النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
باب النفقة على الأقارب والزوجات والمطلقات
زَمِنَيْن)(١).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾(٢)، وليس من
المعروف ترکهما جائعين مع القدرة على سد جوعتهما.
وأيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنتَ ومالك لأبيك))(٣)،
وعمومه يقتضي جوازَ أَخْذ مال الابن في حال اليسار والإعسار، إلا
أنَّ الفقهاء متفقون على أنَّه لا يجوز له أَخْذُه بغير رضاه في حال
اليسار، فخصصناه ، وبقي حكم العموم في حال الإعسار في مقدار
الحاجة.
مسألة : [لزوم نفقة الأولاد الصغار على الأب]
قال : (ويُجْبَر على نفقة أولاده الصغار إذا كانوا فقراء)(٤).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿ وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾، ثم
قال: ﴿وَعَلى ◌َلمؤَّلُودٍ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾(٥)، فأوجب على الأب نفقة
الرضاع.
(١) الهداية مع شرح فتح القدير ٤١٥/٤.
(٢) لقمان: ١٥.
(٣) سنن أبي داود ٨٠٠/٤ - ح ٣٥٣٠، سنن ابن ماجه ٣٤/٢، وفي الزوائد:
صحيح الإسناد.
(٤) شرح فتح القدير ٤ /٤١٠.
(٥) البقرة: ٢٣٣.

٣٠٢
باب النفقة على الأقارب والزوجات والمطلقات
وقال في الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾(١)، فخصَّ
الأب بإيجاب النفقة علیه دون أحدٍ سواه.
مسألة: [نفقة الأب على البنات المحتاجات، والذكور الكبار الزَّمنىُ]
قال أبو جعفر: (وإن كانوا كباراً محتاجين: أُجبر على نفقة الإناث
منهم، ولم يُجبر على نفقة الذكور، إلا أن يكون منهم زمانةً أو عمى أو
نحوه، فيُجبر على نفقته)(٢).
وذلك لأنه لما ثبت وجوب نفقة الصغار عليه لعجزهم عن الكسب
والتصرف، وكان الكبار الزَّمْنى، والإناثُ بهذه المنزلة لعجزهم عن
الكسب، صاروا في معنى الصغار.
ألا ترى أنَّ الصغار لو كان لهم مال: لم يُجبَر الأب على نفقتهم،
لاستغنائهم عنه، فدلَّ على أنَّ نفقة الصغير ليست مستحقة لأجل الصغر،
وإنما هي للحاجة، والعجز عن التصرف ، وإذا كانوا فقراء لزمَتْه نفقتهم
لحاجتهم إليه مع العجز عن الكسب، فالكبار الزَّمْنى والإناث بهذه المنزلة.
مسألة: [ النفقة على كل ذي رَحِم مَحْرَم]
(ویجبر الرجل على نفقة کل ذي رحِمٍ مَحْرَم إذا کانوا ممن يرثهم،
فيراعي في صغارهم الفقر، وفي كبارهم الفقر والزمانة، وفي إناث الكبار
الفقر دون الزمانة)(٣).
(١) الطلاق: ٦.
(٢) شرح فتح القدير ٤ /٤١٠.
(٣) المبسوط ٢٢٣/٥.

٣٠٣
باب النفقة على الأقارب والزوجات والمطلقات
قال أبو بكر: الأصل في ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَعَلَ اْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ
وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ، لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَاً لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ.
بِوَلَدِهِ، وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾(١).
فاقتضى عمومُه إيجاب نفقة الولد على كل وارث؛ لأن الوارث في
هذا الموضع اسم للجنس، لدخول الألف واللام عليه.
فإن قال قائل: المعنى في قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾: يعني به في
أن لا يضارَّهما؛ لأنه تعالى قال: ﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ.
بِوَلَدِهِ، ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، يعني في النهي عن
المضارَّة.
قيل له: هو على الأمرين جميعاً، ولا يَخرج شيء منه إلا بدليل؛ لأن
لفظ العموم يقتضيه.
وعلىُ أنَّ معنى الكلام لا يستقيم لو كان المراد المضارَّة فحسب؛ لأنه
لا مدخل للوارث مع الأبوين في المضارة، والوارث والأجنبي في ذلك
سواء.
وأَوْجَبَ أن يكون لذِكْره الوارثَ واختصاصه به فائدة ليست في غيره،
وقد ذكر الله تعالى الأبوين جميعاً في الآية، وبيَّن حكم كل واحد منهما في
أنه لا یضارًّا بالولد.
والمعنى فيه: أنه ليس للأب أَخْذه من الأم وتسليمه إلى غيرها، ولا
(١) البقرة: ٢٣٣.

٣٠٤
باب النفقة على الأقارب والزوجات والمطلقات
للأم أن تغيِّه عنه وتمنعه من رؤيته، والوقوف على أمره، والإشراف عليه،
فحال المضارَّة إنما هي مع بقاء الأبوين، فلا معنى لذكر الوارث فيها إلا
إيجاب النفقة عليه في حال فَقْد الأب.
وأيضاً: فإن كان المراد في حال موت الأب، فلم يخص الوارث
بالنهي عن المضارة إلا وهو ممن تلزمه النفقة، فنهى عن المضارة فيها،
ولولا ذلك لكان هو والأجنبي سواء.
فإن قال قائل: فأوجبْها عن ابن العم إذا كان وارثاً.
قيل له: خصصناه بدلالة، وإلا فالعموم يقتضيه.
فإن قيل: فلا توجبها على الخال مع ابن العم؛ لأن ابن العم هو
الوارث، والخال غير وارث.
قيل له: الخال من أهل الميراث، وإنْ كان هناك وارث أَوْلَىُ منه، فلم
يخرج هو من أن يكون من أهل الميراث.
والمعنى الموجب للاقتصار بالنفقة على ذي الرحم المحرم إذا كان
من أهلِ الميراث ، دون مَن كان بخلاف هذه الصفة: اتفاقُ فقهاء الأمصار
على أنّ مولى النعمة ليس عليه نفقة مولاه وإن كان وارثاً، فكذلك الزوجة
ليس عليها نفقة الزوج الصغير وإن كانت وارثته(١)، فعلمنا أنَّ كونه ذا رَحِم
مَحْرم شرط مع كونه من أهل الميراث في استحقاق النفقة.
ومن جهة النظر: أنَّ الأب إذا كان عبداً، لم تجب عليه النفقة،
وكذلك الكافر ليس عليه نفقة أخيه المسلم، وأن الوالد المسلم تجب عليه
(١) أحكام القرآن ٤٠٩/١، وفي (ق): وإن كان وارثه.

٣٠٥
باب النفقة على الأقارب والزوجات والمطلقات
نفقة ولده(١)، فعلمنا أنَّ وجوب النفقة متعلق بكونه ذا رحم مَحْرم من أهل
الميراث بما دللنا عليه من سقوطها عن مولى النعمة والمرأة.
مسألة : [نفقة الأقارب مع اختلاف الأديان]
قال أبو جعفر: (وإن اختلفت الأديان لم يجبر أحد منهم على نفقة
أحد سواه، إلا الزوج المسلم على امرأته الكتابية، والأب الكافر على
أولاده الصغار الذين صاروا مسلمين بإسلام أمهم، والرجل على أبيه الفقير
المخالف له في دينه، وأمه الفقيرة مثله في القياس) (٢).
قال أبو بكر : أما وجوب النفقة عليه لزوجته الكافرة: فهو عموم الآي
والسنن التي قدَّمناها، لأنه لم يفرَّق بين الكافرة والمسلمة.
ولأن المعنى الذي به استحقت المسلمة النفقة موجودة في الكافرة،
وهو تسليم نفسها بحق النكاح في بيت الزوج.
ولأن النفقة لما كانت مستحقة بالتسليم، كالمهر مستحق بالعقد،
وهما من موجَب النكاح، ثم لم تختلف الكافرة والمسلمة في استحقاق
المهر، وجب أن لا تختلفا في استحقاق النفقة.
وأيضاً: فإنها لما كانت حقاً في مال مستحقاً(٣) بسبب الزوجية: يجب
في حال الغنى والفقر، وصار كالمهر.
* وأما وجوبها على الكافر للولد الصغير المسلم: فلقوله تعالى:
(١) في (ق.ج): وأن الولد المسلم تجب عليه نفقة والده.
(٢) المبسوط ٢٢٦/٥.
(٣) فى الأصل: مستحق.

٣٠٦
باب النفقة على الأقارب والزوجات والمطلقات
﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾(١)، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُنْ
فَثَاتُهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٢).
ولم يفرَّق في ظاهر الخطاب بين الكافر والمسلم، فهو عليهما.
وأيضاً: فإن نفقة الرضاع، لما أشبهت النفقة المستحقة بالنكاح، من
جهة وجوبها للمرأة، وجب أن تجب(٣) على الكافر للصغير المسلم، كما
وجب على المسلم للمرأة الكتابية، وأن لا يمنع اختلاف الدينين(٤) من
وجوبها، كما لم يمنع اختلاف الدينين من وجوب نفقة النكاح.
: وأما الأب الكافر، فإنما وجبت نفقته على ابنه المسلم، لقوله
تعالى: ﴿وَإِنِ جَهَدَ الكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعُهُمَاً
وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾(٥)، فأمر بمصاحبتهما بالمعروف في حال
کفرهما، ولیس من المعروف ترکهما جائعین مع إمکان سد جوعتهما.
وأيضاً: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنما أولادكم
مِن كسبكم، فكلوا مِن كَسْب أولادكم»(٦)، والدلالة فيه على ما وصفنا من
و جھین:
(١) البقرة: ٢٣٣.
(٢) الطلاق: ٦.
(٣) في (ق.ج): ((يكون)).
(٤) في (ق.ج): ((الدارين)).
(٥) لقمان: ١٥.
(٦) أبو داود ٨٠١/٣ - ح٣٥٣٠ بمعناه.

٣٠٧
باب النفقة على الأقارب والزوجات والمطلقات
أحدهما: عموم اللفظ في الفريقين من الكفار والمسلمين، إذ ليس معه
دلالة التخصيص.
والثاني: أنَّ المعنى الذي من أجله جعله كسباً للمسلم، وهو ثبوت
نسبه منه بالأبوة، موجود في الكافر.
مسألة : [لا يشارك الأبَ أحدٌ في نفقته على ولده]
قال: (ولا يشارك الرجلَ في النفقة على ولده أحدٌ، ولا يشارك الولدَ
أيضاً في النفقة على والده أحدٌ)(١).
فأما الأب، فإنما لم يشارك في النفقة على ولده، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى
الْمُؤَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِلْعْرُوفِ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ
أُجُورَهُنَّ﴾(٣)، فأوجب عليه النفقة دونها، بل أوجب لها لأجل الولد، فدل
على أنه لا يشارَك فيها، إذ لو شورك فيها لكان بعضها عليه، وبعضها
عليها.
* وإنما لم يشارك الولدَ غيرُه في النفقة على والده، لقول النبي صلى
الله عليه وسلم: ((أنت ومالك لأبيك)) (٤)، فأضاف المال إليه.
وکما لم تجب نفقته على غيره إذا كان له مال، كذلك مال ابنه کماله،
فلا تجب نفقته على غيره.
(١) رد المختار بحاشية ابن عابدين ٦١٤/٣.
(٢) البقرة: ٢٣٣.
(٣) الطلاق: ٦.
(٤) سبق تخريجه.

٣٠٨
باب النفقة على الأقارب والزوجات والمطلقات
مسألة : [وجوب نفقة الصغار على أبيهم ولو كان فقيراً]
قال : (ولا يُجبر فقيرٌ على نفقة أحد إلا الأب على ولده الصغار،
وعلى زوجته، وأمه الفقيرة)(١).
فأما نفقته على ولده الصغار، فإنها تشبه نفقة الزوجة من الوجه الذي
ذكرنا، وهو أنَّ الله تعالى أوجب نفقة الرضاع لها عليه(٢)، كما أوجب لها
نفقة الزوجية.
فلما كان الفقير مجبراً على نفقة زوجته، وَجَبَ أن يُجبر على نفقة
ولده الصغار، ويجبر على نفقة الزوجة مع الفقر؛ لأن ذلك بمنزلة الدَّيْن،
وسائر حقوق الآدميين، التي لا تختلف فيها حال الإعسار واليسار، ألا
ترى أنه يجبر على نفقتها وإن كانت موسرة.
ولقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَانَنَهُ اللَّهُ﴾(٣)، وهذا
يدل على وجوب نفقة الزوجة والولد الصغير في حال الفقر؛ لأن هذه نفقة
الرضاع، وهي لها.
وقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾(٤): يدل أيضاً على نفقة الولد
الصغير في حال الفقر؛ لأنه لم يفرق بين الغنى والفقر.
ويدل على وجوبها للزوجة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ولهن
(١) شرح فتح القدير ٤ /٤١٠.
(٢) أحكام القرآن ٤٠٣/١.
(٣) الطلاق: ٧.
(٤) الطلاق: ٦.

٣٠٩
باب النفقة على الأقارب والزوجات والمطلقات
عليكم نفقتهن وكسوتهن بالمعروف)»(١)، ولم يفرِّق بين حال الإعسار
واليسار.
[وجوب نفقة الأم على ولدها ولو كان فقيراً]
وأما نفقة الأم، فإنها لزمته في حال الفقر، لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا
فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢)، ولم يفرِّق بين حال الفقر والغنى، فإذا أمكنه سدُّ
جَوْعتها، لزمه ذلك.
[وجوب نفقة الأب الزَّمِن على ولده ولو كان فقيراً]
وأما الابن، فإنه لا يجبر في حال الفقر على نفقة أبيه إذا كان سليماً
لا زمانة به؛ لأنه يمكنه السعي للكسب والنفقة على نفسه، كما يسعى
الابن الكبير، والأم ليست كذلك، إذ ليس لها نهوضٌ لكسب.
فإن كان الأب زَمِناً لا يقدر على الكسب: أُجبر الابن على أن يُدْخله
في نفقته وكَسْبه(٣)، كما قلنا في الأم.
مسألة : [لزوم نفقة الصبي والأب المعسِرَيْن على الأم الموسرة]
قال : (وإن كان الصبي معسراً وأبوه معسراً، وأمه موسرة: فإن الأم
تؤمر بالنفقة عليه، ويكون ذلك دَيْناً لها على الأب)(٤).
وذلك لأن الأب لما لم يُشارك في النفقة، لم تجب نفقته على غيره؛
(١) سبق تخريجه.
(٢) لقمان: ١٥.
(٣) بدائع الصنائع ٢٢٤٣/٥.
(٤) بدائع الصنائع ٢٢٣٥/٥.

٣١٠
باب النفقة على الأقارب والزوجات والمطلقات
لأن الأب تلزمه نفقة الصغير في حال الإعسار واليسار، فإذا لم يقدر
عليها، لم تسقط عنه، كما لا تسقط نفقة الزوجة بالإعسار، بل تفرض
علیه، وتستدین علیه، فتنفق على نفسها.
وإنما أُمرت هي بالنفقة(١)، لأنها موسرة، وهي التي تلزمها نفقته إذا
لم یکن أب.
[مسألة : نفقة الصبي الفقير وأمه موسرة وأبوه ميت وجدُّه موسر]
قال: (وإذا كان الصبي فقيراً، وله أم موسرة، وأبوه ميت، وجدُّه
موسر: فإن النفقة عليهما على قدر موارثتهما منه لو توفي)(٢).
قال أبو بكر: وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾(٣)،
فلما كانت النفقة مستَحَقّة بالميراث، كانت على قَدْر المواريث، ألا ترى
أنَّ مَن ليس من أهل الميراث: لا تلزمه النفقة.
* قال : (وكذلك يشاركها في نفقة الصغير العمُّ، وسائر العصبات
سواء معها، وليس أحد منهم كالأب)(٤).
لأن الله تعالى أفرد (٥) الأب بإيجاب النفقة عليه دون سائر الورَّات.
قال: (وإن كان له خال وابن عم: فالنفقة على الخال؛ لأنه من أهل
(١) أي على الصبي المعسِرِ.
(٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٤٢١/٤.
(٣) البقرة: ٢٣٣.
(٤) الهداية مع شرح فتح القدير ٤٢٢/٤.
(٥) في (ق.ج) ((أمر)).

٣١١
باب النفقة على الأقارب والزوجات والمطلقات
الميراث ذو رَحِم مَحْرَم، وابن العم وإن كان وارثاً في هذه الحال، فإنه
ليس بذي رَحِم مَحْرَم)(١).
وقد بيَّنَّا قبل ذلك أنها لا تُستحق بالميراث وحده، دون كونه ذا رَحِمٍ
محرم.
مسألة : [لزوم نفقة الرجل الزَّمِن على أخيه إن لم يكن ولد]
قال: (وإذا كان الرجل زَمِناً معسِراً، وله ابنةٌ معسرة، وله ثلاثة إخوة
متفرقين(٢): فإن نفقته على أخيه لأبيه وأمه خاصة، دون إخوته
الآخرین)(٣).
قال أبو بكر : وذلك لأنه لو مات: ورثه أخوه لأبيه وأمه مع ابنته،
دون الأخوین.
والابنة المعسرة ليس عليها نفقة الأب؛ لأنها معسرة، ولا تَقْدِر على
الكسب، وليست في هذا الوجه كالابن الفقير يُجْبَر على نفقة أبيه الزَّمِن إذا
کان ممن یکتسب.
فإن كان الابن زَمِناً لم يُجْبر عليها.
* قال: (ونفقة الابنة في مسألتنا على عمها أخي أبيها لأبيه وأمه
خاصة، دون عمَّيْها الآخرين) (٤).
(١) بدائع الصنائع ٢٢٣٧/٥.
(٢) في (ق.ج): ((متفرقون)).
(٣) المصدر السابق.
(٤) المبسوط ٢٢٧/٥، بدائع الصنائع ٢٢٣٨/٥.

٣١٢
باب النفقة على الأقارب والزوجات والمطلقات
وذلك لأن الأب لما كان معسراً، كان بمنزلة الميت، ولو كان ميتاً
كان الذي يرثها عمها لأبيها وأمها، دون الآخرَیْن.
[مسألة : ]
قال أبو جعفر: (ولو كان مكانَ الابنة ابنُ زَمِنٌ فقير (١): كانت نفقة
الأب على أخيه لأبيه وأمه، وعلى أخيه لأمه، على ستة أسهم: على أخيه
لأبيه وأمه من ذلك خمسة، وعلى أخيه لأمه واحد).
وذلك لأن الابن(٢) لما حَجَبَهم جميعاً عن الميراث، جُعِل كالميت،
ولو كان الابن ميتاً: كان ميراث الأب بين أخويه اللذَيْن ذكرنا على ستة.
[مسألة : ]
قال: (ونفقة الابن على عمه أخي أبيه لأبيه وأمه خاصة، دون عمَّيْه
الآخرين)(٣).
وذلك لأن الابن(٤) لما كان يحجبهم: كان كالميت، ولو كان ميتاً:
لاستحق میراث الابن عمه لأبیه وأمه، دون الآخرین.
مسألة : [وجوب نفقة الرجل على الابن الموسر دون الأب الموسر]
قال : (وإذا كان الرجل زَمِناً فقيراً، وله أب موسر، وابنٌ موسر:
(١) في (ق.ج): ((ابنان معاً فقراء)).
(٢) في الأصل: ((الأب))، والمثبت من (ق.ج).
(٣) بدائع الصنائع ٢٢٤٣/٥.
(٤) في الأصل: ((الأب)).

٣١٣
باب النفقة على الأقارب والزوجات والمطلقات
فنفقته على الابن، دون الأب)(١).
وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنت ومالك لأبيك))(٢).
فإذا كان مال الابن كمال الأب، صار الأب غنياً بمال الابن، فلا
تجب نفقته على أبيه.
(١) المصدر السابق ٢٢٢٤/٥.
(٢) سبق تخريجه.

٣١٤
باب أحكام المطلقات في عِدَّتهن في النفقة والسكنى
باب أحكام المطلقات في عِدَّتهن في النفقة والسكنى
مسألة : [وجوب النفقة والسكنى للمطلقة في العدة ]
قال أبو جعفر (١): (وللمطلقة السكنى والنفقة ما دامت في العِدَّة،
حاملاً كانت أو غير حامل).
وقال أبو بكر : قد بيَّنَّا هذه المسألة فيما سلف(٢).
* قال : (وسواء كانت مسلمة أو كافرة).
وذلك لأن جميع ما قدَّمنا من الدلائل في إيجاب نفقة العدة، لا يفرق
بين نفقة الكافرة والمسلمة، وكما لم تختلف الكافرة والمسلمة في نفقة
النكاح، وجب أن لا تختلفا في نفقة العدة؛ لأنها مستحقة في الحالين بعقد
النكاح.
مسألة : [نفقة المفارقة لزوجها بحق]
قال: (وكل فرقة جاءت من قِبَلها بغير معصية، نحو خيار البلوغ،
واختيار المخيَّرة نفسَها، وخيار العِثْق: فإنها لا تبطل نفقتها)(٣).
لأنها مَنَعَت نفسها منه بحق، فأشبهت المرأة تمنع نفسها من الزوج
(١) مختصر الطحاوي ص٢٢٥.
(٢) قريباً في باب النفقات.
(٣) شرح فتح القدير ٤٠٨/٤.

٣١٥
باب أحكام المطلقات في عِدَّتهن في النفقة والسكنى
لاستيفاء المهر، فلا تسقط نفقتها.
مسألة : [نفقة المفارقة لزوجها بغير حق]
قال: (وكل فرقة جاءت من قِبَلها بمعصية: فلا نفقة لها فيها).
والأصل فيه: الناشزة لما كان مَنْعُ نفسها بمعصية: لم تستحق النفقة،
كذلك كل فرقة إذا كانت من قِبَلها بمعصية، نحو الردة، وتقبيل ابن الزوج
لشهوة.
* قال : (ولها السكنى في جميع ذلك حتى تنقضيَ عدتها).
وذلك لأن السكنى في العدة حق الله تعالى، لا تصح البراءة منه، فلا
تسقط بمَنْعها نفسها من الزوج.
مسألة : [لا نفقة ولا سكنى للمعتدة من نكاح فاسد]
قال : (وكل عدة وجبت من نكاح فاسد: فلا سكنى لها ولا نفقة.
وكذلك أم الولد إذا أعتقها مولاها، أو عَتَّقَت بموته)(١).
وذلك لما بيَّنَّا أنَّ النفقة مستَحَقة بتسليم نفسها في بيت الزوج، وأن
وجوبها متعلَّق بوجوب السكنى، فإذا لم تجب السكنى لم تجب النفقة،
والنكاح الفاسد لم يَستحق به تسليم نفسها في بيته، ولا استحقت به
السكنى، كذلك في العدة؛ لأن حال العدة ليست بآكد من حال النكاح في
استحقاق النفقة، فإذا لم تستحقها في حال النكاح، لم تستحقها في حال
العدة.
فإن قال قائل: قولك إن استحقاق النفقة متعلق بوجوب السكنى،
(١) شرح فتح القدير ٤٠٨/٤.

٣١٦
باب أحكام المطلقات في عِدَّتهن في النفقة والسكنى
منتقض على أصلك؛ لأنك توجب السكنى للتي جاءت الفرقة من قِبَلها
بمعصية، نحو تقبيل ابن الزوج، والردة، ولا توجب لها النفقة.
قيل له: هذا غلط؛ لأنا قلنا إن وجوب النفقة متعلق بوجوب السكنى،
والتي جاءت الفرقة من جهتها بمعصية، قد وجبت لها النفقة، إلا أنها
أسقطتها بمنعها نفسها، وهي مما تصح البراءة منها، فصارت كأنها وجبت
لها، فأبرأته منها.
وأما السكنى، فلا تصح البراءة منها ، فلذلك ثبتت، ولم تسقط
بمنعها نفسها.
فصل : [نفقة أم الولد بعد العتق]
قال أحمد: وأما أم الولد إذا أُعتقت، فإنما لم تجب لها نفقة(١) من
قِبَل أنَّ عدتها واجبةٌ عن(٢) الوطء، فأشبهت العدة من النكاح الفاسد، إذ
كانت واجبة عن الوطء، فلم تجب لها نفقة، كما لم تجب للمعتدة من
نکاح فاسد.
وأيضاً: فإنها إذا لم تستحق السكنى، لم تستحق النفقة، إذ كان
وجوب النفقة متعلقاً بوجوب السكنی.
وأيضاً: فإن فراش الملك لم تستحق به النفقة، فالعدة منه أحرى أن لا
تستحق بها.
فإن قيل: فراش الملك تستحق به النفقة؛ لأن نفقة أم الولد واجبة على
(١) المبسوط ٢٠٦/٥.
(٢) في (ق.ج): بحق.

٣١٧
باب أحكام المطلقات في عِدَّتهن في النفقة والسكنى
مولاها في حال بقاء فراشها.
قيل له: لم تستحقها بالفراش، وإنما استحقتها بالملك، ألا ترى أنها لو
لم يكن لها فراش الاستيلاد، وكانت أمة غير أم الولد: لا تستحق النفقة.
وليست هذه(١) من نفقة العدة في شيء، ألا ترى أنَّ نفقة النكاح من
نفقة العدة، فتستحقها المرأة على جهة إيجاب فرضها على الزوج، وتصير
دَيْناً عليه بعد الفرض بمرور الأوقات، وأن الأمة لا يثبت لها ذلك على
جهة الفرض، ولا تصير دَيْناً على المولى بحال، فعلم أنَّ النفقة المستحقة
في حال الملك، ليست هي النفقة المستحقة بالفراش والزوجية، والعدة.
مسألة : [لا نفقة ولاسكنى للمتوفى عنها زوجها]
قال أبو جعفر : (ولا سكنى ولا نفقة للمتوفى عنها زوجها في مال
الزوج، حاملاً كانت أو غير حامل)(٢).
قال أبو بكر : أما إذا كانت غير حامل، فلا خلاف أنه لا نفقة لها في
مال الزوج، قال الله تعالى: ﴿يَتَّيَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾(٣)،
فجعل نفقتها على نفسها.
* واختلف السلف(٤) في نفقتها إذا كانت حاملاً(٥):
(١) أي هذه النفقة المستحقة.
(٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٤٠٥/٤.
(٣) البقرة: ٢٣٤.
(٤) في الأصل: ((الناس))، والمثبت من (ق.ج).
(٥) أحكام القرآن ١/ ٤٢١، البناية شرح الهداية ٨٩٦/٤.

٣١٨
باب أحكام المطلقات في عِدَّتهن في النفقة والسكنى
فقال ابن مسعود، وابن عمر، وشريح، وأبو العالية، وإبراهيم،
والشعبي: نفقتها من جميع الميراث(١).
وقال ابن عباس، وابن الزبير، وجابر، وسعيد بن المسيب،
والحسن، وعطاء: لا نفقة لها في مال الزوج، بل نفقتها على
نفسها(٢).
والنظر يدل على ذلك؛ لأنهم اتفقوا على أنَّ غير الحامل لا نفقة لها،
فالحامل مثلها؛ لأن حكم الحامل والحائل لا يختلف عندنا في وجوب
النفقة.
وأيضاً: فإن النفقة الواجبة في المستقبل غير مستحقة بعقد النكاح،
وإنما تُستحق حالاً فحالاً، وقد زال ملك الميت بالموت إلى ورثته، فلا
تجب لها نفقة في مال غير الزوج.
وليست النفقة كالديون الواجبة في حال الحياة؛ لأن وجوب الدَّيْن
يمنع الميراث، والنفقة لم تكن واجبة في حال الحياة، فتمنع الميراث ،
إنما نريد إيجابها بعد الموت في حال قد استحقه غيره.
وأيضاً: لا تخلو هذه النفقة من أن يتعلق وجوبها بالحمل، لأجل
العدة، أو لأجل الولد:
فإن كان لأجل الولد: فالواجب أن تكون في نصيب الولد، ولا تكون
في جميع الميراث، كما تجب بعد الوضع.
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٢٠٧/٥.
(٢) المصدر السابق ٢٠٦/٥.

٣١٩
باب أحكام المطلقات في عِدَّتهن في النفقة والسكنى
وإن كانت واجبة لأجل العدة: فالواجب أن تستحقها وإن لم تكن
حاملاً بوجود العدة، فلما بطل ذلك، صح قولنا، وبطل ما سواه.
مسألة :
قال: (ومَن طلَّق امرأته، فأنفق عليها في عِدَّتها حتى مضى أكثرُ من
حولين، ثم جاءت بولدٍ، فإن أبا حنيفة ومحمد قالا: تردُّ على الزوج نفقة
ستة أشهر مما كانت أخذت، وقال أبو يوسف: لا تردُّ شيئاً)(١).
فأما أبو حنيفة، فإنه ذهب في ذلك إلى أنا قد علمنا أنَّ هذا الولد من
غير الزوج؛ لأنه عن حمل حادث بعد البينونة، فلا يلحق الزوج، إذ لم
تكن فراشاً في تلك الحال، فحمل أبو حنيفة أمرها على الصحة والجواز،
ولم يحمل أمرها على أنها جاءت به من الزنى، ولكنه جعلها كأنها تزوجت
منذ ستة أشهر، وحملت من ستة أشهر (٢).
وحُكْمُنا عليها بذلك إقرار منها بأن عدتها قد كانت انقضت قبل ذلك
بستة أشهر؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وذلك يتضمن إقراراً منها،
فإنها قد أخذت نفقة ستة أشهر بغير استحقاق، فعليها أن تردّها.
* والمسألة مبنية على أنَّ الطلاق بائن، ولو كان الطلاق رجعياً، لكان
حدوث الحمل في العدة رجعة؛ لأنه محكوم بأن الولد من وطئه؛ لبقاء الفراش.
* وذهب أبو يوسف إلى أنه لما لم نعلمها تزوجت، ولم يحصل منها
إقرار قبل ذلك بانقضاء العدة، والعدة كانت باقية إلى أن وضعت: فلم
(١) بدائع الصنائع ٢٢٠٣/٥.
(٢) في الأصل: ((وحملت من الزوج الثاني))، والمثبت من (ق.ج).

٣٢٠
باب أحكام المطلقات في عِدَّتهن في النفقة والسكنى
يكن(١) عليها ردُّ شيء مما أخذت.
(١) في (ق.ج): لم يجب.