النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ كتاب الطلاق لأنه لما أدخل: (الواو)): عليها، و(الواو)) بابها الجمع، صار كقوله: اختاري ثلاثاً بألف درهم، واختيارها للأُولى اختيار الثلاث في قول أبي حنيفة، فطلقت في قوله ثلاثاً بألف. (وأما قول أبي يوسف ومحمد: فإنها لا تطلق). لأن عندهما: أنَّ اختيارها للأُولى، إنما هو اختيار تطليقة واحدة من الثلاث، فلو جاز لوقعت بثُلُث الألف، وهو لم يرض بأن تَمْلِك بُضْعها إلا بحصول الألف له، فلا يجوز أن تملكه بثلث الألف، كرجل قال لامرأته: طلِّقي نفسك ثلاثاً بألف درهم، فطلقت نفسها واحدة: فلا يقع شيء(١). مسألة: [اقتران الطلاق بحرف: (الباء))] قال : (وإذا قالت له امرأته: طلقني ثلاثاً بألف درهم، فطلقها واحدة: طلقت واحدةً بثلث الألف)(٢). لأن: ((الباء)»: تصحب الأبدال، وليس فيها معنى الشرط، فجعلت الألف بدلاً من الثلاث، لكل واحدة ثلث الألف، فلا يكون إيقاع الثلاث شرطاً في استحقاق المال؛ لأنه ليس في اللفظ ما يوجب أن يكون بعضها شرطاً في بعض، وقد رضي الزوج بأن يُملِّكها نفسَها بثلث الألف، فوقعت الواحدة. وليس ذلك مثل قول الزوج لها: طلِّقي نفسك ثلاثاً بألف، فتطلِّق نفسَها واحدة؛ لأن الزوج لم يرض أن تَمْلِك بُضْعَها إلا بالألف كلها، فلو (١) انظر الهداية مع شرح فتح القدير ٢٢٦/٤، ٢٢٥. (٢) المرجع السابق. ١٠٢ كتاب الطلاق أوقعنا الواحدة: طلقت ثلاثاً(١) بثلث الألف (٢). [مسألة: اقتران الطلاق بحرف: ((على))] * قال: (ولو قالت: طلِّقني ثلاثاً على ألف درهم، فطلقها واحدة: طلقت واحدة بغير شيء في قول أبي حنيفة)(٣). وذلك لأن: ((على)): شرطٌ، فقد جُعلت وقوع الثلاث شرطاً في استحقاق المال. والدليل على أنَّ: ((على)): شرط، أنك تقول: أُعطيك هذا المال على أن تدخل الدار، و: على أن تكلم فلاناً، فيكون ذلك شرطاً. وليس كذلك: ((الباء))، لأن: ((الباء)): تصحب الأبدال في الأثمان، وليس فيها معنى الشرط (٤). (وفي قول أبي يوسف ومحمد: تطلق واحدة بثلث الألف، كقولها: بألف)(٥). لأن الألف قد جُعلت بدلاً من الثلاث في المسألتين جميعاً. مسألة (٢): [اقتران الطلاق بحرف: ((من))، و: ((إلى))] (١) ((ثلاثاً)»: ساقط في (ق.ج). (٢) الهداية مع فتح القدير ٢٢٦/٤. (٣) المصادر السابقة. (٤) انظر المبسوط ١٧٣/٦ -١٧٤. (٥) المرجع السابق. (٦) مختصر الطحاوي ص ٢٠٢. ١٠٣ كتاب الطلاق (وإذا قال لها: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث: طلقت اثنتين في قول أبي حنيفة)(١). وذلك لأن الغاية لما كان من شأنها أنها تدخل في الكلام تارة، ولا تدخل أخرى، ولم يكن في اللفظ دلالة على دخولها وخروجها: لم نُثْبتها بالشك. فإذا كان أصل اليقين بقاء الزوجية، صارت الثلاثة مشكوكاً فيها، فلم نوقِعْها بغير دلالة. (وفي قولهما: يقع ثلاثاً)؛ لوجودها في لفظ الإيقاع، ولا يخرج منه شيء بغير دلالة، وقد بيًّّا هذه المسألة في مواضع (٢). مسألة : [اقتران الطلاق بلفظ: ((ما لم))] قال: (وإذا قال لامرأته: أنت طالق ما لم أطلقك، ثم سكت: طلقت)(٣). وذلك لأن: ((ما)): في هذا الموضع بمعنى الوقت، كأنه قال: أنت طالق وقتاً لم أطلقك، فإذا وُجد بعد اليمين وقتٌ لم يطلقها فيه: طلقت بالیمین. [مسألة : ] قال: (ولو قال: أنتِ طالق إذا لم أطلقك: لم تطلق باليمين حتى (١) انظر شرح فتح القدير ١٨/٤. (٢) ينظر شرح فتح القدير ٢٩/٤. (٣) انظر الهداية مع شرح فتح القدير ٣٠/٤. ١٠٤ كتاب الطلاق يموت، ولم يطلقها قبل ذلك، فتطلق في آخر أجزاء حياته في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: تطلق إذا سكت بعد اليمين). قال أبو بكر: لم يختلفوا أنه إذا قال: أنتِ طالق إن لم أطلقك: أنه على المُهْلة، وعلى أنه لا يُحْكَم بتطليقها حتى يموت. ولم يختلفوا أيضاً أنه لو قال: أنت طالق متى لم أطلقك: أنه على الفور، فإن سكت عقيب اليمين: طلقت. واختلفوا في: ((إذا)): على الوجه الذي قدَّمنا، فجَعَلَ أبو حنيفة: ((إذا)): بمعنى: ((إن))، وجعلها أبو يوسف ومحمد بمعنى: ((متى)). والأصل في ذلك أن: ((إن)): شرطٌ محض، ليس فيه وقت، وأن: (متى)): وقتٌ، و: ((إذا)): شرطٌ فيه معنى الوقت. ألا ترى أنه لو أراد أن تكون: ((إذا)): على الفور، كانت على الفور عندهم جميعاً، وأنه لو أراد أن تكون على المُهْلة: كانت على المهلة في قولهم. * وإذا كانت: ((إذا)): واسطة بين: ((متى))، و: ((إن)): يحتمل أن يراد بها كل واحد من المعنيين في الحال: حملها أبو حنيفة على المهلة(١)، وذلك لأن وقوع الطلاق في الحال مشكوك فيه، فلم يوقع(٢) فيه الطلاق إلا بيقين، ولم يوقعه بالاحتمال. (١) انظر المبسوط ١١١/٦ وما بعدها. (٢) وفي (ق.ج): ((يقع)). ١٠٥ كتاب الطلاق ومما يدل على أنَّ: ((إذا)): ليست بوقت محض: أنها لو كانت كذلك، لجاز أن تقوم مقام: ((متى)): في سائر الأحوال، إذ كانت مثل: ((متى)) وقتاً. وقد علمنا أنه قد يصح أن نقول: متى لقيتَ زيداً؟ ولا يجوز أن نقول: إذا لقيت زيداً؟ وهو یرید به استفهام الوقت. ولو كانت بمنزلة: ((متى))، لجاز أن يُستفهم بها الأوقات، فصحَّ أنها مفارقة لـ: ((متى)): من هذا الوجه، وأن: ((إذا)): واسطة بين الوقت والشرط، فجاز أن تلحق بها تارة، وتفارقها تارة. ويدل على أنَّ: ((إذا)): قد تكون بمعنى: ((إن))، وهي شرطٌ محضٌ: قولُ الشاعر: وإذا تُصِبْكَ خصاصةٌ فتحمَّلْ(١) معناه: ((وإن تُصِبْك))، ولولا ذلك لما جُزِم الفعل. * و: ((إن)): قد تكون بمعنى: ((إذا)): أيضاً، نحو قوله تعالى: ﴿مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍّ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾(٢). معناه: إذا خرجن، يعني به مضيَّ الوقت، وهو الحول المؤقت به للعِدّة، إذ لو كان المراد: الشرط، لكان جائزاً لها أن تتزوج أيَّ وقت خَرَجَتْ فیه. (١) هذا هو الشطر الأول من البيت وتمامه: واستغن ما أغناك ربك بالغنى وإذا تُصبك خصاصة فتجمَّلْ انظر شرح شواهد المغني ٢٧٣/١. (٢) البقرة: ٢٤٠. ١٠٦ كتاب الطلاق وأيضاً: فإن الناس لا يفرِّقون في العادة بين: ((إذا))، و: ((إن)): في مثل ذلك، كقوله: أنتِ طالق إن دخلت الدار، و: إذا دخلت الدار. فإن قيل: فلو قال لها: أنت طالق إن شئتِ: كان على المجلس، وإذا شئت: على المجلس وبعده(١). قيل له: لأن: ((إذا)): لها حظٍّ من الوقت، ومن الشرط، وليست هي شرطاً محضاً، ولا وقتاً محضاً، وإنما تكون تارة في معنى الشرط، وتارة في معنى الوقت، على حسب قيام الدلالة عليه، لما بيَّنَّا (٢)، فلذلك كانت حالها على ما وصفنا. * وإذا قال: أنت طالق إذا شئت: فقد ثبتت لها المشيئة في الإيقاع، فلم نبطلها بالقيام عن المجلس إذا كانت: ((إذا)): محتملة للوقت والشرط؛ لأنه كما لا يجوز الإيقاع بالشك، لم يجز إبطال ما ثبت لها من حق الإيقاع بالاحتمال، فحملناه على سائر الأوقات، كما قلنا في قوله: أنت طالق إذا لم أطلقك: أنا لا نوقعه بالاحتمال. مسألة : [اقتران الطلاق بلفظ: ((كم))، و: ((ما))] قال: (ومَن قال لامرأته: أنتِ طالق كم شئت، أو: ما شئت: لم تطلق إلا ما شاءت من الطلاق في مجلسها)(٣). لأن لفظ المشيئة يقتضي تعلّقه بالمجلس، ما لم يكن فيه دلالة (١) انظر المبسوط ١١٢/٦. (٢) شرح فتح القدير ٣٢/٤-٣٤. (٣) شرح فتح القدير ٤ /١١٠. ١٠٧ كتاب الطلاق على غيره. أما قوله: ((كم)): فهو للعدد، كقولك: كم معك من درهم؟ ومن ثوب؟ وأما: ((ما)): فإنها بمعنى: ((الذي))، كأنه قال: الذي شئتٍ من الطلاق، فيتناول الجميع. مسألة : [اقتران الطلاق بلفظ: ((كلما))] قال: (ولو قال لها: طلقي نفسك كلَّما شئت: كان لها أن تطلق نفسها وإن قامت من مجلسها واحدة بعد واحدة حتى تَبِين منه بثلاث)(١). وذلك لأن: ((كلما)): ينتظم معنيين: الوقت والتكرار، فلم يتعلق على المجلس، لما يتضمنه من معنى الأوقات، كقوله: أنتِ طالق أيَّ وقتٍ شئتٍ، ولما كان فيها معنى الإحاطة والتكرار، كان لها إيقاع الثلاث واحدة بعد أخرى(٢). مسألة : [اقتران الطلاق بلفظ: ((كيف))] قال: (ولو قال لها: أنت طالق كيف شئت: وقعت واحدة رجعية، ولها أن تجعل الطلاق ثلاثاً، وأن تجعله بائناً في قول أبي حنيفة(٣). وقال أبو يوسف ومحمد: لا يقع الطلاق عليها حتى تطلق نفسها). (١) انظر المبسوط ٢٠٠/٦. (٢) وفي (ق.ج): ((واحدة)). (٣) انظر المبسوط ٢٠٦/٦. ١٠٨ كتاب الطلاق قال أبو بكر: أراد بقوله: ((لها أن تجعل الطلاق ثلاثاً، وأن تجعله بائناً»: إذا نوى الزوج ذلك؛ لأن الزوج إن لم ينو ذلك: لم يكن لها أن توقع الثلاث والبائن، وذلك مرويٌّ عن أبي حنيفة. وجه قول أبي حنيفة في وقوع الواحدة قبل المشيئة: أنَّ: ((كيف)): للصفة، فهذا قد أوقع الطلاق في الحال، وجعل إليها المشيئة في صفته، فاقتضى ذلك وقوع الطلاق. ويدل على أنَّ: ((كيف)): للصفة: أنه يقع بها السؤال عن صفة الشيء بعد ثبات عينه، تقول: كيف فلان؟ فتستخبر عن صفته. * ثم المشيئة إليها في إيقاع البائن والثلاث إذا أراده الزوج؛ لأنه إذا احتمل (١) الثلاث والواحدة البائن: وجب الرجوع إلى قوله، كما لو قال لها: أبيني نفسك، أو: أَمْرُك بيدك: كان الرجوع إلى قول الزوج في إيقاع الثلاث، والواحدة البائنة. وجعل أبو يوسف ومحمد المشيئةَ مشروطة في أصل الطلاق وصفته. مسألة : [مسألة الهَدْم] قال(٢): (ومَن طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين، ثم انقضت عِدَّنُها، وتزوجت بعده زوجاً، ودخل بها، ثم طلقها أو مات عنها، وانقضت عِدَّتُها، ثم رجعت إلى الأول، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: ترجع إليه (١) وفي (ق.ج): ((احتملت)). (٢) مختصر الطحاوي ص ٢٠٣. ١٠٩ كتاب الطلاق على طلاق جديد، وهو ثلاث تطليقات(١). وقال محمد: ترجع إليه على ما بقي من الطلاق). قال أبو بكر : يُروى قول أبي حنيفة عن ابن عباس(٢)، وابن عمر، وشريح وأصحاب عبد الله(٣)، وإبراهيم(٤). ويُروى نحو قول محمد عن علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وأُبيِّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعمران بن الحصين، والحسن، وسعيد بن المسيب(٥). وجه قول أبي حنيفة: أنَّ الزواج(٦) الثاني لا يخلو بعد الثلاث من أن يؤثِّر في رفع العدد أو التحريم، فلو كان تأثيره في رفع التحريم، لوجب أن يرفع الثالثة؛ لأن التحريم بها يحصل، وكانت تعود إليه على ثنتين، وهذا فاسد، فدل أنَّ الزواج (٧) الثاني يؤثر في رفع العدد والتحريم جميعاً. وإذا ثبت أنه يرفع العدد الذي يوجب التحريم، كما يرفع التحريم، (١) انظر الهداية مع شرح فتح القدير ١٨٣/٤، البناية ٦٢٧/٤، بداية المجتهد ٨٧/٢، ومغني المحتاج ٢٩٣/٣، المغني مع الشرح الكبير ٤٧١/٨، ٤٨٠/٨. (٢) انظر مصنف عبد الرزاق ٣٥٤/٦، السنن الكبرى للبيهقي ٣٦٥/٧. (٣) والمراد: أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. انظر المبسوط ٩٥/٦. (٤) أي النخعي. (٥) انظر مصنف عبد الرزاق ٣٥١/٦، السنن الكبرى ٣٦٥/٧، البناية شرح الهداية ٤ /٦٢٧، أحكام القرآن للقرطبي ١٥٢/٣. (٦) في (ق): الزوج. (٧) في (ق): الزوج. ١١٠ كتاب الطلاق وجب أن يرفع ما دون الثلاث(١). فإن قال قائل: الزواج(٢) الثاني لا يرفع شيئاً، وإنما يبيحها للزوج الأول. قيل له: قد علمنا أنَّ حكمها يختلف في عَوْدها إليه على ثلاث مستقبلات، أو على بعض الثلاث. وتأثير الزواج(٣) الثاني إنما هو في عودها على ثلاث مستقبلات، سواء كان الأول طلق ثلاثاً أو ما دونها، بالدلالة التي ذكرنا، ثم إن شئت عبَّرتَ برفع العدد، وإن شئت فلا؛ لأنا نسلم لك العبارة بعد الموافقة على المعنى. فإن قال قائل: التحريم لم يتعلق بالثالثة دون ما قبلها من الثنتين، فلا معنى لقولك إن الزواج (٤) الثاني لو كان إنما يؤثر في رفع التحريم، لرفع الثالثة وحدها. قيل له: فإن كان التحريم متعلقاً بالثلاث، فوجب أن يرفع الثلاث؛ لأنه یرفع ما تعلق به(٥) التحریم. وأيضاً: لما كان للزواج(٦) الثاني تأثير في رفع الثلاث، فما دونها (١) انظر المبسوط ٩٥/٦. (٢) في (ق): الزوج. (٣) في (ق): الزوج. (٤) في (ق): الزوج. (٥) في نسخة (ق): به مع التحريم. (٦) في (ق): الزوج. ١١١ كتاب الطلاق أحرى بأن يرفعها، كما أنَّ الحدث لما كان رافعاً لطهارة الأعضاء، كان رفعه لطهارة بعضها أولى. فإن قال قائل: إنما رفع الزواج(١) الثاني الثلاث؛ لأنه يحتاج إليه في رَفْعها، وما دون الثلاث لا يفتقر إلى الزواج (٢) الثاني في إباحتها للأول، فلم يعمل، وكان وجوده وعدمه بمنزلة. قيل له: أول ما في هذا: أنه سؤال ساقط؛ لأنك نصبتَ علةً في الثلاث لا تنافي اعتلالنا، لأنك علّقتَ بها حكم الإباحة للزوج الأول، وعودها إلیه على ثلاث، فليس ذلك بمعارضة. والثاني: أنها علة مقصورة الحكم على موضع النص والاتفاق، وما كان هذا سبيله من العلل فهو ساقط. وأيضاً: فإن كان الزواج (٣) الثاني مشروطاً لما يفتقر إليه في إباحتها للأول، فهو إنما يُفتقر إليه في رفع الثالثة وعودها إليه على تطليقتين، فدل على سقوط هذا الاعتبار. وأيضاً: النجاسة اليسيرة لا يحتاج إلى غسلها في إباحة الصلاة، ولو غَسَلَها صحَّ غسله لها(٤). فإن قيل: العاقلة تتحمل خمسمائة، ولا تتحمل ما دونها عندك، (١) في (ق): الزوج. (٢) في (ق): الزوج. (٣) في (ق): الزوج. (٤) انظر الهداية مع شرح فتح القدير ٢٠٢/١. ١١٢ كتاب الطلاق فاختلف حكم القليل والكثير فيها(١). قيل له: فينبغي أن تسوِّيَ بين الثلاث وما دونها، من حيث لم يختلف حكم القليل والكثير فيما تحمله العاقلة عندك، فهذا السؤال لا يصح لك (٢). وعلى أصلنا إنما افترقا من قِبَل أنَّ العاقلة تَحْمِل عن الجاني على وجه المواساة، وحَمْلِ الثقل عنه، والقليلُ قد يمكنه التحمل في العادة، فلم يلزم العاقلة، والكثير قد يعجز عنه في العادة، فأمرت العاقلة بالمواساة (٣). وأما الطلاق فحكم القليل والكثير لا يختلف فيما يتعلق به من الحكم عند عوده إلى الأول بعد الزواج الثاني، لما بيًّّا. مسألة : [تحويل الرجعية إلى الثلاث] قال أبو جعفر(٤): (وإذا طلقها تطليقة رجعية، ثم قال لها قبل انقضاء العدة: قد جعلتُ تلك التطليقة ثلاثاً، أو بائناً: كانت كما جَعَلَها في قول أبي حنيفة)(٥). وذلك لأنه قد كان يملك إيقاعها بائناً في الابتداء، فجاز أن يُلحقها (١) أي أن العاقلة عند الحنفية لا تعقل إلا خمسمائة درهم فصاعداً. ينظر المبسوط ٨٤/٢٦، وانظر تفصيل المسألة في الفقه الإسلامي وأدلته ٣١٩/٦. (٢) وعند فقهاء الشافعية تتحمل العاقلة جميع الدية، قلَّت أو كثرت، لأنه إذا أُلزمت بالكثير فالقليل من باب أولى. انظر مغني المحتاج ٤ /٩٥. (٣) انظر المبسوط ٦٦/٢٦. (٤) مختصر الطحاوي ص٢٠٣. (٥) المراجع السابقة. ١١٣ كتاب الطلاق بها؛ لأنه يملك البينونة في هذه الحال، كما كان يملكها في الابتداء. وأيضاً: فإن التطليقة الرجعية قد يجوز أن تلحقها البينونة بعد وقوعها رجعية، ألا ترى أنها تصير بائنة بانقضاء عدتها، فكذلك جائز له تعجيل البینونة فيها. وأما إذا جعلها ثلاثاً، فإنما ألحق بها تطليقتين أخريين، فيصح ذلك، وتكون طالقاً في الحال، كقوله: أنت طالق ثنتين قبل هذا الوقت، فتطلق في الحال، ولا تطلق قبل ذلك. * قال : (وقال أبو يوسف: إن جعلها ثلاثاً: لم تكن ثلاثاً). لأن الواحدة لا تكون ثلاثاً أبداً، فصار كقوله: جعلتها ثلاثاً لغواً. (وإن جعلها بائناً: كانت بائناً). لأن البينونة صفة لها، يصح إيقاعها معها، فجاز له أن يُلحقها معها. : قال: (وقال زفر ومحمد: لا تكون ثلاثاً، ولا بائناً). لأن الطلاق لا يلحقه الفسخ بعد وقوعه، فلا يتغير حكمه بما وصفه(١) به بعد وقوعه. وهذا لا يلزم أبا حنيفة؛ لأن الرجعي يصير بائناً بانقضاء العدة. فإن قال: فالواحدة لا تكون ثلاثاً أبداً، فينبغي أن لا يصح إلحاقها (٢) بها. قيل له: إنما ألحق الثلاث على معنى: أنه جعل القول الأول، وهو (١) وفي الأصل: (بما وضعه فيه) .. (٢) وفي الأصل: ((إيقاعها))، والمثبت من (ق.ج). ١١٤ كتاب الطلاق قوله: أنت طالق واحدة، بمنزلة قوله: أنت طالق ثلاثاً، وهذا معنىً يصح إيقاعه ابتداء، فكذلك جائز إلحاقه به على هذا الوجه، ولا يُحمل الأمر على أنه جعل الواحدة ثلاثاً؛ لأن الواحدة بعينها لا تكون ثلاثاً أبداً، إلا أن يحمل على معنى: أنت طالق واحدة ثلاثاً، فتقع الثلاث، لأنه لو لفَظَ به ابتداء على هذا الوجه: صح، فكذلك يجوز إلحاقه به. مسألة : [طلاق الأجنبية قبل الزواج] قال: (وإذا قال لأجنبية: إن تزوجتُكِ فأنتِ طالق: طلقت إذا تزوجها)(١). وذلك لقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُوهُنَّ﴾(٢)، فحَكَمَ بصحة طلاقه بعد النكاح، ثم نظرنا في مسألتنا هل الطلاق فيها موقَعٌ (٣) بعد النكاح أو قبله؟ فلما اتفق الجميع على أنه لو قال لامرأته: إذا بِنْتِ منِّي فأنت طالق: لم يكن مطلّقاً في النكاح وإن كان القول منه في حال النكاح، فتعلّق الحكم فيه بحال الإضافة دون حال عقد اليمين، عَلِمْنا بذلك أنَّ القائل للأجنبية: إذا تزوجتك فأنت طالق: أنه مطلِّق بعد النكاح، فوقع طلاقه بعموم الآية. ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على أنَّ من شَرْط صحة النذر: (١) مختصر الطحاوي ص٢٠٣، شرح فتح القدير ٣٦/٤. (٢) الأحزاب: ٤٩. (٣) وفي (ق.ج): ((واقع)). ١١٥ كتاب الطلاق المِلْك، كما أنَّ من شرط صحة الطلاق: النكاح، ثم اتفق الجميع على أنه لو قال: إن رزقني الله مالاً فلله عليَّ أن أتصدق ببعضه، ثم ملكه: لزمته الصدقة، وكان هذا ناذِراً في مِلْك(١)، وقد نص الله تعالى على وجوب ذلك بقوله: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اَللَّهَ لَبِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ﴾(٢) الآية، فذمَّهم علىْ تَرْك الوفاء بالنذر المضاف إلى المِلْك(٣). فلما كان هذا ناذِراً في الملك من أجل إضافته إلى الملك وإن لم يكن مالكاً في الحال، كذلك مُضِيْفُ الطلاق إلى النكاح، مطلَّقٌّ في الملك وإن كان غيرَ مالكٍ في الحال. * وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا طلاق قبل النكاح))(٤): فهو محمول عندنا على حقيقته، وهو الإيقاع قبل النكاح. وأما عقد طلاق قبل نكاح، فلم يتناوله اللفظ؛ لأن عقد الطلاق ليس بطلاق، وإنما يسمى عقد اليمين بالطلاق طلاقاً: على جهة المجاز، دون الحقيقة. وأيضاً: لو أوصى الرجل بثلث ماله، ولا مال له، ثم استفاد مالاً، صحت الوصية فيه، وكان بمنزلة ما كان مالكه، لأجل إضافته إلى ملكه، كأنه قال: أوصيتُ له بثلث مالي عند الموت، ولو أوصى بمالِ غيره، لم (١) انظر أحكام القرآن للقرطبي ٢١١/٨. (٢) التوبة: ٧٥. (٣) انظر بذل المجهود شرح أبي داود ١٠/ ٢٧٧. (٤) صحيح البخاري ١٦٧/٦، سنن الترمذي ٤٨٦/٣، شرح السنة للبغوي ١٩٨/٩. ١١٦ ١٠ كتاب الطلاق تصح الوصية(١)، فصارت إضافته إلى ملكه كوجود الملك في حال الإيجاب، كذلك الطلاق. وأيضاً: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه في ماله بخيبر حين أراد أن يتصدق به: ((حَبِّس أصلَها، وتصدَّق بثمرتها))(٢). فأجاز له الصدقة بثمرةٍ ليست في ملكه إذا كانت في وقت وجوب الصدقة بها في ملكه، وكذلك الطلاق. وهكذا وَجَبَ أن يكون كذلك حكم قوله لأمته: إذا ولدتٍ ولداً فهو حر، وإذا صحَّ ذلك في ولد الأمة، صحَّ في الطلاق(٣) إذا قال: إن تزوجتك فأنتِ طالق(٤)؛ لأن أحداً لم يفرِّق بينهما. وقد تكلمنا في هذه المسألة في غير هذا الموضع بأكثر من هذا. ويُروى نحو قولنا عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عمر، والقاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، ومجاهد. وكان علي عليه السلام وابن عباس رضي الله عنهما يقولان: لا يقع. وقال الشعبي وإبراهيم(٥): إن خصَّ قبيلةً وَقَعَ، وإن عمَّ لم يقع. (١) انظر تكملة فتح القدير ٤٣٣/١٠. (٢) صحيح البخاري ١٩٦/٣، صحيح مسلم ١٢٥٥/٢-ح ١٦٣٢ بمعناه. (٣) انظر شرح فتح القدير ٤ /٤٥٤. (٤) انظر تبيين الحقائق ٢٣١/٢، بدائع الصنائع ١٨٦٤/٤. (٥) مصنف عبد الرزاق ٤١٦/٦، فتح الباري ٣٨١/٩، ٣٨٥. ١١٧ كتاب الطلاق مسألة : قال أبو جعفر : (فإن دخل بها بعد التزويج: فلها مهر ونصف). قال أبو بكر : يجب لها نصف مهر؛ لوقوع الطلاق قبل الدخول، ومهرٌ بعد الدخول؛ لأنه دخل بها بعد وقوع البينونة، وارتفاع الزوجية على شبهة نكاح. مسألة : قال: (فإن تزوجها بعد ذلك: لم يقع عليها طلاق)(١). وذلك لأن قوله: إن تزوجتك: شرط ليس فيه تكرار، وكذلك قوله: متى: ليس فيها ما يوجب التكرار، فوقع على مرة واحدة. مسألة : [الطلاق بلفظ: ((كلما))] قال: (ولو قال: كلما تزوجت امرأةً فهي طالق: طلقت كلما تزوج)(٢). لأن: كلما: تجمع الأفعال؛ لأن الذي يليها هو الفعل، والفعل الثاني غير الأول، فقد تناوله لفظ: كلما. مسألة : قال: (ولو طلقت ثلاثاً، ثم تزوجها بعد زوج آخر: طلقت أيضاً)(٣). لأن كل تزويج يوجد فقد اشتمل عليه: كلما، والطلاق مضاف إليه، (١) شرح فتح القدير ٣٨٣/٣، بدائع الصنائع ١٨٦٥/٤. (٢) انظر بدائع الصنائع ١٨٦٥/٤. (٣) انظر بدائع الصنائع ٤ /١٨٦٥. ١١٨ كتاب الطلاق فوقع. ويدل على أنَّ قوله: كلما: يتناول الفعل على وجه التكرار: قول الله تعالى: ﴿كَّا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾(١). مسألة : قال: (ولو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فتزوج امرأةً: طلقت، وإن تزوجها مرةً أخرى: لم تطلق، وإن تزوج غيرَها: طلقت)(٢). وذلك لأن: كل: تجمع الأسماء دون الأفعال؛ لأن الذي يليها هو الاسم، فإذا تزوجها مرةً لم يدخل فيه التزويج الثاني، لأن: كل: لم يتناول الفعل، وإنما يتناول الاسم على وجه الجمع، والاسم الثاني هو الأول، فاستحال أن يكون مجموعاً إليه؛ لأن الجمع إنما يكون بين الشيء وغيره، لا بین الشيء ونفسه. وأما امرأة أخرى، فإنها تدخل فيه؛ لأن هذا الاسم غير الأول، فجاز أن یکون مجموعاً إليه. مسألة : [الخلوة الصحيحة توجب المهر] (والخلوة الصحيحة تمنع سقوط شيء من المهر بالطلاق قبل الدخول)(٣). (١) النساء: ٥٦ (٢) انظر بدائع الصنائع ٤ /١٨٦٤. (٣) انظر البناية شرح الهداية ٤ /٢٠٢. ١١٩ كتاب الطلاق وذلك لما بيَّنَا فيما سلف(١). [موانع الخلوة] فإن كان أحدهما مُحْرِماً: لم تكن خلوة صحيحة؛ لأنه يصح معها التسليم، وإنما تكون الخلوة تسليماً في الموضع الذي يصح معها التسلیم. وكذلك إذا كانا صائمين في شهر رمضان، أو أحدهما. أو كانت رَتْقاء، وذلك لما بيَّنَّا من امتناع وقوع التسليم معه، فصار كمن سلَّم الدار إلى المستأجر، وفيها غاصب يمنع السكنىُ، أو سلَّم السلعة إلى المشتري، وهناك حائل بينه وبينها من غاصب، أو غيره، وكذلك الرتقاء المنع من جهتها، فلا يكون تسليماً. مسألة : [طلاق الثلاث في مرض الموت ((مسألة الفرار))] قال: (وإذا طلَّق امرأته ثلاثاً في مرضه بغير سؤال منها، ثم مات، وهي في العدة: فلها الميراث)(٢). قال أبو بكر : رُوي توريث المطلقة ثلاثاً في المرض عن علي، وعمر، وعثمان، وأُبيِّ بن كعب، وعبد الرحمن بن عوف، وعائشة، وزيد بن ثابت، وشريح، والشعبي، وإبراهیم، ومحمد بن سیرین. ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلافه، إلا أنهم اختلفوا في كيفية حال (١) أي فى كتاب النكاح. (٢) البناية شرح الهداية ٤ /٥٦٩. ١٢٠ كتاب الطلاق التوريث(١): فقال عمر بن الخطاب: ترث ما دامت في العدة (٢). وقال أُبيُّ بن كعب: ترث ما لم تتزوج(٣). وقال بعضهم: ترث وإن تزوجت. فأما قائلٌ من الصحابة بنفي الميراث رأساً: فلا نعلمه إلا شيءٌ يُروى عن عروة بن الزبير(٤)، وهو قولٌ ليس بخلاف على الصحابة، فيجوز الاحتجاج باتفاق السلف على صحة التوريث، وإبطال قول مَن نفاه رأساً. * ومن جهة النظر: إنَّ المرض يُثبت لها ولسائر الورثة حق الميراث. والدليل عليه: أنه لا يجوز هبته وعتقه في المرض إلا من الثلث، لثبوت حقهم في ماله، فلا سبيل له في إسقاطه بفعله، وهو الطلاق، بدلالة أنَّ طلاقه لا يُسقط حقّها في ماله من السكنى، والنفقة، فكذلك الميراث. فإن قيل: فلو تزوج ثلاثاً سواها: جاز، مع ما عليها من الضرر في إيجاب المشاركة في ميراثها. (١) مصنف عبد الرزاق ٦٢/٧، السنن الكبرى للبيهقي ٣٦٢/٧، المحلى لابن حزم ٢٢٠/١٠، المغني والشرح الكبير ٢١٧/٧. (٢) مصنف عبد الرزاق ٦٤/٧. (٣) السنن الكبرى للبيهقي ٣٦٣/٧. (٤) المرجع السابق.