، بدائع الصنائع ٤٢٠٣/٩. ٢١٤ كتاب الحدود تعالى حيٌّ باقٍ، لم يورَث حقه، فإذا لم يورَث، وقد مات مَن كانت له المطالبة، بقيَ الحدُّ لا مطالبَ به فسقط. وأيضاً: لو كان الحد موروثاً عنه، لجرى فيه سهام المواريث، فترثه أخته وزوجته وسائر مَن يرث ماله، فلما اتفق الجميع على أن لا حقَّ لهؤلاء في المطالبة به بعد الموت، صح أنه غير موروث. فإن قيل: إذا قذفه بعد موته، فللولد والوالد أخذه بحده، وفارق الأخت والزوجة، كذلك إذا وجب له الحد، ثم مات. قيل له: إنما يطالبه بالحد عن نفسه، لا عن الميت؛ لأنه قد قَدَحَ في نسبه. فإن قيل: فينبغي أن يأخذه به الابن قبل الموت، لحصول القدح في نسبه. قيل له: قد ثبت له ذلك، إلا أنَّ هناك مَن هو أَوْلى منه، وهو المقذوف فسقط حقه، كما أنَّ ابن الابن من أهل الميراث، إلا أنه إذا كان هناك ابن: كان أحقَّ به، فحجبه، ولم يُخرجه من أن يكون من أهل الميراث. مسألة : [قذف الميت] قال أبو جعفر: (ومَن قذف رجلاً وهو ميت: فإنه لا يأخذه بحدِّه إلا الوالد، والجد، والولد، وولد الولد)(١). قال أبو بكر : قال محمد في إملائه: لا يأخذ بحد الميت إلا الولد، أو (١) المبسوط ١١٢/٩، شرح فتح القدير ٣٢٢/٥. ٢١٥ كتاب الحدود الوالد ممن يرث ويورَث وإن بَعُدوا. فإن فُقِد إحدى هاتين الخصلتين: لم يأخذ بالحدِّ أحدٌ، لا بنت(١) الابنة، ولا أمُّ لأم الأب، وتأخذ بنت الابن، والجدة أم الأب. قال أبو يوسف: ويأخذ بحدِّ الميت ابن الابن، وقال زفر: لا يأخذ به مع الابن(٣). قال أبو بكر: ويُحكى عن الحسن بن صالح: أنه يأخذ بحدِّه مَن طالبه، وقام به من الناس وإن كان غيره أولى به. فأما قول الحسن بن صالح، فخارج عن أقاويل الفقهاء، ويبطله النظر أيضاً، من قِبَل أنَّ هذا لو كان غير مستَحق بالميراث، أو بما حصل به من القدح في نَسَبه، لوجب أن يكون لكل واحد أن يطالب بحد المقذوف وإن كان حياً. ويدل على فساده: ما روي أنَّ ماعزاً أقرَّ عند النبي صلى الله عليه وسلم أنه زنى بمولاة بني فلان(٣)، فأرسل إليها، فأنكرت، فخلَّىُ سبيلها، وأخذه بما أقرَّ على نفسه(٤)، ولم يذكر أنه جلده حدَّ الفرية فيها، ولو كان (١) وفي (ق.ج): ((لم يأخذ بالحد. قال: لا يأخذ بنت البنت ولا أم الأب، وتأخذ بنت الابن والجدة أم الأب، قال أبو يوسف ... ))، قلت: وقد أثبت ما في الأصل، لأنه الصواب والله أعلم. (٢) المبسوط ١١٢/٩، حاشية تبيين الحقائق ٢٠٢/٣، شرح فتح القدير ٣٢٣/٥. (٣) جزء من الحديث موجود في قصة ماعز. صحيح مسلم ١٣٢٠/٢ ح ١٦٩٣. (٤) وهذا الجزء من الحديث ليس في قصة ماعز، بل في غيرها. انظر سنن أبي داود ٥٨٦/٤، ٦١١، نيل الأوطار ١٢٠/٧. ٢١٦ كتاب الحدود لكل واحد أن يطالب بحد المقذوف، لما أسقط النبي صلى الله عليه وسلم ما وجب لها من الحد، ولأقامه عليه من غير مطالبة منها. ولم يجلد هلالَ بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء؛ لأنه لم يطالب به، ولو كان جائزاً إقامة حد المقذوف بغير مطالبة المقذوف، أو مَن یحصل بقذفه قَدْح في نسبه، لحدّ النبي صلى الله عليه وسلم له، فصح بذلك أنه لا يجوز لكل أحد المطالبة بحد القذف، فلم يبق إلا أحد قولین. أما مَن يقول إن لعصبة الميت وولده الأخذ بحدِّه، أو قولنا: إنه لا يأخذ به إلا الولد والوالد، فلِمَا ثبت أنه غير مستَحق على وجه الميراث، لاتفاق الجميع على أنه لا حظًّ للزوج والزوجة والأخت في المطالبة به بطلب جهة الميراث أيضاً، فوجب أن يأخذ مَن حصل به القَدْح في نَسَبه وهو الولد؛ لأنه إذا كان أبوه زانياً، لم يتصل به نسب ولد الابن (١)، ومَن عدا هؤلاء فلو استحقوه، استحقوه بالميراث، وقد بینًا فساد ذلك. مسألة : [قذف الذمية والأمة] قال أبو جعفر: (ولا حدَّ على مَن قذف ذمية، ولا أمة، ولا أم الولد، ولكنه يُعزَّر)(٢). وذلك لأن الذمية ليست بمحصَنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (١) وفي (ق.ج): ((لأنه إذا كان أبوه زانياً لم يثبت نسبه من أبيه والوالد لابن ابنه إذا كان زانياً لم يبطل به نسب ولد الابن)). (٢) المبسوط ١١٨/٩. ٢١٧ كتاب الحدود (مَن أشرك بالله فليس بمحصَن))(١)، ومن شرائط الإحصان: الحرية أيضاً، ولا نعلم في ذلك خلافاً. مسألة : [قذف الزانية والموطوءة بالشبهة] قال: (ولا حدَّ على مَن قذف امرأة وُطئت بشبهة، أو بزنىُ، أو على نكاح فاسد)(٢). وذلك لأن من شرائط حد القذف إحصان المقذوف بالعفة، والوطء الواقع على هذا الوجه يزيل الإحصان. ويدل على أنَّ الإحصان في هذا الموضع يراد به العفة: قولُ الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ﴾(٣) قيل: يعني العفائف. وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه في عائشة رضي الله عنها: وتصبح غَرْثَى من لحوم الغوافل(٤) حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنَّ بريبةٍ فإن قيل: الوطء بشبهة ليس بزنى، فينبغي أن لا يزيل الإحصان. قيل له: أقل أحواله أن يكون إذا كان مشبهاً للزنى من وجه، وهو وقوعه في غير ملك ولا نكاح، أن يصير شبهة في درء الحد عن القاذف؛ لأن معنى الشبهة أن يشبه الفعلَ الحلال من وجه، والحرامَ من وجه. (١) سبق تخريجه. (٢) شرح فتح القدير ٣٣٥/٥. (٣) النور: ٢٣. (٤) ينظر: ديوان حسان بن ثابت ١ / ٢٩٢ قصيدة رقم (١٤٤). ٢١٨ كتاب الحدود مسألة : [عدم قبول شهادة القاذف بعد الحد أبداً] قال أبو جعفر: (مَن حُدَّ في قذف: سقطت بذلك شهادته أبداً، تاب أو لم يتب)(١). قال أبو بكر : وقال مالك، وعثمان البَتِّي: تقبل شهادة كل محدود إذا تاب. ويُحكى عن الحسن بن حيّ(٢) والأوزاعي أنَّ كل مَن حُدَّ في الإسلام في قذف أو غيره، لم تقبل شهادته أبداً(٣). وقَبِلَ أصحابُنا شهادة كل محدود إذا تاب، إلا المحدود في القذف، والأصل في بطلان شهادة المحدود في القذف: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَّ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّمَ فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِيِنَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهِدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ (٤). والدلالة من هذه الآية على صحة مقالتنا من وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَهْدَةً أَبَدًا﴾، وذلك لفظ يقتضي بطلان شهادته على وجه التأبيد، لعموم اللفظ. ووجه آخر: وهو أنه تعالى لما قرنه بالتأبيد، ولم يقتصر فيه على لفظ (١) أحكام القرآن ٢٧١/٣، بدائع الصنائع ٤٢١٥/٩. (٢) وهو الحسن بن صالح، وقد ترجمته. (٣) أحكام القرآن ٢٧٣/٣، أحكام القرآن للقرطبي ١٧٩/١٢، بداية المجتهد ٤٤٣/٢. (٤) النور: ٤. ٢١٩ كتاب الحدود العموم فقط، وجب أن يكون لذلك فائدة، وهو أن لا تقبل بعد التوبة، ولولا ذلك کان وجود ذکر التأبید وعدمه سواء. ووجه آخر: وهو أنَّ الآية مشتملة على معنيين: تسميته بالفسق، وبطلان شهادته جميعاً، ومعلوم أنَّ لزوم سمة الفسق إياه، يمنع قبول شهادته، فلم يكن لذكره بطلان الشهادة وجه مع ذلك، إلا ليبين أنها لا تقبل أبداً، وأن بطلانها ليس من جهة بطلانها بالفسق، فترفعه التوبة، كما ترفع بطلان الشهادة إذا كان من طريق الفسق. ولو قبلنا شهادته بعد التوبة، لأخلينا قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾: من فائدة، وجعلنا وجوده وعدمه سواء، وذلك ما لا يجوز أن تُحمل علیه معاني کتاب الله عز وجل. فإن قال قائل: لو لم يكن في نَسَق الخطاب استثناء التائب، لكان القول ما قلتَ، لكنه قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَبُواْ﴾، فوَجَبَ أن يرجع الاستثناء إلى جمیع الكلام إلا ما قام دلیله. قيل له: الجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أنَّ حكم الاستثناء أن يرجع إلى ما یلیه، ولا يرجع إلى ما تقدم إلا بدلالة(١)، لأن الاستثناء تخصيص بعض ما انتظمه اللفظ، فحكمه أن يكون مقصوراً على ما يتقرر رجوعه إليه، ولا يخص به ما تقدم بالاحتمال، لامتناع تخصيص العموم بالاحتمال. (١) ينظر: أصول الفقه للجصاص ٢٦٥/١- ٢٧٠، بيان المختصر شرح مختصر ابن حاجب ٢٧٩/٢ -٢٨٧. ٢٢٠ كتاب الحدود فلما كان قد صح رجوع الاستثناء إلى زوال سمة الفسق، وهو الذي يليه، لم يجز لنا أن نرده إلى ما تقدمه إلا بدلالة، وكذلك قال أهل اللغة في حكم الاستثناء. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَقُوهُمْ أَجْمَعِينَ ) إِلَّا أَمْرَأَتَهُ﴾(١)، وكانت المرأة مستثناة من المنجَّيْن دون مَن يليها في الخطاب ممن تقدم ذکرهم. ويدل عليه: أنَّ قائلاً لو قال: لفلان علي عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا درهماً، أنَّ الدرهم مستثنى من الثلاثة، لأنه هو الذي يليها، والثلاثة مستثناة من العشرة. وأيضاً: لو رددنا الاستثناء إلى ذكر بطلان الشهادة، لبطلت فائدة ذكر التأبيد، ومتى أمكننا استعمال اللفظ على فائدته، لم يجز لنا إسقاطها. وأيضاً: فإن هذا يؤدي إلى إسقاط فائدة ذكر بطلان الشهادة رأساً، إذ كان بطلانها موقوفاً على التوبة، كما وقفه لزوم سمة الفسق على التوبة، ومعلوم أنَّ لزوم هذه السمة يبطل الشهادة حتى يتوب. وأيضاً: فإن قوله تعالى: ﴿وَلَ نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾: أَمْر، وقوله سبحانه: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾: خبر مستأنف، لا يجوز دخوله في الأمر الأول، فوجب أن لا يرجع الاستثناء إليه، ألا ترى أنه لو قال: أعط زيداً درهماً، وعبدي حُرٌّ إن شاء الله تعالى، أنَّ الاستثناء راجع إلى الحرية دون الأمر بإعطاء زيد، كذلك ما وصفنا. (١) الحجر: ٥٩ - ٦٠.