النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ باب الحضانة باب الحضانة مسألة : [الأم أحق بالحضانة] قال أبو جعفر (١): (وإذا بانت المرأة من زوجها، ولها منه ولد صغير: فإن الأم أحق بحضانته)(٢). قال أبو بكر: والأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿ وَاُلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، ثم قال: ﴿وَعَلْمَلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِلْعْرُوفِ﴾(٣)، فأوجب على الزوج لهن النفقة، وجعلهن أولى بإمساكهم منه. وقال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَثَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾(٤). وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأم: ((أنتِ أحقُّ به ما لم تزوجي)) (٥)، يعني: بالولد الصغير. ومن جهة النظر: أنَّ أحداً لا يستحق الولاية على الصغير فيما يضرُّ بالصغير، ألا ترى أنَّ الأب لا تجوز هبته لمال الصغير، ولا بيع ماله بأقل (١) مختصر الطحاوي ص٢٢٦. (٢) البناية شرح الهداية ٨٣٦/٤. (٣) البقرة: ٢٣٣. (٤) الطلاق: ٦. (ج) سنن أبي داود ٢٠٧/٢، نصب الراية ٢٦٥/٣. ٣٢٢ باب الحضانة من القيمة بما لا يَتغابن الناس فيه. وإذا كان كذلك، فالأحوط للصغير، والأنفع له أن يكون عند الأم؛ لأنها أحنى عليه، وأرفق به، وأحرى بأن تُشفق عليه، وفي التفريق بينه وبین الأم ضرر علیه. وإذا كان كذلك لم يكن للأب ولاية في إمساكه وحضانته مع الأم، وكانت الأم أَوْلى به لحقِّ الصغير. مسألة: [ترتيب الأحق بالحضانة] قال أبو جعفر: (ثم الجدة التي من قِبَل الأم، ثم الجدة من قِبَل الأب، ثم الأخت من الأب والأم، ثم الأخت من قِبَل الأم، ثم الخالة، ثم الأخت من الأب، ثم العمة)(١). قال أبو بكر : وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنَّ الأخت من الأب أوْلى من الخالة، وهو أيضاً قول زفر (٢). ووجهه: أنها أقرب إلى الصبي من الخالة. والأصل في هذه المسائل: أنَّ الأم لما كانت أَوْلى بولاية الحضانة من الأب، وجب أن يكون مَن كان جهة الأم أقرب إلى الصبي، فهو أَوْلى بالولاية منه، فكانت الجدة من قِبَل الأم أَوْلى من الجدة من قِبَل الأب، لأن لها ولاداً من جهة الأم، فكانت أولى. (١) الهداية مع البناية ٨٣٨/٤. (٢) بدائع الصنائع ٢٢٥٥/٥، وهذا النص عن أبي يوسف عن أبي حنيفة سيكرر في المخطوطة بعد صفحة، فلا أدري هل هو من تكرار المصنف أو من النسّاخ؟ ٣٢٣ باب الحضانة ثم الجدة من قِبَل الأب أَوْلى من الأخت؛ لأن لها ولاداً، وهذه الولاية مستحقة بالولاد في الأصل، فمَن لها ولادٌ فهي أحق بالحضانة ممن لا ولاد له. وأيضاً: فإن الجدة(١) بمنزلة الأم، كما أنَّ الجد بمنزلة الأب في الولاية على الصغير. ولا حقَّ للأخ والأخت في الولاية مع الجد، ولأن الجدة أحنى على الصبي، وأشفق عليه من الأخت فيما جرت به العادة. ثم بعد الجدتين: الأخت من الأب والأم؛ لأنها أقرب إلى الصغيرة، ولها قرابة من وجهين: من أب وأم جميعاً. ثم الأخت من قِبَل الأم؛ لأن هذه الولاية مستحقة من جهة الأم، فمَن كانت قرابتها من جهة الأم، فهي أولى. ثم الخالة أَوْلى من الأخت من الأب؛ لأن قرابتها من جهة الأم وإن كانت أبعد من الأب، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الخالة والدة))(٢). وجعلها أحقَّ بالولد في قضية ابنة حمزة رضي الله عنه ، لما اختصم علي، وجعفر، وزيد بن حارثة في بنت حمزة بن عبد المطلب، فقال علي: هي ابنة عمي، وقال جعفر: هي بنت عمي، وخالتها عندي، وقال زيد: هي ابنة أخي، آخيت بيني وبين حمزة، فقال النبي صلى الله عليه (١) المبسوط ٢١٠/٥. (٢) ينظر التلخيص الحبير ١٢/٤، وسيأتي بعد قليل بلفظ آخر في صحيح البخاري. ٣٢٤ باب الحضانة وسلم: ((ادفعوها إلى خالتها، فإن الخالة بمنزلة الأم))(١). * وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنَّ الأخت من الأب أولى من الخالة، وهو أيضاً قول زفر. ثم الأخت من الأب أوْلى من العمة؛ لأن قربهما جميعاً من قِبَل الأب، والأخت أقرب. مسألة : [مدة حضانة الأم والجدة بالنسبة للصبي والجارية] قال: (والأم والجدَّتان أحق بالغلام حتى يستغنيَ ويأكل وحده، ويشرب وحده، ويَلبَس وحده، وبالجارية حتى تحيض)(٢). قال أبو بكر : الأصل في ذلك أنَّ الولاية المستحقة بالولاد على الصغير لا تزول إلا بالبلوغ، إلا فيما كان فيه ضرر على الصغير، فلا تُستحق حينئذ إلا(٣) بعد الولاية عليه. فأما الأم والجدتان فقد استحققن هذه الولاية بالولاد، فوجب أن لا تزول إلا بالبلوغ، كالأب والجد لما استحقا الولاية على الصغير بالولاد، لم تزل ولايتهما إلا بالبلوغ، فكذلك قلنا إن حق الحضانة ثابت للأم والجدتين في الجارية إلى أن تحيض (٤). (١) صحيح البخاري ٨٥/٥، سنن الترمذي ٣١٣/٤، سنن أبي داود ٧٠٩/٢ - ح٢٢٧٨. (٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٧١/٤. (٣) ((إلا)): ساقطة من الأصل. (٤) بدائع الصنائع ٥/ ٢٢٥٧. ٣٢٥ باب الحضانة وأما الغلام فإن في بقائه عندهن ضرراً عليه إذا عقل؛ لأنه يتخلق بأخلاق النساء، وينشأ على آدابهن، فلم يكن لهن عليه ولاية إذا بلغ (١) أن يأكل وحده ويشرب وحده، لأنه قد بلغ حال قبول التأديب، فكان الأب أَوْلى به لتأديبه وتعليمه، وقد بيَّنَّا أنه لا ولاية لأحد على الصغير فيما فيه ضرر عليه، فلذلك زالت ولا يتهن. فإن قال قائل: هلا خيَّرت الغلام؟ لما روى زياد بن سعد عن هلال بن أسامة عن سليم أبي ميمونة عن أبي هريرة أنَّ رجلاً طلق امرأته، واختصما في ابنها منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا غلام هذه أمك، وهذا أبوك، فاختَرْ أيَّهما شئت، فأخذ الغلام بيد أمه))(٢). قيل له: يجوز أن یکون الغلام قد کان بلغ، ويدل عليه ما ذُكر في هذا الحديث أنها قالت: يا رسول الله! إنه يريد أن ينزع ابني مني، وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة (٣). وقد روي أنَّ علياً خيَّر غلاماً قد بلغ، وقال لأخ له صغير: لو قد بلغ هذا أيضاً خيَّرناه(٤). وروي أنَّ عمر بن الخطاب خاصم أمَّ عاصم في عاصم إلى أبي بكر، فقال أبو بكر: هو لها ما لم تتزوج، أو يكبر فيختار لنفسه، وقال: هي (١) أي إذا صار بحيث يأكل وحده، ويشرب وحده. (٢) سنن أبي داود ٧٠٨/٢ - ح٢٢٧٧ بمعناه، سنن الترمذي: ٦٣٨/٣، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٣) المراجع السابقة. (٤) السنن الكبرى ٤/٨، التلخيص الحبير ١٣/٤. ٣٢٦ باب الحضانة أعطف عليه وأحنى وأرحم(١). مسألة : [مدة حضانة الأخوات والخالات] قال: (وأما الأخوات والخالات والعمات فهن أحق بالغلام والجارية حتى يستغنيا، فيأكلا وحدَهما ويَلَبَسا وحدهما)(٢). لأن كل واحدة من هؤلاء لم تستحق الولاية من جهة الولاد، وإنما ثبت(٣) لها ذلك ما دام الصغير يحتاج إلى الحضانة، فإذا استغنى عنها، فلا ولاية لها. مسألة : [حضانة المجوسية والنصرانية واليهودية] قال: (والمجوسية، واليهودية، والنصرانية في ذلك بمنزلة المسلمة)(٤). وذلك لأن هذا لا يخلو من أن يكون من حق المرأة، أو من حق الصغير، وأيهما كان، لم يختلف فيه حكم المسلم، والذمي. مسألة : [حق أم الولد في الحضانة] قال: (وأم الولد إذا مات عنها سيدها بمنزلة الحرة المسلمة). (١) السنن الكبرى ٥/٨، تلخيص الحبير ١١/٤. (٢) بدائع الصنائع ٢٢٥٨/٥. (٣) في (ق.ج) جاءت هذه العبارة على النحو التالي: (وذلك لأنهن لم يستحققن هذه الولاية بالولاد، فإنما لهن الولاية في ذلك مادام الصغير محتاجاً إلى حضانة، فإذا استغنى عنهما، فلا ولاية لهن). (٤) المصدر السابق. ٣٢٧ باب الحضانة وذلك لأنها قد ملكت أمر نفسها بالحرية، فلم تختلف وسائر الحرائر في حق الحضانة (١). مسألة : [حق الحضانة بعد التزوج] قال: (ومَن تزوجت من هؤلاء: فلا حق لها في الحضانة، وكانت بمنزلة الميِّنَة)(٢). وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم الصغير حين خاصمت زوجها: ((أنتِ أحق به ما لم تزوَّجي))(٣). رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن جهة النظر: إن في كونه عند الأم ضرراً عليه إذا كان لها زوج؛ لأنه يكون في جَفاء، وقلة نظر، ولا ولاية لها عليه فيما يضرُّ به. مسألة : [الأب أحق بالأولاد بعد مدة الحضانة] قال: (وإذا استغنى الغلام أو الجارية، وخرجا من الحضانة: فالأب أحق بهما بغير تخييرٍ للغلام والجارية). وذلك لأنه لا قول لهما في حال الصغر، واختيارهما كلا اختيار، ألا ترى أنهما لا قول لهما في سائر الأحكام(٤)، فكذلك في اختيار أحد الأبوين. (١) المصدر السابق. (٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٧٠/٤. (٣) سبق تخريجه. (٤) في الأصل: ((الأشياء))، والمثبت من (ق.ج). ٣٢٨ باب الحضانة وأما ما رواه زياد بن سعد عن هلال بن أسامة عن سليم أبي ميمونة عن أبي هريرة أنَّ امرأة قالت: يا رسول الله! زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نفعني، وسقاني من بئر أبي عنبة، فخيَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم الغلام، فاختار أمه(١). فإن معناه عندنا: أنَّ الغلام كان بالغاً، ودلَّ عليه أنها قالت: قد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة. وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال: ((هو لها ما لم تتزوج، أو يكبر فيختار لنفسه، وقال: هي أعطف عليه، وأحنى وأرحم. مسألة : [زواج الأم من ذي رحم محرم من الصبي] قال أبو جعفر : (ولا يُحرم أحد ممن ذكرنا الحضانةَ بزوجٍ ذي رَحِم مَحْرم من الصبي والصبية في شيء مما ذكرناه)(٢). قال أبو بكر : هذا لا نعرفه من مذهب القوم، بل المشهور من قولهم، وما دوَّنوه في كتبهم: أنَّ كل واحدة من هؤلاء، إذا كان لها زوج، فلا حقَّ لها في الحضانة إلا الجدة (٣)، فإن لها حق الحضانة إذا كان زوجها جدَّ الصبي، ولم يذكروا معه سائر ذوي الرحم المحرم إذا كان زوجَ مَن لها الحضانة. وعسى أن يكون أبو جعفر قاس سائر ذوي الرحم المحرم على جدِّ (١) سنن أبي داود ٧٠٨/٢ - ح٢٢٧٧، السنن الكبرى ٥٣/٨. (٢) بدائع الصنائع ٢٢٥٦/٥. (٣) في الأصل: ((المرأة))، والمثبت من (ق.ج). ٣٢٩ باب الحضانة الصبي إذا كان زوجَ الجدة. مسألة: [انتقال الولد إلى بلد آخر في الحضانة] قال أبو جعفر: (وإن أرادت المطلّقةُ الحرة أن تنتقل بولدها إلى بلد غير البلد الذي طُلَقت فيه، فتحضنَ الولدَ هناك، فإن كان عَقْدُ نكاحها هناك: كان لها ذلك، وإن وقع النكاح في بلد آخر: فليس لها ذلك، وإنما ننظر في هذا إلى عُقّدة النكاح أين وقعت، لا إلى ما سوى ذلك)(١). قال أبو بكر : هذا الإطلاق في اعتبار عُقْدة النكاح غير صحيح، وقد أطلق محمد في الجامع الصغير(٢) لفظاً يشبه هذا، وربما أشكل على مَن حَمَله على ظاهره. والصحيح من قولهم: ما ذكره محمد في كتاب الطلاق، وهو: أنه ليس لها أن تُخرجهم من البلد الذي طلَّقها فيه، إلا إلى بلدها إذا كانت عقدة النكاح فيه، وليس لها أن تخرجهم إلى بلد غير بلدها وإن وقعت فيه عقدة النكاح، ولا إلى بلدها إذا لم تقع فيه عقدة النكاح(٣). والأصل في ذلك: أنَّ في الاغتراب بالأولاد ضرراً عليهم، فليس لها أن تفعل ذلك، إلا أن يكون عقد النكاح وقع في بلدها، فلها أن تخرج بهم إليه، وذلك لأن وطنها في ذلك الموضع إنما استحق عليها بعقد النكاح، فمتى ارتفع العقد عاد حكم وطنها الذي كانت فيه على ما كان عليه؛ لأن الزوج إنما استحق إخراجها عن وطنها بالعقد، فإذا ارتفع (١) بدائع الصنائع ٢٢٦١/٥. (٢) الجامع الصغير ص ٣٣٧. (٣) شرح فتح القدير ٣٧٥/٤. ٣٣٠ باب الحضانة العقد، فلها أن ترجع إلى بلدها بالأولاد، لزوال المعنى الذي من أجله استحق عليها الكون هناك. كما أنها لو أخرجت الأولاد بعد الطلاق من بلدها، كان لها أن تردهم إلى بلدها، لأن فيه(١) رداً للأولاد إلى وطنها، وليس فيه اغتراب بالأولاد. * وأما إذا لم يكن عقد النكاح في بلدها: فليس لها أن تخرجهم إلى بلدها، ولا إلى غيره؛ لأنها لم تستحق عليه الكون في(٢) بلدها بعقد النكاح، إذ قد كانت في غير بلدها قبل العقد، فصار بلدها وغير بلدها سواء في حق الأولاد، ومَنْعِها إخراجهم إلى شيء من البلدان. مسألة : [انتقال الأم بالولد إلى قرية أخرى] قال أبو جعفر: (وإن كان تزوجها في قرية، فأرادت أن تنقلهم إلى قرية أخرى، فإن أمكن أباهم أن يُلمَّ بهم، ويرجع من يومه إلى قريته: فلها ذلك، وإن كان على خلاف ذلك: فليس لها ذلك)(٣). وذلك لأن القريتين إذا كان بينهما ما لا يمنع الأب عن رؤية الصبي في كل يوم، صارتا بمنزلة محلتين في بلد واحد، أو جانبين في مصر واحد، فلها أن تمسكهم في أي موضع منها شاءت. وأما إذا لم يكن بينهما ما وصفنا، وهو بمنزلة السفر والاغتراب بالأولاد: فليس لها ذلك. (١) في (ق.ج): ((في ذلك)). (٢) في (ق.ج): ((غير بلدها)). (٣) بدائع الصنائع ٢٢٦٢/٥. ٣٣١ باب الحضانة * قال: (وكذلك إن أرادت أن تنقلهم من قرية إلى مصر)(١). قال أبو بكر: وهذا مبنيٌّ على أنَّ المصر ليس بمصرها، ولم يقع النكاح فيه، لأنه إذا كان مصرها، وكان عقد النكاح فيه: فلها أن ترجع إلیه. [مسألة : ] قال: (وإن أرادت أن تنقلهم من مصر إلى قريةٍ: لم يكن لها ذلك على الوجوه كلها). قال أبو بكر: والمسألة على أن عقد النكاح لم يكن في القرية، فإن كان عقد النكاح في القرية، وهي من أهلها: فلها أن تردهم إليها، على ما بيَّا في إخراجها إياهم إلى مصر آخر. وإنما لم يكن لها أن تُخرجهم من المصر إلى القرية وإن أمكن لأبيهم رؤيتهم في كل يوم: من قِبَل أنَّ في مُقام الأولاد هناك ضرراً عليهم، لأنهم ينشؤون على أخلاق أهل السواد، ويَبْعُدون من مواضع العلوم والآداب. (١) بدائع الصنائع ٢٢٦٣/٥. ٣٣٢ باب نفقة المماليك والبهائم باب نفقة المماليك والبهائم مسألة : [نفقة المملوك] قال أبو جعفر(١): (وعلى مالك المملوك نفقتُه وكسوتُه بالمعروف)(٢). وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المماليك: ((إنهم إخوانكم، جَعَلَهم الله تحت أيديكم، فأطعِموهم مما تأكلون، واکسوهم مما تَكْسُون))(٣). وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا يدخل الجنة سيِّءُ المَلَكَة))(٤). ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم(٥). * قال أبو جعفر : (فإن أبىُ: أُوجِرُوا، وأُنفق عليهم من أجرهم). وذلك لأنه يمكننا التوصل إلى الإنفاق عليه من مال مولاه ببذل منافعه. (١) مختصر الطحاوي ص٢٢٧. (٢) البناية شرح الهداية ٤ /٩٢٢، حاشية ابن عابدين ٦٣٦/٣. (٣) صحيح البخاري ٨٥/٧، صحيح مسلم ١٢٨٢/٢، نصب الراية ٢٧٦/٣. (٤) سنن الترمذي ٣٣٤/٤ - ح١٩٤٦ وقال: هذا حديث غريب، شرح السنة ٣٤٩/٩. (٥) المغني والشرح الكبير ٣١٤/٩. ٣٣٣ باب نفقة المماليك والبهائم * قال: (فإن كانت جارية لا يؤاجر مثلها، أو غلاماً زَمِناً: أُجبر على الإنفاق عليه، أو بيعه إن رأى ذلك القاضي)(١). وذلك لأن هذا حقٌّ له على المولى، يلزمه الخروج إليه منه، فيُجبر عليه كما يُجبر على أداء سائر حقوق الآدميين. * وأما البيع: فإنه ينبغي أن يكون في قول أبي يوسف ومحمد؛ لأنهما يريان البيع على الحر البالغ لأجل حق الغير. وأما أبو حنيفة، فإنه لا يرى جواز البيع على الحر، ولكن يُحبس حتى يبيع إذا استُحق عليه البيع (٢). فإن قيل: ما الفرق بين هذا، وبين العاجز عن نفقة امرأته؟ هلا فرَّقت بينهما، كما أجبرته على بيع العبد إذا عجز عن نفقته. قيل له: لأنه ليس في ترك التفريق بينهما فوات حقها إذا كانت ذمته صحيحةٌ تَثبت النفقة فيها على مرور الأوقات، وفي تَرْك بيع العبد فوات حقه؛ لأنه لا يثبت له حق النفقة في ذمة المولىُ، ولا يصير دَيْناً عليه. مسألة : [الإنفاق على البهائم] قال أبو جعفر: (وأما البهائم: فإنه يؤمر مالكوها بالإنفاق عليها فيما بينهم وبين الله تعالى، ولا يُجْبرون عليها فيما رواه محمد عن أصحابه)(٣). وإنما لم يُجْبَر على ذلك؛ لأن البهائم لا تثبت لها حقوق الأداء، ولا (١) الهداية مع شرح فتح القدير ٤ /٤٢٧. (٢) حاشية ابن عابدين ٦٣٧/٣. (٣) شرح فتح القدير ٤٢٨/٤، حاشية ابن عابدين ٦٣٨/٣. ٣٣٤ باب نفقة المماليك والبهائم يصح ذلك لها ، والإجبار على النفقة إنما وجب لأنه حقٌّ يثبت للمملوك على المولى، کسائر حقوق الناس، ولکنه یُفتى فيما بينه وبين الله تعالى، لأن فيه تعذيبَ الحيوان، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ((نهى عن تعذيب البهائم، وأن يُتَّخذ شيء من الروح غَرَضاً))(١). وأيضاً: فيه إتلاف ماله، وقد ((نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال))(٢). وكما ((نهى عن تَرْك سَقْي زرعه ونخله حتى يتلف))(٣). ولا يجبر عليه في القضاء. * قال أبو جعفر: (وقد روى أصحابُ الإملاء عن أبي يوسف، ولم يحك فيه خلافاً: أنه يُجبر أرباب البهائم على النفقة عليها، أو على بيعها). ويُشبه أن يكون ذَهَبَ فيه إلى ما رُوي من الآثار في النهي عن تعذيب الحيوان. (١) صحيح مسلم ح ١٩٥٧، ١٥٤٩/٣. (٢) صحيح مسلم ١٣٤٠/٢ - ح١٧١٥، وينظر نصب الراية ٢٧٦/٣. (٣) لم أقف علیه. ٣٣٥ باب الزوجين يختلفان في متاع البيت باب الزوجين يختلفان في متاع البيت مسألة : [اختلاف الزوجين في متاع البيت] قال أبو جعفر(١): (وإذا اختلف الزوجان في متاع البيت، فإن أبا حنيفة رحمه الله قال: ما كان من متاع الرجال: فهو للرجل، وما كان من متاع النساء: فهو للمرأة، وما كان للرجال والنساء: فهو للرجل)(٢). قال أبو بكر : الأصل في ذلك: أنَّ للرجل يداً في المنزل، وكذلك المرأة، والدليل على أنَّ للمرأة يداً في المنزل: أنَّ المرأة وأجنبياً لو تنازعا متاعاً في منزل الزوج، والزوج لا يدعيه: أنا نجعل اليد للمرأة منه، دون الأجنبي، فدل ذلك على أنَّ للمرأة يداً في المنزل كما للزوج، إلا أنَّ يدَ كلُّ واحدٍ منهما في المنزل من طريق الحكم، لا من طريق المشاهدة والحقيقة. وإذا كان كذلك: اعتبرنا أظهر اليدين تصرفاً، وآكدهما حالاً، فقلنا: ما كان للرجال: فهو للرجل؛ لأن الظاهر أنه هو المتصرف فيه دون المرأة، وما كان للنساء: فهو للمرأة؛ لأن الظاهر أنَّها هي المتصرفة فيه. ألا ترى أنَّ هذا الصنف من هيئة المتاع من نحو تقطيع الثوب، (١) مختصر الطحاوي ص.٢٢٨ (٢) المبسوط ٢١٣/٥. ٣٣٦ باب الزوجين يختلفان في متاع البيت ونَسْجه، إنما يُفعل لأجل المرأة، فإذا لم نعلم مَن قاطع الثوب على هذه الصفة: حكمنا بأن المرأة هي التي قطعَتْه على هذا الوجه، إذ ليس هناك متصرف فيه على هذا الوجه، ولا مَن يقطع له ذلك على هذه الصفة(١) غيرها، فكانت هي أظهر يداً فيه، وأكثر تصرفاً. وليس هذا كالبزَّاز، والإسكاف إذا اختلفا في قالب خُفٍّ هو في أيديهما، فلا يكون الإسكاف أَوْلى به من البزَّاز وإن كان الظاهر أنَّ الغالب مما يتصرف فيه الإسكاف دون الآخر، وذلك لأن يدَ كلّ واحد منهما في هذه الحال من طريق المشاهدة إذا كانا متعلقين به، فهو في أيديهما نصفان، والنصف الذي في يد كل واحد منهما ليس في يد صاحبه منه شيء، فلا يستحقه. كما أنَّ القالب لو كان كله في يد البزاز، وادعاه إسكاف ليس في يده منه شيء: لم يُحْكَم به له، وكان صاحب اليد أَوْلى، فكذلك إذا كان في أيديهما، فإن يد كل واحد منهما ثابتة في نصف القالب، دون النصف الآخر الذي في يد صاحبه. وأما المرأة والزوج، فإن لكل واحد منهما يداً في جميع ما في المنزل، فوجب اعتبار آكد اليدَيْن، وأظهرهما تصرفاً. ونظير الزوج والمرأة: ما قال أصحابنا في المستأجر والمؤاجر إذا اختلفا في بابٍ موضوعٍ في الدار، أو جذوعٍ موضوعة في غير البناء، فادعاه كل واحد منهما: أنَّا ننظر: فإن كان هذا الباب المقلوع مصراعاً لباب آخر في البناء، ووَفْقاً له: فالقول قول رب الدار، وإن لم يكن (١) في (ق.ج): ((الهيئة)). ٣٣٧ باب الزوجين يختلفان في متاع البيت كذلك: فهو للمستأجر. وكذلك الجذع إن كان في السقف أجذاع منقوشة، أو مصورة مثل صورتها ونقشها، وإذا جُمع بينهما كان بعضُها وَفْقاً لبعض: فرُّ الدار أَوْلى بها (١)، ولا يُصدَّق المستأجر أنه له، وإن كان على غير ذلك: فالقول قول المستأجر. وكذلك لو أنَّ خياطاً في دار رجل يخيط قميصاً، واختلفا فيه: فإن صاحب الدار أَوْلى بالقميص، ولو اختلفا في المقراض والإبرة: كان الخياط أولى بهما. وكذلك قِرْبة السِّقاء، وما جرى مجرى ذلك. * وإنما جُعل ما كان للرجال والنساء للرجل خاصة: من قِبَل أنهما لمَّا تساويا في ظهور يدهما في الشيء المدَّعى، ثم كان المنزل للرجل: وَجَبَ أن یکون أولی به؛ لأنه آكدهما یداً. ألا ترى أنَّ رجلاً لو كان راكباً لدابة، وآخر متعلق بلجامها، فتنازعاها: أنَّ الراكب أَوْلىُ باليد وإن كان المتعلّق باللجام يوجب له اليد لو انفرد، إلا أنه لما كان الراكب أظهر تصرُّفاً، وآكد يداً: كان أَوْلى(٢). وكذلك لو أنَّ رجلاً كان لابس ثوب، وآخر متعلق به: كان اللابس أولاهما بالید. (١) في (ق.ج): ((باليد فيها)). (٢) المبسوط ٢١٥/٥. ٣٣٨ باب الزوجين يختلفان في متاع البيت مسألة : قال: (وإن كان أحدهما ميتاً: فالجواب كذلك، إلا أنَّ ما كان منه للرجال والنساء: فهي للحيِّ منهما في قول أبي حنيفة). وذلك لأن يد الميت زائلة، ويدَ الآخر باقية، فإذا لم يكن هناك تصرف ظاهر يوجب كون الميت أَوْلى: كان الحي أَوْلىُ، لبقاء يده. (وقال محمد: الموت والحياة سواء، لا يكون الحيُّ أَوْلَىْ))(١). لعلمنا أنَّ جميع ذلك قد كان في أيديهما، فاستحقّه قبل الموت على ما وصفنا، فلا يتغير حكمه بالموت. (وقال أبو يوسف: الحياة والموت سواء، وتُعطى المرأة مقدار ما یجهز به مثلها، والباقي للزوج). وذلك لأن المنزل للزوج، والمرأة في يده أيضاً، ألا ترى أنَّ رجلين لو ادعيا نكاح امرأة، وأقاما بينةً: أنَّ المرأة للذي المرأة في يده أَوْلى بالنكاح(٢). إلا أنَّ الظاهر مع ذلك أنَّ المرأة تنتقل إلى بيت الزوج بجهاز مثلها، فالظاهر أنها قد استحقت ذلك، وأنها أَوْلى به من الزوج، كما يكون الخياط أولى بالمقراض والإبرة من صاحب الدار وإن كان في بیته. (١) المبسوط ٢١٣/٥. (٢) المبسوط ٢١٤/٥. ٣٣٩ باب الزوجين يختلفان في متاع البيت مسألة : [اختلاف الذمية مع زوجها المسلم في متاع البيت] قال: (والذميان في ذلك، والذمية تحت المسلم: كالزوجين المسلمين في جميع ما وصفنا). وذلك أنَّ اختلاف الدينَيْن لا يوجب اختلافاً في الحقوق والأيدي، فلذلك كان المسلم والكافر فيه سواء، ألا ترى أنّ المسلم والكافر لا يختلفان في سائر الحقوق التي هي حقوق الآدميين. مسألة : [حكم متاع البيت حال اختلاف الزوجين وأحدهما عبد] قال: (وإن كان أحد الزوجين عبداً، فإن أبا حنيفة قال: المتاع للحُرِّ منهما في حیاته، ولورثته بعد وفاته)(١). وذلك(٢) لأن العبد لا يدَ له؛ لأنه لا يملك، ولا تثبت له خصومة ولا حق إذا كان محجوراً عليه. قال: (وقال أبو يوسف ومحمد: العبد المأذون له في التجارة، والمكاتب بمنزلة الحرِّ في ذلك)(٣). وليس ذلك بخلافٍ منهما لأبي حنيفة، وهذا ينبغي أن يكون قولهم جميعاً، لأن المأذون والمكاتَب لهما أيدٍ صحيحة، ولهما حق الخصومة (١) المصدر السابق ٤١٥/٥. (٢) في الأصل: ((وذلك لأن العبد لا يملك، والحر يملك، فللحرية هذه المزية على العبد فكان أولى))، والمثبت من (ق.ج). (٣) المبسوط ٢١٥/٥. ٣٤٠ باب الزوجين يختلفان في متاع البيت والإمساك، فكانا بمنزلة الحُرِّ في ذلك. وما تقدم من أنَّ الحُرَّ أَوْلى من العبد: إنما هو في العبد المحجور عليه، لأنه لا يدَ له في حال الحَجْر.