النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
كتاب المرتدِّ
فاقتلوه))(١)، وهو عام في المرأة والرجال.
قيل له: ابن عباس هو راوي الخبر، وكان يقول: ((المرتدة لا
تُقتل)) (٢)، فعلمنا أنَّ قوله: ((مَن بدَّ دينه فاقتلوه)): في الرجال.
وأيضاً: فإن قوله: ((مَن بدَّل دينه فاقتلوه)): لا يجوز الاعتراض به على
نهيه عن قتل النساء، وذلك لأن الجميع متفقون على أنَّ قتل المرتد غير
مستحق لتبديل الدين فحسب؛ لأنه لو أسلم لم يقتل، ولو كان قتله
مستحقاً لتبديل الدين، لاستحقه وإن أسلم، كما أنّ الرجم لما كان
مستحَقاً للزنى، لم تكن توبته مسقِطة له، وكما أنَّ القصاص المستحَق بقتل
الغير، لا تسقطه التوبة.
فلما اتفق الجميع على أنَّ المرتد لا يستحق القتل إذا أسلم، علمنا أنّ
القتل غير مستحَق للتبديل فحسب، بل بمعنى آخر مع التبديل، مضموم
إليه، فاحتيج إلى طلب المعنى الذي هو شرط في استحقاق القتل مع
التبديل، ويسقط حينئذٍ اعتبار اللفظ وحده.
وأما نهيه عليه الصلاة والسلام عن قتل النساء: فهو عموم، حكمه
متعلق بلفظه، فوجب علينا استعماله على حسب ما اقتضاه لفظه.
فإن قيل: فما المعنى الذي هو شرط في استحقاق القتل مع التبديل؟
قيل له: ليس علينا بيان ذلك؛ لأنا إنما بيًّا إسقاط اعتبار العموم في
خبرك.
وعلى أنا نقول مع ذلك متبرعين وإن لم يَلزمنا بحق النظر: أنَّ المعنى
(١) سبق تخريجه.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٢٨٧/١٢، نصب الراية ٤٥٧/٣.

١٢٢
كتاب المرتدٌ
الذي به استَحَق القتل مع التبديل، هو الإقامة على الكفر، والمرأة لا
تستحق القتل بالإقامة على الكفر بدءاً إذا كانت حربية(١)، فكذلك بعد
الردة؛ لأن تبديل الدين إنما يوجب القتل مع الإقامة التي لو انفردت بدءاً
لاستحق بها القتل وإن لم يكن مبدلاً به لدينه، فأما مَن لم تكن لإقامته بدءاً
تأثيرٌ في استحقاق القتل، فكذلك مع تبدیله الدین.
ودليل آخر: وهو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أُمِرتُ أن أقاتل
الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم
وأموالهم)) (٢)، فعلّق عصمة الدم بإظهار التوحيد، فلما كانت المرأة
محقونة الدم قبل الإسلام بغير إظهار التوحيد، وجب أن يكون كذلك
حكمها بعد الإسلام إذا عادت إلى الكفر، إذ لم تحقن دمها بالإسلام،
فيكون زواله موجباً لقتلها.
وأما الرجل، فإنه لم يحقن دمه بدءاً إلا بالإسلام؛ لأنه كان مباح
القتل قبل الإسلام، فلما حقن دمه بالإسلام، ثم ارتفع المعنى الذي من
أجله حقن دمه، وهو الإسلام، عاد إلى حال الإباحة.
فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بالشيخ الفاني والرهبان، وأهل الصوامع
والزَّمنى، لأنك لا تقتلهم إذا كانوا حربيين، ونقتلهم إذا أسلموا ثم ارتدوا.
قيل له: أما الشيخ الفاني، فإنا نقتله إذا كان ذا رأي في
الحرب، أو كان كامل العقل، ومثله نقتله إذا ارتد(٣)، وقد قتل ابن
(١) كتاب السير الكبير ١٤١٥/٤.
(٢) صحيح البخاري ١١/١، صحيح مسلم ٥٢/١ ح٢١- ٢٢.
(٣) الهداية مع شرح فتح القدير ٤٥٣/٥.

١٢٣
كتاب المرتدِ
الدُّغُنَّة(١) دريدَ بن الصمة يوم حنين، وكان شيخاً فانياً، فلم ينكره
النبي صلى الله عليه وسلم.
وإنما الذي لا نقتله هو الشيخ الفاني الذي خرف وزال عن حدود
العقلاء والمميزين، فهذا حينئذٍ يكون بمنزلة المجنون والصبي، فلا يُقتل
إذا كان حربياً، ولا إذا ارتد.
وأما الزَّمنىُ فهم بمنزلة الشيوخ، يجوز قتلهم إذا رأى الإمامُ ذلك،
كما يقتل سائر الناس بعد أن يكونوا عقلاء، ويقتلهم أيضاً إذا ارتدوا.
وأما الرهبان وأهل الصوامع، فإن سؤالك فيهم محال، من قِبَل أنه
يستحيل بعد الإسلام أن يعود راهباً؛ لأن ذلك اسم للنصارى إذا ترهبوا،
والمرتدُّ لا يكون نصرانياً وإن اعتقده، ولا يكون راهباً، فالسؤال فيهم
محال.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾(٢): عام في النساء والرجال.
قيل له: حقيقة اللفظ في الذكران، وإنما يدخل الإناث فيه بدليل،
كذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى
(١) ابن الدغنة: هو ربيعة بن رفيع بن ثعلبة بن ربيعة بن امرىء القيس، ويقال له
ابن الدغنة: وهي أمه، ويقال: اسمها لدغة، فغلبت على اسمه، ولما انهزم المشركون
في غزوة حنين أدرك ربيعةُ بن رفيع دريد بن الصمة، وهو في أشجار له، فظنَّه امرأة،
فإذا به شيخ، فقتله. انظر الإصابة ٤٩٥/١، سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن
هشام ٢/ ٤٥٣.
(٢) التوبة: ٤.

١٢٤
كتاب المرتد
ثلاث: كفر بعد إيمان)) (١): حقيقة اللفظ فيه في الذكران.
قال: (وكان أبو يوسف يقول بقتل المرتدة، ثم رجع إلى قول أبي
حنيفة)(٢).
مسألة : [أولاد المرتد]
قال أبو جعفر : (وما وُلِد لهما في الردة من ولدٍ في دار الإسلام أو
دار الحرب: فإنه يجبر على الإسلام، ولا يقتل)(٣).
وذلك لأن أبويه مرتدان، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((كل
مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه، أو يُمجِّسانه))(٤)،
فانتقل إلى حكم الأبوين، فصار مرتداً، فلذلك أُجبر على الإسلام.
ولا يقتل لأنه لم يكن له إسلام بنفسه فتركه، ولا يجوز قتله لأجل
فعل أبويه.
[مسألة : ]
* (والولد الذي ولداه في دار الحرب إذا سُبي: كان فيئاً، كولد أهل
الحرب، وليس كالولد الذي في دار الإسلام)(٥).
كما أنَّ المرأة المرتدة ما دامت في دار الإسلام: لا تُسترق، فإذا
(١) سبق تخريجه.
(٢) المبسوط ١٠٨/١٠.
(٣) بدائع الصنائع ٩/ ٤٣٩٥.
(٤) صحيح البخاري ١٠٤/٢، صحيح مسلم ٢٠٤٧/٢ ح ٢٦٥٨.
(٥) الهداية مع شرح فتح القدير ٦ / ٩٢.

١٢٥
كتاب المرتدِّ
لحقت بدار الحرب، ثم سُبيت: كانت فيئاً، كذلك ولد المرتدين.
* قال أبو جعفر: (وما وُلد لأولادهما في دار الحرب، فسُبي: كان
فيئاً، ولم يُجبر على الإسلام).
وذلك لأنا لو جعلناه بمنزلة المرتد، كنا ألحقناه بحكم جَدِّ في
الدين، والولد لا يتبع الجَدَّ في الدين، وإنما يتبع الأبوين؛ لأنه لو كان
كذلك، لوجب أن يكون الناس كلهم مسلمين، لأجل أنَّ أصل آبائهم
الإسلام، وهم آدم وحواء عليهما السلام.
فإن قيل: فأبواهما مجبَران على الإسلام، وهما في حكم المرتدين.
قيل له: لو كان كذلك لقتلا، فلما لم يجب قتلهما، علمنا أنهما ليسا
في حكم المرتدين، وإنما دخلا في حكم أبويهما؛ لأنه قد كان لأبويهما
إسلام بأنفسهما فارتدًا عنه، وأما هما فلم يكن لهما في أنفسهما إسلام
فیدخل أولادهما في حکمهما.
مسألة : [توريث المرأة المرتدة]
قال أبو جعفر: (وإذا ارتدت المرأة: لم يرثها زوجها، وليست
كالزوج إذا ارتدَّ)(١).
قال أحمد: وذلك لأن المرأة لا تُقتل، فلا تكون بمنزلة الفارَّة من
الميراث، بل هي بمنزلتها لو قبَّلت ابنَ زوجها بشهوة وهي صحيحة، فلا
يرثها زوجها، وأما الزوج فإنه يُقتل، فكان بمنزلة الفارِّ من الميراث،
وبمنزلة المريض إذا طلق امرأته، وقد قالوا: إن المرأة إذا ارتدت وهي
(١) العناية مع شرح فتح القدير ٧٨/٦.

١٢٦
كتاب المرتدِّ
مريضة، ورثها زوجها إن ماتت في العدة.
مسألة : [إنكار الارتداد]
قال أبو جعفر : (ومَن شُهد عليه بالردة، وهو يجحد: كان ذلك منه
توبة)(١).
لأنه مخبرٌ عن نفسه بالتوحيد في الحال، وقد قال الله تعالى: ﴿ قُل
لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَاقَدْ سَلَفَ﴾(٢)، وهذا قد انتهى عن
الكفر.
فإن قيل: جائز أن يكون مضمِراً بخلاف ما أظهر.
قيل له: وإذا أظهر الكفر بدءاً وأعلنه، ثم أظهر الإسلام، قُبل منه عند
الجميع وإن كان جائزاً أن يكون مضمِراً للكفر، مظهراً للإيمان، كذلك ما
وصفنا.
فإن قيل: لما كان كفر هذا سِرّاً، لم يكن في ظاهر حاله دلالة على
الرجوع عما أسرَّه من الكفر.
قيل له: ليس علينا اعتبار ما يجوز أن يكون عليه ضميره واعتقاده،
وإنما علينا الحكم عليه بما يظهر من أمره، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًا﴾(٣) فحكم لهم بالإيمان، ثم
(١) المبسوط ١٠/ ١٢.
(٢) الأنفال: ٣٨.
(٣) النساء: ١٣٧.

١٢٧
کتاب المرتد
بالكفر، ثم بالإيمان بعد الكفر.
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾(١)، وهذا
العلم إنما يحصل لنا بما يظهر لنا من قولهن، دون ضمیرهن.
وقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافقون قد أطلع الله
تعالى عليهم نبيّه، قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُواْلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَوْاْ
إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْإِنَّامَعَكُمْ﴾(٢)، فزال عنهم حكم القتل بإظهارهم الإيمان وإن
کان اعتقادهم خلافه.
وقال الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمّ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ
لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾(٣)، ومعلومٌ أنَّ هؤلاء كانوا قوماً معروفين قد
حلفوا لهم، وأخبر أنهم كفار؛ لأنه قال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤).
وقال: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ نُنَبِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ قُلِ
وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا
أُسْتَهْزِءُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَّرُونَ ()
(٥) لا
كُنَّا نَخُوُضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهٍ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ
(١) الممتحنة: ١٠.
(٢) البقرة: ١٤.
(٣) التوبة: ٩٦.
(٤) سورة التوبة: ٦٢.

١٢٨
كتاب المرتدِّ
تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرَّتُم بَعْدَ إِيمَنِكُمْ﴾(١)، فأخبر أنهم كفار، وزال عنهم القتل
بإظهارهم الإيمان، وهذا كله لابدَّ أن يكون في قوم معروفين بأعيانهم.
وكذلك الذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً، كانوا يُسِرُّون الكفر فيما
بينهم في ذلك المسجد، فأمر الله تعالىُ بهَدْم مسجدهم، ولم يأمر بقتلهم.
فهذا كله يقضي ببطلان قوله مَن يقول: إن مَن سُمِع يكفر سرّاً: أنه لا
تقبل توبته ظاهراً.
مسألة : [ارتداد السكران]
قال أبو جعفر: (ومَن ارتدَّ وهو سكران: لم يُقتل بذلك، ولم تَبِنْ منه
امرأته في قول أبي حنيفة ومحمد)(٢).
وذلك لأن من شرط حصول الكفر بالقول: أن يكون قاصداً إلى القول
مع الطوع، والدليل عليه: أنه لو كان مكرهاً(٣): لم يكفر، لعدم الطوع،
ولو سَبَق لفظُه بالكفر من غير قصد: لم يكفر، فعلمنا أنَّ شرطه ما وصفنا.
ويدل عليه أيضاً: قوله عز وجل: ﴿وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾(٤)،
والقصد معدوم من السكران، فصار كالمجنون، والذي يسبق لسانه
بالكفر.
وإذا لم يُجعل كافراً: لم تَبِنْ منه امرأته؛ لأن لفظ الكفر ليس بطلاق
(١) سورة التوبة: ٦٤ -٦٦.
(٢) المبسوط ١٢٣/١٠، بدائع الصنائع ٩/ ٤٣٨٢.
(٣) بدائع الصنائع ٩/ ٤٤٨٢.
(٤) النحل: ١٠٦.

١٢٩
کتاب المرتدِ
ولا كناية عنه، وإنما تحصل الفرقة إذا حُكِمٍ بردته، فإذا لم يحكم بردته،
لم تَبِن منه امرأته.
وليس هذا مثل السكران إذا طلَّق، فيقع طلاقه؛ لأن شرط وقوع
الطلاق وجودُه في لفظ مكلّف، والسُّكْر لم يُبطِل عنه حكم التكليف،
للزوم الحدِّ بالسُّكْر، وليس شرطه القصد ولا الطوع، والدليل عليه: أنه لو
سَبَقَ لفظُه بالطلاق ناسياً من غير قصد: وقع.
قال: (وقال أبو يوسف: تبين منه امرأته)(١)، وجعله كالسكران إذا
طلق، لأن هذا القول، أعني: كلمة الكفر، قد تضمن معنيين: أحدهما:
وقوع الفرقة بينه وبينها، والثاني: الحكم عليه بالردة، وإباحة الدم، فأشبه
الطلاق من حيث تعلق به الفرقة.
مسألة : [ارتداد الصبي]
قال أبو جعفر: (وارتداد الصبي الذي يعقل: ارتدادٌ، وإسلامه:
إسلام، وقال أبو يوسف: ارتداده ليس بارتداد)(٢).
قال أحمد : الأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((كلَّ مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أوينصِّرانه، حتى يُعْرِب عنه
لسانُه، فإما شاكراً وإما كفوراً))(٣)
(١) البناية مع الهداية ٨٨٣/٥، تبيين الحقائق ٢٩٢/٣.
(٢) البناية مع الهداية ٨٨٣/٥، تبيين الحقائق ٢٩٢/٣.
(٣) سبق تخريجه، والحديث بهذا اللفظ في مسند الإمام أحمد ٣٥٣/٣، وقال
عنه الهيثمي في مجمع الزوائد ٢١٨/٧: رواه أحمد، وفيه أبو جعفر الرازي، وهو
ثقة، وفيه خلاف، وبقية رجاله ثقات. اهـ.

١٣٠
كتاب المرتدٌ
فعلَّق حكم الكفر والإيمان بإعراب اللسان، فتضمن هذا الخبر الحكم
بإسلامه و کفره جمیعاً عند ظهور ذلك منه.
فإن قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((رُفع القلم عن ثلاث: عن
النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ))(١).
قيل له: نستعمل الخبرين جميعاً، فنقول ذلك في سائر الحقوق سوى
الدِّين، فأما حكم الدِّين فمعتبر بصحة إعرابه عن نفسه بالخبر الذي
رويناه، ولو حملناه على ما قلتَ، سقطت فائدة خبرنا رأساً، فيصير
وجوده وعدمه سواء، وليس يجوز لنا أن نفعل ذلك في أخبار النبي صلى
الله عليه وسلم.
وأيضاً: روي ((أنَّ عليَّ بن أبي طالب كان أولَ مَن أسلم، وكان
صغيراً)(٢)، ولولا أنَّ إسلامه كان إسلاماً صحيحاً، لما نقلوه وأضافوه إليه.
فإن قيل: إن علياً رضي الله عنه لم يشرك بالله قط.
قيل له: صدقتَ إلا أنه عند بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لزمه
تصديقه، فكان تصديقه تصديقاً صحيحاً، كما أنَّ النبي صلى الله عليه
وسلم لم يشرك بالله قط، ولزمه عندما أوحي إليه أن يصدِّق بنبوة نفسه.
وأيضاً: فإن لزوم التوحيد متعلق بالعقل، فكل مَن أمكنه المعرفة،
فعليه النظر والوصول إليها، وليس ذلك يتعلق بالبلوغ ولا غيره، وإنما
يتعلق بالبلوغ الأحكامُ الظاهرة، وما يلزم من طريق السمع مما ليس في
العقل إيجابه؛ لأنه لو جاز أن يخليَ الله أحداً من تكليف المعرفة، وهو
(١) سبق تخريجه.
(٢) سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن هشام ٤٢٨/١.

١٣١
كتاب المرتدِّ
یحتملها، لکان قد أباح الجهل به، وهذا لا يجوز على الله تعالى.
وأيضاً: فلما جاز أن يَلحق بحكم أبويه في الدِّين، فثبوت ذلك له
باعتقاده أحرى، وبهذا المعنى فارق سائر الأحكام أنه لا يتبع أبويه في
سائر الأحكام إلا في الدِّین.
فإن قيل: کما لم يجز إقرارُه وطلاقه وعتقه، وکان قولہ کلا قول،
وجب أن یکون كذلك حکمه في إسلامه و کفره.
قيل له: قد بيًَّا الفصل بينهما فيما قدَّمنا، وكما جاز أن يلحق بأبويه
في حكم الدِّين، فكان قول الأبوين كقوله في كفره وإسلامه، ولم يجز أن
يكون قول أبويه كقوله في جواز إقراره عليه، وعتق عبده وطلاق امرأته،
كذلك هو يجوز أن يكون مسلماً بإسلام نفسه، ولا يجب أن يجوز عليه
قوله في إيقاع طلاقه ونحوه.
قال أحمد : وهذا على قول من قال: إن إسلامه ليس بإسلام، وهو
قول زفر بن الهذيل(١).
* وأما الكلام على أبي يوسف: فمن جهة ظاهر الخبر، وهو قوله:
((حتى يُعرِب عنه لسانُه، فإما شاكراً وإما كفوراً))، فأثبت له حكم الكفر إذا
عقل، كما أثبت له حكم الإسلام.
وأيضاً: لما صح له الإسلام باعتقاده، وجب أن يكون تَرْك ذلك
الاعتقاد كفراً، كالبالغ العاقل.
وأيضاً: لما جاز أن يكون مسلماً بإسلام الأبوين، ومرتداً بردتهما،
وجب أن يكون من حيث جاز أن يكون مسلماً بإسلام نفسه، أن يكون
(١) المراجع السابقة الفقهية.

١٣٢
كتاب المرتدِّ
مرتداً بتركه.
وذهب أبو يوسف إلى أنَّ الصبي ليس ممن تلزمه الأحكام بقوله،
بدلالة امتناع جواز إقراره وطلاقه وعتقه.
وأيضاً: جعلنا إسلامه إسلاماً، لما له فيه من النفع، كما جوزنا قبوله
للهبة، لما فيه من النفع بلا ضرر، فلما كان عليه في الارتداد ضرر، لم
يثبت عليه حكمه بقوله، كما لو وَهَبَ مالَه لغيره، أو أقرَّ به له.
قال أحمد: وليس هذا نظير ما ذكر، من قِبَل أنه جاز أن يكون مرتداً
بردة الأبوين عنده، ويلحقه حكم كفرهما، ومع ذلك لا يجوز لهما هبة
ماله.
مسألة : [توريث الصبي المرتد]
قال: (وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا ارتدَّ الصبي: لا يرث أبويه،
ويُجبر على الإسلام، ولم يقتل)(١).
قال أحمد : لمَّا ثبت عليه حكم الردة، أُجبر على الإسلام، ولم يُقتل
للشبهة، وهو أنَّ مِن الناس مَن لا يرى هذا القول منه ردة، فصار ذلك
كاختلاف الناس في فعل ما هو زنى أم لا، فيكون ذلك شبهة في درء
الحد، ولا يرث أبويه؛ لأنه مرتد، والمرتد لا يرث أحداً.
مسألة : [مال المرتد في دار الحرب]
قال: (ومَن ارتدَّ عن الإسلام، ولَحِقِ بدار الحرب بمال له، ثم ظَهَرْنا
ے
(١) المبسوط ١٢٢/١٠، الهداية مع شرح فتح القدير ٦ /٩٤.

١٣٣
کتاب المرتد
على ذلك المال: كان فيئاً، ولم يكن لورثته)(١).
وذلك لأن ملكه وإن كان زائلاً عن المال بنفس الردة في قول أبي
حنيفة، فإنه موقوفٌ لم يستحقه الورثة بعدُ حتى يلحق بدار الحرب، فإذا
لحق بها، والمال معه: لم يجز أن يثبت للورثة فيه حق في مالٍ في دار
الحرب ؛ لأن اختلاف الدارين يوجب قطع الحقوق.
والدليل عليه: أنَّ المسلمين يملكون الغنيمة بإحرازهم إياها في دار
الإسلام، فكذلك أهل الحرب يملكون علينا من أموالنا ما أحرزوه في
دارهم، فلو كان يثبت فيه مع اختلاف الدارين، لما ملكوا علينا بعد
إحرازهم إياها في دارهم، لثبوت حقنا فيها، كما لا يملكونها في دار
الإسلام.
وكان يجب أيضاً: أن لا يثبت ملكنا على أموالهم إذا غنمناها وإن
أحرزناها في دارنا، كما لا نملكها ما دامت في دارهم، فثبت بذلك أنَّ
اختلاف الدارين يمنع ثبوت حق أحدٍ فيما صار من المال في غير داره،
وإذا كان كذلك، صار ذلك المال كمال الحربي يكون فيئاً بالأخذ.
[مسألة : ]
قال أبو جعفر: (وإن كان لَحِقَ بدار الحرب، ثم رجع إلى دار
الإسلام، فأخذ مالاً، ثم لَحِقَ بدار الحرب، ثم ظهرنا على ذلك المال:
رددناه على ورثته، كما يُرَدُّ على غيرهم)(٢).
قال أحمد : وذلك لأنه لما لَحِقَ بالدار، استحق الورثة ميراثه،
(١) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٨٧/٦.
(٢) بدائع الصنائع ٩/ ٤٣٩٠.

١٣٤
كتاب المرتد
لانقطاع حقوقه عما في دارنا، لما بينًا من أنَّ اختلاف الدارين يقطع
الحقوق، فصار لَحَاقه بمنزلة موته أو قتله؛ لأن الموت يقطع الحقوق
أيضاً، ويوجب نَقْل ماله إلى غيره.
فإذا جاء وأَخَذَه، صار بمنزلته لو أخذ مال غيره، فلَحِق به إلى دار
الحرب، فإذا ظهرنا عليه: رددناه إلى صاحبه قبل القسمة بغير شيء، وبعد
القسمة بالقيمة، وهذا معنى قوله: يُردُّ إلى ورثته، كما يُردُّ على غيرهم.
مسألة : [نقض العهد من أهل الذمة]
قال: (ومَن نقض العهد من أهل الذمة، ولَحِق بدار الحرب: كان
بمنزلة المرتد في جميع الأشياء، إلا أنه إن سُبي: استُرِقَ) (١).
وذلك لأن الذي حَظَر دمَه كان العهد الذي أعطيناه، فإذا نَقَضَ
العهد، وعاد إلى دار الحرب، صار بمنزلة سائر أهل الحرب في سائر
أحكامه، ولو لم يلحق بدار الحرب: كان باقياً على الذمة؛ لأنه مقهور
مغلوب في أيدينا، فهو باق على ما كان يمكنه، إذ لم يخرج عن المعنى
الذي حصل به بدءاً من أهل العهد.
مسألة : [حكم ولد جارية المرتد]
(ومَن ارتدَّ عن الإسلام، فأتت جاريةٌ له نصرانيةٌ كانت في ملكه في
حال الإسلام بولدٍ، فادعاه، وقد جاءت به لأكثر من ستة أشهر منذ يوم
ارتدَّ: كان حرًّاً، وكانت أمَّ ولد له، ولم يرث أباه)(٢).
قال أحمد : وذلك لأن ملكه موقوف عليه وعلى غيره، وثبوت حق
(١) كتاب السير الكبير ١٩٤١/٥، المبسوط ١١٦/١٠.
(٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٨٦/٦.

١٣٥
كتاب المرتدِ
الغير فيه لا يمنع صحة دِعْوته، ألا ترى أنَّ ثبوت حق الورثة بالمرض في
مال المريض، لا يمنع صحة دِعوته، وكذلك حق الغرماء، فثبت نسبه،
ویکون حراً، والأم أم ولد.
كذلك ثبوت حق ورثته في ماله بزوال ملكه بالردة، لا يمنع صحة
دِعوته وإن كان غير جائز التصرف فيه على قول أبي حنيفة، ألا ترى أنَّ
نسب ولد المغرور ثابت، وهو حرُّ الأصل، مع عدم الملك رأساً، فالمرتد
أَوْلى بجواز الدِّعوة، إذ كان الملك موقوفاً عليه، ومتى أسلم كانت باقية
على ملکه على ما كانت.
* وإنما لم يرث أباه، من قِبَل أن أبويه جميعاً كافران، وقد روي أنَّ
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه))(١).
ثم لا يخلو حينئذٍ من أن يلحق بحكم أبيه أو أمه، فإن لَحِق بحكم
الأم: فهو نصراني، والنصراني لا يرث المرتد، وإن لَحِقِ بحكم أبيه: فهو
مرتد، والمرتدُّ لا يرث المرتدَّ، وعندنا هو بمنزلة المرتدِّ يلحق بأبيه؛ لأن
المرتدَّ غير مقَرِّ على ردته، فيُجبر على الإسلام.
مسألة : [توريث ولد الجارية المسلمة]
قال أبو جعفر : (وإن كانت الأم مسلمة: وَرِثه الابن)(٢).
وذلك لأن الولد حينئذٍ يكون مسلماً؛ لأن شرط كفر الولد أن ينتقل
إليه بالأبوين، فإذا لم يجتمع أبواه على الكفر، فإسلامه ثابت بنفسه،
(١) سبق تخريجه.
(٢) المصدر السابق.

١٣٦
١٤
كتاب المرتد
لقوله: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه)) (١).
مسألة : [مال المرتد بعد لحوقه بدار الحرب]
قال: (وإذا لَحِق المرتد بدار الحرب، فقضى القاضي بلَحَاقه: فإنه
يقضي بعتق مُدَبَّريه، وأمهات أولاده، ويَقْسِم ماله بين ورثته)(٢).
قال أحمد : إذا قضى القاضي بلَحَاقه: صار كالميت، فنحكم في ماله
كحكمنا في مال الموتى؛ لأن لَحَاقه بدار الحرب يقطع حقوقه عما في
دارنا، كما يقطعه الموت.
: قال أبو جعفر: (فإن جاء مسلماً بعد ذلك: أَخَذَ من ماله ما كان
قائماً بعينه في أيدي ورثته، ولا ضمان عليهم فيما استهلكوه)(٣).
قال أحمد : وذلك لأن الورثة يخلفونه في ملكه، كما يخلفون الميت
في ملكه، وليس ملكهم على جهة الاستئناف، ألا ترى أنهم يردون على
بیع المیت بالعيب.
فإذا جاء مسلماً أَخَذ ما وجده قائماً بعينه؛ لأنهم إنما قاموا فيه مقامه،
فإذا أسلم كان أولى به، كالذي يوكِّل رجلاً ببيع ماله، أو التصرف فيه، ثم
حضر قبل التصرف: فله أن يأخذه، ويعزل الوكيل عنه.
وأما ما استهلكوه: فلا ضمان عليهم فيه؛ لأنهم لما خلفوه في
الملك، وقاموا فيه مقامه، صاروا كأنهم تصرفوا بأمره، كالوكيل إذا
تصرف، لیس للموگِّل فسخ تصرفه.
(١) سبق تخريجه.
(٢) بدائع الصنائع ٤٣٨٩/٩.
(٣) المصدر السابق ٤٣٩٠/٩.

١٣٧
كتاب المرتدّ
مسألة : [ارتداد العبد]
قال: (وردَّةُ العبد كَردَّة الحرِّ) (١)، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن
بدَّل دينه فاقتلوه))(٢).
مسألة : [ارتداد الأَمَة]
(ورِدَّة الأَمَة كرِدَّة الحرَّة)؛ لما وصفنا.
. (وتُرَدُّ إلى مولاها، ليجبرها على الإِسلام) (٣).
لأنَّا متى أمكننا أن نتوصل إلى إجبارها على الإسلام من غير إزالة يده
عن ملكه فعلنا، بأن نأمره بإجبارها على الإسلام، فيقوم فيه مقام الإمام.
مسألة : [كسب المرتد في حال الردة]
(وما اكتسبه المرتدُّ في حال رِدَّته، ثم قُتِل أو مات عليها: فهو في قول
أبي حنيفة رضي الله عنه فَيْءٌ).
مِن قِبَل أنه اكتسبه وهو مباح الدم.
وأيضاً: إن حكم المال حكم الدم في العصمة، لقول النبي صلى الله
عليه وسلم: ((أُمِرْت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها
عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)) (٤).
فعلَّق عصمة المال بالمعنى الذي علّق به عصمة الدم، فإذا زالت
(١) بدائع الصنائع ٩ / ٤٣٨٤.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) المصدر السابق ٤٣٨٥/٩.
(٤) سبق تخريجه.

١٣٨
كتاب المرتدٌ
عصمة دمه، زالت عصمة ماله، فمن أجل ذلك قال أبو حنيفة: إنه لا
يجوز تصرُّف المرتد في المال الذي كان له في حال الإسلام، لزوال ملكه
عنه، کزوال ملکه عن دمه.
وأما ما اكتسبه في حال الردة: فإنه لا يقع كسبه قط إلا مباحاً، كمال
الحربي، فلذلك كان فيئاً(١).
وأما ما كان اكتسبه في حال الإسلام، فقد كان مالاً محظوراً، فزالت
عصمته، واستحقه ورثته، کمال الموتى.
* (وقال أبو يوسف ومحمد: هو لورثته)(٢).
لأن من أصلهما: أنَّ المرتد في حكم ماله كغير المرتد، ومِن أجل
ذلك يجيزان تصرفه في المال الذي كان له في حال الإسلام وحال الردة.
مسألة: [حكم مَن قَتَل مرتداً قبل استتابته أو جنى عليه]
قال: (ولا شيء على مَن قَتَلَ مرتداً قبل استتابته، أو قطع عضواً منه،
لكنه يؤدب)(٣).
وذلك لأن عصمة دمه زائلة بنفس الردة، ولكن الأحسن تقديم
الاستتابة، والدعاء إلى الإسلام قبل قتله، فمَن قتله قبل ذلك: لم يكن
عليه ضمان دمه، وكان مسيئاً في إقدامه، كمَن قتل حربياً قبل الدعاء إلى
الإسلام.
(١) المبسوط ١٠٥/١٠، بدائع الصنائع ٤٣٨٧/٩.
(٢) المصادر السابقة.
(٣) بدائع الصنائع ٤٣٨٤/٩، رد المختار ٢٢٦/٤.

١٣٩
كتاب المرتدَّ
مسألة : (مَن ارتد من النصرانية إلى غيرها من ملل الكفر]
قال أبو جعفر: (ومَن ارتد عن نصرانية إلى يهودية أو مجوسية: فإنه
يُخلَّى بينه وبين ذلك)(١).
وذلك لأن الكفر كلَّه ملةٌ واحدة في الحكم، قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾(٢)، وقال تعالى: ﴿لَا تَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيٌَّ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَهُ بَعْضٍ﴾(٣)، وقال تعالى: ﴿لَكُمْدِينُّكُمْ وَلِىَ دِينٍ﴾ (٤).
فخاطب جميع الكفار بأن جعل كفر جميعهم دِيناً واحداً.
وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾(٥): اقتضى الظاهر أن لا
یُکره علی دینٍ غیر ما هو عليه.
وأيضاً: لا يخلو من أن يجبر على رجوعه إلى دينه الأول، أو إلى
الإسلام، فإن أكرهناه على الرجوع إلى كفره الأول، فهذا إكراه على
الكفر، واعتقاد جواز ذلك كُفْرٌ من معتقدِهِ وقائله، وإن أجبرناه على
الإسلام، فكيف يجوز أن نجبره عليه، وهو لم يلتزمه، ولم يختر الدخول
فيه؟ ولو جاز ذلك لجاز إجبار سائر أهل الذمة على الإسلام.
(١) رد المختار ٢٤٧/٤.
(٢) الأنفال: ٧٣.
(٣) المائدة: ٥١.
(٤) الكافرون: ٦.
(٥) البقرة: ٢٥٦.

١٤٠
كتاب المرتد
فإن قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن بدَّل دينه فاقتلوه))(١)،
فهو عام.
قيل له: معلوم أنَّ المراد: مَن بدَّل دين الإسلام إلى غيره، لا: مَن بدل
الكفر، ولو كان تبديله الكفر إلى كفر آخر يوجب قتله، لوجب أن يكون
الحربي النصراني إذا تهوَّد، ثم صار ذمياً، أن يجبر على الإسلام، كما أنه
لو أسلم ثم ارتد، ثم ظَهَرْنا عليه، لم يجز لنا إقراره على كفره.
وأيضاً: قد بينًا فيما سلف أنَّ القتل غير مستحق بتبديل الدين، بل به
وبالإقامة على الكفر، وإقامة النصراني واليهودي على كفرهما، لا يوجب
قتلهما.
مسألة : [لا يجب قضاء الصلاة، والصوم والزكاة بعد توبة المرتد]
قال: (ولا يجب على المرتد إذا أسلم قضاء ما تركه من الصلوات
والصيام والزكاة في حال رِدَّته)(٢).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّاقَدْ
سَلَفَ﴾(٣).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الإسلام يَجُبُّ ما قبله)(٤).
(١) سبق تخريجه.
(٢) رد المختار مع حاشية ابن عابدين ٢٥١/٤.
(٣) الأنفال: ٣٨.
(٤) مسند الإمام أحمد بن حنبل ١٩٩/٤، المستدرك للحاكم ٤٥٤/٣، وفي
لفظ مسلم في صحيحه ١١٢/١ ح١٩٢: ((إن الإسلام يهدم ما كان قبله)).