النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ باب اللعان فإن قال قائل: الحمل محكوم عليه قبل الولادة. قال الله تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾(١)، وقال: ﴿فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حْلَهُنَّ﴾(٢). ولو اشترى جارية، فقال النساء: إنها حامل: كان له ردها بالعيب، وإن كان كذلك، وجب أن يكون محكوماً به في صحة القذف إذا نفاه، ویجب به اللعان. قيل له: لأن هذه الأحكام التي ذكرتَها يصح ثبوتها مع الشبهة، والحدُّ لا يصح إثباته مع الشبهة، وأقل أحوال الشبهة: يجوز أن يكون ما ظنناه حملاً ريحاً أو داءً، ومِثْلُه يمنع وجوب اللعان، إذ كان اللعان حدّاً. * وقال أبو يوسف ومحمد: إذا نفى حمل امرأته، ثم وضعت لأقل من ستة أشهر منذ يوم قَذَفها: لاعن؛ لأنا قد تيقُنَّا أنه كان قاذفاً يوم القول، وإذا جاءت به لستة أشهر: لم نتيقن أنَّ الولد كان موجوداً يوم النفي، فلم یکن قاذفاً به(٣). مسألة : [قذف المرأة وأمها] قال: (ومن قال لامرأته : يا زانية بنت الزانية: كان قاذفاً لها ولأمها، فإن اجتمعا على مطالبته: حددناه لأمها، وسَقَطَ اللعان)(٤). (١) الطلاق: ٤. (٢) الطلاق: ٦. (٣) المبسوط ٤٥/٧. (٤) شرح فتح القدير ٣٣٢/٥. ٢٢٢ باب اللعان وذلك لو بدأنا باللعان، لكان حد القذف قائماً عليه للأم، وإذا بدأنا بحدِّها سقط اللعان، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ادرؤوا الحدود ما استطعتم)) (١)، واللعان حدٌّ، فإذا أمكننا أن نتوصل إلى إسقاطه فَعَلْنا. ألا ترى أنَّ رجلاً لو زنى، وسرق، وقتل، أنا نبدأ بالقتل، ويسقط حد الزنا والسرقة. * قال: (وإن لم تطالب الأم بحدِّها، وطالبته باللعان: لاعن؛ لأن حد القذف لا يقام إلا بمطالبة المقذوف، وما لم يُحدَّ: فاللعان واجب)(٢). ولا يجوز أيضاً أن يُؤخَّر(٣) اللعان، لجواز أن تطالِب الأم بحدِّ القذف، لأن اللعان حقٌّ للمرأة (٤) لا يجوز تأخيره بشيء يجوز أن يقع، ويجوز أن لا يقع. قال أبو جعفر: (فإن لوعن بينه وبينها: لم يحدَّ بعد ذلك لأمها إن طالبته بعد ذلك بالحدّ). قال أبو بكر: وليس هذا من مذهبهم، بل قول أصحابنا جميعاً: أنه يُحَدُّللأم إذا طالبته بحدِّها بعد لعانه للابنة. (١) سنن الترمذي ٣٣/٤ - ح ١٤٢٤. (٢) شرح فتح القدير ٣٣٢/٥، ويظهر من كلام أبي جعفر رحمه الله بأنه خالف مذهب الأحناف في هذه المسألة، كما سينص على هذا الشارح الجصاص بعد قليل. (٣) في (ق.ج): ((أن يوجب)). (٤) في (ق.ج): ((للمقذوف)). ٢٢٣ باب اللعان مسألة : [ابتداء اللعان من الرجل] قال أبو جعفر: (ويُبدأ في اللعان بالرجل)(١). لقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَهُمْ شُهَدَآءُإِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾(٢)، والفاء للتعقيب، فاقتضى ذلك أن يكون لعانه عقيب القذف، فإذاً لعان المرأة بعد لعانه. وأيضاً: فإن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالرجل في اللعان(٣). وأيضاً: فإن اللعان حقٌّ لها استحقته عليه بالقذف، فلا يجوز تأخيره عن الحال التي أوجبتها له (٤). * قال: (فإن قذفها بولد: فإنه يلاعن عليه، فيقول: فيما رميتُها به من الزنى في نفي ولدها هذا، وكذلك المرأة تقول: فيما رماني به من الزنى في نفي ولده هذا)(٥). وذلك لأنه يُحتاج إلى نفيه باللعان، فينبغي أن يلاعن علیه، كما يذكرها في اللعان، ويشير إليها به، إذ كان لعانه إياها يتعلق به حكم التفريق، وإبطال النكاح، کما يتعلق به نفي الولد. (١) شرح فتح القدير ٢٨٥/٤. (٢) النور: ٦. (٣) انظر فتح الباري ٩/ ٤٤٥. (٤) في (ق.ج): ((أوجبته له)). (٥) شرح فتح القدير ٢٨٩/٤. ٢٢٤ باب اللعان مسألة : [قذف المرأة قبل طلاق الثلاث] قال: (ومَن قَذَف امرأته، ثم طلقها ثلاثاً: سَقَطَ اللعان، ولا حدَّ علیه)(١). وذلك لأن اللعان حكم يختص بحال الزوجية، لقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾، ثم قال: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾(٢)، يعني أحد الأزواج، فثبت أنَّ حكم اللعان مقصور على حال الزوجية. وأيضاً: اتفقوا على أنه لو قذفها وهي أجنبية: لم يجب اللعان، فكذلك إذا صارت أجنبية بعد القذف. ولا يجب الحدُّ؛ لأن الواجب بالقذف كان اللعان، فسقط من جهة الحكم، فهو کسقوطه بالموت، فلا يُحدّ. * (ولو طلقها ثلاثاً، ثم قذفها بولد أو بغير ولد: فإنه يُحدُّ). لقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرِّمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّلَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهََّ فَاْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً﴾(٣)، ثم خص منه الزوجات بقوله: ﴿ وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾، وهذه ليست بزوجة. مسألة : [نفي التوءم] قال: (ومَن ولدت امرأته توءَمَيْن، فأقرَّ بالأول، ونفى الثاني: لاعن، (١) شرح فتح القدير ٢٨٥/٤. (٢) النور: ٦. (٣) النور: ٤. ٢٢٥ باب اللعان ولزماه جميعاً) (١). وذلك لأن إقراره بدءاً بالابن الأول لا يمنع صحة اللعان بنفيه بعد ذلك؛ لأن صحة اللعان ليست موقوفة على نفي الولد، إذ قد يقطع الفراش من غير ولد، ولا يكون إقراره بَدْءاً إكذاباً لنفسه، لأنه لم يكن هناك قَذْف متقدّم للإقرار، فیکون إکذاباً له. ألا ترى أنَّ رجلاً لو قال لامرأته: لم تزن، ثم قال: قد زنيتِ: وجب اللعان، ولم يكن ذلك إكذاباً لنفسه؛ لأنه كان قبل القذف. * قال: (فإن نفى الأول، وأقرَّ بالثاني: لزماه جميعاً، وحُدَّ)(٢). وذلك لأنه لما نفى الأول صار قاذفاً لها، ثم لما أقرَّ بالثاني فقد أقرَّ بهما، لأنهما في بطن واحد، فصار إكذاباً: فحُدَّ. (١) المبسوط ٤٦/٧، الهداية مع شرح فتح القدير ٢٩٩/٤. (٢) المراجع السابقة. ٢٢٦ باب العِدَد والاستبراء باب العِدَد والاستبراء مسألة : [مدة عدة الحرة] قال أبو جعفر(١): (وإذا طلق الرجل زوجته بعد دخوله بها وهي حرة: فعِدَّتُها ثلاثة قروء، كما قال الله تعالى(٢)، والأقراء: الحِيَض)(٣). قال أبو بكر: وهو قول عمر، علي، وعبد الله، وأبي موسى(٤). وروي عن زيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، الأقراء: الأطهار (٥). قال أبو بكر : قد تكلمنا في ذلك على الاستقصاء في مسألةٍ أفردناها في غير هذا الكتاب(٦)، فأغنى عن إعادته هاهنا، إلا أني لا (١) مختصر الطحاوي ص٢١٧. (٢) قال تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَةٍ﴾. البقرة: ٢٢٨. (٣) انظر المبسوط ١٣/٦، بدائع الصنائع ٢٠٠٢/٤، شرح فتح القدير ٤/ ٣٠٧. (٤) انظر السنن الكبرى للبيهقي ٤١٧/٧، بدائع الصنائع ٢٠٠٢/٤. (٥) انظر السنن الكبرى للبيهقي ٤١٥/٧، مصنف ابن أبي شيبة ١٦١/٥، المغني والشرح الكبير ٨٢/٩. (٦) حيث أفرد مسألة القرء في مؤلّف خاص، كما تقدم في ترجمته عند ذكر مصنفاته، وينظر أحكام القرآن ١ / ٣٦٤. ٢٢٧ باب العِدَد والاستبراء أُخلي هذا الموضع من جملةٍ من القول ينتظمُ عمدةَ الحِجَاج فيها، فنقول وبالله التوفيق: إن أهل اللغة قد قالوا في أصل القرء أقوالاً، أنا ذاكرها ومُعْقِبها بوجهِ دلالتها على صحة قولنا. قال قائلون منهم: إن القرء هو الوقت. حدثنا بذلك أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب أنه كان إذا سئل عن معنى القروء، لم يَزِدْهم على الوقت، وقد استشهد لذلك بقول الشاعر: له قروء كقروء الحائض(١) ويقول الأعشى: لما ضاع فيها من قروء نِسَائِكا(٢) فالأول عَنَى أنَّ له وقتاً يهيج فيه عداوته كوقت الحائض(٣)، والثاني عنى وقت وطئه إياهن. وقال آخر: إذا هبَّت لقارئها الرياح(٤)، يعني لوقتها في الشتاء. وقال آخرون: هو الضم والتأليف، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَانَبِعْ (١) أحكام القرآن للجصاص ٣٦٥/١، المبسوط ١٣/٦. (٢) ديوان شعر الأعشى ميمون بن قيس بن جندل، مع شرح أبي العباس ثعلب ص٦٧، تحقيق جائر مستشرق، لندن، طبع ١٩٢٧، وينظر تاج العروس (قرأ) ٣٦٧/١ (ط الكويت). (٣) في (ق.ج): ((الحيض)). (٤) ينظر تاج العروس (قرأ) ٣٦٩/١، ونسبه لمالك بن الحارث الهذلي. ٢٢٨ باب العِدَد والاستبراء قُرْءَانَهُ﴾(١)، أي: إذا جمعناه. وقال الشاعر: هِجانِ اللون لم تقرأ جَنينا (٢) ذِرَاعَيْ عَيْطِلٍ أَدْماءَ بِكْرٍ وحُكي عن بعضهم أنه قال: هو الخروج من شيء إلى شيء، وهذا القول ليس عليه شاهد من اللغة، ولا يثبت عمن يوثق به من أهلها. ثم نقول: إن كانت حقيقة في الوقت، فالحيض أوْلى به؛ لأن الوقت إنما يكون وقتاً لما يحدث فيه، والحيض هو الحادث، والطهر إنما هو عدم الحيض، وليس هو شيئاً حادثاً. وإن كان من الضم والتأليف، فالحيض أَوْلى به أيضاً؛ لأن دم الحيض إنما يتألف وينضم من سائر أجزاء البدن في حال الحيض، فمعنى الحيض أَوْلى بالاسم أيضاً. فإن قيل: إنما يتألف ويجتمع دم الحيض في أيام الطهر، ثم يسيل في أيام الحيض. قيل له: لو كان تألفه واجتماعه في أيام الطهر لسال، إذ ليس هناك مانع من السيلان، فعلمنا أنَّ اجتماعه إنما يكون في الأوقات التي يوجد (١) القيامة: ١٨. (٢) أحكام القرآن للجصاص ٣٦٥/١، المغني مع الشرح الكبير ٨٢/٩، وعزاه الزبيدي في تاج العروس (عطل) ٩/٣٠ (ط الكويت) إلى عمرو بن كلثوم، ومعنى: عَيْطل، أي المرأة الطويلة. ومعنى: لم تقرأ جنينا: أي لم يَضُمُّ رحمُها على الجنين. وينظر أيضاً تاج العروس ١ / ٣٧٠ (قرأ). ٢٢٩ باب العِدَد والاستبراء فيها الخروج والسيلان، وإن كان القرء اسماً للخروج من حال إلى حال، فإنه يرجع في المعنى إلى الضم والتأليف، وذلك لانضمام حال الطهر إلى الحيض، أو الحيض إلى الطهر، فيعود إلى المعنى الأول. ثم قد علمنا أنَّ اسم القرء يتناول الحيض والطهر جميعاً (١)، وذلك لأن الصحابة لما اختلفت، فتأوله بعضهم على الحيض، وبعضهم على الطهر، علمنا أنَّ الاسم يتناول كلَّ واحد من المعنيين(٢)، لولا ذلك لما جاز لهم تأويل الآية عليه، وإذا صح ذلك اعتبرنا فوجدنا الحقيقة للحيض دون الطهر، بدلالة ما قدَّمنا. ومما يدل على أنَّ اسم القرء يلزم الحيض حيثما وُجِدَ، وقد يفارق الطهر، فلا يسمى قرءاً: وهو طهر الآيسة والصغيرة، فعلمنا أنَّ اسم القرء يتناول الحيض حقيقة، والطهر مجازاً، لأن أسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها بحال، فدل على(٣) أنَّ اسم القرء للطهر الذي بين الحيضين مجاز، سمي بذلك لمجاورته الحيض، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا کان مجاوراً له. ويدل على أنَّ المراد بالأقراء الحيض: أنَّ الاسم لما تناولهما على ما ذكرناه، واتفق الجميع على أنَّ المراد أحدهما (٤)، احتجنا إلى طلب (١) أحكام القرآن للجصاص ٣٦٥/١. (٢) أحكام القرآن للجصاص ٣٦٤/١. (٣) في (ق.ج): ((فدل ذلك على أنَّ اسم القرء يتناول الحيض حقيقة، والطهر مجازاً، إلا أنَّ الطهر الذي بين الحيضين مجاز، فسمي بذلك المجاورة الحيض)). (٤) أحكام القرآن للجصاص ٣٦٦/١، المغني والشرح الكبير ٨٢/٩. ٢٣٠ باب العِدَد والاستبراء المراد، فوجدنا لغة النبي صلى الله عليه وسلم في الأقراء أنها الحِيَضْ، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها))(١). وقال لفاطمة بنت أبي حُبَيْش(٢): ((فإذا أقبل قرؤك فدعي الصلاة، فإذا أدبر فاغتسلي وصلي ما بين القرء إلى القرء)). فكانت لغة النبي صلى الله عليه وسلم في القروء أنه الحِيَض، فوجب أن يكون معنى الآية محمولاً عليه؛ لأن القرآن لا محالة نزل بلغة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المبيِّن عن الله تعالى معنى الألفاظ المحتملة(٣). وأيضاً: حديث ابن عمر، وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان)) (٤)، وقد تقدم ذكر سندهما. وأيضاً: لما قال الله تعالى: ﴿وَلَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ آرَْبْتُ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (٥)، فأقام الشهور مقام الحيض عند عدمها، دل ذلك على أنَّ الأصل هو الحيض، كما أنه لما قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ﴾(٦) علمنا أنَّ الأصل الذي نقل عنه إلى الصعيد هو الماء. (١) سنن الترمذي ٢٢٠/١ - ح١٢٦، سنن أبي داود ٢٠٩/١ -ح٢٩٧، السنن الكبرى للبيهقي ٤١٦/٧. (٢) سنن أبي داود ١٩١/١ -ح٢٨٠. بمعناه. (٣) في (ق.ج): ((المختلفة))، وينظر أحكام القرآن ٣٦٦/١. (٤) سنن أبي داود ٦٣٩/٢- ح٢١٨٩، سنن الترمذي ٤٨٨/٣ - ح ١١٨٢. قال أبو عیسی: حديث عائشة حديث غريب. (٥) الطلاق: ٤. (٦) المائدة: ٦. ٢٣١ باب العِدَد والاستبراء ويدل عليه: أنَّ الله تعالىُ حَصَر الأقراء بعددٍ يجب استيفاؤه في العِدَّة، وهو قوله: ﴿ثَثَةَ قُرُوْءٍ﴾(١)، واعتبار الطهر فيه يمنع استيفاء العدد بكماله؛ لأنه إذا أراد أن يطلقها للسُّنَّة، فلا بدَّ أن يصادف طلاقه في الطهر قد مضى فيه من الطهر بعضه، ثم يجب عنده بعد ذلك طهران آخران، فهذان قرءآن، وبعض الثالث، فلما تعذر استيفاء الثالث إذا أراد طلاق السنة، علمنا أنَّ المراد هو الحيض الذي يمكن (٣) استيفاء العدد المذكور في الآية بكماله(٣). وليس هذا كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾(٤)، والمراد: شهران وبعض الثالث؛ لأنه لم يحصرها بعدد، وإنما ذكرها بلفظ الجمع. والأقراء محصورة بعدد وهو ثلاثة، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: رأيت ثلاثة رجال، ومرادك رجلان، ويجوز أن تقول: رأيت رجالاً، والمراد رجلان. فصل : [انتهاء العدة] قال أبو جعفر: (فإذا طهرت من الحيضة الثالثة: فقد حلَّت لغيره)(٥). وذلك لأن عدتها قد انقضت، وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ (١) البقرة: ٢٢٨. (٢) في (ق.ج): ((لا يمكن)). (٣) أحكام القرآن ٣٦٧/١. (٤) البقرة: ١٩٧. (٥) مختصر الطحاوي ص ٢١٧. ٢٣٢ باب العِدَد والاستبراء جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىَّ أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾(١). * قال: (فإن أخَّرت الغُسْل من الحيضة الثالثة، وكان حيضها دون العشرة: كانت في العدة حتى تغتسل، أو يمضيَ عليها وقت الصلاة)(٢). قال أبو بكر: قد روي عن علي، وعمر، وعبد الله(٣) في آخرين من الصحابة اعتبار الغسل من الحيضة الثالثة (٤). ووجه ذلك: أنَّ أيامها إذا كانت دون العشرة، فجائز أن يعاودها الدم، فتكون العدة باقية، فلم يكن في انقطاع الدم حكمٌ بانقضاء الحيض، فإذا اغتسلت انقطع حكم الحيض بالاتفاق، فانقضت العدة. وإذا مضى عليها وقت صلاة، فقد لزمها فرض الوقت، ولزوم فرض الوقت ينافي بقاء حكم الحيض؛ لأن الحائض لا يلزمها فرض الصلاة، وأما إذا كانت أيامها عشراً، فإنه قد ثبت عندنا أنَّ الحيض لا يكون أكثر من و عشرة أيام، ففي انقضاءِ العشرة انقضاء الحيض. * قال: (ولو كانت في سفر ولا ماء معها، فتيممت، فإن أبا حنيفة قال: هي في العدة على حالها حتى تصليَ بتيمُّمها)(٥). وذلك لأن التيمم لا يرفع الحدث عندنا، وإنما يبيح الصلاة، فحالها (١) البقرة: ٢٣٤. (٢) المبسوط ٢٣/٦. (٣) أي ابن مسعود رضي الله عنه، والله أعلم. (٤) أحكام القرآن ٣٧١/١، السنن الكبرى للبيهقي ٤١٧/٧. (٥) انظر المبسوط ٢٨/٦. ٢٣٣ باب العِدَد والاستبراء بعد التيمم كهي قبله، فإذا صلَّت فقد تعلق به حكم لا يلحقه الفسخ بوجود الماء، فصارت في حكم الطاهرات، وانقضت به العدة. * قال أبو جعفر : (وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تيممت فقد خرجت من العدة)(١). قال أبو بكر : أبو يوسف مع أبي حنيفة في هذه المسألة، وهذا قول (٢) محمد وحده(٢). ووجهه: أنه قد يُستباح به فعل الصلاة، وقراءة القرآن ، ودخول المسجد، ونحو ذلك مما هو محظورٌ فعله على الحائض، فخرجت بذلك من حكم الحيض؛ لأن حكم الحيض لو كان باقياً، لما جاز لها أن تستبيح هذه الأفعال. والانفصال من ذلك لأبي حنيفة: أنَّ هذه الاستباحة تنفسخ بوجود الماء، وبطلان حكم التيمم. وليس كذلك الصلاة؛ لأنها لا تنفسخ برؤية الماء، وأما قراءة القرآن فإنها وإن وقعت على جهة الإباحة: لا تنفسخ، فليست صحة التلاوة معلّقةً بوجوب الطهارة؛ لأن التلاوة حاصلة سواء كانت طاهراً أو حائضاً، فلم يجب أن تعتبر في صحة حكم التلاوة(٣)، وليس كذلك الصلاة؛ لأنها لا يصح حكمها إلا بعد الطهارة. (١) المرجع السابق. (٢) المصدر السابق، وبدائع الصنائع ٤ /١٩٨١. (٣) في الأصل: (الطهارة). ٢٣٤ باب العِدَد والاستبراء مسألة : [عدة الزوجة النصرانية] قال أبو جعفر : (ولو كانت الزوجة نصرانية: خرجت من العدة بانقطاع الدم عنها). وذلك لأنه ليس عليها غُسْل، فهي بمنزلة المسلمة إذا اغتسلت. مسألة : [عدة الأمة بعد الإعتاق] قال: (ومَن طلق زوجته وهي أمة، ثم أُعتقت وهي في العدة، فإن كان الطلاق رجعياً: صارت عِدَّتُها ثلاث حِيَض، وإن كانت بائناً: فعِدَّتُها عِدَّة الأمة على ما كانت)(١). قال أبو بكر : اعتبر انتقال عدتها عند العتق بالموت (٢)، فإذا انتقلت بالموت انتقلت بالعتق، وإذا لم تنتقل بالموت لم تنتقل بالعتق، والمعنى الجامع بينهما: أنَّ كل واحد من السبيلين(٣) يوجب نَقْل العدة. ألا ترى أنَّ عدة الحرة ثلاث حِيَض، كما أنَّ عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً، فلو أنَّ رجلاً طلق امرأته طلاقاً رجعياً، ثم مات عنها وهي في العدة: صارت إلى عدة الوفاة، كذلك إذا أُعتقت: وَجَبَ أن تنتقل عدتها إلى ثلاث حِيَض، ولو مات عنها وهي بائن: لم تنتقل عدتها، كذلك لا (٤) تنتقل بالعتق ٠ (١) بدائع الصنائع ٢٠١٩/٤. (٢) بدائع الصنائع ٤ /٢٠١٨. (٣) في (ق.ج): ((الشبهتين)). (٤) في (ق.ج): ((العدة)). ٢٣٥ باب العِدَد والاستبراء مسألة : [استئناف العدة بعد ارتفاع الحيض] قال: (وإذا كانت ممن تحيض، فارتفع حيضها من غير حَمْل: كانت في عدتها أبداً حتى تحيض ثلاث حِيَض، أو تيأس من الحيض، فتستقبل عدة الآيسة من المحيض، وهي ثلاثة أشهر)(١). قال أبو بكر : وهذا قول علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم(٢). * وروي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس: أنها تمكث تسعة أشهر، فإن لم تحض: اعتدت ثلاثة أشهر بعد ذلك(٣). وهو قول مالك بن أنس (٤). والحجة للقول الأول: قول الله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ ثَلَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ (٥)، فالاعتداد بالأقراء واجب بظاهر الآية إلى أن يجيء ما ينقلها عنها. وقال الله تعالى: ﴿ وَلَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَابِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُمُّ فَعِذَّتُهُنَّ (١) أحكام القرآن ٤٥٦/٣، بدائع الصنائع ٢٠١٩/٤، مختصر الطحاوي ص٢١٨. (٢) السنن الكبرى للبيهقي ٤١٩/٧. (٣) المرجع السابق. (٤) انظر شرح موطأ الإمام مالك للزرقاني ٤ /١٣١. (٥) البقرة: ٢٢٨. ٢٣٦ باب العِدَد والاستبراء ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ﴾(١)، فنقل إلى الشهور عند اليأس من المحيض، وارتفاعُ الحيض للتشابه: ليس باليأس، فوجب اعتبار الأقراء إذا كان ذلك يُرجى لها. فإن قال قائل: لما قال الله تعالى: ﴿ وَأَلَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ أَرْبَّبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾، فنقلها عند الارتياب إلى الشهور، وارتفاعُ الحیض یوجب الارتیاب، وجب أن تکون عدتها بالشهور. قيل له: ليس المراد: الارتياب في اليأس، وإنما هو ارتياب المخاطَبين قبل نزول الآية فيما يجب من العدة على مَن كانت هذه حالها. وروي نحو هذا التأويل عن ابن مسعود(٢) قال: وذلك أنَّ الله تعالى لما بَيَّن طلاق ذات الحِيَض، وطلاق الحامل، شكّوا في اليائسة، فلم يدروا ما عدتها؟ فأنزل الله تعالى مخبراً عن الحال التي خرج عليها الخطاب قوله: وَأَّتِى بَيِسْنَ﴾. ويدل على صحة ذلك: أنَّ اليأس لا يكون مع الارتياب، ورجاء الحیض، لأنه ضده. ويدل عليه أيضاً: اتفاق الجميع(٣) على أنها إذا لم تَرْتَبْ، وعُلِم أنها لا تحيض، ولا تَحْبَل أبداً: كانت هذه(٤) عدتها، فعَلِمْنا أنَّ الارتياب في (١) الطلاق: ٤. (٢) أحكام القرآن ٤٥٧/٣، السنن الكبرى ٤١٩/٧. (٣) أحكام القرآن ٤ /٤٥٧. (٤) في الأصل: ((هي)). ٢٣٧ باب العِدَد والاستبراء اليأس ليس بشرط في الاعتداد بالشهور، وأن المعنى فيه حصول اليأس. فإن قال قائل: اليأس قد يجامعه الرجاء، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْيَبِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُرِ﴾(١). قال الشاعر: ((والنفس بین طمع ویأس)). قيل له: أما قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَانَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْيَبِسُواْ مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُرِ﴾: فليس معهم طمع ولا رجاء للآخرة؛ لأنهم كانوا كفاراً لا يعتقدون البعث، وكانوا آيسين عند أنفسهم غير طامعين ولا راجين، وكيف يكون ذلك، وقد شبَّههم بيأس الكفار من أصحاب القبور أن يرجعوا إليهم. وأما قول الشاعر: فإن كان ممن يُحتج بقوله، فمعناه: فالنفس بين طمع، وخوف اليأس بانقطاع الطمع. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْيِّئَسُواْ مِن رَّوْجِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأْيِّئَسُ مِن رَّوْجِ اَللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ اُلْكَفِرُونَ﴾(٢)، ومعلوم أنَّ المراد لا تقطع الرجاء من الله، فإنه لا يقطع الرجاء من الله إلا القوم الكافرون. فدل أنَّ الرجاء والإياس ضدَّان لا يجتمعان، فلما قال الله تعالى: : وَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾: علمنا أنَّ مراده انقطاع الرجاء من وجود الحيض. (١) الممتحنة: ١٣. (٢) يوسف: ٨٧. ٢٣٨ باب العِدَد والاستبراء مسألة : [عدة الصغيرة والآيسة] قال: (وعدة الصغيرة والآيسة الحرة: ثلاثة أشهر، وإن كانت أمة: فشهر ونصف)(١). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَلَّتِى لَمْ يَحِضْنَ﴾(٢)، وعدة الأمة على النصف من عدة الحرة، ولا خلاف بين المسلمين فيها. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان))(٣). وقال عمر بن الخطاب: «لو استطعت أن أجعلها حيضة ونصف، لفعلت))(٤)، يعني أنَّ الحيضة لا تتبعض، فلذلك كانت عدتها حیفتین. * (وإذا حاضت الصغيرة قبل انقضاء العدة: استأنفت العدة بالحِيَض)(٥). وذلك لأن الله تعالى أوجب الشهور عند عدم الحيض، فإذا وجدت الحَيْضَ، بطل حكم الشهور، فانتقلت إلى الحِيَض. (١) بدائع الصنائع ٢٠٠٦/٤. (٢) الطلاق: ٤. (٣) سبق تخريجه. (٤) السنن الكبرى للبيهقي ٤٢٦/٧. (٥) بدائع الصنائع ٢٠١٩/٤. ٢٣٩ باب العِدَد والاستبراء مسألة : [عدة المتوفى عنها زوجها] قال : (وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، سواء دخل بها أو لم يدخل بها، إذا كانت حرة)(١). لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢)، وهو عام في المدخول بها وغيرها، ولا خلاف فيه بين أهل العلم. وقد كانت عدة المتوفى عنها زوجها سنة، لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةٌ لِأَزْوَجِهِم مَّتَدعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾(٣)، فحكم فيها بثلاثة أشياء: أحدها: إيجاب العدة سنة. والآخر: نفقتها في الحول في مال الزوج. والثالث: منع الخروج. فنسخ منها ما عدا الأربعة الأشهر والعشر، ونسخ وجوب نفقتها في مال الزوج بما جعل لها من الربع والثمن في ماله، وبقي مَنْع الخروج في الأربعة الأشهر والعشر (٤). (١) المبسوط ٣٠/٦، بدائع الصنائع ٢٠٠٠/٤. (٢) البقرة: ٢٣٤. (٣) البقرة: ٢٤٠. (٤) أحكام القرآن ٤/٤. ٢٤٠ باب العِدَد والاستبراء مسألة : [عدة الأمة] قال: (وإن كانت أمة: فعدتها على النصف)(١)، لما بيَّنَّاه. مسألة : [عدة الحامل] قال: (وعدة الحامل في جميع هذه الوجوه أن تضع حملها)(٢). لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾(٣)، وذلك عموم في الجميع؛ لأنه لفظ مكتفٍ بنفسه عن تضمينه لغيره. ويُروى عن علي بن أبي طالب، وابن عباس رضي الله عنهما أنَّ عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً أبعدُ الأجلين، يعني وضع الحمل أو مضيَّ أربعة أشهر وعشر (٤). وقال عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وأبو مسعود البدري: عدتها أن تضع حملها(٥). وقد روى إبراهيم عن الأسود عن أبي السنابل بن بعكك أنَّ سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بثلاث وعشرين، فتشوفت للنكاح، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن تفعل فقد حلّ (١) انظر الهداية مع البناية ٤ /٧٧٦. (٢) البناية ٤ / ٧٧٧. (٣) الطلاق: ٤. (٤) أحكام القرآن ٤١٥/٣، سنن الترمذي - ح١١٩٤، فتح الباري ٤٧٤/٩. (٥) أحكام القرآن ٤١٥/٣.