النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
كتاب النكاح
وروي نحوه عن علي كرَّم الله وجهه(١).
وأيضاً: فإن القَسْم حقٌّ مقدَّر من حقوق النكاح، فللأمة منه نصفُ ما
للحرَّة، كما أن عِدَّتها على النصف من عِدَّة الحُرَّة.
مسألة : [قَسْم المرأةِ الواحدة]
قال أبو جعفر : (وإن كانت له زوجةٌ واحدة، فطالَبَتْه بالقَسْم: فلها يومٌ
وليلة، ثم ينصرف في أمر نفسه ثلاثةَ أيام وثلاث ليال).
وذلك لما روي ((أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أَمَرَ كعب بن سُوْر
أن يقضيَ في ذلك، فقَضَى بأن لها يوماً من أربعة أيام، قَسْمٌ واحدٌ من
أربع، فاستحسن عمرُ قضاءَه، وولاَّه قضاءَ البصرة))(٢).
* قال أبو جعفر : (وإن كانت زوجتُه أَمَةً، لا زوجةَ له غيرها: فلها
يومٌ من سبعة أيام).
لأن له أن يتزوَّج ثلاثَ حرائرَ، لكلِّ واحدةٍ يومان، فذلك ستة، ولها
يوم واحد.
[مسألة : ]
(والكافرةُ والمسلمةُ في القَسْم سواء)؛ لأنهما لا يختلفان في حقوق
النكاح.
(١) سنن البيهقي ٢٩٩/٧، سنن الدار قطني ٢٥٨/٣ قال ابن الهمام في فتح القدير
٣٠٢/٣: وتضعيف ابن حزم - كما في المحلى ٦٦/١٠ - إياه بالمنهال بن عمرو، وبابن
أبي ليلى: ليس بشيء، لأنهما ثبتان حافظان اهـ، وينظر نصب الراية ٢١٥/٣.
(٢) طبقات ابن سعد ٩٢/٧ في ترجمة كعب بن سور.

٤٤٢
كتاب النِّكَاح
مسألة : [إباحة زوجة قَسْمَها لغيرها]
قال: (ومَن أباحَتْه منهن قَسْمَها، وجَعَلَه لسائر أزواجه سواها أو
لبعضهنَّ: كان ذلك على ما جَعَلَتْ عليه).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾(١)، فإنها نزلت في مثل ذلك(٢).
((وسألتْ سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَة النبيَّ صلى الله عليه وسلم وقد كان طلَّقها(٣)
أن يراجعَها، ويجعلَ يومَها لعائشة رضي الله عنها، ففعل ذلك))(٤).
مسألة: [البِكْر والثيب والجديدة والعَتِيقة في القَسْم سواء]
قال: (ومَن تزوج بكراً أو ثيباً، فإنه إن أقام عندها وقتاً: أقام عند
غيرها مثل ذلك، لا يفضِّلُها في ذلك على واحدة منهن).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِ لُواْبَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ
خَرَضْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ اَلْمَيْلِ﴾(٥).
(١) النساء: ١٢٨.
(٢) صحيح البخاري ٣٠٤/٩، وينظر فتح الباري ٢٦٦/٨.
(٣) بَيَّن الحافظ ابن حجر في الفتح ٣١٣/٩ بأنه قد تواردت الروايات على أنها
خشيتْ الطلاق، فوهبت، لا أنه صلى الله عليه وسلم طلقها، والرواية التي ذكرت أنه
طلقها هي مرسلة.
(٤) صحيح البخاري ٣١٢/٩، صحيح مسلم ١٠٨٥/٢.
(٥) النساء: ١٢٩.

٤٤٣
كتاب النكاح
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن كانت له امرأتان فمال إلى
إحداهما دون الأخرى، جاء يوم القيامة وشقّه مائل))(١).
فلم تُفرِّق الآية، ولا السُّنَّة بين المحدثة والقديمة.
وأيضاً ((قال النبي صلى الله عليه وسلم لأُمِّ سَلَمة حين بنى عليها: ليس
بكِ على أهلك هَوَان، إن شئتِ سَبَّعْتُ لك، وسبَّعْتُ لهنَّ، وإن شئتِ
ثلَّثْتُ، ودُرْت))(٢).
فأخبر أنه إذا سبَّع لها: سبَّع لهنَّ، ولوٍ كانت مستَحِقَّةً لشيءٍ من
القَسْم دونهن لاستثنى لها مقدارَ ما تستحقّه، وأوجب الزيادة للباقيات
منهن.
ولو كانت مستَحِقَّةً إذا كانت ثيباً أن يخصَّها بثلاث، ثم سبَّع لها، لا
تسقط منها الثلاث التي تستحقها، وبقي لكلِّ واحدةٍ أربع، فلما سوَّى
بينها وبينهن في السَّبع، دلّ على أنهن في الثلاث سواء أيضاً، وأنها ليست
تُخَصُّ بقَسْمٍ دون الباقيات.
فإن قيل: قوله: ((وإن شئتِ ثلَّثْتُ لك، ودُرْتُ»: يدل على أنها
مستحقة الثلاث.
قيل له: هي مستحقة الثلاث على شرط أن يقسم للباقية ثلاثاً أيضاً،
كما قال في السبع.
(١) تقدم.
(٢) صحيح مسلم ١٠٨٣/٢.

٤٤٤
كتاب النكاح
مسألة :
قال : (وله أن يسافر ببعض نسائه دون بعض).
قال أحمد : وذلك لأنه ليس لهنَّ حقُّ القَسْم في السفر، ألا ترى أنه له
أن يسافر دونهن.
وأيضاً: ((رَوَتْ عائشةُ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفراً
أَقْرَعَ بين نسائه، فأيَّتهنَّ خرج سهمُها: أَخرجها)) (١).
* قال: (والأحسنُ أن يُقْرِعَ بينهن).
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه كان يُقْرِع بين
نسائه، فأَيَّتهنَّ خَرَجَ سهمُها أخرجها))(٢).
وأيضاً: فإذا أخرجها بغير قُرْعةٍ، كان فيه إظهارُ المَيْل إلى بعضهن دون
بعض، وهو منھيٌّ عنه.
مسألة : [حكم العَزْل]
قال: (وليس للرجل أن يَعزِل عن زوجته الحرَّة إلا بإذنها، وإن كانت
أمَةً: فالإذن في العزل إلى المولىُ).
وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن سَهْل بن
أيوب قال: حدثنا حميد بن عثمان قال: حدثنا ابنُ وهب قال: حدثنا
ابن ◌َهِيْعَة عن جعفر بن ربيعة عن الزهري عن المحرَّر بن أبي هريرة
عن أبي هريرة قال: «نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن العَزْل
(١) صحيح البخاري ٢١٨/٥، صحيح مسلم ٢١٣٠/٤.
(٢) تقدم.

٤٤٥
كتاب النكاح
عن الحرَّة إلا بإذنها))(١).
وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿فَالْقَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَّكُمْ﴾(٢)،
قيل في التفسير (٣): يعني مِن الولد.
وأيضاً: فإن الولد يكون لها إذا كانت حُرَّة، فليس له أن يَمْنَعَها حقَّها
من الولد.
* وأما الزوجة الأَمَة، فالإذن في العَزْل إلى مولاها؛ لأنه هو
المستَحِقُّ للولد دونَها.
* قال : (وروى الحسنُ بن زياد عن أبي يوسف: أن الإذن في العزل
عن الزوجة الأَمَة إليها دون مولاها كالحرَّة، وإذا كانت أمتُه بمِلكِ اليمين:
فله أن يَعْزِل عنها).
وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن عَبْدُوس بن
كامل قال: حدثنا علي بن الجَعْد قال: حدثنا زهير عن أبي الزبير عن جابر
قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ لي جاريةً وهي
خادمتنا، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تَحبل.
فقال: اِعْزِل عنها إن شئتَ، فسيأتِيَها ما قُدِّرَ لها، فلبث الرجل، ثم
(١) سنن ابن ماجه ٦٢٠/١، قال في الزوائد: في إسناده ابن لهيعة، وهو
ضعيف، مسند الإمام أحمد ٣١/١، وقال ابن تيمية (الجد) في المنتقى ٥٦٤/٢:
((إسناده ليس بذاك)).
(٢) البقرة: ١٨٧.
(٣) جامع البيان للطبري ١٦٩/٢.

٤٤٦
كتاب النِّكَاح
أتاه، فقال: قد حَبَلَت، فقال: قد أخبرتُكَ أنه سيأتيْها ما قُدِّرَ لها))(١).
مسألة : [حكم مَن تزوَّج حرةً وأَمَةً في عُقْدةٍ واحدة]
قال: (ومَن تزوَّج حُرَّةً وأَمَةً في عُقْدةٍ واحدة، جاز نكاح الحرَّة،
وبَطَلَ نكاحُ الأمة).
ءِ
قال أحمد : وذلك أنه إذا جَمَعَهما في عُقْدة واحدةٍ، صارت كلّ
واحدةٍ منهما منكوحةً على الأخرى(٢).
فقلنا على هذا في مسألتنا: إن الأَمَةَ منكوحةٌ على الحرة، فلا يصح
نكاحها؛ لأن مَن كان تحتَه حُرَّة: لم يجز أن يتزوَّج عليها أَمَة، والحُرَّةُ أيضاً
منكوحةٌ على الأمة، ويجوز نكاحُها؛ لأن مَن كان تحته أَمَة جاز أن يتزوَّج
عليها حُرَّة.
مسألة : [حكم الزواج من أمةٍ في عِدَّةِ حُرَّةٍ منه]
قال أبو جعفر : (ومَن تزوَّج أمةً في عِدَّةٌ حُرَّة منه من طلاق بائن: لم
يَجُزْ ذلك في قول أبي حنيفة، وجازَ ذلك في قول أبي يوسف ومحمد).
وجه قول أبي حنيفة: أنّ العِدَّة تمنع من الجمع ما يمنعه نَفْسُ النكاح،
والدليل على ذلك: أن حال العِدَّة بمنزلة حال النكاح في مَنْع نكاح أختِها؛
لأن تحريمَها من طريق الجمع، كذلك في نكاح الأَمّة؛ لأن نكاحها محرَّمٌ
مع الحرة من طريق الجَمْع.
(١) صحيح مسلم ١٠٦٤/٢.
(٢) في الأصل: (الأخرى، ولذلك بطل نكاحهما جميعاً، فقلنا). والكلام
السابق واللاحق يدل على غير هذا.

٤٤٧
كتاب النكاح
فإن قيل: إنما يُمنع من نكاح الأمة على الحرة؛ لأنه أدخل عليها في
القَسْم مَن لا يساويها فيه، وهذا المعنى غير موجود بعد البينونة.
قيل له: فهو لو تزوَّجهما معاً لم يجُزْ نكاح الأمة وإن لم يكن هناك
للحرة قَسْم، فدل ذلك على أن تحريم جمّع الأمة إلى الحرة غير مقصور
على ما ذكرتَ في المعنىُ، وأنه قد يجوز تحريمُ جمعِها إليها بمعنى سواه.
* وذهب أبو يوسف ومحمدٌ إلى منع تزويج الأمة على الحرة، لأجل
إدخال الضرر عليها في القَسْم بمَن لا يساويها فيه، وذلك غير موجود بعد
بينونة الحرة(١).
مسألة :
قال أحمد : وإنما جاز تزويجُ الأمة، مع وجود الطَّوْل إلى الحرة،
لقول الله تعالى: ﴿فَنْكِحُوْمَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا
نَعْدِلُواْفَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾(٣)، وهذه الآية تنتظم الدلالة على صحة قولنا
من وجھیْن:
أحدهما: عموم قوله تعالى: ﴿فَنْكِحُوَأْمَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾.
والثاني: قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾، فاقتضى اللفظُ التخييرَ بين
تزويج الأمة والحرة؛ لأن ابتداء الخطاب وارد في جواز عقد النكاح، وهو
(١) ولذلك جاز تزوج الأمة في عدة الحرة من طلاق بائن.
(٢) النساء: ٣.
(٣) النساء: ٣.

٤٤٨
كتاب النكاح
قوله: ﴿فَنْكِحُوْمَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ﴾، وهو مُضْمَر في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَنْكُمْ﴾، فكأنه قال: فاعِقُدوا عقدَ النكاح إن شئتم على حرة أو أَمَة؛ لأن
قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾: لا يقوم بنفسه في إيجاب الحُكْم، إذ لا يصح
ابتداء الخطاب به، فلا محالة هو مُضْمَرٌ فيما تقدَّم ذِكْره من عقد النكاح.
فإن قيل: ما ذكرت(١) يحتمل أن يكون المراد التخيير بين تزويج
الحرة، أو وطء ملك اليمين.
قيل له: ليس في الآية ذكر الوطء، وإنما فيها ذِكْر العقد، فلا يجوز
إضمار ما ليس بمذكورٍ فيها، لأنَّ كلَّ مُضْمَرٍ فلا بدَّ له من مُظْهِرٍ قد تقدَّم
ذِكْره.
فإن قيل: لمَّا كان معلوماً امتناعُ جواز عَقْدِه على مِلْك يمينه لنفسه،
لاستحالة استباحة الوطء بملك يمينه والنكاح معاً، عَلِمْنَا أن الوطء مضمَرٌ
في الآية.
قيل له: لمَّا أضافَ ملكَ اليمين إلى الجماعة، كان المرادُ: أن يتزوَّج
مِلكَ يمين غيره، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ
الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾(٢)،
والمراد أن ينكح بعضُنا مِلكَ يمين البعض.
ودليلٌ آخر: وهو قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْ
(١) في الأصل: (ما أنكرت)، وينظر أحكام القرآن ٥٥/٢.
(٢) النساء: ٢٥.

٤٤٩
كتاب النكاح
◌ِأَمْوَلِكُم﴾(١)، ولم يفرِّق بين الأمة والحرَّة، ولا بين حال الطَّوْل وغيرها.
ودليلٌ آخر: وهو قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ
مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾(٢)، فضُمِّنَت الآية الندبَ إلى نكاح
الأمة المؤمنة مع وجود الطَّوْل إلى الحرّة المُشْرِكَة؛ لأنه لا يصح أن يقال:
وتزويجُ أمةٍ مؤمنةٍ خيرٌ من تزويج مشركةٍ حرَّة، وهو غيرُ قادرٍ على تزويج
المشركة.
فلمَّا كان ذلك كذلك، أفادت التخييرَ بين الأمة المؤمنةِ والحرَّة
المشركةِ، ومعلومٌ أنَّ واجد الطَّوْل إلى الحرَّة المشركةِ، فهو واجدُه إلى
الحرة المسلمة؛ لأن وجود الطَّوْل إنما هو وجودُ المَهْر الذي يتزوَّج عليه،
والمشركةُ والمسلمةُ لا يختلفان في مقادير المهر، فدلَّت الآية على جواز
نكاح الأمة مع وجود الطَّوْل إلى الحرَّة.
فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنْكِحَ
اُلْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَشُكُمْ مِن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ (٣)،
فأباح نكاح الأمة عند عدم الطَّوْل إلى الحرَّة، فدلَّ علىُ حَظْر نكاحها إلى
وجود الطَّوْل إلى الحرة.
قيل له: ليس في الآية حَظْرُ شيءٍ، وإنما فيها إباحةٌ معقودة بالشرط
المذكور، ولم يَحْظُر بها ما عدا المذكور؛ لأن المخصوص بالذكر لا يدلُّ
(١) النساء: ٢٤.
(٢) البقرة: ٢٢١.
(٣) النساء: ٢٥.

٤٥٠
کتاب النّگاح
على أن ما عداه فحُكمه بخلافه، فكيف تَخُصُّ به الإباحةَ العامةَ التي في
سائرِ الآي التي ذكرنا؟
وأيضاً: قال: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾، ولو وجد الطَّوْلَ
إلى المشركة الحرَّة، لما جاز له عند خصمنا تزويجَ أمةٍ مسلمة، ولم يكن
تخصیصُه المحصناتِ المؤمنات بالذكر دليلاً على مخالفة حُكم ما عداهن.
وأيضاً: لو كان هذا الشرط موجباً لحَظْر ما عداه، لم تدلَّ الآية على
موضع الخلاف بيننا، من قِبَل أنا نَحْمِل لفظَها على الحقيقة وهو الوطء،
فكأنه قال: ومَن لم يَصِل إلى وطء خُرَّةٍ، لأنها ليست زوجته، فليتزوَّج
الإماء، وكذلك نقول: إذا كانت تحته حُرَّة: لم يَجُزُ له أن يتزوَّج عليها أَمَة.
فإن قيل: قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًاً أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ
اُلْمُؤْمِنَتِ﴾ بمنزلة قولهِ تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطِعَامُ سِتِينَ مِسْكِينًا﴾(١)، فلا
يجزىء الطعام مع الإمكان للصيام.
قيل له: لم نَمنع الإطعام مع إمكان الصيام، لقوله: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ
فحسب، وإنما منعناه لأنه أوجب بدءاً الصيام، وظاهرُ ذلك يمنع العدول
عنه إلا على الشرط المذكور فيه، وليس معناه مَنْع العقد على الأَمَة مع
وجود الطَّوْل إلى الحرة.
* ومن جهة النَّظَر: لما اتفق الجميع(٢) على جواز نكاح الأَمَة عند
عدم الطَّوْل إلى الحرة، وكان المعنى هو أنه غيرُ مالكٍ لفراشِ حرَّةٍ، وهو
(١) المجادلة: ٤.
(٢) الإشراف لابن المنذر ص / ١٢٢.

٤٥١
كتاب النكاح
موجود في حال وجود الطَّوْل إلى الحرة: وجب أن يجوز تزويجها.
مسألة : [تزوُّج الأمة الكتابيَّة]
قال أحمد : ولا يختلف عندنا حكم الأمة الكتابيّة والمسلمة، وذلك
لقوله تعالى: ﴿فَنْكِحُوَأْمَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَآءِ﴾(١)، وهو عمومٌ في جواز نكاح
الجميع.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُوا فَوَحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾(٢)، ولم يفرِّق
بين الكتابيَّة والمسلمة.
وقال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْبِأَمْوَلِكُمْ﴾(٣)، وعمومُهُ
يقتضي جواز الجميع.
وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾(٤)، والأمةُ تسمَّى محصَنة إذا كانت عفيفةً، ومتى
حصلت لها صفة من صفات الإحصان: استَحَقَّت اسم إطلاق الإحصان
عليها، فجاز العقد عليها بعموم الآية.
ألا ترى أن قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَتُّ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ﴾، قد يتناول الحرائر والإماء،
كذلك قوله: ﴿وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ : يتناول الصنفَيْن.
(١) النساء: ٣.
(٢) النساء: ٣.
(٣) النساء: ٢٤.
(٤) المائدة: ٥.

٤٥٢
كتاب النكاح
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ﴾(١)، وهو
عمومٌ في حَظْر الجميع، ثم قال: ﴿وَاَلُْصَنَثُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن
قَبْلِكُمْ﴾، والمراد به الحرائر؛ لأن اسم الإحصان يتناول الحرَّةَ.
قيل له: وقوع اسم الإحصان على الحرة (٢)، لا ينفي أن يكون غيرُها
إحصاناً.
قال الله تعالى في شأن الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَتْهِنَّ
نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾(٣)، فسمَّاها محصنةً مع الرِّقِّ،
فإذا كان كذلك، دخلت في حكم الآية متى تناولها اسم الإحصان بحال.
وأيضاً: قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ﴾: لا يتناول إطلاقُه
الكتابيَّات؛ لأن المشرك اسمٌ واقع في الشرع على عَبَدَة الأوثان، ولا
يتناول أهل الكتاب، قال الله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
اَلْكِنَبِ وَلَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِنِ زَّبِّكُمْ﴾(٤).
وقال: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾(٥)، ففرَّق
بين الفريقين في اللفظ، فدلَّ على أن كلَّ واحدٍ من اللفظين يختصُّ عند
(١) البقرة: ٢٢١.
(٢) في الأصل: (الحرية).
(٣) النساء: ٢٥.
(٤) البقرة: ١٠٥.
(٥) البينة: ١.

٤٥٣
كتاب النكاح
الإطلاق بضرب دون غيره، وإن كان الجميع مشركين في الحقيقة وكفاراً،
كما اختُصَّ المنافقون باسم النفاق وإن كانوا مشركين، ولا يتناولهم مع
ذلك إطلاق لفظ المشركين.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿مِّن فَنَيَتِّكُمُ اُلْمُؤْمِنَتِ﴾ (١)، فدلَّ على أن
جواز النكاح منھن مقصورٌ علیھن.
قيل له: قد بيًّا أن تخصيصه المؤمنات غيرُ دالٌّ على حَظْر غيرهنَّ في
المسألة التي قبلها، بتخيير نكاح المؤمنات منهن بهذه الآية، وتخيير نكاح
الکتابیات بالآيات الأخر.
* ومن جهة النظر: اتفاق الجميع(٢) على جواز وطء الأمة الكتابية
بملك اليمين، كما جاز وطء الأمة المسلمة، فدلَّ على أن دِيْنَها لا يَحظر
نكاحَها؛ لأن حَظْر النكاح إذا كان من طريق الدِّيْن: مَنَعَ الوطء، كما يمنع
النكاحَ، ألا ترى أن الأمة المجوسيَّة والوثنيَّة لما لم يَجُزْ عقد النكاح
عليهما، لم يَجُزْ وطؤهما بملك اليمين، فدلَّ وطؤهما بملك اليمين على
جواز عقد النكاح عليهما، كالأمة المسلمة.
فإن قيل: قد يجوز له الوطء بملك اليمين من غير عَدَد، ولا يجوز
عقد النكاح إلا على أربع.
قيل له: إنما يختلفان في باب العَدَد فحسب، فأما في سائر الأحكام
فلا.
(١) النساء: ٢٥.
(٢) الإشراف لابن المنذر ص ١٢٢.

٤٥٤
كتاب النكاح
ولذا قال عليٌّ وعمار بن ياسر رضي الله عنهما(١): ((ما حَرَّم الله من
الحرائر شيئاً إلا حَرَّم من الإماء مثلَه، إلا رجلٌ يَجْمَعُهنَّ».
ومَن منع نكاح الأمة الكتابية فإنما منعه من جهة دِينها، وقد بيًّا أن
دِينَها من حيث لم يمنع الوطء، وَجَبَ أن لا يمنع النكاح كالمسلمة
سواء.
مسألة : [الخُلْع]
قال أبو جعفر : (ومَن وقع بينه وبين زوجته شِقاقٌ: فله أن يطلِّقها على
جُعْل يأخذه منها، بعد أن لا يتجاوز به ما أعطاها، وإن كان النشوز من
قِبَله: لم ينبغ له أن يأخذ منها شيئاً، وجاز في القضاء إن فعل ذلك.
وكذلك إن كان النشوز من قِبَلها، فأعطته أكثرَ ممَّا أخذتْ: كُره ذلك،
وجاز في القضاء).
قال أحمد: الأصل في ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ
تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلََّ أَن يَخَافَآ أَلَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ يُقِيَا حُدُودَ اَللَّهِ
فَلَاَ جُنَاحَ عَلَتِهِمَا فِيَا أَفَْدَتْ بِهِ،﴾(٢).
فاقتضى ظاهر الآية جواز خلعها عند الخوف أن لا يقيما حدود الله
على الكثير والقليل، إلا أن الدلالة قد قامت على أن النشوز إذا كان من
قِبَله: كُرِه له أخذ شيء منها، وهو قولُ الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدَّثُمُ أَسْتِبْدَالَ
(١) سنن البيهقي ١٦٣/٧.
(٢) البقرة: ٢٢٩.

٤٥٥
كتاب النِّكَاح
زَوْجِ مَّكَانَ زَوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَثُهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُ واْ مِنْهُ شَيْئًا﴾(١).
فمَنَعَ أخْذَ شيءٍ منها إذا كان النشوز من قِبَله، وهو أن يريد استبدال
زوج مكانَها.
ويدلُّ عليه: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ
ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾(٢)، فدلَّ ذلك على أن قوله: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَقْتَدَتْ بِهِ،﴾ :
المرادُ منه: حالَ كون النشوز من قِبَلها.
ثم يُكْرَه له مع ذلك أن يأخذ منها أكثرَ ممَّا أعطاها، لما روى سعيد بن
أبي عَرُوبَة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ((أنَّ جميلةَ بنت سَلَول أَتَّت
النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالت:
والله ما أَعَبْتُ على ثابت بن قَيْس في خُلُقٍ ولا دِيْنٍ، ولكنِّي أَكْرَهُ
الكفرَ في الإسلام، لا أُطيقُهُ بُغْضاً(٣).
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أَتَرُدِّيْنَ عليه حديقَتَه؟ قالت:
نعم، فأَمَرَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقَتَه، ولا
(٤)
يزداد)) (٤).
وروى ابن جرير عن عطاء عن ابن عباس ((أنَّ رجلاً وامرأةً اختصما
(١) النساء: ٢٠.
(٢) النساء: ١٩.
(٣) وكان ثابت بن قيس رجلاً دميماً، تبغضه لذلك، ولا تحب البقاء معه،
وتخاف إن بقيت معه أن تقع فيما يقتضي الكفر، ينظر فتح الباري ٤٠٠/٩.
(٤) صحيح البخاري ٣٩٥/٩.

٤٥٦
كتاب النكاح
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أَتَرُدِّيْنَ عليه حديقتَه؟ قالت: نعم
وأَزِيْدُه، قال: أما الزّيادة فلا))(١).
فمَنَعَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَخْذَ الزيادة مع كون النشوز من
قِبَلها، فعَلِمنا أنَّ مراد الآية في قوله: ﴿فِيَا اُقْنَدَتْبِهِ،﴾: ما بينه وبين ما
أعطاها من المهر.
* وإنما جازت الزيادة في القضاء، وجاز جُعْلُها وإن كان النشوزُ من
قِبَله في الخلع، من قِبَل أن النهي عن أَخْذ الجُعْل في كونه ناشزاً، وعن
أَخْذه الزيادةَ إذا كانت هي الناشزة، لم يتناول معنىً في نفس العقد، وإنما
يتناولُ معنى في غيره، فلا يمنع صحةً وقوعه.
ألا ترى أنه لو كان تزوَّجَها بَدْءاً على هذا القَدْر: جاز له أن يأخذ
منها، فعَلِمنا أن النَّهي إنما تناوله؛ لأنه لم يُعطها ذلك، لا لمعنى في نفس
العقد، فصار كالبَيْع عند أذان الجمعة، وكتلَقِّي الجَلَب، وبيعِ الحاضر
للبادي.
مسألة: [ليس للحَكَمَيْن في الشقاق التفريق إلا بالتفويض]
قال: (وليس للحَكَمَيْن في الشقاق أَنْ يفرِّقا إلا أن يجعل ذلك إليهما
الزوجان).
قال أحمد : وروي عن عليِّ رضي الله عنه مثل ذلك(٢).
(١) سنن ابن ماجه ٦٦٣/١، سنن البيهقي ٣١٣/٧-٣١٤، وقد تكلّم ابن حجر
في الفتح ٤٠٢/٩ عن هذه الرواية وطرقها وبيَّن ثبوتها وصحتها.
(٢) سنن البيهقي ٣٠٥/٧-٣٠٦.

٤٥٧
كتاب النِّكَاح
وقال ابنُ عباس(١) في قوله تعالى: ﴿فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ
أَهْلِهَا﴾(٢): أن ما حَكَمَ به الحكمان جاز على الزوجين.
والقولُ الأول أصحُّ، وذلك لأنهما وكيلان، ولا يجوز تصرُّفُ الوكيل
إلا في ما جُعِلَ إليه، ووُكِّل به، فإذا لم يُوكَّلا بالفُرْقة والخُلْع: لم يجز لهما
فِعْلُ ذلك.
مسألة :
قال أبو جعفر : (والخلعُ تطليقةٌ بائنة).
وذلك لأنه مُختصٌّ بالنكاح، موجَبٌ بإيجاب الزوج، لا بمعنى في
العقد، ولا يوجب تحريماً مؤبَّداً، وهذه صفة الطلاق.
قال أحمد: وقال ابن عباس(٣): ليس بطلاق، وهو فسخ(٤)، فإن الله
تعالى أدخَلَه بين طلاقَيْن، ثم حَكَمَ بصحة الثالثة بعده(٥) بقوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا
فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾(٦).
(١) سنن البيهقي ٣٠٥/٧.
(٢) النساء: ٣٥.
(٣) مصنف عبد الرزاق ٤٨٧/٦، سنن البيهقي ٣١٦/٧.
(٤) فلا يُنقِص عدد الطلاق.
(٥) ((فأثبت الثالثة بعد الخلع، فدل على أنَّ الخلع ليس بطلاق، إذ لو كان طلاقاً
لكانت هذه رابعة، لأنه ذكر الخلع بعد التطليقتين، ثم ذكر الثالثة بعد الخلع))، كما في
أحكام القرآن للمؤلف ٣٩٦/١.
(٦) البقرة: ٢٣٠.

٤٥٨
كتاب النكاح
قال أحمد: وهذا غير دالٌّ على ما قال؛ لأنه قال: ﴿اُلْطَّلَقُ
مَّقَانِ﴾(١)، بَيَّنَ به حُكْم التطليقتَيْن على غير وجه الخُلْع، قال: ﴿فَلَاَ
جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَقْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢) على التطليقَتَيْن، ثم قال: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا﴾ وهي
الثالثة، فلا دلالة فيه على جواز خلعٍ بعد التطليقتين قبل (٣) تطليقة
ثالثة.
ويدلُّ على صحة قولنا: أنَّ الخلع كناية عن الطلاق، كالخَلِيَّة،
والبَرِيَّة (٤)، وهو من جهة الزوج، فهو طلاق؛ لأنه لو لم يكن طلاقاً لَمَا
وقعتْ به فُرْقة، لأنّ كلَّ لفظ قُصِدَ به الفُرقة، وليس بكناية عن الطلاق:
أنه(٥) لا يقع به طلاق، نحو قوله: اسْقِ ماء.
وأيضاً: لم يختلفوا(٦) أنَّ الخلع إذا أُريد به الطلاق كان طلاقاً، فعَلِمنا
أن الفرقة قد تعلّقَت من حيث كان طلاقاً.
(١) البقرة: ٢٢٩.
(٢) البقرة: ٢٢٩.
(٣) في الأصل: (بين).
(٤) وهي كناية، لأنها تحتمل الطلاق وغيره، فقوله: أنت خلية، نسبة إلى الشر،
أي خلية من الخير، بريَّة من حُسن الخلق، أو أفعال المسلمين، كما في الكفاية
للخوارزمي ٤٠١/٣، وتحتمل أنها للطلاق، والمقصود: أنتِ خلية مني، وخلَّيتُ
سبيلَك، وأنت بريَّة مني، والله أعلم.
(٥) في الأصل: (لأنه).
(٦) المغني ١٨١/٨.

٤٥٩
كتاب النكاح
مسألة : [عِدَّة الخلع كعِدَّة الطلاق]
قال أبو جعفر : (والعِدَّة في الخلع، كهي في الطلاق).
لقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوْءٍ﴾(١)، ولم
يفرِّق بين الخلع وغيره.
وقد روي عن عثمان بن عفان أن المختلعة تعتدُّ بحَيْضةٍ واحدةٍ (٢).
قال أحمد: ولمَّا ثبت أن ما على المختَلِعَة من ذلك يمنَعُها التزوَّج،
دلَّ على أنها عِدَّة، وليست باستبراء، فكانت كسائر العِدَد الواجبة عن
الفُرقة الواقعة في حال الحياة.
* قال : (وللمرأة فيه النفقة والسكنى كسائر المطلَّقات).
مسألة : [أثر الخلع في الحقوق التي بَيْن الزوجين]
قال : (وإن كان لواحدٍ من الزوجَيْن على صاحبه حقٌّ بسبب النكاح
الذي كان بينهما، من صداق أو نفقة: فالخلع براءةً منه في قول أبي
حنيفة).
قال أحمد : هي ثلاث مسائل: الخُلْعُ، والمُبارأةُ، والطلاقُ على مال.
ولا خلاف بينهم أنه إذا قال: قد طلَّقْتُك على ألف درهم: أنه لا يبرأُ
من سائر الحقوق التي كانت وَجَبَتْ لها بسبب النكاح.
وأما المبارأة: فإن أبا حنيفة وأبا يوسف اتفقا أنه توجب البراءة من
(١) البقرة: ٢٢٨.
(٢) مصنف عبد الرزاق ٥٠٦/٦-٥٠٧، سنن البيهقي ٤٥١/٧.

٤٦٠
كتاب النِّكَاح
سائر الحقوق الواجبة بينهما بسبب النكاح.
وأما الخُلع على مال: فإن أبا حنيفة أوجب به البراءة، ولم يوجبْها أبو
یوسف، وجَعَلَه بمنزلة الطلاق على مال.
وأما محمد: فإنه لا يوجب البراءةَ من شيء، وإنما يتناول ما وَفَعَ
عليه التسمية في عقد الخلع، والمبارأة كالطلاق على المال المتفق
علیه.
فأما وجه قول أبي حنيفة: فهو أنَّ المبارأة تقتضي وقوع البراءة من
كل واحدٍ منهما لصاحبه فيما يتعلَّق بالنكاح من الحقوق؛ لأن المبارأة
وقوع البراءة لكلّ واحدٍ منهما، فهي شاملة لجميع الحقوق الواجبة
بالنكاح.
وإذا ثبت ذلك في المبارأة، جَعَلَ أبو حنيفة الخلع كهي؛ لأن لفظ
الخلع تضمَّن البراءة هكذا بموضوعه، لأنه مأخوذ من: خَلَعَ الشيءَ من
الشيء.
ويدل عليه قولُ النبي عليه الصلاة والسلام: ((مَن فارق الجماعةَ قِيْدَ
شِبْر، فقد خَلَعَ رِبْقةً(١) الإسلام من عُنُقه))(٢)، يعني أنه قد برىء منه.
ويُقال: خُلِعَ الخليفة: إذا برىء من الخلافة، وخَرَجَ منها، ولا جائز
(١) ((الربقة: ما يُجعل في عنق الدابة، كالطوق يمسكها لئلا تشرد، ويكون
المعنى: أي مَن فارقهم: فقد ضل وهلك، وكان كالدابة إذا خلعت الربقة التي هي
محفوظة بها، فإنها لا يؤمَن عليها عند ذلك الهلاك والضياع))، كما في معالم السنن
للخطابي ١٤٨/٧.
(٢) سنن أبي داود ١١٨/٥ وسكت عنه هو والمنذري في المختصر ١٤٨/٧.