النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ كتاب القصاص والديات في الجراحات المال، فكذلك استحقاق جميعها. ولما كان استحقاق بعض النفس لا يوجب المال، كذلك كان استحقاق جميعها ، فثبت بما وصفنا إيجاب الفَرْق بين مَن قَطَعَ يدَ رجلین فقُطِع لهما، وبين قَتْل رجلين إذا قُتِل لهما. مسألة : [اجتمع في الجناية مَن لو تفرَّد بها وجب القصاص مع من لو تفرد بها لم يجب القصاص] قال(١): (وإذا اجتمع في الجناية مَن لو تفرَّد بها وجب القصاص فيها، ومَن لو تفرَّد بها لم يلزمه القصاص: لم يكن عليهما فيها قصاص. وكان عليهما الدية: على الذي لو تفرد بها كان عليه القصاص: في ماله، وعلى الآخر: على عاقلته)(٢). قال أبو بكر : الأصل فيه: أنَّ النفس لما لم تتبعض في الإتلاف، وكانت محظورة في الأصل، ثم اجتمع فيها سبب الإباحة، وهو قتل مَن يجب عليه القود، وسبب الحظر، وهو قتل مَن لا قود عليه: كان سقوط القود لوجود جهة الحظر أَوْلى من وجوبه، لوجود جهة الإباحة، أعني إباحة دم القاتل. والدليل على صحة ذلك: اتفاق الجميع على أنَّ أحدهما لو كان مخطئاً، والآخر عامداً: لم يقتل العامد، وكذلك إذا كان أحدهما مجنوناً، والآخر صحيحاً، أو أحدهما بسيف، والآخر بعصا: وجب (١) مختصر الطحاوي ص٢٣١. (٢) كتاب الحجة ٢٦٩/٤. ٣٨٢ كتاب القصاص والديات في الجراحات أن يكون وجود فعل مَن لا يستحق عليه القود بفعله مسقِطاً للقود عن الآخر. ويدل عليه: الجارية بين رجلين، إذا وطئها أحدهما: لم يجب عليه حدٌّ؛ لأن ظهره محظور، فلا يستباح مع وجود سبب(١) الإباحة والحظر معاً، وكان اعتبار جهة الحظر أولى. ووجه آخر في أنَّ سقوط القود فيما وصفنا أَوْلىُ من وجوبه: وهو أنَّ القود قد يتحول مالاً بعد ثبوته، والمال لا يتحول قصاصاً بوجه، فكان ما لا ینفسخ إلى غيره، أَوْلی بالإثبات مما ینفسخ. وليس هذا كرجلين قَتَلا رجلاً عمداً، وعفا الولي عن أحدهما: فيقتل الآخر، من قِبَل أنهما قد استحقا القود بدءاً، وسقوطه عن الآخر بالعفو، ليس بشبهة في سقوطه عن الآخر، ولو كان هذا موجباً للقصاص في مسألتنا، لأوجبه (٢) إذا كان أحدهما مخطئاً، والآخر عامداً، فلما لم يدل ذلك على وجوب القصاص على العامد فيما إذا كان الآخر مخطئاً، كذلك فيما وصفناه. وأيضاً: فإنه إذا عفا عن أحدهما، فقد سقط حكم قتله، وصار بمنزلة مَن لم يشارك فيه، فلذلك وجب القود على الآخر. وأما المجنون، فحكم فعله ثابت على وجه الخطأ، وذلك موجب لحظر الدم، فلذلك اختلفا. (١) وفي (ق.ج): ((السببين أي سبب الإباحة وسبب الحظر وكانت جهة الحظر أولی)). (٢) وفي (ق.ج): ((لأوجب القصاص أيضاً في القاتلين)). ٣٨٣ كتاب القصاص والديات في الجراحات وأيضاً: فإن كلامنا فيما يتعلق حكمه بالفعل من الإيجاب، فلا يجوز أن يلزم عليه البقاء، لأن البقاء غير الوجوب بدءاً، وقد يختلف حكم الابتداء والبقاء في كثيرٍ من الأصول، نحو العدة تمنع ابتداء عقد النكاح، وإذا طرأت عليه لم تمنع بقاءه، وإباقُ العبد يمنع ابتداء العقد، ولو أبق بعد البيع، لم يفسد العقد. فإن احتجوا بظواهر الآي والسنن الموجبة للقود على العامد. قيل لهم: ما وصفنا من الدلالة يخصه. وأيضاً: فإن الظواهر إنما أوجبت القود في العمد، وهذا في حكم الخطأ بما وصفنا. وأيضاً: كما لا تلزمك ظواهر الآي والسنن في إسقاطك القود عن العامد مع المخطىء، كذلك لا تلزمنا في العاقل(١) مع المجنون. * قال أبو بكر: وأما قوله: إنما يلزم العامد الذي لو انفرد لزمه القصاص: في ماله، وما لزم الآخر: فعلى عاقلته: فمن قِبَل أنَّ فعل العامد لا شبهة فيه، وهو يوجب القصاص لو انفرد، وإنما سقط بفعل الآخر، فصار كأحد وليي الدم إذا عفا: فيلزم القاتل نصيب الآخر في ماله. وأما فعل الآخر: فإنه لم يكن مما يوجب القود لو انفرد، فصار خطأ، فلزم عاقلته. ولهذا المعنى قال أصحابنا في الأب إذا قتل ابنَه عمداً: أنَّ عليه الدية (١) وفي (ق.ج): ((القاتل)). ٣٨٤ كتاب القصاص والديات في الجراحات في ماله (١)؛ لأن فعله عمد لا شبهة فيه، فاستحق به القصاص، وسقط في الثاني حين تعذَّر استيفاؤه. كذلك إن قطع رجل يد رجلٍ من نصف الساعد عمداً: فعليه الأرش في ماله؛ لأن فعله عمدٌ لا شبهة فيه، وسقوط القود لتعذّر استيفائه. (١) كتاب الأصل ٤ / ٤٦٤. ٣٨٥ كتاب القصاص والديات في الجراحات باب كيفيات القتل والجراحات قال أبو جعفر(١): (والقتل على ثلاثة أوجه: عمدٌ، وخطأ، وشِبْه عمد. فأما العمد: فهو ما تعمَّده بسلاحٍ، أو بغيره مما يجرح، فقتله به: ففيه القَوَد(٢)، وهو القصاص بالسيف، لا بما سواه، ولا دية فيه، إلا أن يصطلح على ذلك الجاني وولي المجني عليه، فيبطل القَوَد، ويكون ما اصطلحا عليه على الجاني في ماله حالاً، إلا أن يكون وقع الصلح بينهما على أنه إلى أجل، فيكون إلى ذلك الأجل). قال أبو بكر : قد جمع عدة مسائل في هذا الفصل قبل استيفاء أحكام وجوه القتل الذي بدأ بذكرها، فالوجه(٣) أن نتكلم في كل مسألة منها، ثم نرجع إلى باقي أقسام القتل التي ابتدأ بها. فمنها: حقيقة قتل العمد الموجب للقود باتفاق من أصحابنا. ومنها: أنَّ قتل العمد لا يوجب الدية إلا بتراضيهما عليها، وهذه المسألة قد اختلف فيها فقهاء الأمصار(٤)، فقال بعضهم: للولي أن يختار (١) مختصر الطحاوي ص٢٣٢، أحكام القرآن للمؤلف ١٦٠/١. (٢) كتاب الأصل ٤ / ٤٣٧. (٣) وفي (ق.ج): ((فنحتاج)). (٤) أحكام القرآن ١٤٩/١، بداية المجتهد ٤٠١/٢، مغني المحتاج ٤٨/٤، فتح الباري ٢٠٩/١٢، نيل الأوطار ٩/٧. ٣٨٦ كتاب القصاص والديات في الجراحات الدية بغير رضا القاتل(١). ومنها: جواز الصلح من قتل العمد على مال. 43 ومنها: أن ما يقع عليه الصلح من مال، فهو حالٌ في ماله ما لم يشترط فيه الأجل(٢). * فأما حقيقة العمد الذي وصفه، فلا خلاف في وجوب القود به، ويقتضيه عموم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْعَنْلَى﴾(٣)، وقوله: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا﴾(٤)، وقوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾(٥)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((العمد قود))(٦). وأما الدليل على أنَّ القتل العمد لا تُستحق به الدية إلا بتراضيهما: فقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَنْلَى﴾(٧). فأوجب القصاص بالآية، ولم يذكر المال، فلا يجوز إثبات المال (١) وإلى هذا القول ذهب الإمام مالك في رواية عنه، والشافعي في المشهور، والإمام أحمد في رواية عنه، والأوزاعي، وأبو ثور، وإسحاق، وابن سيرين، انظر المراجع السابقة. (٢) ينظر أحكام القرآن للمؤلف ١٤٩/١. (٣) البقرة: ١٧٨. (٤) الإسراء: ٣٣. (٥) المائدة: ٤٥. (٦) سبق تخريجه. (٧) البقرة: ١٧٨. ٣٨٧ كتاب القصاص والديات في الجراحات فيه؛ لأنه زيادة في النص(١)، ولا يجوز عندنا الزيادة في النص إلا بمثل ما يجوز به النسخ. وقوله: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِّهِ، سُلْطَانًا﴾(٢)، وقد ثبت باتفاق الجميع أنَّ القود مراد، فصار القود كالمنطوق به في اللفظ، إذ كان مراداً بالاتفاق، فصار تقديره: ومن قُتِل مظلوماً، فقد جعلنا لوليه قَوَداً، فیکون هو الواجب دون غيره. ويدل عليه قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣). ومن جهة السنة: حديث إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العمد قود إلا أن يعفوَ ولي المقتول)) (٤)، فلم يجعل للولي إلا أحدَ شيئين: القود، أو العفو، وموجبُ الدية مخالف للخبر. وروى سليمان بن كثير عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن قُتِل في عِمِيًّا، أو رِمِّيَّا يكون بينهم بحَجَر أو بسَوْط أو بعصا، فعَقْله عَقْل خطأٍ، ومن قُتِل عمداً فَقَوَدٌ به، فمَن حال بينه وبينه، فعليه لعنة الله والملائكة (١) أحكام القرآن ١٥٠/١. (٢) الإسراء: ٣٣. (٣) المائدة: ٤٥. (٤) مصنف ابن أبي شيبة ٣٦٥/٩، ومن طريقه ابن حزم في المحلى ٤٥٣/١٠، وينظر نصب الراية ٣٢٧/٤. ٣٨٨ كتاب القصاص والديات في الجراحات والناس أجمعين))(١). فأوجب في العمد القود، لا غير، ولَعَنَ مَن مَنَعَ منه، فانتفى به الخيار في أَخْذ الدية من ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ في إثبات الخيار زيادة في النص، ولا يجوز ذلك عندنا إلا مثل ما يجوز به النسخ. والثاني: أنَّ في الأصول: أنَّ كل مَن ثبت له حق على غيره، فليس له نَقْله إلى البدل إلا بتراضيهما، ألا ترى أنَّ مَن كان له على آخر دراهم، فليس له نقلها إلى الدنانير إلا برضاه، وكذلك سائر الحقوق لا تنتقل إلى الأبدال إلا بالرضا. والثالث: أنَّ قوله: ((مَن قُتِل عمداً فقَوَدٌ به)): يقتضي وجوب القود أبداً، إلا في حالٍ يقوم الدليل على جواز إسقاطه. فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ فَأَنْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ (٢) بعد قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَنْلَى﴾ : يدل على أنَّ للولي أَخْذَ الدية بغير رضا القاتل؛ لأنه قد أوجب المال بعد العفو عن القصاص، وألزم الآخر الأداء إليه بإحسان، وقد أثبت المال مع القصاص على وجه التخییر. (١) بمعناه أبو داود ٦٧٦/٤، سنن ابن ماجه ٨٨/٢ ح٢٦٣٥، شرح السنة ٢١٩/١٠، ومعنى: عِمِيًّا أو رِمِّيّا: أن يترامى القوم فيوجد بينهم قتيل لا يُدرى مَن قاتله، ويَعمى أمره، فلا يتبين، ففيه الدية. (٢) البقرة: ١٧٨. ٣٨٩ كتاب القصاص والديات في الجراحات قيل له: ليس في الآية دليل على ما ادَّعيت؛ لأن اسم العفو في اللغة يقع على التسهيل والتوسعة والفضل، كقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾(١)، معناه: سهّل عليكم، وكقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾(٢): يعني الفضل. فاحتمل أن يكون عفواً من جهة القاتل، بأن يسهِّل ويسمح بإعطاء الدية برضا الولي، فتَدَبَ الوليّ إلى اتّباعه بالمعروف، وأَمَرَ القاتل بأدائه إليه بإحسان، وتكون فائدته: تسهيله علينا، وتخفيفه عنا في إباحة أخذ المال عن القصاص. وقد روي عن ابن عباس أنه لم يكن في بني إسرائيل غير القصاص في العمد، ولم يكن بينهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَنْلَى﴾ الآية. قال ابن عباس: فالعفو أن يقبل الولي الدية في العمد، فاتِّباعٌ بالمعروف، وأداء إليه بإحسان. قال: على هذا أن يتبع بالمعروف، وعلى هذا أن يؤديَ بإحسان(٣) ﴿َذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فيما كان كتب على مَن قبلكم. رواه مجاهد وغيره(٤) عن ابن عباس. (١) البقرة: ١٨٧. (٢) الأعراف: ١٩٩. (٣) شرح معاني الآثار ١٧٥/٤، أحكام القرآن ١٥١/١، فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٢ /٢٠٥. (٤) وفي (ق.ج): ((مجاهد وجابر)). ٣٩٠ كتاب القصاص والديات في الجراحات وقال فيه جابر بن زيد: ((العفو)): أن يقبل الدية في العمد برضا أهله. فأطلق ابن عباس اسم العفو على إعطاء القاتل الدية، وأبان فائدة الآية في تخفيفه عنا ما كان مغلّظاً (١) على بني إسرائيل من وجوب القصاص لا غير. فإن قيل: العفو في اللغة هو: ترك حقٍّ له إلى بدل. قيل له: إن العفو يقع على ما ذكرت، وعلى ما قلنا أيضاً، ولولا أنَّ اسم العفو يحتمل ما وصفنا، لما تأوله ابن عباس عليه، إذ غير جائز لأحدٍ أن يتأول الآية على معنى لا يصلح أن يكون اللفظ عبارة عنه بحال. وعلى أنَّ(٢) ابن عباس حين قال: إن العفو يقع على بَذْل القاتل الدية، فليس يخلو من أن يكون قاله من طريق اللغة أو الشرع، فإن قاله من جهة اللغة، فهو حجة فيها، إذ كان من أهلها، وإن قاله من جهة الشرع، لم يقله إلا توقيفاً؛ لأن أسماء الشرع لا تؤخذ إلا توقيفاً. وعلى أنه إن كان اسم العفو يقع على ما ذكرتَ من إسقاط حق إلى بدل، فقد هدمتَ أصلكَ ونقضتَه على لسانك؛ لأنك إذا جعلت له الدية، فإنما أسقطت القود إلى بدل آخر غيره، وذلك خلاف ما يقتضيه اللفظ، فيدل على أنَّ المراد ما وصفنا، وأنه لو كان الأمر على ما زعم (٣) لقال: ﴿فمن عفى عنه﴾، ولم يكن يقول: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ﴾، ومعناه صحيح؛ لأنه (١) وفي (ق.ج): ((تُعُبِّد به بني إسرائيل)). (٢) وفي (ق.ج) ((وعن ابن عباس خبر آخر: أنَّ اسم العفو يقع على ما تدل الآية)». (٣) وفي (ق.ج): ((قالوا)). ٣٩١ كتاب القصاص والديات في الجراحات قال: فمن سهَّل له بإعطاء المال، فليأخذه. ويعضد هذا التأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسٍ منه))(١)، وقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَ لَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْتَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنَكُمْ﴾(٢). فحَظَرَ أَخْذ مال الغير إلا بالتراضي، فوجب أن يُحمل معنى ما اختلفنا فيه على موافقة(٣) هذه الألفاظ، وهو مع ذلك عموم يصح الاحتجاج به ابتداء في المسألة. ووجه آخر في تأويل الآية: وهو أنه يحتمل أن يكون المراد عَفْو بعض الأولياء، فيتَبعُ مَن لم يعف بحصته من الدية، ودلالة هذا التأويل ظاهرة في فحوى الآية من وجهين: أحدهما: قوله ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُمِنْ أَخِهِ﴾ ، و((مِن)): للتبعيض. والآخر: قوله: ﴿شَىْءٌ﴾: لم يقل: ((الكل)). ويصححه أيضاً: أنَّ الذي أُمر بالاتِّباع هو غير العافي، فدل أنَّ المال ثبت له بعفو غيره. ودليل آخر: وهو أنَّ النفس مما له مثل يستحقه الولي، وهو القود، فوجب أن يكون القود هو الواجب، لقوله: ﴿فَمَنِ اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَّدُ واْعَلَيْهِ (١) سنن الدار قطني ٣٠٠/٢. (٢) النساء: ٢٩. (٣) وفي (ق.ج): ((على عموم)). ٣٩٢ كتاب القصاص والديات في الجراحات بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾(١). ويدل على صحة ذلك أيضاً: اتفاق الجميع على أنَّ مَن استهلك ما له مِثْلٌ، كان المِثْل هو الواجب دون القيمة، فوجب أن يكون المستحقُّ بالقتل هو القود لا غير، وأن لا يُنقل إلى القيمة إلا بالتراضي. ويدل عليه أيضاً: أنَّ ما دون النفس لما كان له مِثْل، لم يجز نقله إلى القيمة إلا بالتراضي. وأما ما روى أبو شريح الكعبي وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنَّ مَن قتل قتيلاً فأهله بين خِيرتين: بين أن يأخذوا العَقْل، وبين أن يقتلوا))(٢)، فإن معناه عندنا: إياحة الدية برضا القاتل. والدليل عليه: ما ذُكر في حديث محمد بن إسحاق عن الحارث بن الفضيل عن سفيان بن أبي العوجاء عن أبي شريح الخزاعي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن أُصيب بقَتْل، أو بخبل، فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية)) (٣). فسوَّى بين القتل وبين الخَبْل، والخَبْل: الجراح(2). (١) البقرة: ١٩٤. (٢) سنن أبي داود ٤ /٦٤٤، ح٤٥٠٤، سنن ابن ماجه ح٢٦٢٣، وتقدم. (٣) شرح معاني الآثار ١٧٤/٤، سنن أبي داود ٤ /٦٣٦ ح ٤٤٩٦. (٤) الخبل: بسكون الباء: فساد الأعضاء، ويقال: رجل خَبَل: أي من أُصيب بقتل نفس، أو قطع عضو، يقال: بنو فلان يطالبون بدماء، وخَبْل: أي بقطع يد أو رِجْل. النهاية لابن الأثير ٨/٢. وفي القاموس المحيط (خبل): الخَبْل: فساد الأعضاء، والفالج، وقطع الأيدي والأرجل. اهـ. ٣٩٣ كتاب القصاص والديات في الجراحات وقد اتفق الجميع أنه لا يأخذ الأرش فيما دون النفس إلا برضا الجارح كذلك النفس. فإن قيل: العموم يقتضي إيجاب الخيار فيهما جميعاً، وإنما خصصنا ما دون النفس بدلالة، وبقي حكم العموم في النفس. قيل له: وجميع ما قدَّمناه دليل على أنَّ رضا القاتل شرط في استحقاق الدية(١). ويدل على صحة تأويلنا: ما روي في بعض ألفاظ الحديث: ((إما أن يَقْتل، وإما أن يفادي))(٢)، والمفاداة تكون من اثنين، وهو كقول الله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنَّأَبَعْدُ وَإِمَا فِدَآءَ﴾(٣)، فكان رضا الأسير شرطاً في الفداء، وإن لم يكن مذكوراً في اللفظ، إذ كان لفظ المفاداة يقتضيه. فإن احتجوا من جهة النظر بأن في دَفْع الدية إحياء نفسه، ومن قَدَرَ على إحياء نفسه کان علیه إحياؤها، فتلزمه الدیة شاء أو أبى. قيل له: الموضع الذي يلزم فيه إحياء النفس لا يختلف فيه حكم الجاني وحكم غيره، في أنّ على كل واحد منهم إحياء نفس مَن قد أشرف على التلف، كالمضطر إلى الطعام والشراب، فيلزم على ذلك أن يُجبر الولي على أخذ الدية لإحياء نفس القاتل. (١) بدائع الصنائع ١٠ / ٤٦٣٤. (٢) سنن ابن ماجه ٨٧٦/٢. (٣) محمد: ٤. ٣٩٤ كتاب القصاص والديات في الجراحات وأيضاً: كان ينبغي أن لا يختلف حكم الدية وما فوقها(١)، لأن مَن كان عليه إحياء نفسه لم يختلف فيه حكم الدية وما فوقها(٢). وأيضاً: كما يلزمه إحياء نفسه، فعليه إحياء أعضائه، وقد اتفقوا أنه لا يؤخذ منه الأرش إلا برضاه. فإن قيل: لما جاز الصلح من الدم على مال، دلَّ على أنَّ القتل يوجب المال باختيار الولي، كما يوجب القود. قيل له: يجوز إيقاع الطلاق بمالٍ برضا المرأة، ولا يدل على أنَّ له أن يُلزمها المال بغير رضاها(٣). فصل : وأما جواز الصلح مِن قتل العمد على مال (٤)، فالأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنِ﴾(٥). وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن قُتِل له قتيل فأهله بالخيار: إن شاؤوا قَتَلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية))(٦). ونُسِخَ بذلك ما كان على بني إسرائيل من وجوب القصاص لا غير، (١) وفي (ق.ج): (وما دونها)). (٢) وفي (ق.ج): ((وما دونها)). (٣) أحكام القرآن ١/ ١٥٤. (٤) أحكام القرآن ١٥٧/١. (٥) البقرة: ١٧٨. (٦) سبق تخريجه. ٣٩٥ كتاب القصاص والديات في الجراحات تخفيفاً من الله عنا. فصل : وأما قوله: إن ما وجب من المال بالصلح من دم العمد، فهو في ماله حالٌّ : من قِبَل أنَّ هذا مال يستحقه بعقد، وكل مالٍ وجب عن عقد، فهو حالٌّ حتى يُشترط الأجل، كأثمان البياعات، والمهور، وسائر الأبدال، لا تثبت الآجال فيها إلا بالشرط، كذلك ما وصفنا. وليس هذا كقتل الخطأ(١)، ومَن قَتَل ابنه عمداً، فتكون الدية في ثلاث سنين، من قِبَل أنَّ المال في هذا الوجه وجب بنفس القتل لا بعقد، وقيمة النفس الواجبة بالقتل لا تجب إلا مؤجلة. مسألة : [لا كفارة في القتل العمد على الجاني] قال أبو جعفر: (ولا كفارة في ذلك على الجاني)(٢). قال أبو بكر : والأصل في ذلك عندنا: أنَّ المنصوص لا يقاس على غيره، ولا تصلح الزيادة فيه إلا بمثل ما يجوز به نَسْخه، لأن الزيادة في النص الذي يمكن استعماله على ظاهره، يوجب النسخ ، فلما نصَّ الله (١) بدائع الصنائع ١٠/ ٤٦٥٥. (٢) مختصر الطحاوي ص٢٣٢. اختلف الفقهاء في إيجاب الكفارة في قتل العمد، فعند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة لا تجب الكفارة في القتل العمد، لأنه لا قياس في الكفارات. انظر بدائع الصنائع ٤٦٥٧/١٠، بداية المجتهد ٤١٨/٢، المغني مع الشرح الكبير ٤٠/١٠، وعند الشافعية: تجب الكفارة في القتل العمد، كما تجب في شبه العمد والخطأ. انظر مغني المحتاج ٤ /١٠٧. ٣٩٦ كتاب القصاص والديات في الجراحات تعالى على قتل العمد بإيجاب القَوَد، دون الكفارة(١)، كما قضى على حكم الخطأ بإيجاب الكفارة والدية: وجب علينا إجراء حُكْم كل واحدٍ من القتلَيْن على ما ورد به التوقيف، دون قياسه على صاحبه في زيادة فيه، أو نقصان منه. كما أنه لما نصَّ على حكم الوضوء في أربعة أعضاء، وعلى حكم التيمم في عضوين، لم يُرَدَّ أحدهما على الآخر في إكمال الأعضاء. وكما أنه لما نصَّ على قطع يد السارق، ونص على قطع يد قاطع الطريق ورِجله، لم يُحمَل أحدهما على الآخر، إذ كان كل واحد منهما منصوصاً على حکمه. فإن قال قائل: ليس قياس العامد على المخطىء قياس المنصوص على المسكوت؛ لأن الكفارة في العمد غير منصوص عليها. قيل له: حكم قتل العمد منصوص عليه من غير إيجاب الكفارة، فلا تلحق به الكفارة مع القود؛ لأنه لا يخرجه ذلك من أن يكون قد قاس المنصوص على المنصوص، كما أنَّ العضوين في التيمم، وقَطْع الرِّجل في السرقة وإن لم يكن مذكوراً في الآية، لم يجز إيجابها قياساً على المذكور في الوضوء، إذ كل واحد منهما منصوص على حكمه. فإن قيل: لما ذكر الشهادة في بعض المواضع مقيدة بوصف العدالة، ثم أطلقها في موضع غير مقيدة بشرط العدالة، كانت العدالة مشروطة في الجميع، وكان المسكوت عنه(٢) من صفة العدالة، محمولاً على (١) انظر تفصيل المسألة في أحكام القرآن ٢٤٥/٢. (٢) وفي (ق.ج): ((عنه من العدالة مقيساً على المنصوص عليه منها)). ٣٩٧ كتاب القصاص والديات في الجراحات المنصوص عليه فيها. قيل له: ليس كذلك، لأنا إنما شرطنا العدالة في الجميع بعموم لفظٍ ينتظم سائر الشهادات، وهو قوله: ﴿إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِذَبٍَ فَتَبَيَّنُواْ﴾(١). فإن قيل: حملتم خطأ قتل الصيد على عمده، وإن كان المنصوص عليه هو العمد. قيل له: لأن الخطأ غير منصوص على حكمه في الكتاب. فإن قيل: قستم الآكل والشارب في شهر رمضان على المجامع في إيجاب الكفارة (٢). قيل له: ليس كما ظننتَ، بل بعموم لفظٍ يقتضيها ، وهو ما روي أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله! أفطرتُ في شهر رمضان(٣)، فأجابه عن الجميع بإيجاب الكفارة، فصار ذلك كعموم لفظ من النبي صلى الله عليه وسلم في إیجابها على كل مفطر، إلا ما قام دليله. وأيضاً: قد اتفق الجميع على أنَّ كفارة شهر رمضان غير مقصورة على ما ورد به الأثر، ألا ترى أنَّ هناك معنىً مطلوباً به تعلَّق وجوب الكفارة، فساغ الاجتهاد في طلب المعنى. فإن قيل: حملتم التيمم على الوضوء في استيعاب اليدين إلى المرفقين. (١) الحجرات: ٦. (٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٣٨/٢. (٣) ينظر نصب الراية ٤٥١/٢، أخرجه أصحاب الكتب الستة البخاري وغيره. ٣٩٨ كتاب القصاص والديات في الجراحات قيل له: ليس كذلك، بل لأخبارِ رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم في استيعابهما إلى المرفقين، منها: ما روي في حديث عمار(١)، وفي حديث الأسْلَع، وحديث ابن عباس (٢). وأيضاً: فإن من أصلنا: أنه لا يجوز إثبات الكفارات قياساً، وإنما طريقها التوقيف. فإن احتجوا بما روى ضمرة بن ربيعة عن إبراهيم بن أبي عَبْلة عن الغَرِيف بن الديلمي عن واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في صاحبٍ لنا قد أَوْجب ـ يعني النار - بالقتل، فقال: ((أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضوٍ منه عضواً منه من النار))(٣). قيل له: هذا الحديث لا يصححه أهل المعرفة بالحديث، وذلك لأن الغريف بن الديلمي مجهول لا يُدرى مَن هو؟ ولا يُعرف إلا من هذا الحديث(٤). وعلى أنه لو صحَّ، لم تثبت الزيادة المذكورة في رواية ضمرة، وهو قوله: ((أوجب - يعني النار - بالقتل)): من قِبَل أنّ ابن المبارك، وهاني بن (١) وفي (ق.ج): ((في التيمم في حديث الإسلام، وحديث محمد بن ثابت العبدلي عن نافع عن ابن عباس رضي الله عنهما)). (٢) نصب الراية ١٥٠/١. (٣) أبو داود ٢٧٣/٤ ح ٣٩٦٤، الفتح الرباني ١٤ /١٤٠. (٤) وهو الغريف بن عباس بن فيروز الديلمي ابن أخي الضحاك بن فيروز، وقد ينسب إلى جده، روى عن جده فيروز، ووائلة بن الأسقع، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: من أهل الشام له عندهما حديث واحد في فضل العتق. وقال ابن حزم: مجهول، وذكره بالعين المهملة. انظر تهذيب التهذيب ٢٤٥/٨. ٣٩٩ كتاب القصاص والديات في الجراحات عبد الرحمن بن أخي إبراهيم بن أبي عبلة، قد رويا هذا الحديث عن ابن أبي عبلة(١)، فلم يذكروا أنه أوجب بالقتل، وأكثر ما قالوا: ((في صاحبٍ لنا أوجب))، وهؤلاء أثبت من ضمرة فيما تفرَّد به من هذا اللفظ. وعلى أنه لو ثبت، وسُلُّم لهم لفظ الحديث، لم يصح الاحتجاج به، لما في لفظه من الدلالة على أنه تأويل من الراوي؛ لأنه قال: أوجب - يعني النار - بالقتل(٢). فإن قيل: إنما قال: يعني في النار خاصة دون القتل. قيل له: بل هو عليهما جميعاً. وعلى أنه لو ثبت اللفظ على ما ادعوه، لم يكن فيه دلالة على موضع الخلاف، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم قال لهم: ((أعتقوا عنه))، ولم يقل: عليه أن يعتق عن نفسه، ولا خلاف أنَّ السائلين لم يكن عليهم أن يعتقوا عنه إلا بعد سماعهم ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، لا قبل ذلك، فأين موضع الدلالة من الخبر على وجوبها على القاتل؟ وليس له ذكر في الخبر، وما في الخبر فغير واجب بالاتفاق، وكيف يدل على وجوبها في غيره؟. فإن راموا إثباتها من طريق القياس، فقد بيَّنًا أنه لا تثبت الكفارات بالقیاس. (١) الفتح الرباني ١٤ /١٤٠: ((وللإمام أحمد أيضاً عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار))، ورجاله ثقات. (٢) أحكام القرآن ٢٤٥/٢. ٤٠٠ كتاب القصاص والديات في الجراحات وعلى أنا مع ذلك نبين لهم فساد قياسهم في إثبات هذه الكفارات، بأن نقول لهم: بِّنوا وجه القیاس فيها. فإن قال: أقيسه على الخطأ بمعنى: أنَّه أتلف نفساً محظورة، وذلك موجود في العمد. قيل له: هذا غلط؛ لأن الحظر لا يتناول فعل الخطأ، قال الله تعالى: ﴿إِن ◌َِّينَآ أَوْ أَخْطَأَنَ﴾(١). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان))(٢). فإن قيل: لما قال: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ (٣)، كان كالمخطىء. قيل له: فيجب إيجابها على من قتل مرتداً أو حربياً؛ لأنه قَتَلَ نفساً بغير نفس. فإن قيل: المعنى في المخطىء: أنه قَتَلَ نفساً لم يؤمر بقتلها. قيل له: اعتبار الحظر والإباحة، وعدم الأمر ووجود النهي، ساقط في المخطىء، لأنه لا يلحقه حكم الحظر فيما تناول، كالناسي والنائم، فإذا لم يكن الوصف الذي جعلته علة للعامد موجوداً في المخطىء، لم يصح للقياس وجهٌ. وأيضاً: الواقف في صف المشركين من المسلمين، لنا قتله إذا لم (١) البقرة: ٢٨٦. (٢) سبق تخريجه. (٣) المائدة: ٣٢.