النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ باب الإيلاء ووجه رواية الحسن، وهو قول أبي يوسف ومحمد: أنَّ قوله: إن قربتك فأنتِ علي حرام، إذا أراد به اليمين، كان بمنزلة قوله: إن قربتك فوالله لا أقربك: فلا یکون مولیاً به. مسألة : [الحلف على الشرى في الإيلاء] (وإذا قال لامرأته وهي أمة: والله لا أقربك حتى أشتريَك: لم يكن مولياً؛ لأنه قد يشتريها لغيره، فلا يفسد النكاح. ولو قال: حتى أشتريَك لنفسي: كان كذلك أيضاً؛ لأنه قد يشتريها شراء فاسداً، و(١) لا يقبضها، فيبقى النكاح على حاله. ولو قال: حتى أشتريَك لنفسي وأقبضك: كان مولياً؛ لأنه إذا كان كذلك فسد نكاحها). فصار كقوله: لا أقربك ما دمتِ امرأتي، أو لا أقربك أبداً. * قال: (ولو قال: حتى أملكك: كان مولياً)، لأن ملكه إياها يفسد نکاحھا. [مسألة : ] (ولو قال: حتى أُعتق عبدي، أو: أُطلق امرأتي الأخرى: كان مولياً في قول أبي حنيفة ومحمد). من قِبَل أنه لا ينفك من أحد معنیین: إما أن لا يطأها فيحنث، أو يريد أن لا يحنث بوطئها، فيحتاج أن (١) في (ق.ج): ((جاز)). ١٦٢ باب الإيلاء يطلق امرأته، أو يعتق عبده حتى يصل إلى وطئها بغير حنث، والعتق والطلاق مما يصح الحلف بهما، فكان مولياً، كما لو قال: إن قربتك فعبدي حر، أو قال: فامرأتي طالق. * وكذلك كلما جعله غاية مما يصح الحلف به، مثل الصدقة والصيام ونحوه. (وقال أبو يوسف: لا يكون مولياً) بالغاية، لأنه إذا أعتق العبد، قَرُبَها بغير حنث، وليس عتق العبد واقعاً باليمين(١). [مسألة : ] قال: (ولو قال: والله لا أقربك حتى أقتل فلاناً: لم يكن مولياً في قولهم جميعاً). من قِبَل أنَّ قَتْل فلان مما لا يصح أن يكون جواباً لليمين، ولا يصح الحلف به. ومن هذا الوجه فارق(٢) عتق العبد، والطلاق، والنذر، من قِبَل أنَّ هذه الأشياء مما يصح الحلف بها، ويجوز أن تُجعل جواباً لليمين، فلذلك اختلفا. (١) المبسوط ٣٦/٧. (٢) في (ق.ج): ((أعتق العبد ولزم الطلاق)). ١٦٣ باب الإيلاء مسألة : [الإيلاء بامرأتين بلفظ واحد] قال: (ومَن قال لامرأتيه: والله لا أقربكما: كان مولياً منهما استحساناً، وكان القياس أن لا يكون مولياً)(١). وجه القياس: أنه لا يحنث بقرب إحداهما، ومتى وصل إلى وطئها بغير حنث، لم يكن مولياً منها. وكذلك قالوا: إنه لو قال لامرأته وأمته: والله لا أقربكما: أنه غير مول من امرأته حتى يقرب أمته؛ لأنه يصل إلى جماعها قبل قرب الأمة بغير حنث. ومن جهة الاستحسان: إن لجماع كل واحدة منهما تأثيراً في طلاق الأخرى؛ لأنه إذا جامع إحداهما، ثم ترك الأخرى أربعة أشهر: طلقت، فلما كان كذلك صار مولياً. وليس كذلك الأمة والزوجة؛ لأن جماع الزوجة لا تأثير له في طلاق الأمة، لأن ملك اليمين لا يلحقها طلاق. [مسألة : ] (وإن قال لامرأتيه: والله لا أقرب إحداكما: كان مولياً من واحدةٍ منهما). من قِبَل أنَّ قوله: إحداكما: لا يتناول إلا واحدة، ولا يتناولهما جميعاً، فكان مولياً من إحداهما. * (فإذا مضت أربعةُ أشهر: وقعت تطليقة، وقيل له: أوقِعْها على (١) انظر المبسوط ٢٦/٧. ١٦٤ باب الإيلاء أيتهما شئت)(١). لأنه لما كان مولياً من إحداهما، كان مضيُّ المدة موجباً لتطليقة في إحداهما بغير عينها، بمنزلة قوله: إحداكما طالق، فيكون الخيار إليه في صرف التطليقة إلى إحداهما. فإن أراد أن يجعل اليمين في إحداهما بعينها قبل مضي المدة: لم يكن له ذلك، من قِبَل أنَّ عقد اليمين لا يجوز أن يلحقه الفسخ عما وقع عليه، وقد علمنا أنَّ اليمين لم تتناول في حال العقد إحداهما بعينها، فلو عيَّنها في واحدة: كان فيه فسخ اليمين عما وقعت عليه. ألا ترى أنه لو قال: والله لا أدخل إحدى هاتين الدارين: أنه يحنث بدخول إحداهما أيتهما كانت، ولو أراد تعيين اليمين في إحداهما بعينها: لم يكن له ذلك، فكذلك ما وصفنا، فإذا حصل الطلاق في الأمة: كان مخيَّراً في صَرْفه إلى أيتهما شاء. * قال : (فإن أوقع الطلاق على إحداهما، ثم مضت أربعة أشهر بعد (٢) الأربعة أشهر الأولى: بانت الأخرى أيضاً). وذلك لأن مضيَّ المدة أوجب تطليقة في إحداهما وبانت، وحصل الإيلاء في الباقية، فلما مضت مدة أخرى بعد المدة الأولى: بانت الأخرى إذا لم يبق(٣) مَن يستحق الطلاق غيرها. وروي عن أبي يوسف: أنه إذا تعيَّن الطلاق في إحداهما: تعين الإيلاء (١) انظر المبسوط ٢٨/٧. (٢) في (ق.ج): ((أُخَر غير الأربعة الأشهر الأول)). (٣) في (ق.ج): ((لم ينو)). ١٦٥ باب الإيلاء فيها، كأنه آلى منها بعينها، فلا يكون مولياً من الباقية. وعند محمد: يكون مولياً من الباقية؛ لأن شرط اليمين يقتضي وقوع تطليقة لا في عين، فلا جائز فَسْخ شَرْطها بتعيينه الطلاق الأول في إحداهما بعينها، وإيجاب الطلاق في عين لم يقتضها شرطها. مسألة : [الإيلاء بامرأتين بحلفٍ واحد] قال: (ومَن قال لامرأتيه: والله لا أقرب واحدةً منكما: كان مولياً منهما جميعاً)(١). لأن قوله: واحدة منكما: يتناول كل واحدة منهما على حيالها؛ لأنها نكرة شائعة، ألا ترى أنه يصح دخول حرف الجمع عليها، بأن يقول: كل واحدة منكما، وكان القياس أن يكون مولياً من إحداهما؛ لأنه يحنث بوطء إحداهما. مسألة : [الاستثناء في الإيلاء] قال: (ومَن قال لامرأته: والله لا أقربك سنة إلا يوماً: لم يكن مولياً حتى يقربها، وقد بقي من السنة أربعة أشهر)(٢). وذلك لأنه استثنى من المدة يوماً منكوراً، فلم يتناول يوماً بعينه، فجائز له أن يقربها أي يوم شاء من السنة، ويكون ذلك اليوم هو اليوم المستثنى، وليس يتناول ذلك يوماً من آخر السنة، ولا من أولها. ألا ترى أنه لو قال: ما نُمْتُ من الليل إلا ساعة، وما قَعَدْتُ اليوم إلا (١) المبسوط ٢٧/٧. (٢) انظر بدائع الصنائع ٤ /١٩٥٥. ١٦٦ باب الإيلاء ساعة، وما صمت من شعبان إلا يوماً: أنَّ ذلك لا يتناول وقتاً بعينه، بل جائز أن يكون من أوله، ومن آخره. وإذا كان كذلك، فهو يقدر على وطئها في المدة بغير حنث، فلا يكون مولياً، فإن وطئها في يوم وقد بقي من السنة أربعة أشهر، صار مولياً حنيئذ، من قِبَل أنه لما وُجد اليوم المستثنى، بقيت اليمين مطلقة بلا استثناء، كأنه قال: والله لا أقربك: فيكون مولياً منها. مسألة : قال: (وإذا آلى من امرأته، فبانت بمضيِّ المدة، ثم مضت أربعة أشهر أخرى، وهي في العدة: لم يقع عليها شيء بالإيلاء. ولو آلى منها، ثم طلقها تطليقة بائنة قبل مضي المدة، ثم مضت المدة وهي في العدة: وقعت عليها تطليقة بالإيلاء)(١). والأصل في ذلك: أنه لا يجوز أن يبتدىء مدة الإيلاء في حال البينونة، وذلك لأن ثبوت حكم المدة متعلق بثبوت حقها في الجماع، ولا حق لها بعد البينونة، فيتعلق به حكم المدة. وأما إذا كان الإيلاء في حال الزوجية، فثبت حكم المدة بثبوت حقها في الجماع، ثم طروُّ(٢) البينونة عليها، لا يقطع حكم المدة، من قِبَل أنه قد ثبت حقها في الجماع، ثم حدوث البينونة عليها لا يقطع حكم المدة، من قِبَل أنه قد ثبت حقها في الفيء، ومن أَجْله ثَبَت ابتداءَ المدة، فلا ينقطع (١) انظر بدائع الصنائع ٤ /١٩٧٠. (٢) في الأصل: ((طريان))، والمثبت من (ق.ج). ١٦٧ باب الإيلاء ذلك الحق بطلاقه إياها، إذ لا سبيل له إلى إسقاط حقها الذي تعلق بمضي المدة بفعله، فكذلك لم يبطل حكم مدةٍ متقدمة، لورود البينونة. ووجه آخر: وهو أنَّ الطلاق الواقع بمضي المدة، بمنزلة الطلاق الموقَع بالكنايات، ومعلوم أنَّ الكنايات الموجبة للطلاق، لا يصح ابتداؤها مع البينونة. ولو عقد اليمين بالطلاق بلفظ الكناية، فقال لها: أنت بائن إذا دخلتٍ الدار، ثم أبانها، ثم دخلت الدار في العدة: طلقت، فكذلك ابتداء المدة لا يصح مع البينونة، وحدوث البينونة لا يقطع مدة متقدمة قد تعلق بها وقوع الطلاق. مسألة : [الإيلاء في مجلس واحد مراراً] قال : (ولو آلى من امرأته ثلاث مرات في مجلس واحد، يريد به التغليظ والتشديد، ثم تركها أربعة أشهر: فإنها تَبين منه بتطليقة واحدة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف استحساناً، وقال محمد وزفر: تطلق ثلاثاً)(١). الأصل في ذلك: أنَّ المدة إذا كانت واحدة وإن كثرت الأيمان: فإنها لا توجب إلا تطليقة واحدة، كما أنَّ المدة الواحدة من العدة تنقضي بها العدة من رجلين وثلاثة. وهذا المعنى لا خلاف بينهم فيه؛ لأنه لو قال لها: لو جاء غد فوالله لا أقربك، ثم قال: إذا جاء غد فوالله لا أقربك، ثم قال لها ثالثاً، ثم جاء غد: كان مولياً إيلاء واحداً، وإن وطئها: حنث في الجميع، ولا يتعلق مع ذلك (١) المبسوط ٣١/٧. ١٦٨ باب الإيلاء بمضيِّ المدة إلا تطليقة واحدة. فقلنا في مسألتنا على هذا الأصل: إن هذه وإن كانت أيماناً مختلفة، فإن مدتها واحدة، وذلك لأنه لا يمكن ضبط الوقت الذي بين اليمينَيْن عند مضي أربعة أشهر، فصارت مدة الأيمان كلها مدة واحدة. * والقياس أن يقع ثلاث تطليقات؛ لأن ما بين اليمينَيْن من الوقت، وإن كان غير معلوم عندنا مقداره، فإنه يوجب أن تكون مدة كل واحد من الأيمان غير مدة الأخرى، فكان ينبغي أن يقع ثلاث تطليقات، إلا أنه تُرك القياس لما وصفنا. وذهب زفر ومحمد إلى وجه القیاس. مسألة: [إيلاء أهل الذمة] قال: (وإيلاء أهل الذمة كإيلاء أهل الإسلام في قول أبي حنيفة)(١). قال أبو بكر: ليس يخلو إيلاؤه من أن يكون يميناً بالله، أو أن يعلق العتق أو الطلاق بالوطء، أو إيجاب نذر في القُرَب، مثل الحج والصيام بالوطء. ولا خلاف بينهم أنّ إيلاء الذمي لا يصح بالحج والصيام والصدقة ونحوها؛ لأنه لا يلزمه بالوطء هذه القُرَب. ولا خلاف بينهم أيضاً: أنه يصح إيلاؤه بالعتق والطلاق. وإنما الخلاف في الحلف بالله، فقال أبو حنيفة: يكون مولياً به (٢)، (١) انظر المبسوط ٣٥/٧، بدائع الصنائع ١٩٦٠/٤. (٢) في (ق.ج): ((بالحلف بالله)). ٠٠ ١٦٩ باب الإيلاء وذلك لقول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآَبِهِمْ﴾(١)، وهو عموم في المسلم والذمي. وأيضاً: فإن الذمي يتعلق به حكم التسمية، كتعلّقه بالمسلم، ألا ترى ء أنَّ الكتابي إنما تؤكل ذبيحته إذا ذكر اسم الله عليها، وإن تَرَك التسمية يُمْنَع أکل ذبيحته، فصار كالمسلم فيما يتعلق به من الحکم باسم الله تعالی، فوجب أن يكون كالمسلم فيما يتعلق به من الحكم بالحلف بالله في إيجاب الطلاق به بمضي المدة. وأما الصدقة ونحوها، فليس يتعلق بها حكم على الذمي؛ لأن قوله فيها وسكوته بمنزلة واحدة. * وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكون مولياً؛ لأن حكم الإيلاء إنما يتعلق باليمين بالله، لما يتعلق بالوطء من لزوم الكفارة، فإذا لم يتعلق بيمينه وجوب الكفارة: لم يكن مولياً. (١) البقرة: ٢٢٦. ١٧٠ باب الظِّهَار باب الظِّهَار مسألة : [العبد كالحرِّ في الظهار] قال أبو جعفر(١): (والعبد في الظهار كالحر، غير أنه لا يجزيه في الكفارة إلا الصيام)(٢). قال أبو بكر: الأصل فيه قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ (٣) الآية، وهو عموم في الفريقين من الأحرار والعبيد. وقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾: لا ينفي دخول العبد في الظهار؛ لأن الرقبة مشروطة لمن وَجَدَها، والعبد لا يجدها كالفقير. * وإنما لم يُجْزه العتق والإطعام؛ لأنه لا يملك، ولا يصح له حكم الملك، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا عِثْق فيما لا يملك ابن آدم))(٤). (١) مختصر الطحاوي ص ٢١٢. (٢) انظر الهداية مع شرح فتح القدير ٢٦٨/٤، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٤٤٧/٣، المبسوط ٢٣٤/٦. (٣) المجادلة: ٣. (٤) سنن أبي داود ٦٤٠/٢ - ح ٢١٩٠، سنن الترمذي ٤٨٦/٣ - ح١١٨١ = ١٧١ باب الظِّهَار ولا يجزيه الطعام أيضاً وإن أدى عنه مولاه؛ لأنه لا يحصل له حكم الملك. وليس كالفقير إذا أدى عنه غيره بأمره، فيجوز؛ لأن الفقير يحصل له حكم الملك في المؤدى، لأنه ممن يملك، والعبد لا يحصل له حكم الملك في المؤدى؛ لأنه لا يملك حقيقة، فكيف يجوز أن يثبت له حكم الملك؟. * قال : (وليس لمولاه أن يمنعه من صيام الظهار، كما لا يمنعه من صيام النذر، وكفارة اليمين)(١). لأن كفارة الظهار بها يستبيح وطء الزوجة، وذلك حق لها، فليس له أن يمنعه مما قد استحقت من الوطء بعقد النكاح. مسألة : [تخصيص الظهار بالزوجات] قال أبو جعفر: (ولا ظهار إلا من زوجة حرة كانت أو أمة)(٢). وذلك لقول الله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآِهِمْ﴾(٣)، فالمعقول من ظاهِرِ هذا اللفظ: الزوجات، لقوله: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ﴾ (٤)، ﴿لِلَّذِينَ بمعناه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (١) انظر المبسوط ٢٣٤/٦، حاشية ابن عابدين ٣٧٨/٣. (٢) انظر بدائع الصنائع ٢١٢٨/٥. (٣) المجادلة: ٣. (٤) النساء: ٢٣. ١٧٢ باب الظِّهَار يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآءِهِمْ﴾(١). وأيضاً: الظهار يوجب تحريماً من جهة القول، فلا يصح تحريم ملك اليمين من جهة القول، والدليل عليه: أنه لو قال لها: أنت علي حرام: لم تحرم. وروي ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم مارية(٢) القبطية(٣)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكَ﴾(٤)، فلم يثبت حكم التحريم، وأوجب فیه کفارة یمین. فلما لم يصح تحريمها من جهة القول لو نص على تحريمها، صارت كالثوب والطعام ونحوهما إذا حرمهما، فلا يصح تحريمهما، كذلك حكم الأمة في الظهار. وليس كذلك الزوجة؛ لأنه يصح تحريمها من جهة القول لو قصدها بالتحريم فقال: أنتِ علي حرام، وأراد به الطلاق: طلقت وحرمت عليه (٥). (١) البقرة: ٢٢٦. (٢) مارية القبطية أم إبراهيم ولدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي بعد الولادة بسبعة أشهر، وتوفيت مارية في عهد عمر رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنين، ودفنت بالبقيع. انظر طبقات ابن سعد ٢١٢/٨، الإصابة ٣٩١/٤. (٣) انظر أحكام القرآن للجصاص ٤٦٤/٣، وانظر تفصيل القصة في فتح الباري ٦٥٧/٨، ٢٨٩/٩، ٣٧٦، وسنن الدار قطني ٤ /٤١. (٤) التحريم: ١. (٥) الهداية مع البناية ٤ / ٦٥٠. ١٧٣ باب الظِّھَار وأيضاً: كان الظهار طلاق أهل الجاهلية(١)، فأبدل الله تعالى منه الطلاق، وجعله تحريماً ترفعه الكفارة، فلما لم يصح طلاق ملك اليمين، لم يدخل فيما أُبدل من الطلاق. مسألة : [صحة الظهار بامرأة تحرم عليه مؤبداً] قال أبو جعفر: (ويصح الظهار بكل امرأة هي محرَّمة عليه تحريماً مؤبداً)(٢). وذلك لأن الأم لما كان تحريمها مؤبداً، وحَكَمَ الله بصحة الظهار منها، کان کل من تحريمها على وجه التأبيد بمنزلتها. مسألة : [الظهار بالرجال] قال: (ولا يصح الظهار بالرجال، إذا قال: أنتَ علي كظهر أبي). لأن ظهر الأب غير محرم عليه النظر إليه. * والظهار يصح ببطن الأم، وفخذها، وفرجها؛ لأن تحريم هذه الأعضاء عليه كتحريم الظهر (٣). * ولا يصح الظهار بوجهها، ورأسها؛ لأنه يجوز له النظر إلى وجهها ورأسها، فليس تشبيهها بهما إيجابَ تحريم. [مسألة : ] قال: (وإذا وقّت الظهار فقال: أنت علي كظهر أمي شهراً: كان كما (١) انظر الهداية مع البناية ٦٩٠/٤. (٢) الهداية مع البناية ٦٩٤/٤، بدائع الصنائع ٢١٣٠/٥. (٣) شرح فتح القدير ٤ /٢٥٠. ١٧٤ باب الظِّهَار قال، ولم يكن مظاهِراً بها بعد شهر)(١). وذلك لما روي في حديث سلمة بن صخر ((أنه ظاهر من امرأته شهر رمضان، ثم جامع، فسأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فلم يبطل توقيته للظهار))(٢). وأيضاً: فإن الظهار يقع مؤقتاً في الأصل بأداء الكفارة، ألا ترى أنه إذا أدى الكفارة: سقط الظهار، فإذا وقّته بوقت معلوم كان مؤقتاً، وليس كذلك الطلاق؛ لأن الطلاق لا يقع مؤقّتاً، ولا يصح توقيته. مسألة : [موت المرأة المظاهر منها] قال: (وإذا ظاهر من امرأته، ثم ماتت: بَطَل الظهار)(٣). وذلك لأن الظهار يوجب تحريماً لا يرفعه إلا الكفارة، فلا يحل له وطؤها حتى يكفِّر، فإذا ماتت، فقد امتنع وجود الوطء بالظهار، فليس يلزمه الكفارة، وإنما يمنعه الوطء حتى يكفره. مسألة : [المراد من العود في آية الظهار] قال أبو جعفر: (والعود المتأوَّل في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ (٤): إنما هو إرادة القُرْب بعد التحريم، فلا يصل إلا بالكفارة التي (١) بدائع الصنائع ٢١٣٥/٥. (٢) أبو داود ٦٦٠/٢ - ح٢٢١٣، سنن الترمذي ٥٠٣/٣ - ح ١٢٠٠ وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ٢٠٣/٢. (٣) انظر العناية مع شرح فتح القدير ٢٥٨/٤. (٤) ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَّيَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيُرُ رَقَّبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَنَمَاسَأْ = ١٧٥ باب الظِّهَارِ ذكرها الله)(١). قال أبو بكر : وروي نحو قول أصحابنا عن الحسن، والزهري، وقتادة(٢). وقال ابن عباس(٣): إذا قال: أنت علي كظهر أمي: لم تحل له حتى يكفر، وهذا أيضاً مثل قولنا. وحُكي عن الشافعي(٤) أنه إذا أمسكها بعد الظهار ساعةً: لزمته الكفارة، ماتت أو عاشت، فإن طلقها عقيب الظهار: لم تكن عليه كفارة. وحُكي عن بعض المتجاهلة(٥): أنه على أن يعيد القول مرتين، وهذا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيْرٌ ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَنَابِعَيْنِ مِن قَبْلٍ أَن يَتَمَاسَآَ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. المجادلة: ٤. (١) انظر العناية مع شرح فتح القدير ٢٥٨/٤، تبيين الحقائق ٣/٣. (٢) انظر أحكام القرآن للجصاص ٤١٨/٣، أحكام القرآن للقرطبي ٢٨٠/١٧، مصنف عبد الرزاق ٤٢٥/٦، المغني والشرح الكبير ٥٧٣/٨. (٣) انظر المراجع السابقة. (٤) انظر الأم ٢٧٩/٥، مغني المحتاج ٣٥٦/٣. (٥) كُتب في حاشية الأصل: (أراد به داود الأصفهاني). اهـ، وسيأتي أيضاً ذكر الجصاص له، وشدته عليه بأكثر من هذا، دون أن يسمِيه أيضاً، حتى قال عنه: (مع ما هو عليه من التهمة على دين الإسلام، والتلاعب بالشريعة والأحكام)، بل قال أشد من هذا بكثير جداً في كتابه: الفصول في الأصول ٢٩٦/٣، ونقل عنه أقوالاً فظيعة، ولا شك أنَّ الجصاص إمام يعلم أنه مدين أمام = ١٧٦ باب الظِّهَار القول خارج عن قول السلف والخلف جميعاً (١). وعلى أنه لو كان مما يسوغ مثله بين أهل عصر، لم يكن هذا القول خلافاً على أهل عصره، إذ ليس من أهل النظر، فكيف بمخالفته على مَن تقدم؟. والدليل على صحة قولنا: أنَّ قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾: يقتضي عوداً إلى معنى قد نفاه أو حرمه. ومعلوم أنَّ الظهار غير موضوع لرفع النكاح، فيكون العود لما قال، إمساكاً على النكاح، وأنه (٢) لما يؤثر في تحريم الوطء، فوجب أن يكون العود لِمَا قال: هو القصد إلى استباحة وطئها الذي قَصَد إلى تحريمه بالظهار، فيقدِّم الكفارة قبله. الله عز وجل بهذا الكلام، وهو قريب عهدٍ به، وقد ذكر ابن حجر في لسان الميزان ٤٠٥/٣ في ترجمته (أي داود بن علي الأصفهاني ت ٢٧٠ هـ) عن أبي حاتم صاحب الجرح والتعديل: أنه ضال مضل. اهـ وممن قسا عليه أيضاً ابن العربي المالكي، كما في أحكام القرآن للقرطبي ٢٨١/٧. هذا، وبمراجعة ترجمته في سير أعلام النبلاء للذهبي ٩٧/١٣-١٠٨ تجد عليه ثناءً عظيماً، حيث وصفه بأنه إمام بحر حافظ بصير في الفقه، رئيس أهل الظاهر، وأنه ورع زاهد ناسك، وفيه دين متين، ثم ذكر الذهبي خلاف العلماء في الاعتداد بخلاف داود الظاهري، وعدم الاعتداد به. ونحن نقول بعد هذا: رحم الله الجميع، وغفر لنا ولهم برحمته الواسعة وفضله العظيم، وكتب هذه الحاشية المعتني بإخراج الكتاب: د / سائد بكداش. (١) انظر الحاشية السابقة. (٢) في (ق.ج) ((وإنما الظهار)). ١٧٧ باب الظِّهَار وقد يجوز أن يقول: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾، وهو يريد المقول فيه، كما يقال: عاد في هبته، يعني في الموهوب، وكقولنا: اللهم أنت أملنا ورجاؤنا، يعني مأمولنا ومرجوُّنًا. وقال الله تعالى: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ اَلْيَقِيبُ﴾(١): يعني الموقَن به. وقال الشاعر: كما في بطون الحاملات رجاء وإني لراجيكم(٢) على بطء سعيكم يعني: مرجواً. وإذا كان كذلك، صح أنَّ العود هو القصد إلى استباحة وطئها الذي قَصَدَ بالظهار إلى تحريمه. وفَسَدَ قولُ مَن حمله على بقاء النكاح بعد الظهار، إذ هو غير ملائم لمعنى الآية، إذ العود يقتضي عوداً إلى شيء قد سبق منه، وهو فلم يقصد إلى تحريم النكاح. وقد قيل: إن المعنى: ثم يعودون إلى ما قد قيل في الجاهلية مما نهى الله عنه، وجعله منكراً من القول وزوراً، و((ثم)): هاهنا: بمعنى: ((الواو))، فكأنه قال: وهم عائدون بعد نزول الحكم إلى ما كانوا يقولونه قبل نزوله، فكأنه أخبر عن حكم الحال بعد نزول الآية. وهذا التأويل مواطىء لما روي في قصة الظهار، وذلك لأن خولة بنت (١) الحجر: ٩٩. (٢) في الأصل: ((لم أحبكم))، والمثبت من أحكام القرآن ٤١٩/٣. ١٧٨ باب الظِّھَار ثعلبة ظاهَرَ منها أوسُ بن الصامت، ثم أراد وطأها، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية(١). فصار ذلك إخباراً عن الحال التي كان عليها المظاهِرِ من قَصْده للعود إلى الوطء الذي حرَّمه بالظهار. قالوا: وقد يجوز أن تكون: ((ثم)): بمعنى! ((الواو))، كما قال الله تعالى: ﴿ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اَللَّهُ شَهِيدٌ﴾(٢)، ومعناه: والله شهيد، وجعلوا نفس الفعل(٣) عوداً، كما قال تعالى: ﴿حَّ عَادَ كَالْعُرْجُونِ اَلْقَدِيمِ ﴾ (٤)، معناه: صار كذلك. وكما قال الشاعر (٥): شِيْئاً بماءٍ فعادا بعدُ أبوالا(٦) تلك المكارم لا قَعْبان من لبنٍ معناه: صارا كذلك؛ لأنهما لم يكونا في البدء (٧) كذلك، فهذا تأويل محتمل، وإذا احتمل ذلك، ثم قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ (١) أبو داود ٦٦٢/٢ - ح٢٢١٤، شرح السنة للبغوي ٢٤٠/٩. (٢) يونس: ٤٦. (٣) في (ق.ج): ((القول)). (٤) يس: ٣٩. (٥) انظر ديوان أمية بن أبي الصلت ص٤٥٩. (٦) انظر أحكام القرآن للجصاص ٤١٩/٣. (٧) في (ق.ج) ((الثدي)). ١٧٩ باب الظِّهَارِ يَتَمَآسًا﴾ (١)، فقد منع المسيس إلا بعد التكفير، فصح أنّ الظهار يوجب تحريم الوطء. ومما يدل على بطلان قول المخالف أيضاً(٢): أنَّ قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾: يقتضي أن يكون العود متراخياً عن القول؛ لأن: ثم: في لغة العرب للتراخي، وليست للمقارنة(٣). وقوله يقتضي أن يكون العود عقيب الظهار، بترك طلاقها متصلاً به، وهذا خلاف حكم الآية، إذ ليس في قوله وجود عَوْد يكون مواطئاً لحكم الآية بوجه، وهذا فاسد من القول. وقوله من جهة أخرى مخالف لظاهر الآية، وهو أنَّ قوله: ﴿ثُمَ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾: يقتضي إحداث معنى يكون به عائداً، وتَرْكُ الطلاق لا يسمى عوداً إلى الشيء بحال، وإنما هو بقاء على الحال الأولى، وبقاء الإنسان على حال كان عليها قبل القول لا يسمىُ عوداً إليه، فلم يجز حمل معنى الآية علیه. فإن قال قائل قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ﴾: يقتضي وجوبها بعد العود، وأنت لا توجبها، وإنما تحرم الوطء حتى يؤديَ الكفارة. قيل له: تأويلنا لمعنى الآية صحيح على الوجه الذي حملناه عليه، (١) المجادلة: ٤. (٢) في الأصل: الشافعي، والمثبت من (ق.ج). (٣) في الأصل: ((للمفارقة))، والمثبت من (ق.ج). ١٨٠ باب الظِّهَار كأنه قال: إذا أردت الوطء فكفِّر قبله، كما قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْبَيْنَ يَدَىْ نَجْوَدَ كُمْ صَدَقَةً﴾(١). وكما قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾(٢)، فلو أراد صلاةَ نافلةٍ كان عليه تقديم الطهارة، وإن لم يُرِدْها: لم يكن عليه تقدیمھا. وكما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾(٣)، والاستعاذة متعلقة بالقصد إلى القراءة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن راح إلى الجمعة(٤) فليغتسل))(٥). ويقال للرجل: إذا أردتَ دخول مكة: فَأَحْرِمِ. فهذه معان صحيحة قد تعلقت بها الأوامر على شرائطها، كذلك لزوم كفارة الظهار هذا سبيله، وليس يخرجها ذلك من حكم الوجوب، إذا كان الوجوب معلقاً بشرط. ويدل على بطلان قول المخالف أيضاً: أنَّ قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ : لو كان المراد به إمساكها على الزوجية، لوجبت الكفارة بنفس الظهار؛ (١) المجادلة: ١٢. (٢) المائدة: ٦. (٣) النحل: ٩٨. (٤) في (ق.ج): ((إلى المسجد)). (٥) صحيح البخاري ٢١٢/١، صحيح مسلم ٥٧٩/١ - ح ٨٤٤.