النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ باب الرضاع صلى الله عليه وسلم سئل عن صبي ارتضع رضعة أو رضعتين، ولم يعلموا حصول اللبن في جوفه، فقال: مثل هذا لا يحرم حتى يحصل اليقين بوصوله إلى جوفه، فنَقَلَ الراوي الحكم ، ولم ينقل السبب الذي خرج عليه الخطاب، كقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا ربا إلا في النسيئة)) (١)، ومعلوم أنه كلام خارج عن سببٍ مقصورِ الحكم عليه، وهو أنه سئل عن النوعين بعضه ببعض، فقال: ((لا ربا إلا في النسيئة))(٢) في مثل ذلك. وأيضاً: فقد اختلف الصحابة في قبوله واستعماله، وأنكره جماعة منهم، وما كان هذا سبيله من أخبار الآحاد(٣) لا يُعترَض به على ظاهر القرآن. وأيضاً: فإنه روي عن ابن عباس أنه قيل له: فيما روي أنه ((لا تحرم الرضعة، ولا الرضعتان))، فقال: قد كان ذلك، ثم نُسخ(٤)، فأخبر أنه منسوخ، فهو أَوْلى؛ لأنه عَلِمَ التاریخَ، وأخبر به. وأيضاً: يحتمل أن يكون ذلك كان في رضاع الكبير في حال ما كان يُحرِّم رضاع الكبير، وهو الآن منسوخ بالاتفاق(٥)، فسقط حكم العَدَد (١) فتح الباري ٣٨١/٤ - ح٢١٧٨، صحيح مسلم ١٢١٢/٢ -ح١٥٨٩. (٢) المراجع السابقة. (٣) أحكام القرآن ١٢٥/٢. (٤) أحكام القرآن ١٢٥/٢، شرح فتح القدير ٤٤٤/٣، فتح الباري ١٤٩/٩، المغني والشرح الكبير ٢٠٢/٩، شرح الموطأ للزرقاني ١٧٩/٤. (٥) المراجع السابقة. ٢٦٢ باب الرضاع فیه. * وأما ما روي عن عائشة ((أنه كان فيما أُنزل عشرُ رضعات محرِّمات، فنُسِخْن بخمس، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مما يتلى))(١). ((وكان في صحيفة تحت السرير، فلما اشتغلنا بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت داجن فأكلتها))(٢). قيل له: لا يجوز الاعتراض بمثله على ظاهر القرآن. ولأنه غير جائز أن يقال إنَّ شيئاً من القرآن فُقِدَ حتى لم يُنْقَل، ولا يجوز أن تذهب تلاوته والعلم به على الأمة. ولأنه لا يجوز أن يكون القرآن معرَّضاً لأكل الشاة، حتى لا يصل من أجله إلى الأمة، وقد قال الله تعالى: ﴿لَّا يَأْنِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾(٣). فإن قيل: ليس يمتنع نسخ التلاوة، مع بقاء الحكم. قيل له: لو سلمنا ذلك، لم تكن لك فيه دَرَك، من قِبَل أنَّ عائشة قالت: ((توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو مما يتلى)). فأخبرت أنه لم يُنْسَخ إلى أن مات النبي صلى الله عليه وسلم، ولا (١) صحيح مسلم ١٠٧٥/٢- ح ١٤٥٢. (٢) ابن ماجه ٦٢٦/١، وفي الزوائد: فيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعنه. (٣) فصلت: ٤٢. ٢٦٣ باب الرضاع يجوز النسخ بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم. على أنه يحتمل أن يكون في رضاع الكبير، فُنُسِخَ بنَسْخ رضاع الكبير(١). وأيضاً: فليس كل ما يُتْلى فهو ثابت الحكم، إذ جائزٌ نَسْخ الحكم مع بقاء التلاوة. فصل : [مدة الرضاع] وأما القول في مدة الرضاع فإن الكلام فيه من وجهين: أحدهما: مع أبي يوسف ومحمد في جواز الزيادة على الحولين(٢). والآخر: مع زفر في الزيادة على الثلاثين شهراً (٣). فالدليل على سقوط اعتبار الحولين في نفي التحريم، فهو قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ﴾ (٤)، فاسم الرضاع تناوله(٥) بعد الحولين من جهة اللغة، فوجب أن يدخل في العموم. والدليل على أنَّ الاسم لا يختص بالحولين دون غيره: ما روي من اختلاف السلف في وقوع التحريم برضاع الكبير، وأن عائشة كانت إذا (١) أحكام القرآن ١٢٥/٢. (٢) البناية شرح الهداية ٣٤٣/٤. (٣) المرجع السابق. (٤) النساء: ٢٣. (٥) في (ق.ج): لما تناوله. ٢٦٤ باب الرضاع أرادت أن تأذن في الدخول عليها، أمرت أختَها بأن ترضعه عشر رضعات(١)، فأطلقوا اسم الرضاع على الكبير. وتقول العرب: لئيم راضع، لمن رضع من الشاة. فثبت أنَّ ما فوق الحولين يسمى رضاعاً من طريق اللغة، فوجب دخوله في حكم الآية. ويدل عليه أيضاً: قول الله تعالى: ﴿وَاُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمّ الرَّضَاعَةَ﴾(٢). وقال في سياق الآية: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَاْ وَإِنْ أَرَدْ تُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. فدلت هذه الآية على وقوع الرضاع بعد الحولين من وجوه أربعة(٣): أحدها: قوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾، والفاء للتعقيب، فجعل إرادة الفصال بعد الحولين، وهذا يقتضي أن يكون حكم الرضاع باقياً بعد الحولین حتى يريدا الفصال، ثم يفطمانه. والوجه الثاني: أنه ذكر فصالاً منكوراً، ولو كان متعلِّقاً بمضيِّ الحولين، لعاد إليه الكلام بلفظ التعريف، فيقول: ((الفصال))، فلما ذُكِرَ (١) سنن أبي داود ٥٥٠/٢، وفيه: «كانت تأمر بنات أخواتها، وبنات إخوتها أن یرضعن من أحبت خمس رضعات)). (٢) البقرة: ٢٣٣. (٣) انظر تفصيل المسألة في أحكام القرآن ١ / ٤١٠. ٢٦٥ باب الرضاع بلفظ النكرة، دل على أنه لم يتناول الحولين(١). والوجه الثالث: أنه علّقه بإرادتهما، ومشاورتهما، ولو كان مقصوراً على الحولين لما كان للإرادة والمشاورة فيه مَدْخل. والوجه الرابع: قوله: ﴿وَإِنْ أَرَكَ تُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ : فأجاز لهما الاسترضاع بعد الحولين، فدل على أنَّ الاسم يتناوله. فإن قيل: هذه الآية تدل على أنَّ حكم الرضاع مقصور على الحولين؛ لأنه قال: ﴿ وَاُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمّ الرَّضَاعَةَ﴾(٢)، فأخبر أنَّ الحولين تمام الرضاع. قيل له: قد يجوز إطلاق لفظ التمام عليه، والمراد به مقاربة التمام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن أدرك عرفة فقد تمَّ حجُّه))(٣)، والمراد به مقاربة التمام؛ لأن عليه بعدُ طوافَ الزيارة، وهو فرضٌ من فروض الحج. (١) قاعدة: إذا أعيد اللفظ منكراً كان غير الأول، وإذا أعيد معرفاً كان عين الأول، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًّا ( ٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا )﴾. (٢) البقرة: ٢٣٣. (٣) سنن أبي داود ٢٨٦/٢ - ح ١٩٥٠، سنن الترمذي ٢٣٧/٣ - ٨٨، وقال: هذا حديث حسن صحيح، سنن النسائي ٢٠٦/٥. ملحوظة: إذا أعيد اللفظ منكراً كان غير الأول، وإذا أعيد معرفاً كان عين الأول، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًّا ( ٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُهْرًا ﴾. ٢٦٦ باب الرضاع وكما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾(١)، والمعنى مقاربة البلوغ. وأيضاً: جائز أن يكون تقدير الحولين لما يلزم الأب من نفقة الرضاع، وما يُجْبَر عليه منها، وأنه لا يُجبر على نفقة الرضاع أكثر من حولين متى أراد نَقْله إلى غذاء الطعام، فيكون تقدير الحولين مستعملاً في هذا الوجه، دون ما يتعلق به حكم التحريم من الرضاع. ودليل آخر: وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الرضاعة من المجاعة)»(٢). وقوله: ((الرضاعة ما أنبتَ اللحم، وأنشز العظم))(٣). فمتى كان للَّبن تأثير في سد الجوعة وإنشاز العظم، وإنبات اللحم بعد الحولين: وجب أن يتعلق به حكم التحريم بعموم اللفظ. فصل : [وجه تحريم الرضاع إلى سنتين ونصف] وأما وجه تقدير ستة أشهر بعد الحولين، فإن طريقه الاجتهاد، وذلك لأنه قد ثبت أنَّ رضاع الكبير لا يُحرِّم، وأن الزيادة على الحولين تحرِّم للدلائل التي قدَّمنا. ثم تقدير الستة أشهر دون السنة التي اعتبرها زفر، فإنما هو اجتهاد؛ لأن المقادير لا تؤخذ من طريق المقاييس، وإنما طريقها التوقيف (١) الطلاق: ٦٥. (٢) سبق تخريجه. (٣) سبق تخريجه. ٢٦٧ باب الرضاع والاجتهاد، فلما عَدِمْنا فيه التوقيف، وحصلنا على الاجتهاد في إثبات مقدار المدة، لم يتوجه علينا فيه سؤال(١)، كتقويم المستهلكات، وأروش الجراحات(٢)، ومهر المثل، ونحوها من المقادير، إذا غلب في رأي المجتهد مقدارٌ منها، لم يتوجه عليه سؤال في إثبات ذلك المقدار، دون غيره من المقادير. لأنه لا يقال لمن قال: عندي أنَّ هذا الثواب يساوي عشرة دراهم، أقم الدلالة على أنَّ قيمته عشرة دون أن يكون تسعة ونصف، أو عشرة ونصف، فكذلك ما كان هذا سبيله من المقادير. وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله، يحتج لجهة تغليب الرأي في الستة أشهر دون غيرها: بأنه لما كان المعتاد من الرضاع حولين، ثم قامت الدلالة على جواز الزيادة عليهما بما وصفنا، كان أولى المقادير باعتبار المدة التي ينتقل بها الصبي من حال كونه نطفة إلى غذاء اللبن، وهي ستة أشهر؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فاعتبرنا ذلك في نَقْله من غذاء اللبن بعد الحولين إلى غذاء الطعام، فجعلنا ستة أشهر(٣). قال أبو بكر: ووجه آخر: وهو أنَّ الله تعالى لما قال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ. ثَثُونَ شَهْرًا﴾(٤)، فاشتملت هذه الجملة على ذكر مدتين للحمل والرضاع، (١) أحكام القرآن ١/ ٤١٢. (٢) وفي الأصل: ((الجنايات)). (٣) أحكام القرآن ١ / ٤١٢. (٤) الأحقاف: ١٥. ٢٦٨ باب الرضاع ثم لمَّا قال: ﴿وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنٍ﴾(١): حصلت مدة الحمل ستة أشهر، فصار كقوله: حمله ستة أشهر، وفصاله في عامين. ثم لما ثبت عندنا أنه لا تجاوز (٢) زيادة مدة الحمل أكثر المدة، وهي الحولان، وَجَبَ ألا يجاوز بالزيادة على المدة المذكورة للرضاع أكثر من المدة التي تضمنتها الآية للحمل، وهي ستة أشهر. قال أبو بكر : وهذا ما ذكرناه عن أبي الحسن، فإنما هو جهة لتغليب الرأي، وجواز الاجتهاد في إثبات هذه المدة دون غيرها، لا أنه دليل يوجب القطع، وليس نحتاج في مسائل الاجتهاد إلى أكثر من هذا. مسألة : [رضاع الكبير] وأما القول في رضاع الكبير، فإنه يروى عن عائشة، وأبي موسىُ أنَّ = (٣) رضاع الكبير يُحرِّم(٣). وهو قول الليث بن سعد (٤). وقد روي فيه حديث سالم مولى أبي حذيفة ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لسهلة بنت سهيل بن عمرو، وهي امرأة أبي حذيفة: أرضعيه خمس رضعات، ثم يدخل عليك)). (١) لقمان: ١٤. (٢) في (ق.ج): ((تجوز)). (٣) أحكام القرآن ٤١٠/١، السنن الكبرى للبيهقي ٤٦٠/٧، فتح الباري ١٤٨/٩. (٤) المراجع السابقة. ٢٦٩ باب الرضاع فأخذت عائشة بذلك بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم. وقال سائر نساء (١) النبي صلى الله عليه وسلم: لعل هذه الرخصة كانت من رسول الله صلی الله علیه وسلم لسالم وحده(٢). وقد روي في هذه القصة ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لسهلة: أرضعي سالماً ليذهب ما في وجه أبي حذيفة من الكراهة)) (٣). لأنها رأت في وجه أبي حذيفة كراهةً من دخول سالم عليها، فإنما ذكر فيه ذهاب ما في وجه أبي حذيفة من الكراهة، ولم يذكر فيه التحريم. ويحتمل أن يكون أراد به التحريم، وكان خاصاً لسالم، كما خصَّ أبا بردة بن نِيَار بالجذعة، وأنها لا تجزئ عن أحد بعده(٤)، ولا يكون الإجزاء إلا من واجب، لأنه لو لم يكن واجباً لأجزأه الترك، وكانت الجذعة زيادة على الأجزاء. وقد روى الأشعث بن سليم عن أبيه عن مسروق عن عائشة ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها، وعندها رجل، قالت: فكأنه تغيَّر لونه، قالت: فقلت: يا رسول الله إنه أخي - يعني - من الرضاعة. فقال: ((انظرن ما إخوانكن، فإنما الرضاع من المجاعة))(٥). (١) في الأصل: ((أصحابه)). (٢) صحيح مسلم ١٠٧٨/٢-ح١٤٥٤، أبو داود ٥٤٩/٢ - ح ٢٠٦١. (٣) المراجع السابقة. (٤) صحيح البخاري ٢٣٦/٦، صحيح مسلم ١٥٥٣/٢ - ح ١٩٦١. (٥) صحيح البخاري ١٢٥/٦، صحيح مسلم ١٠٧٨/٢ - ح ١٤٥٥. ٢٧٠ باب الرضاع وسببه أن تكون عائشة قد رجعت عن قولها في رضاع الكبير؛ لأن حماداً روى عن الحجاج عن أبي الشعثاء عن عائشة قالت: ((لا يُحرِّم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم والدم))(١). وروى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه ((أنَّ عائشة كانت تأمر بنت عبد الرحمن بن أبي بكر أن ترضع الصبيان، حتى يدخلوا عليها إذا صاروا رجالاً))(٢). وقد روي عن علي، وعمر، وابن مسعود، وابن عباس: ((لا رضاع بعد الحولين)» (٣). وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا رضاع بعد فصال)»(٤). و((الرضاعة ما أنبت اللحم وأنشز العظم))(٥). فصل : قال: (ولو كان حمل هذه المرأة المرضعة ممَّن لا يلحق نسب ولدها به: كانت هي أمه من الرضاع، وأولادها إخوةً لأم). (١) ما وجدت هذا القول منسوباً إلى عائشة رضي الله عنها في غير أحكام القرآن ٤١١/١. (٢) سنن أبي داود ٥٥٠/٢ - ٢٠٦١، موطأ الإمام مالك ٦٠٤/٢. (٣) موطأ الإمام مالك ٦٠٧/٢، سنن الدارقطني ١٧٤/٢، نيل الأوطار ١٢١/٧، السنن الكبرى ٤٦٢/٧، المحلى لابن حزم ١٩/١٠. (٤) سنن ابن ماجه ٦٢٦/١، السنن الكبرى ٤٦١/٧. (٥) السنن الكبرى ٤٦١/٧، سنن الدارقطنى ١٧٣/٢. ٢٧١ باب الرضاع لأنه لا نسب له من جهة أب، ولا يتعلق التحريم إلا بمَن كان من جهة الأم؛ لأنه إنما يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. مسألة: [لو تزوج زوجتين فأرضعت إحداهما الأخرى] قال : (ولو تزوج صغيرة وكبيرة، فلم يدخل بالكبيرة حتى أرضعت الكبيرةُ الصغيرةَ: بطل نكاحهما، ولا صداق للكبيرة)(١). وذلك لأن فساد النكاح كان من جهتها قبل الدخول، ولا يختلف في سقوط مهرها أن تكون تعمدت الفساد أو لم تتعمد، ألا ترى أنه لا فَرْق في سقوط مهرها بين أن ترتد قبل الدخول، وبين أن تختار نفسها بخيار البلوغ، وخيار العتق قبل الدخول، والمعنى في جميع ذلك: أنها استحقت البضع لنفسها بفعلها قبل الدخول، فلا يجوز أن تستحق بدله مع استحقاقها للمبدّل عنه، وهو البضع. * وأما الصغيرة: فلها الصداق؛ لأنها لم تستحق البضع قبل الدخول، ولا يجوز أن يكون فِعْلُ غيرها مسقِطاً لصداقها، كما لا يسقطه طلاق الزوج، فوجب لها نصف المهر. ثم ينظر: فإن كانت الكبيرة تعمدت الفساد: رجع عليها الزوج بما غرمه من نصف الصداق، وذلك لأن الرضاع نفسه ليس بجناية، وإنما هو سبب لوقوع الفرقة واستحقاق البضع على الزوج، فإن كان متعدياً في السبب: ضمن ما تولَّد عنه، مثل حافر البئر في ملك الغير بغير أمره، أو في طريق المسلمين، لما كان متعدياً في السبب، ضمن ما حدث عنه. (١) الهداية مع شرح فتح القدير ٤٥٧/٣. ٢٧٢ باب الرضاع وأما إذا لم تتعمد الفساد: فإنها غير متعدية في السبب، فلا تضمن ما حدث عنه من الضمان، كحافر البئر في ملك نفسه يضمن ما يَحْدُث عنه. ونظير تعمد الفساد: شهادة الشهود بالطلاق قبل الدخول، ثم رجوعهم عنها بعدما غرم الزوج نصفَ المهر: أنهم يضمنونه للزوج من حيث كانوا متعدين في السبب. فإن قال قائل: لا ينبغي أن يغرم واحد من هؤلاء للزوج شيئاً، لأن نصف المهر الذي غرمه الزوج، هو بعض ما كان عليه قبل الفرقة، فهم لم يلزموه شيئاً بالفرقة. قيل له: ليس كذلك عندنا؛ لأن ورود الفرقة، واستحقاق البضع على الزوج قبل الدخول، يُسقط جميع المهر، كما يَسقط جميع الثمن بهلاك المبيع قبل القبض. وإنما يجب عندنا نصف المهر: على جهة الاستئناف، كما تجب المتعة علی جھة الاستئناف إذا لم یکن هناك مسمى. * قال: (وليس للزوج بعد هذا أن يتزوج الكبيرة أبداً)(١). وذلك لأنها صارت أم امرأته. * (وله أن يتزوج الصغيرة؛ لأنه لم يدخل بالأم، ولو كان دخل بالكبيرة: لم يتزوج الصغيرة أبداً). (١) شرح فتح القدير ٤٥٧/٣. ٢٧٣ باب الرضاع مسألة : [أثر السعوط والوجور في الرضاع] قال: (السَّعُوط(١) والوَجُور (٢) يُحرِّمان كما يُحرِّم الرضاع)(٣). وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الرضاعة من المجاعة)) (٤) وقوله: ((الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم))(٥)، وهذا المعنى يحصل بالسَّعوط والوَجُور؛ لأن السَّعوط يحصل إلى الدماغ، وينزل إلى الجوف، فيغذِّي ويسد الجوعة، والوَجُور يصل إلى الجوف فيغذّي. مسألة : [أثر الحقنة في الرضاع] (وأما الحقنة فلا تحرِّم شيئاً) (٦). وذلك لأنه لم يصل إلى موضع الغذاء، ولا تأثير له في إنبات اللحم، ولا إنشاز العظم، إذ لا يصل إلى المعدة، وهي موضع الغذاء. مسألة : [إقرار الزوج بأن زوجته هي أخته من الرضاع] (ومَن تزوج امرأة، ثم قال قبل الدخول بها: هي أختي من الرضاع: انفسخ النكاح بينهما، فإن صدَّقته: فلا صَدَاق لها، وإن كذَّبته وحلفت (١) والسَّعوط: كرَسول: دواء يصب في الأنف، والسُّعُوط: كقُعود، مصدر. انظر المصباح مادة (سعط)، والمراد: صب اللبن من الأنف. (٢) الوَجور: بفتح الواو، وِزان: رسول: الدواء يصب في الحلق. ينظر المصباح المنير (وجر)، والمراد صبُّ اللبن في الحَلْق. (٣) حاشية ابن عابدين ٢٠٩/٣. (٤) سبق تخريجه. (٥) سبق تخريجه. (٦) مختصر الطحاوي ص ٢٢١، الهداية مع شرح فتح القدير ٤٥٥/٣. ٢٧٤ باب الرضاع عليه: كان لها نصف الصداق)(١). وذلك لأن تحت قوله هذا معنيين: أحدهما: اعترافه بفساد النكاح، وهو يملك فسخه وإبطاله، فيُصدَّق فيه على نفسه. والثاني: عليهما(٢)، وهو سقوط مهرها، فلا يصدَّق عليها إلا أن تُصدِّقه. * (ولا يُقبَل في ذلك من البينة إلا رجلان عَدْلان، أو رجل وامرأتان)(٣). لأن ذلك معنى يشهده الرجال، ولا تُسقطه الشبهة، فهو كسائر الحقوق التي لا تسقط بالشبهة. مسألة : [مَن أرضعت صبياً من لبن زوجها الأول وقد تزوجت بغيره] قال: (ومَن طلق امرأته، ولها لبن من ولدٍ كانت وَلَدَتْه منه، وتزوَّجت آخرَ وهي كذلك، فأرضعت صبياً: كان ابنَها وابنَ زوجِها الأول)(٤). وذلك لأن اللبن نزل من الأول بدءاً، فلا يرتفع حكمه بارتفاع النكاح، كما لا يرتفع بالموت، وكما لو حُلِب منها لبن، ثم ماتت: لم يبطل حكم الرضاع عن لبنها. (١) بدائع الصنائع ٢١٩٢/٥. (٢) هكذا فى الأصل. (٣) مختصر الطحاوي ص٢٢١، تبيين الحقائق ١٨٧/٢. (٤) بدائع الصنائع ٢١٨٤/٥. ٢٧٥ باب الرضاع [مسألة : ] قال: (ولو حملت من الثاني، ثم أرضعت صبياً، فهو ابنُ الأول دون الثاني حتى تضع)(١). وذلك لأن الولادة لما كانت سبباً لنزول اللبن، وجب بقاء حكمها إلى أن تحدث ولادة أخرى، كما أنَّ مَن قطع يد رجل من الزَّنْد: كان حكم جنايته قائماً ما بقيت الجراحة، فإن جاء آخر فقطع ذراعه من المِرْفق، سقط حكم الجناية الأولى فيما يحدث من السراية، وتعلقت بالثانية، فکذلك ما وصفنا. (وقال أبو يوسف: إذا عُرف أنَّ هذا اللبن الذي أرضعت به الصبي من الثاني: كان الصبيُّ ابن الثاني)(٢). وذلك لأن زيادة اللبن وحدوثه عند الحمل: دليل على أنه من الثاني. ولأبي حنيفة: أنَّ اللبن قد يزيد لأجل الغذاء والوقت من غير حمل، فلا يجوز الحكم بأن الزيادة من الثاني بالشك، بل حكم الأصل أبداً قائم في كونه من الأول حتى تحدث ولادة أخرى، فيصير من الثاني. وقال محمد: هو منهما جميعاً(٣)، وجعله بمنزلة لبن امرأتين امتزجا في قَدحٍ واحد، فيقع الرضاع منهما. (١) المصدر السابق، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله. (٢) بدائع الصنائع ٢١٨٥/٥. (٣) بدائع الصنائع ٢١٨٥/٥. ٢٧٦ باب الرضاع مسألة : [حكم لبن المرأة الميتة في الرضاع] قال : (ولبن الميتة كلبن الحية في التحريم)(١). وذلك لأن اللبن لا يلحقه حكم الموت؛ لأنه لا حياة فيه، وما لا حياة فیه فحالُه بعد الموت کھي قبله. والدليل على أنه لا حياة فيه: أنه يؤخذ من الحيوان في حال حياته من غير إيلام له، ولو كان فيه حياة لألَّم الحيوان بأخذه كاللحم، وسائرُ أعضائه لما كان فيها حياة ألَّم الحیوان بأخذها منه. مسألة : [خَلْطُ لبن المرضعة مع الماء] قال: (وإذا صُبَّ لبن في ماء، ثم أُوْجِرَه صبي: فإن كان اللبن هو الغالب: أوجب التحريم) (٢). لأن قوته باقية في تغذية الصبي، وسَدِّ جَوْعته، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الرضاعة من المجاعة))(٣)، ((والرضاعة ما أنبت اللحم)) (٤). قال أبو بكر: وهذا الجواب ينبغي أن يكون على قول أبي يوسف ومحمد. وينبغي على قول أبي حنيفة أن لا يُحرِّم؛ لأنه يقول: لو أنَّ لبناً جُعِل فيه طعام: لم يحرِّم، سواء كان هو الغالب أو الطعام، وينبغي أن (١) المصدر السابق، تبيين الحقائق ١٨٥/٢. (٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٤٥١/٣، بدائع الصنائع ٢١٨٢/٥. (٣) تقدم. (٤) تقدم. ٢٧٧ باب الرضاع یکون الماء مثله. ووجه ذلك: أنَّ اختلاطه بالطعام والماء، يسلبه قوته، حتى لا يمكن الصبي الاقتصار عليه في الغذاء، ولا يقوم عليه بدنه لو دام عليه، فلذلك لم يحرِّم. * قال: (وإن كان الماء هو الغالب: لم يُحرِّم)(١). وذلك لأن قوته زائلة، ولا يمكن الاقتصار عليه في تغذية الصبي. مسألة : [خَلْطُ لبن امرأتين] قال: (ولو خُلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى: فالحكم للغالب منهما. ويسقط حكم القليل في قول أبي يوسف)(٢)، وجَعَلَه بمنزلة الماء، والطعام إذا غلبا على اللبن، أو غلب اللبن عليهما. (وقال محمد: يقع التحريم منهما)(٣). وذلك لأنهما من جنس واحد، فلا يصير القليل مستهلكاً في الكثير، وكل واحد منهما يأخذ بقِسْطِه من التغذية، وسدِّ الجوعة؛ لأن كل واحد منهما لا تأثير له في سلب قوة الآخر. والدليل على ذلك: أنَّ رجلاً لو غصب من رجل زيتاً، فخلطه بزيت آخر، اشتركا فيه في قولهما جميعاً (٤). (١) المصادر السابقة. (٢) مختصر الطحاوي ص٢٢٢، بدائع الصنائع ٢١٨٣/٥. (٣) بدائع الصنائع ٢١٨٤/٥. (٤) المبسوط ٩١/١١. ٢٧٨ باب الرضاع ولو خلطه بشَيْرج أو دهن من غير جنسه: اعتبر الغالب، فإن كان الغالب هو المغصوب: كان لصاحبه أن يأخذه، ويعطيه بقسط ما اختلط بزيته، وإن كان الغالب غير المغصوب: صار المغصوب مستهلَكاً فيه، ولم یکن له أن یشارکه، ولکن الغاصب یغرم له مثل ما غصبه، فدل ذلك على اختلاف حكم الجنس الواحد، والجنسين. مسألة : [لبن البِكْر] قال: (وإذا نزل للمرأة البكْر لبن، فأرضعت به صبياً: حَرُمت)(١). لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الرضاعة من المجاعة))(٢)، و((الرضاعة ما أنبت اللحم))(٣)، وذلك موجود في لبن البكر. وقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ اُلرَّضَعَةِ﴾ (٤): يدل على ذلك أيضاً. مسألة: [نكاح صغيرتين أرضعتهما امرأة واحدة] قال: (وإذا تزوج صغيرتين، فأرضعتهما امرأةٌ إحداهما بعد الأخرى: صارتا أختين، وبانتا من زوجهما)(٥). (١) الهداية مع شرح فتح القدير ٤٥٤/٣. (٢) تقدم. (٣) تقدم. (٤) النساء: ٢٣. (٥) بدائع الصنائع ٢١٨٦/٥ (ط صبيح)، ١١/٤ (ط الجمالية). ٢٧٩ باب الرضاع وذلك لأنهما صارتا أختين برضاع الثانية في حال واحدة(١). * وقد حُكي عن بعض الأغفال: أنَّ الأُولى تبين دون الثانية، وهذه جهالة مُفْرِطة، من قِبَل أنهما صارتا أختين معاً، إذ قد يستحيل أن تكون الأولى قد صارت أختاً للثانية، والثانية ليست بأخت لها، وإذا صارتا أختين معاً: وجب أن تَبِينا. مسألة : قال: (ولو تزوج ثلاث صبايا، فأرضعتهنَّ أجنبيةٌ واحدةٌ قبل الأخرى: حرمت الأوليان؛ لأنهما قد صارتا أختين، فبانتا، ولم تَبِن الثالثة؛ لأنها صارت أختاً لهما، وليستا تحته)(٢). مسألة : [لبن غير المرأة] قال: (ولا يحرِّم من الألبان شيء إلا لبن بنات آدم)(٣). وذلك لأن لبن غيرهن لا يتعلق به حرمة، ألا ترى أنه لا يصح نسبة ما يتعلق بالرضاع من الأمومة والأخوة إليه. (١) وعليه يحرم الجمع بين الأختين. (٢) مختصر الطحاوي ص٢٢٢، باختصار. (٣) تبيين الحقائق ١٨٦/٢. ٢٨٠ باب النفقة على الأقارب والزوجات والمطلقات باب النفقة على الأقارب والزوجات والمطلقات مسألة : [نفقة الزوجة] قال أبو جعفر (١): (على الزوج نفقةُ زوجته، وكسوتُها بالمعروف)(٢). والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿اَلِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾(٣). وقال تعالى: ﴿وَعَلَى أَلْمَوَّلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ (٤). وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته المشهورة(6): ((لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)». وعلى ذلك اتفاق أهل العلم (٦). قال(١): (على الموسر قَدَرَه وعلىُ المُقْتِر قدره) متاعاً بالمعروف. (١) مختصر الطحاوي ص ٢٢٣. (٢) بدائع الصنائع ٢١٩٦/٥، فتح القدير ٣٧٨/٤، الدر المختار ٥٧٢/٣. (٣) النساء: ٣٤. (٤) البقرة: ٢٣٣. (٥) صحيح مسلم / ٨٩٠ - ح١٢١٨. (٦) المغني والشرح الكبير ٢٣٠/٩، بدائع الصنائع ٢١٩٧/٥.