النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كتاب القصاص والديات في الجراحات إِلَّ الْمَصِيرُ ﴾ وَإِن جَهَدَ الكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِ﴾(١)، فلم يدل على خصوص قوله: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِنسَنَ﴾. وكما فسَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم الربا في ستة أشياء(٢)، وهي بعض ما دخل في آية الربا. وليس في استعمال عموم اللفظ إسقاطُ فائدة قوله تعالى: ﴿الْخُرُّ بِآلْحُرٍ﴾ (٣)؛ لأنه كلامٌ خَرَجَ على سبب، وهو ما روي أنه كان بين حَيَّيْن من العرب قتالٌ، ولأحدهما طَوْل على الآخر، فأبَوْا أن يقتلوا بالعبد منهم، إلا الحر من غيرهم، وبالأنثى منهم الذكر، فنهاهم عن ذلك(٤) بقوله: ﴿ اَلُّْ بِالْحُرِّ وَاَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾(٣). وأيضاً: قد اتفق الجميع على قتل الأنثى بالذكر، والعبد بالحر(٥)، ولم يوجب ذلك(٦) إسقاط فائدة اللفظ، كذلك قتل الحر بالعبد. ودليل آخر: وهو قوله تعالى: ﴿وَكَبِنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (١) لقمان: ١٤، ١٥. (٢) صحيح مسلم ١٢١٠/٢ - ح١٥٨٧، وهي: الذهب، والفضة، والبُر، والشعير، والتمر، والملح. (٣) البقرة: ١٧٨. (٤) أحكام القرآن ١٣٤/١، تفسير الدر المنثور في التفسير المأثور ٤١٨/١. (٥) كتاب الحجة ٢٦٧/٤ وما بعده. المغني والشرح الكبير ٣٧٧/٩. (٦) وفي (ق.ج): ((عند مخالفنا)). ٣٦٢ كتاب القصاص والديات في الجراحات وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾(١)، وهذا الحكم وإن كان مكتوباً على بني إسرائيل، فهو لازمٌ لنا حتی یثبت نسخه. ويدل عليه أيضاً: قوله: ﴿وَمَن قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِ﴾(٢)، وقد بيَّنَا أنَّ المراد به القَوَد، فكل مقتول ظلماً فهذا حکمه بحق العموم، إلا ما قام الدليل على خصوصه. ومن جهة السنة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم»(٣)، وعمومه يقتضي دخول العبد فيه. وأيضاً: قد اتفق الجميع على دخول العبد فيه إذا قَتَل حراً، فدل أنَّ اللفظ قد انتظمه، فوجب أن يكون عاماً في الجميع. فإن قيل: التكافؤ يقتضي المماثلة، وليس العبد بمثل الحر. قيل له: قد جعله النبي صلى الله عليه وسلم مثله حين جعل كل مسلم وروى إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابنٍ ءِ كفؤَ المسلم(٤) في باب القصاص. عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((العمد قَوَدٌ إلا أن يعفوَ وليّ المقتول)»(٥)، ولم يفرِّق بين الحر والعبد. (١) المائدة: ٤٥. (٢) الإسراء: ٣٣. (٣) أبو داود ح ٤٥٣٠، وغيره، وينظر التلخيص الحبير ١١٨/٤. (٤) صحيح مسلم ٨٨٩/٢ ح١٢١٨. (٥) سبق تخريجه. ٣٦٣ كتاب القصاص والديات في الجراحات ومن جهة النظر: أنَّ اعتبار المساواة ساقط في الأنفس، والدليل عليه: اتفاقنا جميعاً على قتل العشرة بالواحد(١). فإن قيل: النفس الواحدة مكافئة لعشرة أنفس. قيل له: والعبد مكافئ للحرِّ. على أنَّ صاحبهم (٢) قد نقض هذا، فقال: إذا قَتَل واحدٌ عشرةَ: قُتِل، وأُخِذَ منه تسع ديات(٣)، فلم يجعل النفس الواحدة مكافئة لعشرة. فإن قال قائل: العبد مالٌ، فلا تُتلَف به نفسٌ ليست بمال. قيل له: ولا نتلف نفساً هو مال، فلا نوجب القصاص بين العبيد في الأنفس، كما قال إبراهيم، والشعبي(٤)، وإياس بن معاوية(٥)، وجعلوه کالبهيمة. (١) كتاب الأصل ٤ /٤٨٥، والمغني والشرح الكبير ٤٧٣/٩. (٢) أي الإمام الشافعي رحمه الله. (٣) ينظر لقول الإمام الشافعي: مغني المحتاج ٢٢/٤، وأما عند الحنفية: قُتِل لجماعتهم، ولا شيء للباقين. الهداية مع تكلمة شرح فتح القدير ٢٤٤/١٠. (٤) مصنف عبد الرزاق ٣/١٠-٨، المحلى لابن حزم ١٥١/٨-١٥٥، المغني والشرح الكبير ٣٥١/٩. (٥) إياس بن معاوية بن قرة المزني، أبو معاوية، مشهور بفَرْط الذكاء، وبه يضرب المثل في الذكاء، كان صادق الظن، لطيفاً في الأمور، وكان عمر بن عبد العزيز قد ولاّه قضاء البصرة، توفي بواسط سنة اثنتين وعشرين ومائة، وعمره ست وسبعون. انظر وفيات الأعيان ٢٤٧/١، الأعلام ٣٣/١. ٣٦٤ كتاب القصاص والديات في الجراحات ومن حيث اتفقا على وجوب القصاص فيما بين العبيد في الأنفس(١)، وعلى قتل العبد بالحر، وجب مثله فيما بينهم وبين الأحرار، وصح بذلك أنَّ جهة المال غير معتبرة. وأيضاً: فقد اتفقوا أيضاً على لزوم الكفارة في قتل العبد خطأ، ولم يكن بمنزلة مَن قَتَلَ دابة. ودليل آخر: وهو أنَّ العبد محقون الدم حقناً لا يرفعه مضي الوقت، وليس ببعض للقاتل، ولا ملكه، فأشبه الحر(٢). فإن قيل: لما لم تقطع يد الحر بيد العبد، لم يُقْتَل به، كما لم تُقطع يد المسلم بيد الحربي، لم يُقْتَل به. قيل له: هذا اعتلال فاسد؛ لأنه لو قَطَعَ يدَ رجلٍ شلاء(٣): لم تُقطع یده بها، ولو قتله، قُتِل به. وأيضاً: فإن اعتبار المساواة واجبة في الأعضاء، غير واجبة في الأنفس، بدلالة أنَّ اليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاّء، ويُقْتَل الصحيح البالغ بالصبي، والمجنونِ، والزَّمِنِ، وناقصِ الأعضاء، ويُقتل عشرةَ بواحد، ولا تؤخذ عَشْرُ أیدٍ بید. وأيضاً: روى ليث عن الحكم أنَّ علياً وابن مسعود قالا: ((مَن قَتَلَ عبداً متعمداً: فهو قَوَد)) (٤). (١) كتاب الحجة ٣١٩/٤. (٢) أحكام القرآن ١٣٦/١. (٣) تكملة شرح فتح القدير ٢٣٨/١٠. (٤) السنن الكبرى ٣٥/٨. ٣٦٥ كتاب القصاص والديات في الجراحات ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلافهما، فثبتت حجته. مسألة : [لا قصاص بين الأحرار والعبيد فيما دون النفس] قال أبو جعفر: (ولا قصاص بين الأحرار والعبيد فيما دون النفس)(١). قال أبو بكر : وذلك لوجوب اعتبار المساواة فيما دون النفس، لاتفاق الجميع على أنَّ اليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاّء. مسألة : [جناية العبد فيما دون النفس] قال أبو جعفر : (والواجب فيما جناه العبد على الحر أن يدفعه مولاه، أو يفديه منه بالأرش(٢)). وذلك أنَّ الجناية ثبتت في رقبة العبد إذا كانت مما لا يجب فيها القصاص، كما ثبتت في رقبته إذا وجب فيها القصاص، وتُستحق بها الرقبة، فكذلك في الخطأ، يثبت في الموضع الذي يثبت فيه العمد، إلا أنَّ العمد يُستحق به إتلاف الرقبة بالقصاص، والخطأ تُستحق به الرقبة لولي الجناية إلا أن يفديَه المولى؛ لأنه إذا حصل لولي الجناية أرش جنايته، فقد استوفی حقه. (١) كتاب الحجة ٢٦٥/٤، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٢٣٥/١٠. (٢) الأرش: دية الجراحات، والجمع أروش. ينظر المصباح المنير (أرش)، مختار الصحاح (أرش). وشرعاً: اسم للواجب على ما دون النفس. كتاب الأصل: ٥٩١/٤. ٣٦٦ كتاب القصاص والديات في الجراحات مسألة : [جناية الحر على العبد فيما دون النفس] قال أبو جعفر : (وجناية الحر على العبد فيما دون النفس توجب عليه ما نقصه لمولاه في ماله، لا على عاقلته)(١). وإنما لم يلزم العاقلة ما جنى على العبد فيما دون النفس، من قِبَل أنَّ حُكْم ما دون النفس من الجناية عليه حكم الأموال، والدليل عليه: أنه لا قصاص في عَمْده، فصار كالجناية على الدابة ونحوها. مسألة : (فإن فقأ عينَيْه، ففي قول أبي حنيفة: مولاه بالخيار: إن شاء أمسكه، ولا شيء له، وإن شاء سلّمه إلى الجاني، وأخذ جميع قيمته)(٢). وذلك لأن موجَب الجناية هو جميع القيمة، والدليل عليه أنَّ العين من العبد نصفه، ولا خلاف بينهم أنه لو فقا إحدى عينيه: كان عليه نصف قيمته، فوجب أن يكون أرش العينين جميع القيمة. ثم إذا لزمه جميع القيمة فأداها، لم يجز بقاء العبد على ملكه مع أخذ القيمة، لأنه لا يجوز اجتماع الشيء وبَدَله في ملكه فيما يصح تمليكه، فلذلك لم يكن له شيء إذا لم يسلم إليه العبد. * وأما في قولهما: فالمولى بالخيار: إن شاء ضمن(٣) الفاقىء نقصان الفقء، وأمسك العبد، وإن شاء سلمه العبد، وأخذ القيمة. (١) الهداية مع البناية ٢٩٤/١٠. (٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٦١/١٠. (٣) وفي (ق.ج): ((أخذ من)). ٣٦٧ كتاب القصاص والديات في الجراحات وشبَّهاه برجل خَرَقَ ثوبَ رجل خَرْقاً، فأتى على أكثره: فصاحب الثوب بالخيار عندهم جميعاً: إن شاء أخذ النقصان، وأمسك الثوب، وإن شاء أخذ القيمة وسلَّم إليه الثوب(١). وفرَّق أبو حنيفة بينهما من جهة أنَّ أرش العينَيْن مقدَّر، وهو القيمة، كما أنَّ أرش إحداهما مقدر وهو نصف القيمة، فلم يكن له أن يعدل عن موجَب الجناية إلى غيرها، وليس نقصان الخرق مقدراً، فلذلك كان له الخيار في تضمين القيمة مع تسليم الثوب، وإن شاء ضمن النقصان. مسألة : [جناية الحر على العبد] قال أبو جعفر : (وقال أبو حنيفة فيما جناه الحر على العبد مِن قَطْع عضو، أو فَقْءٍ عَيْن: فعليه فيه جزء من قيمته إلا حصته من عشرة دراهم من قیمته)(٢). قال أبو بكر: هذا الإطلاق في النقصان غير صحيح في قول أبي حنيفة؛ لأن أبا حنيفة إنما يعتبر ذلك فيما زاد على دية الحر، أو أرش عضو يده، أو كان أرشه مثل أرش الحر، فيُنْقَصُ منه، فإذا لم يبلغ دية الحر: فإنه لا ينقص منه شيئاً. نحو أن يقطع يد عبدٍ قيمته خمسة آلاف، فيجب عليه ألفان وخمس مائة، لا ينقص منها شيء، فإن كان قيمة العبد عشرة آلاف أو أكثر، فعلى الجاني خمسة آلاف إلا خمسة دراهم، وكذلك لو قتله: كان عليه عشرة آلاف إلا عشرة دراهم في قول أبي حنيفة ومحمد. (١) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ١٠/ ٣٦٢. (٢) كتاب الأصل ٥٩٢/٤، بدائع الصنائع ٧٤٩٧/١٠. ٣٦٨ كتاب القصاص والديات في الجراحات * وقال أبو يوسف: عليه قيمته بالغةً ما بلغت(١). ورُوي نحو قول أبي يوسف عن عمر، وعلي، وابن عباس (٢). وروي مثل قول أبي حنيفة عن عبد الله بن مسعود، وإبراهيم، وعطاء، وسعيد بن المسيب، والشعبي(٣). * والكلام في هذه المسألة من وجهين: أحدهما: في مَنْع ضمان قيمته بأكثر من الدية، والآخر في النقصان عن الدية. فأما الدليل على امتناع مجاوزته الدية: فهو أنَّ قيمة النفس في الجناية لم تُجعل أكثر من الدية، والدليل عليه: أنَّ مَن قَتَلَ من الأحرار لم يجاوز به الدية، مع تفاضل الأنفس، وتفاوت ما بينهما، فَثَبَتَ أنَّ قيمة النفس في الجناية لا يجوز أن تكون أكثر من الدية، وضمان العبد بالقتل من طريق الجناية، ولا يجوز أن يضمن بأكثر من الدية. والدليل على أنَّ ضمانه من طريق الجناية: أنَّ العاقلة تتحمله، وتجب فيه الكفارة في الخطأ، والقَوَد في العمد. ولا يشبه الغصب، فيضمن الغاصب قيمته بالغةً ما بلغت، من قِبَل أنَّ ضمان الغصب ضمان الأموال، وله أصل متفق علیه، فهو مردود إلیه. وأما ضمانه بالقتل، فهو من طريق الجناية، فكان مردوداً إلى أنفس (١) المبسوط ٢٩/٢٧. (٢) مصنف عبد الرزاق ٩/١٠، السنن الكبرى ١٠٤/٨. (٣) ينظر مصنف عبد الرزاق ٩/١٠، السنن الكبرى ١٠٤/٨. ٣٦٩ كتاب القصاص والديات في الجراحات الأحرار، في أنَّ قيمتها ليست بأكثر من الدية. فإن قال قائل: لما اتفق الجميع على حطها عن دية الحر إذا كانت القيمة ناقصة، وجب مثله في الزيادة، لأنها قد أشبهت الأموال في جواز النقصان. قيل له: وجوب النقصان لا يخرجه من ضمان الجنايات؛ لأن دية المرأة أنقص من دية الرجل، وضمانه ضمان الجنايات، ولا يجوز أن تزاد ديتها مع ذلك على دية الرجل الحر. وكذلك دية الجنين أنقص من دية الحي، ولم ينف أن يكون ضمانه ضمان الجنايات، ولا يزاد على الدية من حيث نقص منها. فإن قيل: لما لم يعتبر فيه قدر معلوم، وكان حكم التقويم قائماً مع إتلافه بالجناية، صح أنّ حكمه حكم الأموال، دون الجنايات على الأحرار. قيل له: وجوب التقويم، وكون بدله غير مقدر، لا يخرجه من حكم الجناية، ألا ترى أنَّ ما تجب فيه الحكومة(١) من الجنايات على الأحرار غير مقدر، بل هو مقوَّم، ولا يُخرجه ذلك من أن يكون ضمانه ضمان الجنایة، وأنه ليس بمال. (١) حكومة العدل: هي الأرش غير المقدر في الشرع، ولا قصاص فيه بالاعتداء على ما دون النفس، من جرح أو تعطيل وغيرهما، ويترك أمر تقديره للحاكم بمعرفة أهل الخبرة والعدول، مثل قطع لسان الأخرس، والعين القائمة الذاهب نورها، واليد الشلاء، والرجل الشلاء، وذَكَرِ الخصي والعنّين وغيرهم. ينظر المبسوط ٧٤/٢٦، بدائع الصنائع ١٠/ ٤٨٢٠. ٣٧٠ كتاب القصاص والديات في الجراحات وكذلك تقويم العبد بالقتل، لم يمنع لزوم قيمته العاقلة، ووجوب الكفارة في الخطأ، والقود في العمد، وكذلك لا يسلبه حكم ضمان الجناية في المنع من المجاوزة به الدیة. * وإذا ثبت أنه لا يجاوز بقيمته دية الحر: وجب النقصان؛ لأن الناس فيه على قولين: منهم مَن يجاوز بها الدية، فيوجبها بالغاً ما بلغ، ومنهم مَن لا يجاوز بها الدية، وكل مَن لم يجاوز بها الدية: نقص عنها، فلما صح عندنا بما ذكرنا(١) أنه لا يُجاوَز بها الدية: وجب أن ينقص عنها. * وإنما كان النقصان عشرة دراهم؛ لأن كل مَن أوجب النقصان، لم يقدر بغير ذلك. مسألة : [دية أعضاء العبيد] قال أبو جعفر: (وفي أُذُنِ العبد إذا قُطِعت، وحاجبه إذا نُتِف فلم ينبت: النقصان)(٢). قال أبو بكر : وروى محمد في إملائه عن أبي حنيفة: أنَّ في إحدى أُذُنَي العبد، أو إحدى حاجبيه: نصف القيمة، كما يجب في الحر نصف .(٣) الدية(٣). وهذا الذي حكيناه عن أبي حنيفة من رواية محمد، هو مرجوعٌ عنه، وحاصل الجواب فيه هو ما ذكره أبو جعفر. (١) وفي (ق.ج): ((نقص عنها، لاتفاق الجميع أنه لا يجاوز)). (٢) بدائع الصنائع ١٠ /٤٧٩٧. (٣) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٢٨٢/١٠. ٣٧١ كتاب القصاص والديات في الجراحات روى الرجوعَ أبو يوسف. وفي قول أبي يوسف ومحمد في ذلك مثل قول أبي حنيفة الآخر. والأصل في ذلك: أنَّ الجنايات على الأحرار يعتبر فيها ذهاب الزينة على حيالها، والنفع على حياله(١). والدليل على صحة ذلك: اتفاق الجميع من فقهاء الأمصار أنَّ في إحدى أذني الحر: نصف الدية، وعُظْم ما يراد منها الزينة، فقد رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام ((أنَّ في الأُذن نصف الدية))(٢)، رواه محمد بن إسحاق عن مکحول عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً. وكذلك الأنف: فيه الدية(٣)، والمبتغى منه الجمال، وفي اليدين: الدية، وكذلك العين إذا ذهب ضؤوها، والأسنان، وسائر الأعضاء (٤) التي فيها المنافع. وكذلك في ذهاب العقل، أو ماء الصلب(٥) من ضربة: ففيه الدية، وإنما أبطل المنفعة، فثبت بذلك أنَّ الجنايات على الأحرار يُعتبر فيها الجمال على حياله، والنفع على حياله (٦). (١) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٢٧٩/١٠. (٢) السنن الكبرى ٨٥/٨، قال الزيلعي في نصب الراية ٣٧١/٤: إنه غريب، وقد ذكره من مراسيل سعيد بن المسيب. (٣) مصنف ابن أبي شيبة ١٥٤/٩، سنن النسائي ٥٢/٨. (٤) كتاب الأصل ٤ / ٤٤١. (٥) وفي (ق.ج): ((إذا ذهب عقله أو ذهب ماء صلبه)). (٦) بدائع الصنائع ٤٧٩٤/١٠. ٣٧٢ كتاب القصاص والديات في الجراحات وأما الجنايات على العبيد (١): فإنما يعتبر فيها المنفعة فحسب؛ لأن ذلك عُظْم ما يراد منها، وشعر الحاجب واللحية والأذن إنما أعظم ما يراد منها الجمال، فلا يجب فيها أرش مقدر، وإنما يجب النقصان، كما يجب في الدابة وسائر الحيوان التي هي أموال. وأيضاً: فإن الجناية فيما دون النفس على العبيد، لما كان حكمها حكم ضمان الأموال، من جهة سقوط القصاص في عَمْدها، أشبهت الجناية على سائر الأموال من غير بني آدم، إذ كان عُظْم ما يراد منها وجود النفع. مسألة : [لا قصاص بين العبيد فيما دون النفس] قال أبو جعفر : (ولا قصاص بين العبيد فيما دون النفس، ولا بين الأحرار والعبيد)(٢). قال أبو بكر: وذلك لوجود اعتبار المساواة فيما دون النفس، فلا تؤخذ يد الحرِّ بيد العبد، لعدم المساواة. ولا تؤخذ يد العبد بيد الحر، لمعنى آخر، وهو أنَّ حكم اليدين مختلف في باب تقويم إحداهما، وعدم تقويم الأخرى، فلم تؤخذ إحداهما بالأخرى وإن كانت يد القاطع أنقص، كما لم تؤخذ يد اليسرى باليمنى، لاختلافهما فيما يتعلق بهما من الحكم. ألا ترى أنَّ اليمنى تقطع في السرقة وقطع الطريق، ولا تقطع اليسرى (١) المرجع السابق ص ٤٧٩٧. (٢) كتاب الحجة ٢٦٥/٤-٣١٩. ٣٧٣ كتاب القصاص والديات في الجراحات عندنا، فلما اختلف حكمها، لم تؤخذ إحداهما بالأخرى. وكذلك يد الحر والعبد، ويد الرجل والمرأة. ولا تؤخذ يد العبد بيد العبد؛ لأن المساواة بينهما إنما تُعلم من طريق التقويم والاجتهاد، ولا يجوز إيجاب القصاص على هذا الوجه. والدليل على صحة ذلك: أنَّ مَن قطع يد رجل من نصف الساعد: لم يقتص منه؛ لأن المساواة فيه لا تعلم إلا من طريق الاجتهاد، فصار ذلك أصلاً في امتناع إيجاب القصاص من جهة الاجتهاد. مسألة : [القصاص بين النساء] قال: (والقصاص واجبٌ بين النساء الحرائر في الأنفس وما دونها)(١). وذلك لتساويهن في الأعضاء، لأن أروشها مقدرة، ولَسْنَ كالعبيد فيما بينهم فيما دون النفس؛ لأن أرش يد كلٌّ واحدٍ منهم لا يُعلَم إلا من طريق التقويم. مسألة : [القصاص بين الرجال والنساء] قال: (ولا قصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس، والقصاص بينهن وبين الرجال في النفس). وإنما لم تجب فيما دون النفس ، لما بيَّنَّا من اختلاف حكم يد المرأة والرجل، والتساوي معتبر فيما دون النفس، ولا اعتبار به في النفس، (١) بدائع الصنائع ٤٦١٨/١٠. ٣٧٤ كتاب القصاص والديات فى الجراحات فلذلك وجب القصاص في الأنفس(١). وقد روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم: قَتَل رجلاً بامرأة))(٢)، وروي عن أنس من طرق. وقد روى موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة قال: أخبرنا يونس عن الحسن ((أنَّ رجلاً جرح امرأته، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: القصاص مرتين(٣)، فأنزل الله تعالى: ﴿اَلِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾(٤). الآية(٥)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أردنا أمراً، وأراد الله غيره))(٦). فصار أصلاً في نفي القصاص فيما بين الرجل والمرأة فيما دون النفس. مسألة : [قتل الجماعة بالواحد] قال أبو جعفر: (وتقتل الجماعة بالواحد، ولا تؤخذ يَدَانِ بيد)(٧). قال أبو بكر : روي عن عمر أنه قتل جماعة بواحد من أهل اليمن، (١) كتاب الحجة ٤٠٦/٤، مصنف عبد الرزاق ٤٥٠/٩. (٢) صحيح البخاري ٤٠/٨، صحيح مسلم ١٢٩٩/٢. (٣) تفسير الدر المنثور ٥١٢/٥. (٤) النساء: ٣٤. (٥) وفي (ق.ج): ((إلى قوله تعالى من أموالهم)). (٦) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦٨/٥. (٧) ينظر: أحكام القرآن للمؤلف ١٤٥/١، بدائع الصنائع ٤٦٢٩/١٠، المغني والشرح الكبير ٣٦٧/٩. ٣٧٥ كتاب القصاص والديات في الجراحات وقال: ((لو تمالاً عليه أهل صنعاء لقتلتُهم به))(١)، وذلك بحضرة الصحابة، من غير خلافٍ ظَهَر من أحدٍ منهم عليه، فصار إجماعاً. وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى اُلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾(٢)، فجعل قاتل الواحد كقاتل جماعة(٣)، فإذا اشترك جماعة(٤) في قتل رجل، فصاروا كلهم في حكم مَن قتلوا الناس جميعاً، فيقتلون كلهم. وأيضاً: قوله: ﴿وَمَنْ فُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا﴾(٥)، ولم يفرِّق بين مَن قتله واحد أو اثنان، وقد ثبت أنَّ السلطان المذكور هو القود، فیجب أن يثبت له على جماعتهم. وأيضاً: النفس لا تتبعض في الإتلاف، وكل واحد منهم في الحكم كأنه أخذ بجميعها، فوجب عليه القود، ألا ترى أنَّ التطليقة لما لم تتبعَّض، كان إيقاعه لبعضها إيقاعاً لجميعها، كذلك مشاركته لغيره في أَخْذ النفس، وهي لا تتبعض كأخذ جميعها، فلزمه القود. (١) السنن الكبرى ٤١/٨. (٢) سورة المائدة: ٣٢. (٣) وفي (ق.ج): ((الناس)). (٤) كتاب الأصل ٤٨٥/٤. (٥) الإسراء: ٣٣. ٣٧٦ كتاب القصاص والديات في الجراحات ويدل عليه أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((العمد قود))(١). فإن قال قائل: روى يزيد بن هارون عن جويبر عن الضحاك عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: ((لا يُقتل اثنان بواحد))(٢). قيل له: يحتمل أن يكون في رجلين قُتِلا، وأحدُهما مَن لا يجب عليه القصاص، وتكون دلالته ما قدَّمنا. فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣) ينفي أَخْذ النفسَيْن بالنفس. قيل له: إنما أوجب أَخْذ النفس بالنفس، والنفسان بالنفس لا ذِكْرَ له في الآية، فهو موقوفٌ على دليله. وإن قيل: قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ اَلْقَبْلَى﴾: ينفي قتل الأنفس بالواحد، لأن القصاص يقتضي المماثلة والمساواة، والنفس الواحدة غير مساوية للجماعة. قيل له: لا دلالة فيها على ما ذكرت؛ لأن القصاص ليس هو أن يستوفي مثل ما أتلف عليه في مقادير أجزائه، لأن الكبير يُقتل بالصغير، وإنما معنى القصاص: أن يتلف عليه نفسه، كما أتلف نفس المقتول، وقد قلنا إن كل واحد من هؤلاء متلف للنفس في الحكم. (١) سبق تخريجه. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣٤٩/٩، مصنف عبد الرزاق ٤٧٩/٩، وهذا قول بعض العلماء، وما وجدت الحديث بهذا اللفظ. (٣) سورة المائدة: ٤٥. ٣٧٧ كتاب القصاص والديات في الجراحات وكذلك إن احتجَّ بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىُ عَلَيْكُمْ فَأَعْتَّدُ واْعَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾(١). قلنا له: إن هذا إنما أتلفنا عليه مثل ما تناول؛ لأنه متناول لجميع النفس في الحكم، إذ كانت النفس لا تتبعض في الإتلاف، فيستحق عليه مثل ما أتلف. * وأما اليدان فلا تؤخذان بيد واحدة (٢)؛ لأن اعتبار المساواة واجب فيما دون النفس، بدلالة أنّ اليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاّء بالاتفاق، فكذلك لا تؤخذ يدان بيد(٣). مسألة : [القصاص بين الوالد والولد] قال : (ولا قصاص بين والدٍ وولده فيما جناه الوالد في النفس، ولا فيما دونها)(٤). وذلك لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يُقْتَل والدٌ بولده))(٥). (١) سورة البقرة: ١٩٤. (٢) كتاب الأصل ٤ /٤٩١. (٣) تكملة شرح فتح القدير ٣٣٧/١٠. (٤) كتاب الأصل ٤٩١/٤، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٢٢١/١٠. (٥) سنن الترمذي ١٢/٤ ح ١٤٠٠ وسكت عنه، سنن ابن ماجه ٢٦٦١، مسند أحمد ٤٩/١، سنن البيهقي ٣٩/٨، وينظر تحفة المحتاج لابن الملقن ٤٤٥/٢ (١٥٤٧)، وقد أفاد صحته. ٣٧٨ كتاب القصاص والديات في الجراحات ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنت ومالك لأبيك))(١)، فأضافه إليه كما أضاف إليه ماله، وإطلاق هذه الإضافة ينفي القَوَد، كما لم يقتل المولى بالعبد؛ لإضافته إليه بالملك(٢). وكون الأب غير مالك لابنه، لا ينفي استدلالنا من الوجه الذي قلنا؛ لأن القود تُسقطه الشبهة، وصحة إطلاق الإضافة كإضافة الملك شبهةٌ في سقوطه. ويدل عليه: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أولادكم من كسبكم، فكلوا من كَسْب أولادكم))(٣)، فأضاف الولد إليه، وسماه كسباً، كما أنَّ عبده كسبُه، فصار ذلك شبهةً في سقوط القود. وأيضاً: لا خلاف بين الفقهاء في أنه لو حَذَفَه بسيفه، فقتله: لم يُقْتَل به، فکذلك إذا ذبحه. كما لم يختلف حكم القود في الأجنبي في حَذْفه إياه بالسيف، أو ذَبْحه، فلما انتفى القود في أحدهما: دل على أنه إنما لم يُقتل في حَذْفه إياه بالسيف ، لأنه ممن لا يقتل به بحال. (١) أبو داود ٨٠١/٣ ح ٣٥٣٠، صحيح ابن حبان ١٤٢/٢، ٧٢/١٠، وينظر لتصحيحه فتح الباري ٢١١/٥، عمدة القاري ١٣/ ١٤٢. (٢) في الأصل: ((كما ينفي أن يقاد المولى بعبده؛ لإضافته إليه بلفظ يقتضي الملك في الإطلاق». (٣) أبو داود ٨٠١/٣ ح ٣٥٣٠، سنن الترمذي ٦٣٩/٣ ح١٣٥٨، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ٣٧٩ كتاب القصاص والديات في الجراحات فإن قال قائل: لأنه يملك تأديب ابنه، وحَذْفه إياه بالسيف على وجه التأديب. قيل له: لا يجوز له تأديبه بالسيف بلا خلاف، فلا فرق في هذا بينه وبين الأجنبي. فإن قيل: فأوجب القود عليه إذا قَتَل ابنه وهو عبدٌ لحقِّ المولى. قيل له: لا يجوز ذلك، من قِبَل أنَّ المولى لا يملك هذا المعنى من عبده، ألا ترى أنه لا يجوز له قتله، ولا يجوز إقراره أيضاً عليه بالقتل، فلا فرق بين أن يكون حراً أو عبداً في نفي القصاص عن الأب. وأيضاً: فإن أحداً لم يفرِّق بينهما. ويدل على صحة قولنا: أنَّ الابن لو ورث قوداً على الأب من جهة غيره: لم يكن له أن يقتله، فدل على أنه لا يملك القود عليه بحال. مسألة : [قَطَعَ يمينَ رجلَيْن عمداً] قال: (وإذا قطع يمين رجلَيْن عمداً: كان لهما أن يقطعا يده اليمنى، ويضمِّناه دية يدٍ بينهما(١). ولو قتل رجلٌ رجلين: قُتِل بهما، ولا شيء عليه لهما غير ذلك). قال أبو بكر: وإنما كان هذا هكذا، من قِبَل أنهما إذا أخذا اليد بينهما، فكل واحد منهما مستوفٍ لنصفها، واعتبار المساواة واجب فيما دون النفس، فلم يجز أن نجعله مستوفياً لجميع حقه، وهو إنما استوفى نصفه، فبقي له إلى تمام حقه النصف، فيستوفيه من المال؛ لأن القاطع (١) بدائع الصنائع ٤٧٦٩/١٠. ٣٨٠ كتاب القصاص والديات في الجراحات ممسك(١) لذلك لنفسه، لأنه قضى به حقاً عليه، فانتقل حق المقطوع إلى المال. * وأما النفس: فلما سقط فيها اعتبار المساواة: جاز أن يكون مستوفياً لحقه بأخذ بعض النفس مع صاحبه، كما لو اقتص منه وهو مريض، كان مستوفياً لحقه، ولم يكن له خيار في العدول عنه إلى المال قبل القتل. ولو قطع يدَه، ويدُ القاطع شلاء: كان له أن يعدل عن القصاص إلى المال، لأجل نقصان یده عن یده. وأيضاً: فلما كانت اليد قد يجب فيها مال من غير شبهة، أشبهت الجناية على الأموال من هذا الوجه. والدليل على أنه قد يجب فيها المال من غير شبهة: أنَّ يد القاطع إذا كانت شلاء: كان للمقطوع يده أَخْذُ الدية، ولا يجب مثله في النفس إذا كان القاتل ناقصاً عن المقتول. ويدل على الفرق بينهما: ما قدَّمناه من أنه لا يجوز أَخْذ اليدين باليد الواحدة، ويجوز أَخْذ النفسين بالنفس الواحدة. ومن أجل ذلك قال أصحابنا فيمن قَتَلَ رجلين عمداً، ثم حضر ولي أحدهما، فاستوفى القصاص لنفسه: أنه لا شيء للآخر. ولو قطع يديهما، فحضر أحدهما، واستوفى اليدَ بالقصاص: كان للآخر دية اليد؛ لأنه قد ثبت بما قدمناه أنَّ استحقاق بعض اليد يوجب (١) وفي (ق.ج): القاطع كأنه ممسك.