النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب الديات
قيل له: ما كان بمنزلة عضوها، لا يتغير حكمه بالانفصال؛ لأن
أعضاءها لا يجوز أن تصير في حكم النفس بالانفصال والمباينة.
وأيضاً مخالفة(١) الجنين بغُرَّة في نقصان الدية، لا تخرجه من حكم
النفس؛ لأن الأنفس مختلفة الديات، كالمرأة والرجل، والعبد والحر،
وعند مخالفنا الكافر والمسلم، فلم يُخرجهم من حكم النفوس اختلافُ
مقادیر دیاتهم.
فإن قيل: فأوجبْ فيه الكفارة، إذ كان في حكم النفس.
قيل له: ليست علة وجوب الميراث وجوب الكفارة؛ لأنه قد يُورث
عنه بدل نفسه مَن لا تجب عليه الكفارة، مثل مَن يقتله صبي، أو يقع في
بئرِ حفرها في الطريق.
فلا يجوز أن يكون وجوب الميراث في بدل النفس علة لوجوب
الكفارة، وإنما الكفارة لها شرط آخر، وهو أن يكون المقتول على حال
يصح وصفه معها بالإيمان أو الكفر، إما من طريق الحكم، أو من جهة
الحقيقة، لقول الله تعالى: ﴿ وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطًَّا فَتَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ ... ﴾(٢) قال:
﴿وَ إِن كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقُ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ.
وَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، فأوجب الكفارة على قاتل المؤمن والكافر،
وليست هذه صفة الجنين.
(١) في (ق.ج): ((وأيضاً اختلافهما في نقصان الدية لا يخرجهما من حكم
النفس، لأن الأنفس ... )).
(٢) النساء: ٩٢.

٢٢
كتاب الدیات
مسألة: [خروج الجنين ميتاً بعد موت الأم]
قال: (ولو قُتلت امرأة، ثم خرج من بطنها جنين ميت: فلا شيء في
جنینها)(١).
وذلك لأنه غير معلوم حدوث موت الجنين من الضربة، وجائز أن
یکون مات بموت الأم، لا بالضربة.
وأيضاً: فإنها ماتت، وهو بمنزلة عضو منها، ثم باينها، فلا يجب فيه
شيء.
* قال : (وإن خرج قبل موتها، ثم ماتت: كان فيه غُرَّة).
لأنه قد انفصل منها في الحياة، ووجبت فيه الغرة، فلا يتغير حكمه
بعد ذلك بموت الأم؛ لأنها ماتت وهو منفصل منها.
[مسألة : ]
قال: (والغُرَّة في الذكر والأنثى سواء)(٢).
وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن الجنين: أذكر أم
أنثى؟ فأوجب فيه الغرة، فدل أنهما سواء فيهما.
وأيضاً: هو اتفاق من الأمة.
مسألة : [دية جنين غير المسلمة]
قال: (وجنين الكافرة كجنين المسلمة)(٣).
(١) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٣٠٤/١٠.
(٢) المصدر السابق.
(٣) كتاب الأصل ٤ / ٤٦٤.

٢٣
كتاب الديات
لأنهما لا يختلفان في بدل النفس وما دونها عندنا.
مسألة : [دية جنين الأمة من مولاها]
قال: (في جنين الأمة من مولاها كما في جنين الحرة)(١).
لأن الجنين حرٌّ، وهذا اتفاق من الفقهاء، وهذا يدل على أنَّ الجنين
ليس بمنزلة عضو من أعضائها إذا باينها وهي حية؛ لأنه لو كان كذلك، لما
كان فيه غُرَّة، لأنه لا يجوز أن يكون عضو من أعضائها حراً، وسائرها أمة.
مسألة : [دية جنين الأمة من غير مولاها]
قال: (وفي جنين الأمة من غير مولاها إذا خرج حياً، ثم مات:
قيمته، وإن خرج ميتاً: فإن كان ذكراً ففيه نصف عُشْر قيمته لو كان حياً،
وإن كان أنثىُ: ففيها عُشْر قيمتها لو كانت حية)(٢).
وذلك لأن الغرة من دية الرجل: نصف عُشْرها، ومن دية المرأة:
عُشْرها، وكذلك جنين الأمة يجب أن يكون هذا اعتباره، فيُنقص من قيمة
الأنثى تسعة أعشارها، ومن قيمة الذكر تسعة أعشار ونصف، كما نقصنا
من دية الحر الذكر تسعة أعشار ونصفاً، ومن دية الأنثى تسعة أعشار.
ومن الدليل على سقوط اعتباره بقيمة الأم: أنَّ الجنين لو كان من
مولى الأمة، لكان فيه الغرة، ولم يعتبر بالأم، كذلك إذا كان رقيقاً،
فالواجب اعتباره بنفسه، دون أمه.
وأيضاً: لما كانت هذه جناية على الجنين، ولم تكن جناية على الأم:
(١) شرح العناية على الهداية ٣٠٥/١٠.
(٢) المصدر السابق.

٢٤
كتاب الديات
وجب اعتبار أرشه بنفسه دون أمه.
* قال : (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف رحمه الله: أنَّ في
جنين الأمة: ما نقص أمَّه، كجنين البهيمة)(١).
وذلك لأنه مال، وهو مستمر على أصله، لأنه يوجب في الرقيق
القيمة وإن جاوزت الدية بالغةً ما بلغت.
مسألة : [الجناية على الجنين]
(وكل جناية جنيت على مولود: من فَقْء عين، أو قَطْع عضو: ففيه
حكومة حتى تُعلم سلامته)(٢).
وذلك لأنا لما لم نعلم صحة العضو، لم نحكم فيه بكمال الأرش إلا
بیقین.
وأيضاً: فإن الأصل أنه غير سليم الأعضاء، حتى تُعلم سلامتها، لأن
الأصل: النطفةُ، والمضغةُ، والعلقة، أو نحو ذلك، فلما لم تعلم صحة
العضو، فهو على الأصل.
مسألة : [ذهاب البصر ونحوه بالجناية]
قال : (وفي ذهاب البصر بالضربة، وسوادِ العين، وشللٍ اليد: الدية
كاملة)(٣).
وذلك لما وصفنا من أنَّ جهة النفع معتبرة على الانفراد وإن لم يذهب
(١) العناية شرح الهداية ٣٠٥/١٠، المبسوط ٨٩/٢٦.
(٢) مختصر الطحاوي ص٢٤٤.
(٣) كتاب الأصل ٤ / ٤٦٦.

٢٥
كتاب الديات
به الجمال، ألا ترى أنَّ العقل أو السمع إذا فُقِدا بالضربة: وجب في كل
واحدة منهما الدية.
* قال: (وأرش ذلك في ماله إذا كان عمداً).
وذلك لأنه عمدٌ سَقَطَ القصاص فيه، لتعذر استيفائه.
مسألة : [الجناية على السنِّ]
قال : (ومن ضرب سنَّ رجُلٍ، فتحركت: استؤني فيها حولاً)(١).
قال أبو بكر أيده الله: وقد روي ذلك عن جماعة من السلف.
ويدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ((نهى أن يُستقاد
من الجراح حتى تبرأ))(٢).
* قال : (فإن استوت وعادت كما كانت، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه
قال: لا شيء فيها)(٣).
وذلك لأن الأرش إما يجب للأثر، ولا أثر هناك، ألا ترى أنَّ مَن لطم
رجلاً: لم يجب عليه أرش؛ لأنه لم يؤثر فيه، ولا يجب عليه للألم أرش.
قال: (وقد روي عن أبي يوسف رحمه الله: أنَّ فيها حكومة للألم).
* قال : (وإن سقطت، أو اسودَّت: كان فيها ديتُها).
قال أبو بكر : أما إذا سقطت: فلتلف العضو، وإذا اسودَّت: فلذهاب
(١) كتاب الأصل ٤ /٤٦٦.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) المبسوط ٩٨/٢٦، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٢٩٤/١٠، وستأتي
هذه المسألة منفردة بعد ثلاث صفحات.

٢٦
كتاب الدیات
الجمال، وقد بيَّنًا أنَّ الجمال معتبر في الأحرار على حياله.
مسألة : [اختلاف الضارب والمضروب في الجناية ]
قال: (فإن اختلف الضارب والمضروب وقد سقطت، أو اسودَّت،
فقال الضارب: حدث من غير جنايتي، وقال المضروب: من جنایتك،
فالقول في ذلك قول المضروب استحساناً، والقياس أنَّ القول قول
الضارب.
ولو اختلفا في الموضحة، وقد صارت منقّلة على هذا الوجه: كان
القول قول الشاجٌ)(١).
قال أبو بكر: أما وجه القياس في السن: فهو أنه لما كان جائزاً أن
يكون سقوطها من الضربة، وجائز أن يكون من غيرها: كان القياس أن لا
يلزمه الضمان بالشك.
ووجه الاستحسان: أنَّ الضربة سبب لإتلاف السن، فصارت
كالجراحة في كونها سبباً لتلف النفس، فلو جرحه فلم يزل صاحبَ
فراش، حتى مات، حكمنا بحدوث الموت عن الجراحة، كذلك يجب أن
يحكم بحدوث السقوط والسواد في السن عن الضربة، لكونها سبباً لذلك.
وليس كذلك الشجة الموضحة إذا صارت منقِّلة، لأن المنقّلة ليست
هي نفس الموضحة، وإنما هي ذهاب عضو آخر غير المشجوج، فالقول
قول الشاجَّ في أنه لم يُتلف هذا العضو، والضربةُ تلفت بها نفس السن
المضروبة الحادث فيها الجناية، كما تلفت بالجراحة النفس الحادثة فيها
الجراحة.
(١) المبسوط ٩٨/٢٦، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٢٩٥/١٠.

٢٧
كتاب الديات
ووجه آخر: وهو أنه لما قيل في السن يُستأنى بها حولاً، فجعل الحول
نهايةً لحصول حكم الضربة، علمنا أنَّ حكمها متعلق بما يوجد في آخر
الحول من أمر الضربة، لولا ذلك لم يكن للاستيناء بها معنى، وأما الشجة
فلم يقدَّر في انتظارها وقت، فيحصل فيه حكم الضربة، فكان القول قول
الشاج في مقدار ما تناوله.
فإن قيل: هلا جعلتَ القولَ قول المشجوج، كما لو لم يزل
مريضاً صاحبَ فراش حتى مات، كان محكوماً بحدوث الموت عن
الجراحة.
قيل له: لا فصل بينهما من هذه الجهة؛ لأنه لو عُلم في الموضحة أنه
لم يزل مريضاً من الموضحة، حتى صارت منقلة: كان القول قول
المشجوج.
ونظير مسألتنا من المنقِّلة: أن تُعلم الجراحة، ولا نعلم أنه كان
مريضاً من ذلك، ثم مات المجروح: فالقول قول الجارح أنه لم يمت
من جراحته.
فإن قيل: فاعتبِرْ ذلك في السن أيضاً.
قيل له: المسألة في السن على أنها تحركت بالضربة، وكونها متحركة
إلى أن سقطت أو اسودت، بمنزلة كون الرجل مريضاً من الجراحة حتى
يموت.
فإن قيل: فعلى هذا لا معنى لتخصيصه السن بالاستحسان، وترك
القياس فيها، إذ كان الحكم في جميع ذلك على وجه واحدٍ.
قيل له: الاستحسان في السن أنه جَعَلَ تحركها بمنزلة المرض من
الجراحة.

٢٨
كتاب الديات
مسألة : [نبات السن بعد القلع]
قال: (ومَن قَلَعَ سِنَّ رجُلٍ، فنبتت كما كانت: فلا شيء على القالع(١)
في قول أبي حنيفة ومحمد).
وذلك لأن أرش الجنايات إنما يتعلق حكمها بحصول الأثر، والدليل
عليه: أنه لو لطم رجلاً: لم يجب عليه أرش إذْ لم يحصل بها أثر، وكذلك
قالوا في الموضحة إذا التأمت، ونبت عليها الشعر: أنه لا شيء فيها،
وكذلك السن إذا نبتت، فقد عاد النفع والجمال على ما كان، ولم يبق
هناك أثر، فلم يجب شيء.
* قال : (وروي عن أبي يوسف رحمه الله: أنّ عليه حكومة للألم).
مسألة : [الجناية على الظفر]
قال: (ومَن قَطَعَ ظفر رجُل، فنبت متغيراً: ففيه حكومة عدل)(٢).
وذلك لأنه نبت معيباً، والعيب اليسير في العضو يوجب الحكومة،
ولا يجب به أرش جميع العضو إذا لم يأت على عامة منفعته، أو يذهب
بجماله.
وليس تغيُّر الظفر كتغيُّرِ السن إلى السواد ونحوه، من قِبَل أنَّ سواد
السن يذهب بجمالها، وليس كذلك الظفر.
[مسألة : ]
قال : (ومَن قلع سنَّ رَجُلٍ، فأخذها المقلوعة سنُّه، فأثبتها في
(١) تقدم قريباً قبل ثلاث صفحات النص على هذه المسألة.
(٢) المبسوط ٩٨/٢٦.

٢٩
كتاب الديات
مكانها، فثبتت، وقد كان القلع خطأ: فعلى القالع أرشها كاملاً، وكذلك
الأُذُن)(١).
قال: (وقد روي عن محمد أنه قال في ذلك: على الجاني مقدار أجر
علاج مثل ذلك)(٢).
قال أبو بكر: السن إذا أثبتت في مكانها: لم تثبت، ولم تتصل
بالعروق والأعصاب، فهو بمنزلة لو أخذ قطعة عظم فوضعها في موضع
السن، فلا يسقط أرشها، وكذلك الأُذُن.
وما حكاه أبو جعفر عن محمد في وجوب نفقة العلاج، فإنما هذا
ينبغي أن يكون في السن إذا ثبتت، والجراحة إذا اندملت وذهب أثرها،
فأما في موضع السن المقلوعة في موضعها، فليس ينبغي أن يكون هذا
جوابه؛ لأن وضعها هناك وتركها سواء.
مسألة : [دية ذهاب شعر الرأس من الشجاج]
قال أبو جعفر : (ومَن شج رجُلاً موضحةً خطأ، فذهب منها شعر
رأسه: فعلى عاقلته الدية، ويدخل أرش الموضحة فيها، وإن ذهب بعض
الشعر: نُظِرِ في أرشه وأرش الموضحة، فيدخل القليل في الكثير)(٣).
قال أبو بكر: وذلك لأن الرأس كله عضو واحد، والدية واجبة فيه
لأجل التأثير، لا للألم، والدليل عليه: أنَّ الموضحة لو اندملت، ونبت
عليها الشعر حتى لم يبق لها أثر لم يجب فيها أرش، فلما صار الأثر في
(١) كتاب الأصل ٤ /٤٦٧.
(٢) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٢٩٦/١٠.
(٣) كتاب الأصل ٤٦٧/٤، المبسوط ٩٨/٢٦.

٣٠
كتاب الديات
جميع الرأس، وهو عضو واحد: دخل أرش الموضحة في الدية، لأنه قد
ضمن أرش جميع الشعر.
فما قد ضمن من تأثير الموضحة من وجه، لا يجوز أن يضمنه من
وجه آخر، ألا ترى أنَّ ضمانها جميعاً من جهة سقوط الشعر وحصول
الأثر، ولا جائز أن يضمن ذلك الجزء مرتين، ولا يكون الشعر تبعاً
للموضحة، كما كانت الكف تبعاً للأصبع عند أبي حنيفة؛ لأن الشعر
مقدَّر الأرش، وأرش الكف غير مقدرة.
مسألة : [تداخل الأرش في الدية]
وقال أبو جعفر: (ولو لم يذهب الشعر منها، ولكن ذهب منها عَقْله:
دخل أرشها في دية العَقْل)(١).
قال أبو بكر أيده الله: وذلك لأن العقل ليس بعضو من البدن، بل
هو كالنفس، فلو أنَّ الموضحة صارت نفساً، لدخلت فيها، كذلك في
العقل.
* قال: (ولو ذهب منها السمع أو البصر: كان في كل واحد منهما
الدية، ولم يدخل أرش الموضحة في ذلك).
قال أبو بكر: وذلك لأنها أعضاءُ مختلفٌ أرشُ كلَّ واحد منها،
فيجب بغير المعنى الذي يجب به أرش صاحبه.
وليس كذلك الموضحة وشعر الرأس، لأن ضمانهما جميعاً وجب
(١) المبسوط ٩٨/٢٦، الهداية مع شرح فتح القدير ٢٩١/١٠، وخالف فيه
زفر وقال: لا يدخل، لأن كل واحد منهما جناية فيما دون النفس، فلا يتداخلان
کسائر الجنايات.

٣١
كتاب الديات
بمعنى واحد، هو الأثر، وهو الشَّيْن اللاحق بذهاب الشعر، وليسا
كالعقل، لأنهما عضوان كاليد والرِّجل ونحوهما، والعقل ليس بعضو من
البدن، فھو کالنفس.
ووجه آخر: وهو أنه لا يُنتفع بسائر الأعضاء إلا مع وجود العقل، كما
لا يُنتفع بها إلا مع وجود النفس والروح، فأشبه العقلُ الروحَ من هذا
الوجه، وكما دخل أرش الموضحة في دية النفس، فكذلك يدخل في
العقل.
ومما يبين لك الفصل بين شعر الرأس والسمع والبصر في دخول
الموضحة في الشعر دونها: أنَّ أرش الموضحة يتعلق بذهاب الجمال من
الشعر، وكذلك ذهاب شعر الرأس، وضمان السمع والبصر لأجل
المنفعة، فلا يدخل أحدهما في الآخر.
فإن قيل: فضمان العقل لأجل المنفعة، وضمان الشعر لأجل الجمال،
فيجب أن لا تدخل الموضحة في العقل.
قيل له: إنما قلنا ذلك في أعضاء البدن، فأما ما ليس بعضو من
البدن، فله أصل آخر وهو النفس، فرددناه إليها.
قال أبو بكر: وفي أصل أبي حنيفة: أنَّ أرش الموضحة لا يدخل إلا
في شيئين: في شعر الرأس، وفي العقل، ولا يدخل في غيرهما، وهو قول
محمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف.
وروي عن أبي يوسف: أنَّ أرش الموضحة يدخل في الشعر والعقل
والسمع والكلام، ولا يدخل في البصر؛ لأنه ظاهر، والسمع والكلام
والعقل ليست بظاهرة.

٣٢
كتاب الديات
مسألة : [الدية في ذهاب قوة الشم وماء الظهر]
قال أبو جعفر : (وإذا ضربه، فذهب شَمُّه، أو ماء ظهره: فعليه
الدية)(١).
وذلك لأن هذا العضو ليس له نظير في البدن، كالأنف والذَّكَر
ونحوهما.
مسألة : [دية عدم استمساك البول من الضرب]
قال أبو جعفر: (ومَن رمى امرأة بحجر، فأفضاها به، فإن كانت
يستمسك البول: فعليه ثلث الدية)، لأنها بمنزلة الجائفة.
قال: (وإن كانت لا تستمسك البول: فعليه دية كاملة)(٢).
وذلك لأنه قد أبطل عليها منفعة العضو، كقطع الذَّكَر والأنف
ونحوهما.
مسألة : [مَن قطع أصبعاً فشُلَّت أخرى]
قال: (ومَن قَطَع أصبع رَجُلٍ، فشُلَّت أصبع أخرى إلى جانبها: فعليه
الأرش في الأصبعين، ولا قصاص عليه في واحدة منهما في قول أبي
حنيفة)(٣).
وذلك لأن هذه جناية واحدة، قد وجب بها مال، فلا يجب بها
قصاص؛ لأن وجوب المال له شبهة في نفي القصاص، ألا ترى أنه لو
(١) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٢٨٠/١٠- ٢٨٣.
(٢) المبسوط ٦٩/٢٦، بدائع الصنائع ١٠/ ٤٧٩٤.
(٣) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ١٠/ ٢٩٤.

٣٣
کتاب الدیات
قطع أصبعه، فشُلّت اليد: لم يجب القصاص عندهم جميعاً، والمعنى في
ذلك: أنَّ جميع ذلك حادث عن فعل واحد، وقد وجب به مال، فينفي
وجوب القصاص؛ لأن وجوب المال يكسبه حكم الخطأ.
ويدل عليه: أنَّ رجلين لو قتلا رجلاً، أحدهما مخطئاً والآخر عامداً:
لم يجب القصاص على واحد منهما؛ لأن هذه النفس قد وجب بها مال
في إتلافها، وهي لا تتبعض، فكذلك حكم الفعل الذي لا يتبعض، لما
وجب به المال، انتفى وجوب القصاص.
* (وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: عليه القصاص في الأصبع
المقطوعة، وفي التي شُلَّت الأرش).
وذهبا في ذلك إلى أنَّ العضوين إذا لم يكن أحدهما تابعاً للآخر: لم
يمنع وجوب المال في أحدهما من وجوب القصاص في الآخر وإن حدث
من جنايته على الأول، فالأصبعان ليست إحداهما تابعة للأخرى، ألا ترى
أنَّ أرش إحداهما لا يدخل في الأخرى، وأما الأصبع إذا قطعت، فشُلَّت
بها اليد، فإن الأصبع من جملة اليد، وتابعة لها، ويدخل أرشها فيها،
فيسقط القصاص بوجوب المال به.
مسألة : [سراية الجناية]
قال: (ومَنْ قَطَعَ أصبع رَجُلٍ، فسقطت كفه من المفصل، فإن أبا
حنيفة وأبا يوسف قالا: لا قصاص عليه في ذلك، وعليه دية اليد، وقال
محمد: عليه القصاص في اليد)(١).
(١) بدائع الصنائع ١٠/ ٤٧٨٣.

٣٤
كتاب الديات
وجه قول أبي حنيفة: أنَّ الله تعالى قال: ﴿وَاَلْجُرُوحَ قِصَاصٌُ﴾(١)، وهو
لم يجرح موضع المفصل من اليد، وإنما قطع الأصبع، فلم يجب
القصاص في اليد؛ لأنه لم يقطعها، وإنما صار قطعه للأصبع سبباً لتلفها،
فوجب المال في اليد، وإذا وجب المال: سقط القصاص في الأصبع.
وأما محمد: فإنه ذهب إلى أنَّ الجناية إنما يتعلق حكمها بما يؤول
إليه، والدليل عليه: أنه لو قطع يده، ثم مات منها: وجب القصاص في
النفس، وسقط حكم اليد، وكذلك الأصبع إذا سقط منها اليد: وجب
القصاص في اليد، وسقط حكم الأصبع.
ولأبي حنيفة: أن هذا الاعتبار صحيح في النفس، غير واجب فيما
دونها، لاتفاقهم جميعاً أنه لو قطع يده خطأ، فشُلَّت اليد الأخرى أو
الرِّجْل: لم يدخل أرش إحداهما في الأخرى، ولو مات منها: دخل أرش
اليد في النفس.
مسألة : [كيفية القصاص في الشجاج]
قال أبو جعفر: (وإذا شجَّه(٢) موضحة، فأخذت ما بين قرني
المشجوج، وهي لا تأخذ ما بين قرني الشاج (٣)، فإن المشجوج بالخيار:
بين الأرش، وبين القصاص بمقدار طول الشجة فحسب).
(١) المائدة: ٤٥.
(٢) الشجاج: هي جراحات الرأس والوجه فقط، وهي عند الحنفية إحدى عشرة
شجة، والموضحة هي: التي تخرق السمحاق، وتظهر العظم.
انظر المبسوط ٧٣/٢٦، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ١٠/ ٥٨٠.
(٣) أي أن رأس المشجوج أصغر حجماً من رأس الشاج، فلا تمكن المماثلة.

٣٥
كتاب الديات
وذلك لأنه لا يجوز له أن يستوفي ما بين قرني الشاج كله بالقصاص؛
لأن ذلك أكثر من حقه، وقال الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾(١)،
والقصاص استيفاء المثل، ومعلوم إذا كان هكذا، أنه قد لحقه من الشَّيْن
بالشجة أكثر مما يلحق الشاج بالقصاص، فصار كالعضو الناقص عن عضو
المشجوج، مثل أن تكون يد القاطع شلاء، ويد المقطوع صحيحة، فيكون
للمقطوعة يده الخيار: في أخذ الأرش، أو القصاص.
* قال: (ويبدأ المشجوج من أي الجانبين أحب).
وذلك لأن القصاص حق قد ثبت له في هذا الموضع من رأسه، فله
أن يبدأ من أي موضع منه شاء.
* (حتى يبلغ منها مقدار شجته في طولها).
* قال: (وإن كانت الشجة لا تأخذ ما بين قرني المشجوج (٢)، وهي
تأخذ ما بين قرني الشاج ويَفْضُل، فإن المشجوج بالخيار: إن شاء أخذ
الأرش، وإن شاء اقتص له ما بين قرني الشاج لا يزاد عليه شيء).
قال أبو بكر: قال في الكتاب(٣): ((لا تأخذ ما بين قرني المشجوج))،
وفي النسخ الصحيحة: ((أنّ الشجة ما بين قرني المشجوج، وتفضل عن
قرني الشاج)»، وهو الصحيح؛ لأنها إذا كانت لا تأخذ بين قرني
المشجوج، فليس يجوز أن يستوعب بالقصاص ما بين قرني الشاج كله
وإن كان مقدار جراحته أو بعضها، كما لا يجوز أن يُستوفى له بمقدار
(١) المائدة: ٤٥.
(٢) أي أنَّ رأس المشجوج أكبر من رأس الشاج.
(٣) مختصر الطحاوي ص٢٤٦.

٣٦
كتاب الديات
جراحته فيما يفضل عن قرني الشاج.
والمسألة في كتبنا على ما ذكرناه، وعسى أن يكون الذي في كتاب أبي
جعفر غلطاً من الكاتب.
ووجه المسألة على ما قلنا: أنه إذا شجَّ ما بين قرني المشجوج: فغير
جائز أن يقتص له في أكثر مما بين قرني الشاج؛ لأنه يلحقه بذلك من
الشَّيْن أكثر مما لَحِقِ المشجوج بشجته، وله الخيار، لتعذر استيفاء مثل
شجته في مقدارها.
فصل :
قال: (وإذا كانت الشجة في طول رأس المشجوج، وهي تأخذ من
رأس الشاج من جبهته إلى قفاه، فإنه يخيَّر المشجوج: فإن شاء أخذ
الأرش، وإن شاء اقتص منه مقدار شجته إلى مثل موضعها في رأسه، لا
یزاد على ذلك).
وهذا ما بيَّنَّا في الشجة واعتبار الشين اللاحق به، وامتناع استيفاء أكثر
من مقدار الشجة على الحد الذي بيَّنَّا.

٣٧
كتاب الدیات
باب القسامة(١)
مسألة : [حكم القسامة، وبيان من الذي يحلف]
قال أبو جعفر(٢): (وإذا وُجد قتيل في مَحَلَّةِ قومٍ، فعليهم أن يُقْسِم
منهم خمسون رجلاً: بالله ما قَتَلْنا ولا علمنا قاتلاً، ثم يَغْرَمون
الدية)(٣).
قال أبو بكر أيده الله: والأصل في ذلك أنه لا يجوز أن يستحق أحد
بيمينه على غيره شيئاً بدلائل الكتاب والسنة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا أُوْلَبِكَ لَا
خَلَقَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ﴾(٤)، فمنع أن يستحق أحدٌ بيمينه على غيره حقاً.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو أُعطي الناس بدعاويهم، لادَّعى
(١) القسامة في اللغة: اسمٌ وُضِع موضع الإقسام، وأما في الشريعة، فهي أيمان
يقسم بها أهل محلة أو دار أو موضع خارجٍ من مصر، أو قرية قريب منه، بحيث
يسمع الصوت منه، إذا وجد في شيء منها قتيل به أثر لا يعلم مَن قتله. ينظر العناية
مع تكملة شرح فتح القدير ١٠/ ٣٧٣.
(٢) مختصر الطحاوي ص ٢٤٧.
(٣) كتاب الأصل ٤٧٤/٤، المبسوط ١٠٦/٢٦، الهداية مع تكملة شرح فتح
القدير ٣٧٢/١٠، بدائع الصنائع ٤٧٣٥/١٠.
(٤) آل عمران: ٧٧.

٣٨
كتاب الديات
ناسٌ دماء قومٍ وأموالَهم، لكن البيّنة على المدَّعي، واليمين على المدعى
عليه))(١).
وفي هذا الخبر ضروبٌ من الدلائل على صحة ما قلنا:
أحدهما: أنه مَنَعَ أن يُعطى أحدٌ بدعواه شيئاً، ويمينُه دعواه؛ لأن
اليمين لا تُخرج خبره المحلوف عليه من أن يكون دعوى، فالمستَحَقُّ
بیمینه مستحقٌّ بدعواه.
والثاني: أنَّ دعواه قولُه، ويمينُه قوله، فمِن حيث مُنِعَ أن يستحقَّ
بدعواه، وجب أن يُمنع الاستحقاق باليمين، إذ كلاهما قوله.
فإن قال قائل: فقد جاز أن يَبرأ المدعى عليه من حق المدعي بيمينه،
ولا يبرأ بجحوده دون الحلف عليه، فكذلك المدعي.
قيل له: إنما مَنَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يستحق بالدعوى
بقوله، فوَقَفْنا عند ذلك، وما عداه: فحكمه موقوف على الدليل.
ولم نقل: إن اليمين لا حكم لها في الأصول حتى يَلزمنا ما قلتَ.
وما قلتَ من إن المدعى عليه يبرأ من حق المدعي: فهو خطأ، إذ
اليمين لا تبرئه من الحق، وإنما تفصل بينهما، وتقطع الخصومة في الحال
من غير استحقاق لأحدهما على صاحبه شيئاً، ألا ترى أنَّ المدَّعي لو جاء
بالبينة بعد ذلك: قُبِلت بينته.
والوجه الثالث من دلالة الخبر: قوله عليه الصلاة والسلام: ((البينة على
المدعي، واليمين على المدعى عليه))، والأولياء غير مدعى عليهم، فلا
(١) صحيح البخاري مع فتح الباري ٢١٣/٨، صحيح مسلم ١٣٣٦/٢.

٣٩
كتاب الدیات
تجب عليهم اليمين(١).
فإن قيل: أكثر ما فيه إيجاب اليمين على المدعى عليه، وليس فيه نفيها
عن غيره.
قيل له: هذا غلط من قِبَل أنَّ قوله: ((اليمين)): اسمٌ للجنس، فما من
يمين إلا وهي التي على المدعى عليه، وإذا استغرق المدعى عليه جنس
اليمين، لم يبق هناك يمين تكون على المدعي.
وهذا مثل ما قلنا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾(٢): أنه ينفي
وجوب الصدقات للأغنياء؛ لأن الصدقة لما كانت اسماً للجنس،
فاستوعبها الفقراء، فلم يبق هناك صدقة قد تكون لغيرهم.
وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما الصدقة عن ظَهْر غنىُ))(٣)،
هو بهذه المنزلة، ونظائر ذلك كثيرة.
وليس هو من جنس ما ظنه مخالفونا، من أنَّ المخصوص(٤) بالذكر:
يدل على أنَّ ما عداه فحكمه بخلافه، هذا عندنا قول مردود وساقط،
والأول صحيح.
وإذا ثبت ما وصفنا، بطل أن تكون الأَيْمان على أولياء المقتول،
ووجب أن تكون على أهل المحلة إذ قد اتفقوا أنه لابدَّ في القسامة من
خمسين يميناً، وانتفت الأيمان على المدعين، ووجبت أن تكون على
(١) وفي (الأصل): فلا يُستحلفون بحال .
(٢) التوبة: ٦٠.
(٣) بمعناه صحيح البخاري ١١٧/٢، صحيح مسلم ٧١٧/١.
(٤) وفي (ق.ج): ((التخصيص)).

٤٠
کتاب الدیات
المدعى عليهم.
* قال أبو بكر : ووجود القتيل يُلزم أهل المحلة شيئين: الأَيمان،
والدية جميعاً، وهما جميعاً حقان لأولياء القتيل، لا يَسقط أحدهما
بالآخر، بل يُجبرون عليهما جميعاً.
ويدل على صحة قولنا: ما روى ابن أبي ذئب عن الزهري أنَّ رسول
الله صلى الله عليه وسلم ((قضى بالقسامة على المدعى عليهم))(١).
وروى إسماعيل بن عياش قال: أخبرنا محمد بن عبد الله عن مكحول
عن عمرو بن أبي خزاعة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ((قضى
بالقسامة على المدعى عليهم))(٢).
فإن قيل: روي ((أنّ البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه،
إلا في القسامة))(٣).
قيل له: معناه: إلا في القسامة، فإنه يحلف مَن لم يُدعى عليه القتل
بعينه.
ويحتمل: ((إلا في القسامة)): بأنه لا يبرأ باليمين من الخصومة؛ لأن
الدية تجب فيها مع اليمين.
وقد روى أبو إسرائيل عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال:
(١) شرح معاني الآثار ٢٠٢/٣، مصنف ابن أبي شيبة ٣٨٤/٩، وينظر فتح
الباري ١٢/ ٢٣٧.
(٢) المصادر السابقة.
(٣) سنن الدار قطني ١١١/٣، السنن الكبرى ١٢٣/٨، وينظر التلخيص الحبير
٣٩/٤، نيل الأوطار ٤٤/٧، وقد نقل ابن حجر عن ابن عبد البر أنَّ إسناده ليّن.