النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ باب الظِّهَار مسألة : قال: (وإذا جامعها نهاراً متعمِّداً في الشهرين: استقبل في قولهم)(١). لأنه أفسد الصوم، فبطل التتابع. مسألة : [عدم صحة الظهار للذمي] قال: (ولا يصح ظهار الذمي)(٢). لأن الظهار يوجب تحريماً ترفعه الكفارة، والذمي لا كفارة عليه، فلم يتعلق بقوله حكم التحريم، إذ لو حرَّمناها، لم يكن تحريماً مؤقتاً بالكفارة. (١) العناية مع شرح فتح القدير ٢٦٦/٤. (٢) بدائع الصنائع ٢١٢٢/٥، وهذا عند فقهاء الحنفية والمالكية، وقال الإمام الشافعي رحمه الله، وهي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله: يصح ظهاره، ويصح في الكفارة منه العتق والإطعام. انظر المغني والشرح الكبير ٥٥٥/٨. ٢٠٢ باب اللعان باب اللعان مسألة : [شروط اللعان] قال أبو جعفر(١): (وإذا قال الرجل لزوجته وهو حرٌّ، مسلم، بالغ، عاقلٌ، غير محدود في قذف، وهي كذلك: زنيتٍ، أو قال: يا زانية: كان عليه اللعان إذا طالبته بذلك، وأيهما لم يلتعن: حُبِس حتى يلتعن إذا طالب الآخر)(٢). قال أبو بكر: الأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّمْ شُهَدَآءُ إِلََّ أَنفُسُهُمْ ... ﴾ (٣). الآيات. * (وأيهما لم يلتعن: حُبس حتى يلتعن، أو يقرَّ الزوج بكذبه على المرأة). وذلك لأن القذف أوجب لها حق اللعان عليه، كما أوجب الجلد في الأجنبية، فلا يجب إلا بالمطالبة. فإذا أبىُ: أُجبر عليه؛ لأن ذلك حق لها كسائر الحقوق إذا امتنع الذي (١) مختصر الطحاوي ص٢١٥. (٢) المبسوط ٣٩/٧، بدائع الصنائع ٢١٤٨/٥، شرح فتح القدير ٢٧٦/٤، حاشية ابن عابدين ٤٨٣/٣. (٣) النور: ٦. ٢٠٣ باب اللعان لزمه من الخروج منها. وكذلك إن أبت هي اللعان: أُجبرت عليه؛ لأن ذلك حق للزوج عليها في قطع فراشها، ونفي ولدها إن كان هناك ولد. مسألة : [موانع اللعان] قال أبو جعفر : (فإن كان الزوج عبداً، أو محدوداً في قذف: لم یجب اللعان، وعليه الحد)(١). قال أبو بكر : يمنع اللعان بين الزوجين أحد معنيين(٢): إما أن تكون المرأة ممن لا يُحَدُّ قاذفها، أو الزوج لا حَدَّ عليه لو قذف أجنبياً، فمتى امتنع اللعان من هذا الوجه فلا حدَّ عليه، ولا لعان. والمعنى الآخر: أن يكون الزوج ممن يصح قذفه، والمرأة ممن تصح أن تكون مقذوفة، إلا أنَّ اللعان يبطل، بمعنى: تبطل الشهادة. فإن كان ذلك من قِبَل الزوج أو من قِبَلها، فعلى الزوج الحدُّ، نحو أن یکونا محدودین في قذف. وإن كان من قِبَل المرأة دون الزوج، فلا حدَّ ولا لعان، نحو أن تكون المرأة محدودة في قذف، والزوج ليس كذلك. والأصل في اعتبار معنى الشهادة في المتلاعنين: قول الله تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْأَرْبَعُ شَهَدَتٍِ بِاللَّهِ﴾(٣)، وقال في المحدود في القذف: ﴿وَلَا (١) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٨٢/٤، بدائع الصنائع ٢١٥٢/٥. (٢) أحكام القرآن للجصاص ٢٨٥/٣. (٣) النور: ٦. ٢٠٤ باب اللعان نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَدَةً أَبَدًا﴾(١)، فانتفى بذلك قبول شهادة المحدود في القذف على وجهٍ من الوجوه، وقد سمَّى الله تعالى اللعان شهادة، فانتفى عن المحدود في القذف بعموم الآية. وإذا صح ذلك في المحدود في القذف، كان كذلك حكم سائر مَن ليس من أهل الشهادة من وجهين: أحدهما: اتفاق الجميع على أنه لا فَرْق بين المحدود في القذف وغيره ممن ليس من أهل الشهادة، وأنه متى انتفى اللعان من أحدهما، انتفى من الآخر. والوجه الثاني: قياس عليه بعلةِ أنَّ الحد في القذف يُخرجه من أن يكون من أهل الشهادة، ثم مُنِع اللعان، فوجب أن يكون كل وصفٍ يُخرجه من أن يكون من أهل الشهادة بمثابته. وأيضاً: لما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ﴾(٢)، فأثبتهم شهداء، ومعلوم أنَّ الإنسان لا يكون شاهداً لنفسه، فكانت فائدة ذكر الشهادة فيه: اعتبار كونه من أهل الشهادة في إيجاب اللعان. فإن قال قائل: الأعمى، والفاسق ليسا من أهل الشهادة، ويلاعِنان(٣). قيل له: ليس كذلك؛ لأن الأعمى من أهل الشهادة، وإنما المانع (١) النور: ٤. (٢) النور: ٦. (٣) أحكام القرآن للجصاص ٢٨٧/٣. ٢٠٥ باب اللعان من قبولها ما يحجره عن رؤية المشهود عليه، كرجل (١) أشهد على رجل من وراء الحجاب، فلا يُخرجه ردُّها لشهادته من كونه من أهل الشهادة. وهذا المعنى غير معتبر(٢) في اللعان؛ لأنه لا يُحتاج في وجوب اللعان بينهما أن يقول: رأيتُها تزني، وإنما يقول: هي زانية، فلما لم يكن من شرط اللعان أن يقذفها بزنى بمعاينة منه، لم يعتبر (٣) الحائل بينه وبينها من عدم البصر. وأما الفاسق، فإنه من أهل الشهادة؛ لأنها لم تُرَدَّ من طريق الحكم، وإنما رُدَّت من جهة الاجتهاد. وأيضاً: فإن شهادته لم تبطل من طريق الحكم؛ لأن الحكم بإبطال شهادته من جهة الفسق لا يصح. وليس كذلك الكافر، والعبد، والمحدود في قذف؛ لأن بطلان شهادة هؤلاء من جهة الحكم؛ لأن الكفر يصح الحكم به، ويثبت بالبينة عند الحاكم، وكذلك الرق، والحد في القذف، ولا يصح إثبات الفسق بالبينة عند الحاكم، ولا يجوز الحكم به، فلذلك اختلفا. وأيضاً: فإن الفسق غير متيقّن منه في حال الشهادة، إذ جائز أن يكون قد تاب في الحال من فسقه فيما بينه وبين الله تعالى، فتصح توبته، فليس فسقه في هذه الحال من جهة اليقين، والكفر يقين؛ لأنه لو تاب فيما بينه (١) في (ق.ج): ((عدل)). (٢) في (ق.ج): ((معين)). (٣) في (ق.ج): ((لم يعين)). ٢٠٦ باب اللعان وبين الله تعالى لم يكن مسلماً حتى يُظهره بلسانه، فكذلك الرق، والحد في القذف متيقّن، فلذلك فارق هذه الأشياء الفسق. وأيضاً: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا لعان بين أهل الكفر وأهل الإسلام، ولا بين العبد وامرأته)) (١). حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن حمويه بن سنان التستري قال: حدثنا الحسن بن إسماعيل عن مجالد المصيصي قال: حدثنا حماد بن خالد عن معاوية بن صالح عن صدقة أبي توبة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أربعٌ ليس بينهن ملاعنة: اليهودية، والنصرانية تحت المسلم، والمملوكة تحت الحر، والحرة تحت المملوك)»(٢). فهذا الذي ذكرناه دليل في اعتبار كون الملاعن من أهل الشهادة. * وأما اعتبار المرأة في كونها ممن يحد قاذفها، فإن الأصل فيه: أنَّ حد قاذف الزوجات والأجنبيات كان الجلد بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةَ فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً﴾(٣). والدليل على ذلك: حديث إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ((أنَّ رجلاً من الأنصار أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: لو أنَّ رجلاً (١) لم أقف عليه بهذا اللفظ. (٢) سنن ابن ماجه ٦٧٠/١، مصنف عبد الرزاق ١٢٧/٧، أحكام القرآن ٣٨٧/٣، نصب الراية ٢٤٨/٣، وأشار إلى ضعفه. (٣) النور: ٤. ٢٠٧ باب اللعان وَجَدَ مع امرأته رجلاً، فتكلم به جلدتموه، أو قَتَل فقتلتموه، أو سَكَتَ سَكَتَ على غيظ، فقال: اللهم افتح، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان)). وذكر الحديث(١). وروى هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس «أنَّ هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: البينة أو حدٍّ في ظهرك. فقال هلال: والذي بعثك بالحق! إني لصادق، وليُنْزِلنَّ الله في أمري ما يبرىء ظهري من الجلد، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾)). وذكر الحدیث(٢). فثبت بذلك أنَّ حد الزوج في قذفه للمرأة كان الجلد، كالجلد في قذفه للأجنبية، ثم أبدل الله تعالى الزوج من الجلد اللعان، فمَن لا يجب على قاذفها الحدُّ، لا يجب على زوجها اللعان بقذفه إياها، إذ كان اللعان أقيم مقام الجلد فيمن يجب على قاذفها الجلد. ويدل على ذلك: أنَّ مَن قذف امرأته، فأوجبنا عليه اللعان، ثم أَكذَبَ نفسه: وجب عليه الحد، وسقط اللعان، فحين سقط اللعان، عاد إلى الأصل الذي كان واجباً عليه قبل وجوب اللعان (٣). (١) صحيح مسلم ١١٣٣/٢ - ح١٤٩٥، سنن أبي داود ٦٨٥/٢ - ح ٢٢٥٣، الفتح الرباني ١٧ / ٢٤. (٢) صحيح البخاري ٤/٥، صحيح مسلم ١١٣٤/٢ - ح١٤٩٦، سنن أبي داود ٦٨٦/٢ -ح٢٢٥٤، فتح الباري ٤٤٩/٨. (٣) أحكام القرآن للجصاص ٢٨٥/٣. ٢٠٨ باب اللعان مسألة : [حكم محدود القذف في اللعان] قال : (وإذا قذفها وهو محدودٌ في قذف، أو عبدٌ وهي حرة مسلمة: فعليه الحد)(١). وذلك لأن اللعان سقط من جهته، فصار كإكذابه لنفسه في باب سقوط اللعان من جهته، فوجب عليه الحد. وأيضاً: لما لم يجب اللعان لأنه عبد، صار كقاذف الأجنبية(٢). * قال : (وإن كانت هي محدودة في قذف، وهو حرَّ مسلم غير محدود: فلا حدَّ عليه). لأن اللعان سقط من جهتها، فهو كتصديقها إياه. * (ولو كانا جميعاً محدودين في قذف: فعليه الحد)(٣). لأنه هو الذي يبدأ باللعان، وقد امتنع ذلك من جهته، فيحد. مسألة : [الفرقة في اللعان] قال: (ولا تقع الفرقة بعد اللعان حتى يفرِّق الحاكم بينهما)(٤). قال أبو بكر: وقال زفر: إذا فَرَغا من اللعان: وقعت الفرقة. وجه القول الأول: ما روى الزهري عن سهل بن سعد الساعدي ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما لا عَنَ بين العجلاني وامرأته قال: كذبتُ (١) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٨٢/٤. (٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٨٣/٤. (٣) المصدر السابق ٢٨٤/٤. (٤) المبسوط ٤٣/٧، الهداية مع شرح فتح القدير ٢٨٥/٤. ٢٠٩ باب اللعان عليها إن أمسكتُها)) (١). وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: ((كذبتُ عليها إن لم أفارقها، هي طالق ثلاثاً، قال: ففارقها قبل أن يفرِّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما))، فكانت سُنَّة المتلاعنين. وفي حديث آخر: ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم فرَّق بين المتلاعنين))، وأنه قال: ((ذاكم التفريق بين كل متلاعنين))(٢). وهذه الألفاظ كلها دالة على أنَّ الفرقة غير واقعة باللعان، وذلك لأن العجلانيَّ لما قال: ((كذبتُ عليها إن أمسكتُها))، و: ((إن لم أفارقها هي طالق ثلاثاً)): فتضمَّن هذا القول إخباراً منه بأنها امرأته، إلا إن طلقها، وتَرَكَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم النكيرَ عليه في إخباره بأنها امرأتُه، باقيةً معه على النكاح، مباحةً له، ولا يجوز أن يترك النبي صلى الله عليه وسلم النكير على مَن أخبر بإباحة فرجٍ محظور، وببقاء نكاح قد بطل، ووقعت البينونة فيه، فلما تَرَك النبيُّ عليه الصلاة والسلام النكير عليه، دلَّ على أنها كانت امرأته على ما أخبر به إلى أن طلقها. ويدل عليه قوله: ((ففارقها قبل أن يفرِّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما))، ولو كانت الفرقة واقعة بنفس اللعان، لم يصح قوله: ((ففارقها)). (١) صحيح البخاري ١٧٩/٦، صحيح مسلم ١١٢٩/٢ - ح ١٤٩٢، سنن أبي داود ٦٧٩/٢. (٢) ينظر الحاشية السابقة. ٢١٠ باب اللعان وقد ذُكر في حديث الزهري هذا لفظٌ آخر فيه تصريحٌ بإبطال قول مخالفنا(١). وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال حدثنا ابن وهب عن عياض(٢) بن عبد الله الفهري وغيره عن ابن شهاب عن سهل بن سعد أنه ذكر قصة عويمر العجلاني، واللعانَ الذي کان بينهما فقال فيه: ((فطلَّقها ثلاثَ تطليقات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ما صَنَعَ عند النبي صلى الله عليه وسلم. قال سهل: حضرتُ هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمضت السنَّة بعدُ في المتلاعنين: أن يُفرَّق بينهما، ثم لا يجتمعا أبداً)). فزعم بعض المخالفين أنَّ الفرقة كانت واقعةً بلعان الزوج، وأن البائنة لا يلحقها الطلاق، وفي هذا الخبر تصريح ببطلان قوله؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفذ تطليقاته الثلاث، ولو كانت الفرقة واقعة باللعان (١) اختلف الفقهاء في الفرقة هل تكون بنفس اللعان، أو بإيقاع الحاكم، أو بلعان الزوج؟ فقال أبو حنيفة وصاحباه، وهي رواية عن الإمام أحمد: بأن الفرقة تقع بإيقاع الحاكم، أو بطلاق الزوج، ولا تقع باللعان. وقال مالك والشافعي، وهي رواية عن الإمام أحمد، وقول للإمام زفر من الحنفية: أنها تقع باللعان نفسه، ولا حاجة إلى تفريق الحاكم، أو إلى طلاق الزوج. انظر التفصيل فتح الباري: ٤٤٧/٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٢٨٥/٤، بداية المجتهد ١٢١/٢، المغني والشرح الكبير ٢٩/٩. (٢) في (ق.ج): ((عاصم)). ٢١١ باب اللعان لما نفذت على قوله. ودلالته قائمة أيضاً على قولنا؛ لأن فرقة اللعان عندنا طلاق، فلو كانت واقعة لما نفذت التطليقات الثلاث، وإنما كان ينفذ منها اثنتان، وقد أخبر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفذ التطليقات الثلاث. وأيضاً: روي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ذاكم التفريق بين كل متلاعنين))(١)، ومعناه: فرِّقوا بينهما، فدل على أنّ الفرقة لم تقع بنفس اللعان(٢). ومن جهة النظر: أنَّ اللعان ليس بصريح البينونة، ولا كناية عنها، فلا تقع الفرقة حتى يفرِّق الحاكم، كسائر الألفاظ التي ليست بكناية عن البينونة. وأيضاً: لما تعلق حكم اللعان بالحاكم، أشبه الشهادة التي تتعلق صحتها بالحاكم، ولا يقع موجبُها من الفرقة حتى يقضي بها الحاكم، كما لا يثبت حكم الشهادة إلا بعد قضاء القاضي. ولیس کالإيلاء، لأنه يصح بغیر حكم حاكم، فكذلك ما يتعلق به من الفرقة. مسألة : [اللعان تطليقة بائنة] قال: (وفرقة اللعان تطليقة بائنة في قول أبي حنيفة ومحمد)(٣). (١) صحيح مسلم ١١٢٩/٢ - ح ١٤٩٢. (٢) شرح فتح القدير ٢٨٧/٤. (٣) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٨٦/٤. ٢١٢ باب اللعان لأنها تعلقت بسبب من جهة الزوج، حكمه مقصور على النكاح، لا يوجب تحريماً مؤبداً، وهذا هو حقيقة الطلاق. (وفي قول أبي يوسف: ليس بطلاق)؛ لأن من أصله: أنه يوجب تحريماً مؤبداً، والطلاق لا يوجب تأبيداً في التحريم. مسألة : [حكم المحدود في القذف في اللعان] (وإذا حُدَّ الزوج في قَذْف، أو المرأة، أو صارا بحيث لو اجتمعا ثم قَذَفَها لم يجب اللعان: جاز له أن يتزوجها في قول أبي حنيفة ومحمد))(١). وذلك لأن حدوث هذا المعنى يُبطل حكم اللعان الماضي، والدليل على ذلك أنه يمنع وقوعه في المستقبل، ومتى بطل حكم اللعان: جاز له أن يتزوجها إذا كان تحريم النكاح متعلقاً ببقاء اللعان، ألا ترى أنَّ هذا المعنى لو كان موجوداً وقت الفرقة (٢)، لم يجب اللعان. فإن قيل: لو بطل حكم اللعان، لعادت زوجته كما كانت. قيل له: لا يجب ذلك، لأن مَن طلق امرأته ثلاثاً، ثم تزوجت زوجاً آخر، فدخل بها: ارتفع به التحريم الموجَب بالطلاق الثلاث، ولا يعود العقد الأول بينهما، بل يحتاج إلى فراق الثاني وعَقدٍ مستقبل للأول، وكذلك حدوث ما ذكرنا، يرفع التحريم الواقع باللعان، ولا ترتفع مع ذلك البينونة إلا بنكاح مستقبل. ويدل على بطلان حكم اللعان بإكذابه نفسه، وجَلْد الحدِّ: أنَّ اللعان حدٍّ. (١) المصدر السابق ٢٨٨/٤. (٢) في (ق.ج): ((القذف)). ٢١٣ باب اللعان والدليل على ذلك ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن أحمد بن نصر الخراساني أبو جعفر قال: حدثنا عبد الرحمن بن موسى قال: حدثنا نوح بن دراج(١) عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ((لما لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المرأة وزوجها فرَّق بينهما، وقال: إن جاءت به أزجَّ القدمين يشبه فلاناً، فهو منه. قال: فجاءت به يشبهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من الحدِّ، لرجمتُها))(٢)، فسمى اللعان حدّاً. وقد روي: ((لولا ما مضى من الأيمان))(٣)، ((ولولا ما مضى من كتاب الله)). وكله صحيح يجوز أن يكون قال الجميع. فإذا أكذب نفسه وجُلِد الحد لذلك القذف: بطل حكم اللعان، لاستحالة اجتماع حدّین علیه في قذف واحد. فدل ذلك على أنَّ اللعان قد بطل حكمه، فبطل ما تعلق به من حكم التحريم، فجاز له تزويجها (٤). ويدل على بطلان حكم اللعان: أنه لو لاعنها بولد، ثم أكذب نفسه: لَحِقَ به نسب الولد، وهذا يدل على إبطال حكم اللعان؛ لأن نفي الولد (١) في (ق.ج): ((حراج)). (٢) أحكام القرآن ٢٨٦/٣. (٣) في سنن أبي داود ٦٨٨٢/٢ - ح٢٢٥٦: ((لولا الأيمان لكان لي ولها شأن)). (٤) انظر أحكام القرآن للجصاص ٣٠٢/٣. ٢١٤ باب اللعان كان أحد الأحكام المتعلقة باللعان. فإن قال قائل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المتلاعنان لا يجتمعان أبدا))(١). قيل له: إن هذا كلام الزهري(٢) مُدْرَج في الحديث، ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى محمد بن إسحاق عن الزهري عن سهل بن سعد في قصة المتلاعنين قال الزهري: ((فمضت السنة أنهما إذا تلاعنا: فُرِّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبداً)(٣). ولو ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدل على موضع الخلاف بيننا، وذلك لأنه علّق الحكم بالصفة، فيكون بقاؤه موقوفاً على بقاء الصفة، لأنه قال: ((المتلاعنان لا يجتمعان أبداً))، وهذا يقتضي مَنْع الاجتماع ما داما على حال التلاعن، وما دام(٤) حكم اللعان باقياً، فإذا أكذب نفسَه، وجُلِدَ الحدَّ: بطل حكم اللعان، وزال حال(6) التلاعن، وهذه الحال لم ينتظمها (٦) الخبر. (١) سنن أبي داود ٦٨٣/٢ - ح ٢٢٥٠. (٢) صحيح مسلم ١١٣٠/٢، شرح السنة للبغوي ٢٥٦/٩. (٣) جامع الأصول ٧٨٦/١٠. (٤) في الأصل: ((كان))، والمثبت من (ق.ج). (٥) في (ق.ج) ((حد)). (٦) (لم)): ساقط من الأصل، والمثبت من (ق.ج). ٢١٥ باب اللعان وهذا كقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾(١)، وكقوله تعالى: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾(٢)، وكقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾(٣)، والمعنى في جميع ذلك: مراعاة الصفة التي علق بها الحکم، دون لزومه(٤) على التأبید. ويدل على ذلك: ما روى ابن المبارك عن يونس عن الزهري في المتلاعنين لا يتراجعان أبداً إلا أن يكذِّب نفسَه، فيُجلد الحدَّ، فلا جناح عليهما أن يتراجعا(٥). فعلمنا أنَّ روايته: مَضَت السنة أن لا يجتمعا: يعني ما داما على حال التلاعن (٦). وكذلك تأويل قول مَن رُوي عنه من الصحابة أنهما لا يجتمعان، وهم: علي وعمر وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم(٧). وروي عن إبراهيم وسعيد بن المسيب أنه إذا أكذب نفسه، وجُلِدَ (١) التوبة: ٩١. (٢) التوبة: ٥. (٣) البقرة: ١٢٤. (٤) في (ق.ج): ((يراد به)). (٥) مصنف عبد الرزاق ١١١/٧. (٦) أحكام القرآن للجصاص ٣٠٢/٣. (٧) مصنف عبد الرزاق ١١٢/٧، السنن الكبرى ٤١٠/٧، والمغني ٣٣/٩. ٢١٦ باب اللعان الحدَّ: جاز له أن يتزوجها(١). ويُروى عن سعيد بن جبير: أنَّ فرقة اللعان لا تُبنُها منه، وأنه إذا أكذب نفسه: رُدَّت إليه امرأته، ولم يوافقه على ذلك أحد(٢). فإن قال قائل: روى سعيد بن جبير عن ابن عمر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين: ((حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها)»(٣)، ولو كان تحريمها غير مؤبَّد لبيَّنه، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجَا غَيْرَهُ﴾(٤). قيل له: أول ما في هذا أنَّ قوله: ((لا سبيل لك عليها)): لا يدل على تحريم نكاحها، وإنما يفيد البينونة وقَطْع الزوجية، كما تقول: لا سبيل لك علىُ الأجنبية، ولا علىُ عبدِ زيدٍ، ولا يفيد تحريم عقد النكاح والشراء. وعلى أنه لو كان يفيد مَنْع العقد، لكانت الدلائل التي ذكرناها في جواز العقد مضمومةً إليه، فيصير حينئذ كأنه قال: لا سبيل لك عليها ما دمتما على حال اللعان. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة(٥) لما قالت له: هل لك (١) مصنف عبد الرزاق ١١١/٧، أحكام القرآن للجصاص ٣٠٢/٣، المغني والشرح الكبير ٣٤/٩. (٢) صحيح مسلم ١١٣٢/٢. (٣) صحيح البخاري ٦/ ١٨١، صحيح مسلم ١١٣٠/٢. (٤) البقرة: ٢٣٠. (٥) أم المؤمنين أم حبيبة اسمها: رملة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية عمة عثمان بن عفان، تزوجها عبيد الله بن جحش، = ٢١٧ باب اللعان في أختي أن تتزوجها؟ فقال: ((إنها لا تحل لي)) (١)، ومعناه: ما كنتِ عندي، لا على التأبيد. ويدل من جهة النظر على جواز نكاحها: قول الله تعالى: ﴿فَنكِحُواْمَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾(٣)، وقوله: ﴿فَإِذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيَّ أَنفُسِهِنَ﴾ (٤)، ونحو ذلك من الآي المتضمنة لإباحة عقد النكاح. مسألة : [نفي الولد بعد الولادة] (وإذا نفى ولدَها بحضرة ولادتها إياه، أو بعد ذلك بيومٍ أو يومين: لاعنها، وانتفى ولدها، وإن لم ينفه في الوقت الذي ذَكَرْنا: لم يكن له أن يَنْفيَه بعد ذلك في قول أبي حنيفة)(٥). فولدت له حبيبة فکنیت بها. وكان عبيد الله بن جحش هاجر بأم حبيبة معه إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فتنصر، وارتد عن الإسلام، وتوفي بأرض الحبشة، وثبتت أم حبيبة على دينها، وزوجها النجاشي عنده لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمهر من عنده أربع مائة دينار، توفيت سنة أربع وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان. انظر طبقات ابن سعد ٨ /٩٦. (١) صحيح البخاري ١٢٥/٦، صحيح مسلم ١٠٧٢/٢ - ح١٤٤٩. (٢) النساء: ٣. (٣) النساء: ٢٤. (٤) البقرة: ٢٣٤. (٥) المبسوط ٥١/٧، الهداية مع شرح فتح القدير ٢٩٤/٤. ٢١٨ باب اللعان والأصل في نفي نسب الولد من الأب باللعان: ما رواه مالك وعبيد الله بن عمر وفليح بن سليمان عن نافع عن ابن عمر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم فرَّق بين المتلاعنين وألحق الولد بالمرأة(١). وفي حديث عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس ((أنَّ النبي صلىُ الله عليه وسلم قضى في ابن الملاعنة أن لا يُدعى لأب))(٢). وأما وجه قول أبي حنيفة في اعتبار حال الولادة من غير توقيت: فهو أنَّ الفقهاء متفقون على أنه لو سكت عن نفيه سنة أو سنتين: لم يكن له بعد ذلك أن ينفيه، وأن له نفيه بعد الولادة بالوقت اليسير، فجعل أبو حنيفة سكوتَه في الوقت الذي لو أراد نفيه نفاه: إقراراً بالولد، ولم يؤقِّت فيه شيئاً؛ لأنه محمول على ما يظهر من قبول التهنئة ونحوها. (وقال أبو يوسف، ومحمد: له أن ينفيَه ما بينه وبين أربعين يوماً)(٣)، لأن الأربعين مدة النفاس، ومدة النفاس هي حال الولادة، فلذلك اعتُبر فيه هذه المدة. فصل : قال أبو جعفر(٤): (وإن كان غائباً في حال الولادة، فقَدِم فيما بينه وبين حولين: كان له أن ينفيَه ما بينه وبين أربعين يوماً، ما كان ذلك في الحولين، فإن خرج الحولان: لم يكن له أن ينفيه بعد ذلك، فإن نفاه: (١) صحيح البخاري ١٨١/٦، صحيح مسلم ١١٣٣٤/٢ -ح١٤٩٤. (٢) سنن أبي داود ٦٩٠/٢-ح٢٢٥٦. (٣) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٩٥/٤. (٤) مختصر الطحاوي ص٢١٦. ٢١٩ باب اللعان لاعن بالقذف، وكان ابنه على حاله)(١). قال أبو بكر : لا نعرف تقدير هذين الحولين إلا فيما ذكره أبو جعفر، ويُشبه أن يكون إن صح اعتبار الحولين عنهم: أن يكون على قول أبي یوسف ومحمد في وقت الرضاع. ولأنه معلوم أنه لو قَدِمَ بعد عشر سنين أو عشرين سنة: لم يكن له نفیه. كذلك إذا انتقل من حد الرضاع إلى حال الاغتذاء بالطعام: لم يكن له أن ینفیه. وأما اعتبار الأربعين في الحولين إذا قَدِم، فهو كما اعتبر بعد الولادة إذا كان حاضراً. مسألة : [نفي الحمل] قال: (وإذا نفى حملَ امرأته: لم يلاعن في قول أبي حنيفة في حال الحمل، ولا بعد الولادة)(٢). وذلك لأنا لا نثبت القذف بالاحتمال والجواز؛ لأنه مما يسقط حكمه بالشبهة، فإذا كان الحمل غير معلوم من جهة اليقين، لم يثبت اللعان في الحال؛ لأنه بمنزلة الحد. وإن ولدت لأقل من ستة أشهر: لم يلاعن أيضاً؛ لأنه لمَّا لم يكن ذلك النفي قَذْفاً في الابتداء، لم يجز وقوفه على وضع الحمل، لأنه يصير قذفاً (١) المبسوط ٥٢/٧، شرح فتح القدير ٢٩٥/٤. (٢) شرح فتح القدير ٢٩٣/٤. ٢٢٠ باب اللعان معلّقاً بشرط، فلا یجب به لعان. كما أنه لو قال: إذا جاء رأس الشهر فأنتِ زانية، أو قال: إذا وضعتِ ما في بطنك فأنتِ زانية: لم يكن قَذْفاً يجب به حدٌّ، ولا لعان. وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لاعن بالحمل(١)، فإن الزوج كان قَذَفَها بالزنىُ، وكذلك نقول: إذا قذفها بالزنى؛ لاعَنَها حاملاً كانت أو غير حامل، وإنما الموضع الذي لا يوجب فيه أبو حنيفة اللعان: إذا قال: إن هذا الحمل ليس مني، ولم يقل: أنت زانية. وقد روي في حديث عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس في قصة المتلاعنين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرَّق بينهما، وقضى أن لا يُدعىُ ولدها لأب، وقال: إن جاءت به على صفة كَيْت وكَيْت، فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به على صفة أخرى ذكرها، فهو للذي رمیته به(٢). فذكر فيه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن لا يُدعى الولد الذي هي حامل به لأبٍ. وعباد بن منصور ضعيف جداً (٣)، ومع ذلك فإن أهل المعرفة بذلك لا يشكّون أنَّ في حديث عباد بن منصور كلاماً كثيراً، ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، مندرجاً في الحديث. (١) سنن أبي داود ٦٩٠/٢-ح٢٢٥٦، وبمعناه عند مسلم ١١٣٤/٢ -ح ١٤٩٧. (٢) المرجعين السابقين. (٣) مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري: ١٦٩/٣، تهذيب التهذيب ٩٠/٥، وقال أبو حاتم: كان ضعيف الحديث.