النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كتاب النكاح باب نكاح الشِّغَار مسألة: (نكاح الشِّغَار جائز وفيه مَهْر المثل] قال: (وإذا زوَّجه أختَه على أَنْ يزوِّجه أخته، أو زوَّجه أَمَتَه على أن يزوِّجِه أَمَتَه، ليس بينهما مَهرٌ غير ذلك: فالنكاح جائز، ولكلّ واحدةٍ منهما مَهْرُ مثلها. قال: وهذا الشَّرْط هو الشِّغَار). قال أحمد : هذا العقد قد اشتمَلَ على ثلاثة معان: أحدُها: تمليكُ البُضْعِ بعقد نكاح. والثاني: شَرْطُ بُضْعِ كلِّ واحدةٍ لوليّ الأخرى. والثالث: أَنْ لا مَهْرَ لهما. وعقد النكاح لا تُفْسِدُه الشروط، ولا فسادُ البدل، ولا عَدَمُه. والدليل عليه: أنه لو تزوَّجها على خمرٍ أو خِنزيرٍ: جاز النكاح، وبَطَلَ الشرط. وكذلك لو تزوَّجها على أنْ لا مهرَ لها: كان لها المهرُ، وجاز النكاح، وبَطَلَ الشرط. وإذا صح ما وصفنا، ولم يكن في هذه المسألة إلا هذه المعاني، وكل 13 ٣٦٢ كتاب النِّكَاح واحدٍ منها لا تأثيرَ له في فساد العقد، وَجَبَ أن يجوز العقد. فإن قيل: (نَهَىُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح الشِّغَار))(١)، فينبغي أن يفسد العقدُ؛ لعموم النهي. قيل له: إذا ثبت أنَّ نكاح الشِّغَار وَصْفُه ما قدَّمْنا، وهو أن يزوِّجَه أختَه على أنْ يزوَّجه أختَه، أو يزوِّجه أَمَتَه على أَنْ يزوِّجه أَمَتَه، وكذلك رُوي تفسيره عن السَّلَف، فهذا إنما هو عقدٌ واقعٌ على أحد وجهَيْن: إما أنْ يكون لم يُشْرَط لها فيه مهرٌ رأساً، ويُشْرَطُ لوليِّها مَنْفَعَة، وهو بُضْعُ الأخرى، وذلك لا يُفسد العقدَ؛ لأن عدم تسمية البدل في النكاح لا تأثیر له في إفساد العقد. أو أن يكون جَعَلَ بُضْعَ كل واحدة بدلاً لبُضْع الأخرى، وذلك إذا زوَّجَهَ أَمَتَه على أنْ يزوَّجِه أَمَتَه، فهذا إنما هو فسادٌّ في البَدَل، فلا يَفْسُدُ العقدُ من أجله، كما لو تزوَّجها على خَمْرٍ أو خِنزير، ونحن إذا أجزنا نكاحَها بمهر المثل، فلم نُجز الشِّغَار؛ لأن النكاح بمهر المثل ليس بشِغَار. فإن قيل: فقد أجزتَ عقداً غير ما تعاقَدَاه. قيل له: كما إذا عَقَد على نكاحِ بخَمْرٍ أو خِنزيرٍ، أجزنا عليهما عقداً بمهر المثل، وهو غير ما تعاقَدًا عليه، وكما إذا عَقَدا بغير مهر، أجزناه بالمھر. والأظهر من معنى الشغار، أن يكون نكاحاً عارِيَاً من المهر، كما (١) تقدم. ٣٦٣ كتاب النكاح يُقال: بلدٌ شَاغِر، إذا كان فارغاً من الجُنْد(١). فإن قيل: لا يُشْبِهُ النكاحُ بالخمر أو الخنزير الشِّغَارَ؛ لأنه جَعَلَ في الشِّغَارِ بُضْعَ كلِّ واحدةٍ مهراً للأخرى، وقد أبطلناه أن يكون مهراً، فلا يصح عقدٌ قد أبطلناه من أن يكون معقوداً عليه عقداً صحيحاً. قيل له: إنما أخرجنا البُضْعَ من أن يكون مهراً، ولم نُخْرِجْه من أن يكون بعقد النكاح، كما قلنا جميعاً(٢) إذا تزوَّجها علىُ خَمْرِ أنه قد جَعَلَ البُضْعَ بدلاً من الخمر، فنخرجه من كونه بدلاً من الخمر، ولا نخرجه من كونه معقوداً عليه عقداً صحيحاً، لا بَدَلاً من الخمر. وعلى أنَّ الشافعيَّ رضي الله عنه قد قال: إنه لو زوَّجه أختَه على ألفِ درهم، على أَنْ يزوِّجه أختَه: جاز النكاح، وكان لها مهر المثل(٣)، فقد أخرجنا البُضْعَ من أنْ يكون بدلاً لبُضْعِ الأخرى، ولم تُبْطِلْه أن يكون معقوداً عليه في نفسه عقداً صحيحاً. وهذه المسألة تنقض عليه سائرَ ما يَحْتَجُّ به في إفساد النكاح المعقود عليه بشِغَار. فإن قيل: قد قلتُم في العبد إذا أَذِنَ له مولاه في تزوُّج حُرَّةٍ على رقبته، فتزوَّجها: أنَّ النكاحَ فاسد، وهذا فسادٌ في البَدَل، أفسدتُم من أَجْلِه النكاح، فالشغار مثله وإن كان الفساد في البدل. (١) القاموس المحيط (شغر). (٢) الإشراف لابن المنذر ص٥٢. (٣) لم أهتد إلى هذا النص بعينه من كلام الإمام الشافعي رحمه الله، لكن في الأم ١٥٩/٥ ما يفيد أنه لو لم يسم مهراً، صح العقد، وثبت لها مهر المثل. ٣٦٤ کتاب النكاح قيل له: لم يفسد النكاح لأجل فساد البدل؛ لأن البدلَ هو رقبة العبد، مما يصح تمليكه، ويجوز أن يكون بدلاً للبُضْع، ومن أجل أنها بدل صحيح، فَسَدَ العقد فيه؛ لأنه حين دخلَ في العقد، وصار بدلاً، أوجب أن تملكه المرأة بعقد النكاح، ولا يصحُّ للمرأة بقاء النكاح مع حصول تملُّكها في رقبة الزوج، فامتنع من هاهنا جواز العقد من أجل صحة البدل، لا من أجل فساده، وليس ذلك من الشِّغَار في شيء. فصل : [جواز عقد النكاح بشرط أن لا مهر] والدليل على جوازِ عقد النكاح وإن شَرَطَ أَنْ لا مهرَ لها، ويَجبُ لها مهرُ المثل: قولُ الله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ وَمَتِعُوهُنَّ﴾(١). فحَكَمَ بصحة الطلاق على عقدٍ لم يسمّ فيه مهراً، والطلاق لا يقع إلا في نكاحٍ صحيح، فثَبَتَ بذلك جواز عقد النكاح مع عَدَمِ تسمية المهر. فإن قيل: إنما دلَّت الآيةُ على جوازه إذا سَكَتَ عن التسمية، فما الدليلُ على جوازه إذا شَرَطَ أنْ لا مَهْرَ لها؟ قيل له: الآية منتظِمَةٌ للأمرَيْن؛ لأن شَرْطَه أنْ لا مهرَ لها، لا يُخرِجُه من أن يكون عقداً لم يُسَمِّ فيه مهراً، وقد حكَمَت الآيةُ بجوازه، فمَن خصَّ منها حالاً دون حالٍ، لم يَثْبُتْ له ذلك إلا بإقامة الدليل، وإذا جاز مع شَرْطِ أن لا مهرَ لها، جاز إذا جَعَلَ البدل خمراً أو خنزيراً، إذ كان لها مهر المثل، لأنه قد صحَّ أنَّ الشروط لا تفسدُه. (١) البقرة: ٢٣٦. ٣٦٥ كتاب النكاح وأيضاً: فإن فساد البدل ليس بأكثر من عَدَمِهِ، فإذا كان عَدَمُ التسمية لا يقدحُ في العقد، ففساده كذلك. ومما يدلُّ على أنَّ عقدَ النكاح لا تُفسِدُه الشروط: أنه يصح على بَدَل مجهول، وهو مهر المثل، وكلّ عقدٍ صحيح مع جهالة البدل، فإن الشروط لا تفسده، ألا ترى أنَّ العَتَاق والصلحَ من دم العمد ونحوهما من العقود التي تصح مع جهالة الأبدال، لا تُفسِدُها الشروط. مسألة : [إذا تزوج ذميٌّ ذميةً على خمرٍ أو خنزير، ثم أسلما] (وإذا تزوَّج الذميُّ الذميَّةَ على خمرٍ بعينها، أو خنزيرٍ بعينه، ثم أسلما، أو أسلم أحدُهما قبل القبض: فلا شيء للمرأة غيرها). وذلك لأن ضمان المهر في يد الزوج ضمانٌ بعينه، لا يتعلَّق بهلاكه قبل القبض فسادُ العقد، فأشبه الغصب، ولو أنَّ ذمِّياً غَصَبَ ذميَّاً خمراً أو خنزيراً، ثم أسلما أو أسلم أحدُهما: لم يكن له غيرُ العَيْن، كذلك المهر. (وقال أبو يوسف: لها مهر المثل، سواء كان بعَيْنه أو بغير عَيْنه). وذلك لأنَّ ما يَحْدُث على العقد قبل القبض، بمنزلة الموجود في العقد. والدليل عليه: أنه لو اشترى منه خمراً بعينها، أو خنزيراً بعينه، ثم أسلم أحدُهما قبل القبض: بَطَلَ العقد، وصار كأنه عَقَدَ عليه بعد الإسلام، كذلك حُكْم ما يطرأ على عقد النكاح قبل القبض، بمنزلة ما عَقَد عليه في تلك الحال. (وأما محمد: فإنه يسوِّي بين ما كان من ذلك بعينه أو بغير عينه أيضاً). وجَعَلَ تعذُّرَ تسليمه بعد الإسلام، بمنزلة موت العبد المهر قبل القبض، فيُرْجَعُ إلى القيمة. ٣٦٦ كتاب النكاح (وقال أبو حنيفة: لو تزوَّجها على خمر بغير عينها أو خنزير بغير عينه، ثم أسلَمَا: فلها في الخنزير مهر المثل، وفي الخمر القيمة). وذلك لأن الثابت كان في ذمته إلى وقت الإسلام هو الخمر، وقد تعذَّر تسليمها بعد الإسلام؛ لأن المسلم لا يجوز له تمليك الخمر، فصار بمنزلة مَنْ غَصَبَ شيئاً له مِثْل، نحو الرُّطَب والعِنَب، فاستهلَكَه، ثم انقطع من أيدي الناس: أنَّه يغرَمُ قيمتَه يوم الخصومة على أصله، وكذلك عنده أنَّ الخمر كانت في الذمة إلى أن أسلم، فتعذّر تسليمها، فتَقَلناها إلى القيمة. وأما الخنزير، فكان القياس فيه كذلك، إلا أنه تَرَكَ القياس، وجَعَلَ فيه مهرَ المثل، وذلك لأن ثبوت الخنزير في الذمة، ليس هو ثبوتاً صحيحاً، ألا ترى أنه لو جاء بالقيمة بَدْءاً: قُبِلَتْ منه، ولم يُجْبَر على تسليم الخنزير(١)، كمَن تزوَّج منَّا امرأةً على شاة بغير عَيْنِها، فله أن يعطيها القيمة، فلمَّا لم يكن ثبوت الخنزير في الذمة ثبوتاً صحيحاً، ثم طرأ الإسلام، فأسقط التسميةَ: عاد إلى مهر المثل. وأيضاً: فلو أوجبنا القيمة، لأوجبناها بالعقد، والعقدُ يوجبُ مهرَ المثل، ما لم يكن فيه تسمية صحيحة، فإذا اجتمع في العقد قيمةٌ الخنزير، ومهرُ المثل، كان مهر المثل أَوْلى بالثبات، إذ كان مهر المثل دَيْناً صحيحاً، وقيمة الخنزير ليست بدَيْن صحيح، ألا ترى أنَّ له أن يعدِل عن الخنزير إلى القيمة، فكان ثبوت مهر المثل أَوْلى، وبالله التوفيق. (١) في الأصل: (الخمر). ٣٦٧ كتاب النِّكَاح مسألة : [نكاح المُتْعَة] قال أبو جعفر: ونكاح المُتْعَة غيرُ جائز، وهو أن يتزوَّج الرجلُ المرأةَ وَقْتاً معلوماً). قال أحمد : المُتْعَةُ المتَّفَقُ عليها أن يقول: أُعطيكِ كذا على أن أتمتَّع فيكِ يوماً، أو نحو ذلك، وهذا لا خِلاف بين الفقهاء في فساده(١). وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم النَّهي عنها في أخبارٍ مستَفِيْضَةٍ شائعة، وأنَّهُ حرَّمَها بعدَ ما كان أَبَاحَها (٢). ويدلُّ على تحريمِها قولُ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَلُهُمْ﴾(٣). فحَظَرَ الوطءَ إلا من أحد الوجهَيْن، والمتعةُ خارجةٌ عنهما. فإن قيل: قد صحَّت إباحتُها عن النبي صلى الله عليه وسلم بالاتفاق، والحَظْرُ بعد الإباحة مختَلَفٌ فيه، فلا يثبت باتفاق. قيل له: هذه قضيَّةٌ فاسدة؛ لأنها توجب أن لا يَثْبُتَ شيءٌ من الأحكام إلا من طريق الاتفاق، وهذا فاسد عند الجميع. وأيضاً: لم تثبت الإباحة إلا من حيث يَثْبُتُ الحَظْرِ؛ لأنَّ كلَّ خبرٍ ورَدَ ء في إباحتها، ففيه ذِكْر حَظْرِها بعد الإباحة، فإن لم يثبت الحَظْر، لم تثبت الإباحة. (١) المغني ٥٧١/٧، القوانين الفقهية ص ١٤٠. (٢) صحيح البخاري ١٦٦/٩، صحيح مسلم ١٠٢٢/٢-١٠٢٨. (٣) المؤمنون: ٥-٦. ٣٦٨ كتاب النكاح فإن قيل: قال الله تعالى: ((فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ إلى أَجَلٍ مُسَمَّىْ))(١). قيل له: هو شَاذُ(٢) لم يثبت عندنا، ولو ثَبَتَ كان التأجيلُ مذكوراً للبدل، أخبرَ أنَّ عقدَ النكاح جائز على مهر مؤجَّل، وأنه متى حَلَّ الأجلُ لَزِمَه تسلیمُهُ. وأما إذا قال: أتزوَّجُكِ عشرة أيام، فإن زفر بن الهذيل يقول: هذا نكاح جائز، والشَرْطُ باطِل، وقال سائرُ أصحابنا هو فاسد، وهي متعةٌ، من قِبَل أنه جعل النكاح مؤقّتاً، والمتعة كذا هي نكاح مؤقت. وأيضاً: فإنه إذا عَقَدَ على عشرة أيام، لم يَخْلُ مِن أن يملِكَ بُضْعَها على التأبيد، ويبطُلَ التوقيت، أو يملك بُضْعَها ملكاً مؤقّاً يرتفع بمضيِّ الوقت. فالأول فاسد؛ لأنه إذا عَقَدَ على عشرة أيام: لم يجز أن يملك بضعها بعد المدة، كما إذا عَقْدَ إجارةً على نفسه عشرة أيام، لم يكن على ما بعد العشرة عقد، وكما لو قال: اشتريتُ منكَ قَفِيْزاً من هذه الصُّبْرة، كان المعقود منها هو القَفِيز، وما عداه غير داخل في العقد. وكذلك النكاح المؤقت، يقتضي توقيتُه أن لا يكون هناك عقد على ما (١) هكذا في الأصل، وقد جاءت هذه القراءة الشاذة عند عبد الرزاق في مصنفه ٤٩٨/٧، سنن البيهقي ٢٠٥/٧-٢٠٦ بلفظ: ((فما استمتعتم به منهن - إلى أجل مسمى - فآتوهن أجورهن))، والآية من سورة النساء، آية رقم / ٢٤ هكذا: ﴿فَمَا اُسْتَمْتَعْثُم بِهِ، مِنْهُنَّ فَقَاتُوُهُنَّ أُجُورَهُنَ فَرِيضَةً﴾. (٢) جامع البيان للطبري ١٣/٥. ٣٦٩ كتاب النَّكَاح بعد المدة، ولا جائز أن يستبيحَ وطأها فيها، وإن جَعَلْنَا النكاحَ مؤقّتاً كان متعة. ويدل على ذلك: أن عقد النكاح بمنزلة عقد تمليك الأعيان في جوازه غير مؤقّت، وهو مفارق للعقد على المنافع، إذ لا يصح إلا مؤقّتاً، وهو الإجارات. ولمَّا كان كذلك، ووجدنا تمليكَ عقود الأعيان يُبْطِلُها التوقيت، نحو أن يقول: قد بعتُكَ هذا العبدَ عشرةَ أيام، وَجَبَ أن يكون النكاح مثله. فإن قال قائل: قولُه تزوَّجْتُكِ: عقدٌ صحيح، وذِكْرُ العشرة الأيام إنما هو شرط يَلْحَقُ به، والشروط الفاسدة لا تَقْدَح في عقد النكاح. قيل له: قد بيَّنًا أنَّ التوقيت فيه يقضي وقوع العقد على المدَّة، وليس هو بمنزلة قوله: تزوَّجْتُكِ على أن أطلِّقَكِ بعد عشرة أيام، فيجوز النكاح، ويبطُل الشرط؛ لأنَّ هذا عقدٌ واقع على التأبيد، وشَرَطَ قَطْعَه بالطلاق، فلذلك صحَّ العقد. مسألة : [نكاح المُحْرِم] قال: (ولا بأس بنكاح المُحْرِم، ولا يَطَأ). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾(١)، وقوله: ﴿ فَنكِحُواْمَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَآِ﴾(٢)، وقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾(٣)، (١) النساء: ٢٤. (٢) النساء: ٣. (٣) النور: ٣٢. ٣٧٠ كتاب النكاح وقال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىَ أَنْفُسِهِنَ﴾(١)، وقال: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَجَعَآَ﴾ (٢). وعمومُ هذه الآيات يقتضي جواز نكاح المُحْرِمِ. ومن جهة السُّنَّة: ما رواه سفيان عن عَمْرو بن دينار قال: أخبرني أبو الشَّعثاء جابر بن زيد قال: سمعتُ ابنَ عباس يقول: «تزوَّجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو مُحْرِم. قال عمرو: فقلتُ لجابر بن زيد: مَن تراها يا أبا الشَّعثاء؟ قال: ميمونة بنت الحارث، فقال له: إنَّ ابن شهاب أخبرني عن يزيد بن الأَصمِّ أن رسول الله صلی الله عليه وسلم تزوَّج ميمونةً وهو حلال. فقال لي جابر بن زيد: إنها خالةُ ابن عباس، وهو أعلمُ بها، فقلتُ له: وهي خالة يزيد بن الأصم، فقال لي: وأينَ تجعلُ يزيدَ بن الأصم أعرابياً یبول على عَقِبَيْه إلى ابن عباس))(٣). فإن قيل: قد روى يزيد بن الأصم أنه تزوَّجها وهو حلال(٤)، فكيف جعلتَ حديث ابن عباس أَوْلى؟ (١) البقرة: ٢٣٤. (٢) البقرة: ٢٣٠. (٣) صحيح البخاري ٥٠٩/٧، ١٦٥/٩، صحيح مسلم ١٠٣١/٢-١٠٣٢، أما القسم الأخير من الحديث: ((وأين تجعل يزيد ... ))، فهي رواية الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٦٩/٢. (٤) صحيح مسلم ١٠٣٢/٢. ٣٧١ كتاب النِّكَاح قيل له: من وجوه: أحدها: أن يزيد بن الأصم لا يَقْرب إلى ابن عباس، ولا يوازَنُ به، کما قال جابر بن زید. والثاني: أنَّ مَن أخبر أنه تزوَّجها وهو حلال، إنما أخبر عن ظاهر ما كان عَلِمَه من حاله بَدْءاً، ولم يعلَم بحدوث الإحرام، ومَن قال تزوَّجها وهو حرامٌ، عَلِمَ حدوثَ الإحرام، فكان أَوْلِىُ، ولم يقضِ عليه جهلُ مَن جَهِلَ حدوثَ إحرامه. وأيضاً: فإن رواية مَن روى أنه تزوَّجها وهو حلال، لا يفيد حُكْماً، ورواية مَن روى أنه تزوَّجها وهو مُحْرِمٌ، قد أفاد حُكماً، وأثبتَ فائدةً، فكان أولى بالقبول. فإن قيل: قد روي في بعض أخبار يزيد بن الأصم عن ميمونة أنها قالت: تزوَّجني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بسَرِف(١)، ونحن حلالان(٢). قيل له: لا فَرْقَ بين رواية ميمونة وغيرها؛ لأنه يجوز أن يكون لم تعلم بحدوث إحرامه قبل ذلك(٣). (١) موضع على ستة أميال من مكة، كما في معجم البلدان ٢١٢/٣، وهو معروف الآن في مدخل مكة من جهة المدينة المنورة. (٢) صحيح مسلم ١٠٣٢/٢، سنن أبي داود ٤٢٣/٢. (٣) وقد جاء في صحيح البخاري ٥٠٩/٧ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسَرِف)). ٣٧٢ كتاب النكاح فإن قيل: روى نُبَيْه بن وهب عن أَبَان بن عثمان بن عفَّان قال: لا يَنْكِحُ الحَرَامُ ولا يُنْكَح، ولا يَخْطُب))(١). قيل له: حقيقةُ النكاح في اللغة هو الوطء، فهو محمول عليها، كأنه قال: لا يطَأ، ولا يُوطَىء، يعني لا يُمكّن من الوطء. ومن جهة النظر: إن الإحرام معنى عارض في معنى الوطء، فأشبه النِّفاس والحيض، يمنعان الوطء، ولا يمنعان العقد. وأيضاً: كما جاز له أن يراجع امرأته وهو مُحْرِم، جاز له أن يتزوَّج، والعلَّة الجامعة بينهما أن الرجعة لاستباحة الوطء كالعقد. فإن قيل: لمَّا كان(٢) ممنوعاً من الاستمتاع، مَنَعَ العقد، كذوات المحارم. قيل له: الأجنبيُّ ممنوع من الاستمتاع بالأجنبية، ولا يمنَعُ العقدَ علیھا. وأيضاً: المُحْرِمِ ممنوع من الاستمتاع بالطَّيْب، ولا يمنع العقدَ عليه في حال الإحرام، والصومُ والصلاةُ يمنعان الاستمتاع، ولا يمنعان العقد، لو زوَّجها وكيلُه وهو في الصلاة: جاز. فإن قيل: لمَّا كان ممنوعاً من الطِّيب، وَجَبَ أن يُمنعَ العقد، كالمعتَدَّة لمَّا كانت ممنوعةً من الطيب، مُنِعَتْ عقدَ النكاح. قيل له: هذه علَّة منتَقِضة؛ لأن المعتَدَّة من تطليقةٍ ثانية ممنوعةٌ من (١) صحيح مسلم ١٠٣٠/٢ بلفظ: (لا ينكح المحرم). (٢) أي المُحرِم. ٣٧٣ كتاب النكاح الطِّيب، ويجوز لها أن تعقدَ على نفسها عقدَ نكاح لزوجها الذي طلَّقَها، مع كونها ممنوعةً من الطيب: يدلُّ على فساد اعتلالك. مسألة : [فسخ عقد النكاح إذا كان بأحد الزوجين عيب] (ولا يُفْسَخُ النكاحُ بعيبٍ في المرأة في قول أصحابنا جميعاً). وروي نحوه عن علي(١) رضي الله عنه. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال (٢): ((يُرَدُّ من أربع: الجنون، والجُذَامِ(٣)، والبَرَص(٤)، والرَّتَق(٥) فيما أحسب)). والحجة لقولنا: أن المعقود عليه من جهة المرأة هو التسليم، وهو موجودٌ مع هذه العيوب، والدليل على صحة ذلك: جواز نكاح المجبوب، مع عدم الوطء رأساً، وفسادُ نكاح ذوات المحَارِم، لأجل عدم التسلیم. فلمَّا كان التسليم موجوداً من جهتها مع العيوب التي ذكرناها، لم يكن له خيارُ فسخ العقد مع وجود ما تعلَّقت به صحة العقد. (١) المحلى ١١٠/١٠، الجوهر النقي ٢١٥/٧، وقد روي عنه وعن عمر رضي الله عنهما غير ذلك، كما في المحلى. (٢) سنن البيهقي ٢١٥/٧، المحلى ١٠٩/١٠. (٣) الجذام هو: تشقق الجلد، وتقطع اللحم وتساقطه، كما في المغرب ١٣٧/١ نسأل الله تعالى العافية من الأمراض كلها الحسِّية والمعنوية. (٤) البرص: هو البياض في ظاهر الجلد، المغرب ٤٧/٢. (٥) امرأة رتقاء: إذا لم يكن لها خَرْق إلا المَبَال، كما في المغرب ٣٢٠/١. ٣٧٤ كتاب النكاح وأيضاً: قد اتفقوا(١) على أنها لا تُردُّ من الشَّمَط(٢)، والبَخَر(٣) ونحوهما، فكذلك ما وصفنا. * وأما إذا كان ذلك بالرجل: فلا خيار لها أيضاً، إلا فيما يمنع الوطء، مثل العُنَّة، والجَبِّ في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: إذا كان به داءٌ لا يمكنها المُقَام معه، مثل الجُذَام ونحوه: ويس خُيِّرت. وجه قول أبي حنيفة رحمه الله: أنَّ المعنى المستَحَقّ من جهة الرجل، هو تصحيح المهر لها، وهو موجود بوطئه إيَّاها، ولا اعتبار بسائر العيوب معه، وذلك لأن البَرَصَ والجُذَام ونحوهما إنما هو شيءٌ تكرهه النَّفْس، ويَنْفر منه الطبع، كما تَكْرَهُه إذا كان قبيحَ المَنْظَر، سَيِّءَ الصورة، ومع ذلك لا يجب به خیارٌ في فسخ العقد من أجل ذلك. قال أحمد : وليس وجوبُ خيار امرأة العِنِّيْن والمَجْبُوب متعلِّقاً بعدم الوطء، وإنما وَجَبَ لأن عقد النكاح يقتضي تسليمَ كلِّ واحدٍ مِن البَدَلَيْن اللَّذَيْنِ تناوَلَهُما عقدُ النكاح الذي وَقَعَ له. فكما استحقَّ الزوجُ عليها أن تسلُّم نفسَها تسليماً صحيحاً، استحقَّت هي عليه تصحيحَ البدل لها، وهو المهر، وهي لا تستحقه استحقاقاً صحيحاً إلا بالوطء؛ لأن الخَلْوةَ وإن كانت عندنا تمنع سقوطَ شيءٍ منه (١) لكن في بداية المجتهد ٥١/٢، والمغني ٥٨٢/٧ خلاف في البَخَر. (٢) الشَّمَط بفتحتين: بياض شعر الرأس، يخالط سواده، كما في مختار الصحاح (شمط). (٣) البخر بفتحتين: نتن الفم، مختار الصحاح (بخر). ٣٧٥ كتاب النِّكَاح بالطلاق بعدَها، فإن مِن الناس مَن لا يرى استحقاق كمال المهر بالخلوة إذا وُجدَ الطلاق بعدها، فلا بأس أن ترفعَ إلى قاضٍ لا يرى استحقاق المهر بالخلوة، فلا يوجب لها كمال المهر، فلمَّا كان كذلك: وَجَبَ لها الخيار في فسخ العقد، إذْ لم يسلِّم لها بَدَلَ ما تعلَّقت به صحة العقد مِن جهتها. والدليل على صحة ما قلنا: أنه لو وَطِئَها مرةً، ثم جُبَّ: لم يكن لها خیار فسخ العقد. مسألة : [أثرُ قَتْل الحُرَّة نفسَها قبلَ الدخول] قال : (وإذا قَتَلَتِ الحرَّةُ نفسَها قبل الدخول: فالصَّداق كلّه واجبٌ لوَرَثَتِها). وذلك لأنها في حال ما صارت مانعةً من البُضْعِ بالموت، كان المهر لغيرها، وهم الورثة، فصار قتلُها نفسَها، وقتلُ أجنبي لها سواء، في أنه لا يَسقطُ شيءٌ من مهرها، إذ كان الموت بمنزلة الدخول في استحقاق كمال المھر. * قال: (ولو كانت أَمَةً، فقتَلَها مولاها قبل الدخول: لم يكن لها مهرّ في قول أبي حنيفة). لأن الذي له المهر، وهو المولىُ مَنَعَ البُضْعَ، فصار كرِدَّة المرأة قبل الدخول، أنه يَسقطُ مهرُها، وليست كالحرَّة، لِمَا وصفنا، أن المانع من البُضْع غير الذي استحق المهر. قال أحمد : وقد حكى هشامٌ عن محمد عن أبي حنيفة في الأَمَة إذا قتَلَتْ نفسَها، أنَّ مهرَها يَسقُط. ووجه ذلك: أن جنايتَها تلزم المولى في باب استحقاق رقبتها لها لو ٣٧٦ كتاب النكاح كانت على أجنبي، فلم يختلف من أجل ذلك قتلُها نفسَها، وقتلُ مولاها إيَّاها. وأما في قول أبي يوسف ومحمد: فالمهرُ في الأَمَة للمولى؛ لأن الموت على أيِّ وجهٍ وُجِدَ: كان بمنزلة الدخول. مسألة : [حقُّ الأَمَة في فسخ نكاحها إذا أُعتقت] قال: (وإذا أُعْتِقَت الأَمَة، ولها زوج: فلها الخيار في فسخ النكاح، حُرّاً كان زوجُها أو عبداً). وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ((أنَّ زوجَ بَرِيرَة كان حُرَّاً حين أُعْتِقَت، فخَيَّرها رسولُ الله صلی الله علیه وسلم))(١). وروى عبَّاد بن العَوَّام قال: حدثنا سعيد عن أبي مَعْشر عن إبراهيم عن الأسود قال: سألتُ عائشةَ عن زوجٍ بَرِيرَة فقالت: كان حُرَّاً (٢). فإن قيل: روى عكرمة عن ابن عباس ((أنَّ زوجَ بريرة كان عَبْداً))(٣). وروى عروة عن عائشة رضي الله عنها ((أنَّ زوجَ بريرة كان عبداً، ولو (١) سنن أبي داود ٦٧٢/٢ وسكت عنه، سنن الترمذي ٤٦١/٣ وقال: حسن صحیح، سنن النسائي ١٦٣/٦. (٢) رواه النسائي في كتاب الكنى، كما في نصب الراية ٢٠٥/٣. (٣) صحيح البخاري ٤٠٦/٩. ٣٧٧ كتاب النكاح كان حُرّاً لما خَيَّرها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم)) (١). قيل له: لم تختلف الرواية أنَّ زوج بريرة كان عبداً في وقتٍ، وإنما يُحتاج إلى معرفة حاله عند عِقِ بَرِيْرَة، ففي أخبارنا تاريخُ حرِّيَّة زوج بريرة، وليس في خبرهم ذكرُ تاريخها، فكان خبرنا أَوْلى؛ لأن مَن قال: كان عبداً، إنما أخبر عمَّا كانت عليه حالُه بَدْءاً، ومَن قال: كان حُرَّاً حين ◌ُعْتِقَت، فقد وقَّت، فهو أولى. وأيضاً: لو تساوى الخبران في الاحتمال، كان خبر الحرِّيَّة أَوْلِىُ، من قِبَل أن المُخْبر بالحرية، أخبرَ عن حالٍ عَلِمَ حدوثَها بعد الرِّق، ومَن أخبر بالرِّقِّ، فإنما أخبر عمَّا عَهِدَه من حاله بَدْءاً، ولم يعلم حدوث الحرية، فلا يقضي على خبر مَن عَلِمَ حدوثها. ألا ترى أنَّ شاهدَيْن لو شَهِدَا أن هذا عبدُ زيدٍ، وشَهِدَ آخرَان أنَّ زيداً أَعْتَقَه: أنَّ شهادة العتق أولى. وأما ما روي في خبر عروة عن عائشة أنَّ زوج بريرة كان عبداً، فلا ينافي خبرَ الأسود عنها؛ لأن الأسودَ أخبر عن تاريخ الحرية، وعروة أخبر عن عُبُودَةٍ متقدِّمةٍ للحرية، فلا يتعارضان. وأما قوله: ((ولو كان حُرَّا ما خيَّرها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم)): فإنَّا لا ندري مَن القائلُ لذلك، ويجوز أن يكون قائلُهُ عروة(٢)، ومَن دونه، إذ ليس في اللفظ دلالة على أنه مِن قول عائشة، إذ قد وَجَدْنَا الرواةَ (١) صحيح مسلم ٢/ ١١٤٢. (٢) كما صرَّح النسائي ١٦٥/٦ في رواية أنه كان عبداً، وقد بيَّن الزيلعي في نصب الراية ٢٠٧/٣ أنه من كلام عروة قطعاً. ٣٧٨ كتاب النكاح يُسْنِدُون الحديثَ إلى غيرهم، ثم يَقْطَعُون عليه كلامَهم، ويُدْرِجونه في الخبر، فإذا لم يثبت أنَّ قوله: ((ولو كان حُرَّاً ما خيَّرَها رسولُ الله صلى الله علیه وسلم)): من قول عائشة. وعلى أنه لو ثَبَتَ ذلك عن عائشة: لم ينافِ ما قلنا، إذ لا يمتنع أَنْ تكون عائشة قد كانت عَلِمَتْ رِقَّ زوج بريرة، فَأَخْبَرَتْ بذلك عمَّا كانت عَلِمَتْه، وكان عندها أنَّ المعنى الموجب لخيارها عند العتق كون زوجها عبداً، ثم ثَبَتَ عندها أنه كان قد أُعْتِقَ قبلَ ذلك، فأخبرت عن صحَّة علمِها بحدوث حريته قبل عتق بريرة، وليس يَسُوغ [ردُّ](١) مثل هذا التأويل لمخالفنا؛ لأن الحرِّيَّة الثابتة لا يَطْرَأ عليها رِقٌّ في دار الإسلام، وتطرأ الحرِّيَّة علىُ الرِّق(٢). فإن قيل: روى القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها ((أنَّ بَرِيْرَةَ كانت تحت عبدٍ، فلما أُعْتِقَت، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إن شئتِ تَمْكُثِينَ تحت هذا العبد، وإن شئتِ فارِقِيه))(٣). فأخبرَتْ عائشة أنها كانت تحت عبدٍ، ثم أخبرَتْ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لها بعد عِتْقها: إن شئتِ تَمْكُثِين تحتَ هذا العبد، فسمَّاه (١) ساقطة من الأصل، ويقتضيها المعنى، والله أعلم. (٢) في الأصل: (ويطرأ الرق على الحرية)، وهي سبق قلم، والله أعلم، والتصويب يقتضيه السياق، وقد جاء النص صحيحاً في اعتراض أورده الماوردي في الحاوي (رسالة دكتوراة، كتاب النكاح) ٤ /١٣٠٢، وقريب منه في شرح معاني الآثار ٠٨٣/٣ (٣) سنن البيهقي ٢٢٠/٧، وبيّن ابن التركماني في الجوهر النقي أنَّ أحد رواته ضعيف. ٣٧٩ كتاب النِّكَاح عبداً بعد عتقها، وهذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم لم يعارِضْه شيء، فهو أَوْلى من جميع ما رُوي فيه من حريته عند عتقها، إذ ليس في جميع ما رويتموه لفظ من النبي صلى الله عليه وسلم يوجب أن يكون حراً في وقت عتقها. قيل له: أما قولُ عائشة أنها كانت تحت عبدٍ، فليس فيه دلالةٌ علىُ موضع الخلاف بيننا؛ لأنا نقول إنها قد كانت تحتَ عَبْدٍ، والخلاف في وقت وقوع عتقها. وقد رواه الأسود على الوجه الذي ذكرنا بحيث لا يحتمل تأويلاً. وأما قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن شئتِ تَمْكُثِين تحتَ العبد)»: فإنما هو كأمره صلى الله عليه وسلم بلالاً حين أَذِّن قبل طلوع الفجر، يَرْجِعُ فينادي: أَلا إِنَّ العبدَ نام))(١)، وقد كان بلالٌ حراً في ذلك الوقت. ما وكما قال عليّ رضي الله عنه لشُرَيْح: ((ما تقول أيُّها العبدُ الأَبْظَر في قضيَّةٍ قضى بها))(٢). وشريح كان حُرَّاً في ذلك الوقت، وإنما سمَّاه بذلك؛ لأنه قد كان جَرَى عليه رِقٌّ في الجاهلية. وكما قال الله تعالى: ﴿وَءَاتُوْلَ أَمْوَهُمْ﴾(٣)، ولا يُؤْتَوْنها في حال الْيُتْم، وسمَّهم يَتَامى لقُرْب عهدهم باليُتْم. (١) تقدم. (٢) تقدم. (٣) النساء: ٢. ٣٨٠ كتاب النكاح وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اليَتِيْمَةُ تُسْتَأْمَرُ في نفسها))(١)، ومعلوم أنَّها لا تُسْتَأْمَرُ وهي صغيرة. فعلى هذا المعنىُ أَجْرَىُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لفظَ العبودية على زوج بَرِيْرَة إن صحَّ الخبر. وأيضاً: لو صحَّ أنه كان عبداً حين أُعْتِقَت، كانت دلالة قائمة على وجوب الخيار إذا أُعْتِقَتْ وهو حُرٌّ؛ لأن ذلك حُكْمٌ وَقَعَ في شخصٍ بحدوثِ معنى، وهو العتق، وهو موجود مع كون الزوج حُرَّا (٢)، فالواجب أن لا يختلفا حتى تقوم الدلالة على أنَّ هناك معنى آخر، وهو شرط مع العتق في إيجاب الخيار؛ لأن كلَّ حُكْمٍ حَكَمَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم في شخصٍ بحدوث معنى، فكذلك الحَكْمُ لازم في سائر الأشخاص، إلا أن تقومَ الدلالة على وجوب الاقتصار به على بعضٍ دون بعض. ألا ترى «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا حَكَمَ في فأرةِ ماتَتْ في سَمْن: إنْ كان مائعاً بالإراقة، وإن كان جامداً بإلقائها وما حَوْلَها))(٣)، علَّقْنَا (١) تقدم. (٢) أي أنه كان عبداً قبل حريته، والله أعلم. (٣) رواه البخاري في صحيحه ٣٤٣/١، ولكن بدون تفصيل بين المائع والجامد، بلفظ: ((فقال: ألقوها، وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم))، لكن التفصيل بين الجامد والمائع رواه أبو داود في سننه ١٨١/١، وفي سنن الترمذي ٢٥٧/٤ وقال: حديث غير محفوظ، ونقل عن شيخه الإمام البخاري تخطئة هذه الرواية، ومثله في فتح الباري ٣٤٤/١، وقد رواه ابن حبان في صحيحه (موارد الظمآن) ص٣٣١ (١٣٦٤).