النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
كتاب النكاح
٦- ومنها: ما يحرُم بجَمْعٍ بين ذواتَيْ رَحِمٍ مَحْرَم.
٧- ومنها: ما يحرُم لأنها تحتَ زوج.
* وإنما قلنا إن الربائب لا يَحْرُمْنَ إلا بالدخول (١)، ولا يَحْرُمْنَ بالعقد
وحدَه، لقول الله تعالى: ﴿وَرَبَيِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِسَآَبِكُمُ
الَّتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِنِ لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾(٢).
* وأمهات النساء يَحْرُمْن بالعقد (٣)، لقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُ
نِسَآَبِكُمْ﴾(٤)، وذلك عمومٌ في تحريمِهِنَّ، دَخَلَ بالبنت أو لم يَدْخُل.
وكذا روي عن ابن عباس أنه قال في ذلك: ((أَبْهِمُوا ما أَبْهَمَ الله))(٥).
فإن قيل: قوله ﴿الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾، راجع إلى الأمهات، لرجوعه
إلى الربائب.
قيل له: ليس كذلك؛ لأن قوله: ﴿الَّتِ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾: تخصيصٌ
(١) أي الدخول بالأمهات.
(٢) النساء: ٢٣.
(٣) أي على البنات.
(٤) النساء: ٢٣.
(٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤٧٣/٢، لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد،
وابن المنذر، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في سننه ١٦٠/٧.
ومعنى مبهمات: أي اللاتي ليس من المشروط فيهن الدخول ببناتهن، إنما
الشرط في الربائب، كما بيَّن هذا الطبري في جامع البيان ٣٢١/٤.

٣٢٢
کتاب النكاح
وحُكْمٌ، والتخصيص أن يكون موقوفاً على ما حصل فيه اليقين، وقد صحّ
رجوعه إلى الربائب، فلا نردُّه إلى الأمهات إلا بدلالة؛ لأنه لا يجوز
تخصيص العموم بالاحتمال.
وأيضاً: فإنَّ شَرْطَ الدخول بمنزلة الاستثناء(١)، وحُكْمُ الاستثناء أن
يرجع إلى ما يليه، ولا يرجع إلى ما تقدَّمه إلا بدلالة.
وأيضاً: فإنه لا يصح رجوعه إلى أمهات النساء؛ لأنه لو أَظْهَرْتَ في
اللفظ ما أردتَ إضمارَه فيه، لم يستَقِمِ الكلام؛ لأنه لا يجوز أن نقول: في
أمهات نسائكم من نسائكم: لأن أمهات نسائنا، ليس من نسائنا، والرَّائب
من نسائنا، وهذا اللفظ إنما يستقيم في الربائب، دون أمهات النساء.
وقد روى عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّه عن النبي صلى الله عليه
وسلم(٢) مثل قولنا في أمهات النساء والربائب جميعاً.
ورُوي عن عمر، وعمران بن حصين، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم
(١) وتقديره: ((وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم إلا اللاتي لم تدخلوا
بهن))، كما في أحكام القرآن للمؤلف ١٢٨/٢.
(٢) وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((أيما رجل نكح امرأة، فدخل بها: فلا يحل
له نكاح ابنتها، وإن لم يكن دخل بها: فلينكح ابنتها، وأيما رجل نكح امرأة، فدخل
بها، أو لم يدخل بها: فلا يحل له نكاح أمها))، سنن الترمذي ٤٢٥/٣ وقال: ((هذا
حديث لا يصح من قبل إسناده، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم)). اهـ
وقال الطبري في جامع البيان ٣٢١/٤: ((في إسناده نظر ... وهذا خبر وإن كان في
إسناده ما فيه، فإن إجماع الحجة على صحة القول به مستغنٍ عن الاستشهاد على
صحته بغيره))، وينظر التلخيص الحبير ١٦٦/٣.

٣٢٣
كتاب النِّكَاح
من قولهم(١) مثل ذلك.
ورُوي عن علي وابن مسعود(٢) في قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم
بِهِنَ﴾: أنه على الرَّبائب والأمهات، لا تَحْرُم واحدة منهن إلا
بالدخول.
وروى إبراهيم عن شريح أنَّ ابن مسعود كان يقول في ذلك بقول
علي، ويُقْتِي به، فَلَقِيَ أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فذاكرهم،
فكَرِهُوا أن يتزوَّجها، فلما رَجَعَ ابنُ مسعود نهىُ مَن كان أفتاه بذلك،
وقال: إني سألتُ أصحابي فكَرِهُوا(٣).
وقال زيد: إن طلَّق فهو كما قال عليٍّ(٤)، وإن ماتت: لم تَحِلَّ له
أمها، وجَعَلَ الموتَ كالدخول؛ لأنه تَسْتَحِقِ به المهر، فكذلك في
(٥)
التحريم(٥).
(١) مصنف عبد الرزاق ٢٧٤/٦، سنن البيهقي ١٥٩/٧، جامع البيان ٣٢١/٤.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٧١/٤، جامع البيان ٣٢١/٤.
(٣) مصنف عبد الرزاق ٢٧٣/٦، سنن البيهقي ١٥٩/٧.
(٤) أي لا بأس أن يتزوج أمها، كما هو عند الطبري في جامعه ٣٢١/٤ حين
ذكر أثر زيد رضي الله عنه، وأثر زيد هو عند ابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ١٧٢.
(٥) قال المؤلف في أحكام القرآن، ١٢٧/٢ موضحاً ذلك: ((ويشبه أن يكون
زيد بن ثابت إنما فرَّق بين الموت والطلاق في التحريم، لأن الطلاق قبل الدخول لا
يتعلق به شيء من أحكام الدخول، ألا ترى أنه يجب فيه نصف المهر، ولا تجب
عليها العدة، وأما الموت فلما كان في حكم الدخول، في باب استحقاق كمال المهر،
ووجوب العدة، جعله کذلك في حکم التحریم» اهـ.

٣٢٤
كتاب النكاح
مسألة : [حرمةُ أمِّ وبنتِ المرأة الموطوءة بحرام]
قال: (ومَن وطىء امرأةً حراماً، حَرُمت عليه أمُّها وابنتُها، وحَرُّمت
على' أبيه وابنه).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَانَكَحَ ءَابَاؤُكُم مِنَ
النِّسَاءِ﴾(١)، والنكاح اسم للوطء حقيقةً، والعقدِ مجازاً؛ لأن حقيقة
النكاح في اللغة هو الجمع بين الشيئين.
أخبرنا بذلك أبو عُمر غُلام ثعلب عن ثعلب والمبرِّد جميعاً قالا:
وتقول العرب: ((أنكحنا الفَرَا فسنرىٌ))، يعني جَمَعنا بين الحِمَار وأُنثاه،
يضربونه مَثَلاً للأمر مجتمعون عليه، ثم ينتظرون ماذا يصدرُ عنه (٢).
وإذا كانت حقيقة النكاح الجمع، وكان الجمع إنما يقع بالوطء، دون
العقد، دلَّ على أنه حقيقة في الوطء، وأن العقد إنما سُمِّي بذلك لأنه
سببُ الوطء، كما يسمى الشيء باسم غيره، إذا كان منه السبب.
ويدل عليه ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لَعَنَ اللهُ
ناكحَ البهيمة))(٣).
(١) النساء: ٢٢.
(٢) هذا المثل وبالمعنى نفسه في جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري ١٦٥/١،
تاج العروس (فرا) ١ /٩٦.
(٣) مسند الإمام أحمد ٢١٧/١، ٣١٧ بلفظ: ((ملعون مَن وقع على بهيمة))،
وبلفظ: (لعن الله ... )). سنن البيهقي ٢٣٤/٨، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير
٥٥/٤: ((روي من حديث عمرو بن أبي عمرو ... ومال البيهقي إلى تصحيحه لما
عضد طريق عمرو بن أبي عمرو وعنده من رواية عباد بن منصور عن عكرمة)).

٣٢٥
كتاب النِّكَاح
وقال الشاعر:
وأُخْرَى على عمّ وخالٍ تَلَهَّفُ(١)
ومِن أَيِّمٍ قَد أَنكَحَتْنَا رِمَاحُنا
وقال الأعشى(٢):
وأُخْرَى يقالُ له فَادِها (٣)
ومنكوحةٍ غيرِ مَمْهُورَةٍ
يعني المَسْبِيَّة الموطوءة.
ويدل على أنَّ الحقيقة للوطء: أنَّ عقدَ النكاح لما كان مخصوصاً
بإباحة الوطء، سُمِّي نكاحاً، إذْ(٤) لم يكن مختَصَّاً بإباحة الوطء.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٧٢/٦: ((رواه الطبراني في الأوسط، وفيه
محرز بن هارون، ويقال: محرر، وقد ضعفه الجمهور، وحسّن الترمذي حديثه،
وبقية رجاله رجال الصحيح) اهـ.
وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣٥٦/٤، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
(١) لم أهتد إلى قائله.
(٢) هو ميمون بن قيس، أبو بصير، من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، يقال له:
الأعشى الكبير، ولقب بالأعشى لضعف بصره، وهو من فحول شعراء الجاهلية، كان
كثير الوفود على الملوك من العرب والفرس، وكان غزير الشعر، وقد أدرك الإسلام
ولم يسلم، مولده ووفاته في اليمامة قرب مدينة الرياض، توفي سنة سبع للهجرة، له
ترجمة في خزانة الأدب ١/ ١٧٥، الأعلام ٣٤١/٧.
(٣) ديوان الأعشى الكبير ص ٧٥ رقم (٥٠)، والبيت جاء في وصف كرم رجل
فيقول عنه: كم في بيته من سبية قد أحرزها لم يدفع فيها مهراً، وأخرى يطلب أهلها
أن يفتدوها بالمال)) اهـ من شرح ديوان الأعشى.
(٤) في الأصل: (إذا)، والمعنى والله أعلم: أنَّ العقد لا يختص بإباحة النكاح

٣٢٦
كتاب النكاح
وأيضاً: الوطء آكدُ في إيجاب التحريم من العقد؛ لأنه قد وَجَدْنَا عقداً
صحيحاً لا يوجبُ تحريمَ الربيبة (١)، ولم نجد وطاً صحيحاً لا يوجب
التحريم، ألا ترى أنه على أي وجهٍ وقع الوطء بملكِ یمینٍ أو نكاحٍ أو
شُبهةٍ أَوْجَبَ التحريمَ، فعَلِمْنَا أنَّ الوطءَ سببٌ لإيجاب التحريم على أيِّ
حال وَقَع، وأنه لا يختلف فيه حكم المُبَاح والمحظور.
ويدل عليه: أنه لو وَطِىء جاريةً له مجوسيّةً، أو حائضاً: كان وطؤه
إياها موجباً لتحريم أمِّها وابنَتِها، وهو وطء محظور بالاتفاق(٢).
وكذلك لو تزوَّج امرأةً نكاحاً فاسداً، فوطئها: حَرُّمَتْ عليه أمُّها
وابنتُها.
وهذا كله يدل على أنَّ الوطء مرادٌ بقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَانَكَحَ
ءَابَآؤُكُمْ﴾
ويصح أيضاً أن يُجْعَلَ ابتداءً دليلاً للمسألة، ويَرِدُ عليه موضع
الخلاف.
وروي نحو قولنا عن عمران بن حصين والحسن والشعبي وإبراهيم(٢).
فقط، بل يترتب عليه أشياء غير الإباحة، من وجوب المهر، وحرمة أمها، ونحو
ذلك.
(١) وهو العقد على أم الربيبة قبل الدخول بها.
(٢) المغني ٤٨٣/٧.
(٣) صحيح البخاري ١٥٣/٩، مصنف ابن أبي شيبة ٤٢١/٤، الإشراف لابن
المنذر (تحقيق أبو حماد) ص ١٠١، المحلى ١١٦/١٠، الجوهر النقي ١٦٩/٧.

٣٢٧
كتاب النِّكَاح
* ويدلُّ على ذلك من جهة السنَّة: ما روى جرير بن عبد الحميد عن
حَجَّاج عن أبي هانئ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن نَظَرَ إلى
فَرْجِ امرأةٍ، لم تَحِلَّ له أمُّها ولا ابنتُها))(١).
فلم يفرِّق بين الحلال والحرام.
فإذا كان التحريم واقعاً بالنَّظَر، فبالوطء أَحْرَى أن يقع؛ لأن أحداً لم
یفرّق بينهما.
فإن قيل: روى عبد الله بن نافع عن المغيرة بن إسماعيل عن عثمان بن
عبد الرحمن الزُّهري عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ((أنَّ رسول الله
صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يَتْبَعُ المرأةَ حراماً، أينكِحُ ابنتَها؟. أو
يَتْبَعُ البنتَ حراماً، أينكحُ أُمَّها؟
قال: لا يحرِّمُ الحرامُ الحلالَ، إنما يحرِّمُ ما كان نكاحاً حلالاً))(٢).
فبيّن للسائل نفي التحريم لما سئل عنه.
(١) سنن البيهقي ١٧٠/٧ وقال: هذا منقطع ومجهول وضعيف، الحجاج بن
أرطاة: لا يحتج به فيما يسنده، فكيف بما يرسله عمن يعرف !. اهـ، ولم يتعقبه ابن
التركماني بشيء.
(٢) سنن ابن ماجه ٦٤٩/١ قال في الزوائد: فيه عبد الله بن عمر، وهو ضعيف،
سنن الدار قطني ٢٦٨/٣، سنن البيهقي ١٦٩/٧.
قال ابن حجر في الفتح ١٥٦/٩ : في إسناده عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي
وهو متروك، وقد أخرج ابن ماجه طرفاً منه، وإسناده أصلح من الأول. اهـ ورمز له
السيوطي في الجامع الصغير (مع فيض القدير) ٤٤٧/٦ بالضعف، وسيأتي في
الصفحة التالية تضعيف المؤلف لهذا الحديث.

٣٢٨
كتاب النكاح
وقوله: ((لا يحرِّمُ الحرامُ الحلالَ)): ينفي وقوع التحريم بالزنى.
قيل له: ليس في سؤال السائل ذِكْر الوطء، وإنما فيه أنه يَتْبَعُها،
ويُرَاودها عَن نَفْسها، ولا يكون بينهما وطء، فإذاً ليس في جوابه للسائل
بیان موضع الخلاف.
وأما قوله: ((لا يُحَرِّمُ الحرامُ الحلالَ)): فإنما عنى به ما سأله عنه السائل
من اتباعها حراماً.
ويدل عليه: ((إنما يحرِّم ما كان نكاحاً حلالاً)): يعني العقد الحلال،
وأن العقد الفاسد لا يحرِّم، و کذلك نقول.
وأيضاً: فإن الحديث واهٍ جداً، وإسناده مضطرب مختلف فيه،
ومداره على عثمان بن عبد الرحمن الزُّهري، وهو ضعيف.
وأيضاً: فقد قيل في معنى: ((لا يحرِّمُ الحرامُ الحلالَ)): أنه الرجل
يزني بامرأةٍ، أنه جائز له أن يتزوَّجها، وإن وَطِئها حراماً لا يمنعُ عقدَ
نکاحها.
وأيضاً: فلا خلاف(١) أنَّ الحرامَ يحرِّم الحلال، وهو وطء أمته في حال
الحيض، ووطء الأمة المجوسيّة، والجارية بين رجلَيْن إذا وطئها
أحدُهما، فهذا كلَّه وطء حرام، وهو يوجب التحريم، وكذلك الزنى،
والمعنى الجامع بينهما حصول الوطء.
فإن قيل: إنما أوجب الوطءُ التحريمَ في المسائل التي ذكرتَ، لِما
تعلَّق به مِن ثبوت النَّسَب، ووطء الزنى لا يتعلّق به ثبوت النسب.
(١) أحكام القرآن ١١٥/٢، المغني ٤٨٣/٧، القوانين الفقهية ص١٣٩.

٣٢٩
كتاب النكاح
قيل له: هذا لا يعارضُ اعتلالَنا؛ لأن المعنَيَيْن جميعاً يوجبَان(١)
التحريم، فكيف يتنافيان.
وأيضاً: فإن عقد النكاح يتعلَّق به ثبوت النَّسَب، ولا يحرِّم البنت، فلا
يجوز أن يكون السَّبَبُ الموجبُ لإثبات النَّسَب، الإيجاب التحريم.
وأيضاً: فإن وطء التي لم(٢) تَبْلُغْ، لا يتعلَّقُ به ثبوت النسب، ويوجبُ
التحريم، فعلمنا أنَّ اعتبارَك ساقط.
· واللَّمْسُ، والنَّظَرُ بشهوة يوجِبُ من التحريم ما يوجِبُه الوطء.
ورُوي نحوه عن عمر، وابن عمر، وعامر بن ربيعة، وعبد الله بن
عمرو، ومسروق(٣).
ويدل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ نَظَرَ إلىَ فَرْجِ امرأةٍ
حَرُمَتْ عليه أُمُّها وابْنَتُها))(٤).
وكلُّ مَنْ أوجَبَ التحريمَ بوطءٍ حرام، أوجَبَه باللَّمْس بالشهوة أيضاً.
مسألة : [الجَمْعِ بين أختَيْن في عُقْدَةٍ واحدة]
قال: (ومَن تزوَّج أختَيْن من نَسَبٍ، أو رضاعٍ في عُقْدةٍ واحدة: فُرِّق
بينه وبينهما).
(١) في الأصل: (لا يوجبان).
(٢) في الأصل: (لا).
(٣) مصنف عبد الرزاق ٢٨٠/٦-٢٨١ عن عمر رضي الله عنه، وعن مسروق،
أما البقية، فلم أهتد لتخريج آثارهم.
(٤) تقدم.

٣٣٠
كتاب النكاح
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾(١)، والجمع
واقعٌ بهما جميعاً، وليس أحدهما بأَوْلى بفساد النكاح من الأخرى.
مسألة: [لو تَزَوَّج أختَيْن في عُقْدَتَيْن]
قال: (وإن تزَّجهما في عُقْدَتَين: جاز نكاح الأولى منهما، وبطل نكاحُ
الثانية).
وذلك لأن نكاح الأُولى وقع صحيحاً، إذ كان مباحاً، ونكاحُ الثانية
وقع فاسداً؛ لأن الجمع بها وقع وكان محظوراً.
مسألة : [تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها]
قال: (وكذلك المرأةُ، وعمَّتُها، وخالَتُها).
وذلك لمَا رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبارٍ متواترة: ((لا
تُنْكَحُ المرأةُ على عمَّتِها، ولا على خالتها، ولا على بنتِ أختها، ولا على
بنتِ أخيها، لا الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرىُ)(٢).
والمعنىُ في ذلك عندنا: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما لو كان رجلاً، والآخر
امرأةً: لم يَجُزْ له أن يتزوَّج بها، فكذلك لا يجوز له الجمع بينهما.
مسألة :
قال: (ولا يجوز له وطءُ الأختَيْن بمِلك اليمين).
(١) النساء: ٢٣.
(٢) الجزء الأول من الحديث عند البخاري في صحيحه ١٦٠/٩، صحيح مسلم
١٠٢٨/٢، وبهذا اللفظ عند الترمذي ٤٣٣/٣ وقال: حديث حسن صحيح، سنن أبي
داود ٥٥٣/٢.

٣٣١
كتاب النكاح
وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾(١)، وعمومُه
يقتضي النكاح والمِلك.
وروي عن عليٍّ رضي الله عنه قال: ((أَحَلَّتْهما آيةٌ، وحَرَّمَتْهما آية،
والتحريمُ أَوْلِىْ))(٢).
وقال(٣): ((يحرُم عليك من الإماء ما يحرُم عليك في كتاب الله من
الحرائر إلا العَدد)).
وعن عمار مثله (٤).
ويُروى عن عثمان أنه قال: ((أَحَلَّتْهما آية، وحرَّمَتْهما آية، والتحليلُ
أَوْلِى)»(٥).
و
يعني بالتحليل: قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَنُكُمْ﴾ (٦).
والصحيح هو الأول؛ لأن قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: مبنيٌّ على
ما تقدَّم ذِكْرُه من وجوه التحريم، ألا ترى أنه لم يُيح به حلائل الأبناء، ولا
أمهات النساء بملك اليمين، فكذلك بين الأختَيْن.
(١) النساء: ٢٣.
(٢) سنن البيهقي ١٦٤/٧، الموطأ ٥٣٩/٢.
(٣) أي علي رضي الله عنه، كما في أحكام القرآن للمؤلف ١٣٠/٢.
(٤) سنن البيهقي ١٦٣/٧، الموطأ ٥٣٨/٢.
(٥) سنن البيهقي ١٦٣/٧.
(٦) النساء: ٢٤.

٣٣٢
كتاب النكاح
وإنما يقتضي قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾: يعني: بالسَّبْي، أبان عن
الفرقة الواقعة بينها وبين زوجها بورود السَّبْي عليها، وانقطاع العِصمة(١)
بينهما باختلاف الدَّارَيْن؛ لأن المراد بقوله: ﴿وَاَلْمُحْصَنَتُ﴾: ذوات
الأزواج.
وأيضاً: لو تعارضت الآيتان، وتساويَتًا فيما يقتضيانه، وفي الاحتمال،
لكانت آيةُ الحظر أَوْلى؛ لأن مواقعةَ المحظور يُسْتَحَقُّ بها اللَّوْمِ، وتَرْكُ
المباح لا يوجب اللَّوْم.
وأيضاً: فإن الحظرَ أصلٌ، والإباحةَ واردةٌ على الأصل، والحظرُ أَوْلى.
* قال أبو جعفر: (فإن وطئ إحدى الأختَيْن: لم يطأِ الأخرى حتى
يَحْرُمَ فرجُ الأخرى بتزويجٍ أو مِلك).
وذلك أنه إذا وطىء الثانية، فهو مالكٌ لوطء الأُولىُ، ومع الجَمْع
بوطء الثانية، وذلك محرَّم.
فإن زوَّج الأُولى، أو مَلَكَها غيرُه: حلَّ له وطء الأخرى؛ لأنه لا يكون
جامعاً، إذْ لم يكن وطءُ الأولى في مِلكه، ألا ترى أنه إذا طلَّق امرأته،
وانقضَتْ عدَّتُها: حَلَّ أن يتزوج أختَها؛ لأنه لا يقع به جَمْع.
* قال: (وإن كاتَبَها: حَلَّت له الأخرى).
وذلك لأن وطأها قد خرج عن مِلكه، ألا ترى أنه إذا وطئها: لَزِمَه
عُقْرُها، وأنها إذا وُطِئَتْ بشُبْهة أو نكاح: كانت أَوْلى بمهرها من
المولىُ.
(١) في الأصل: (العصبة)، والتصويب من أحكام القرآن ١٣١/٢.

٣٣٣
كتاب النكاح
* قال : (وروي عن أبي يوسف: أنه لا يَحِلَّ له وطء الأخرى بمكاتبة
الأُولى).
لأن وطأَّها لم يَمْلِكْه عليه غيره.
قال: (وقال أيضاً في هذه الرواية: إنه إن مَلَكَ فَرِجَ الأُولىُ غيرُه: لم
يكن له أن يطأ الأخرى حتى تحيض الأُولى حيضةً بعد وطئها).
لأنه جائز أن تكون حاملاً منه، فيكون جامعاً لمائِه في رَحِمَيْ أختَيْن،
فیستبرئها حتى يعلم أنها ليست بحامل.
مسألة : [الجَمْعِ بين امرأةٍ مع زوجةٍ أبيها]
قال : (ولا بأس بالجمع بين امرأة وبين زوجة أبيها).
قال أحمد : ورُوي نحوه عن عبد الله بن جعفر(١)، وعبد الله بن
صفوان(٢).
وروي عن الحسن(٣) كراهةُ ذلك، وهو قول ابنٍ أبي ليلىُ.
(١) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي، السيد العالِم، بحر الجود، بل
قالوا: لم يكن في الإسلام أسخى منه، ولد بأرض الحبشة أيام الهجرة إليها، له
صحبة، توفي رضي الله عنه سنة ثمانين للهجرة، له ترجمة في سير أعلام النبلاء
٤٥٦/٣، فوات الوفيات ١٧٠/٢، وقوله هذا رواه عنه البيهقي في سننه ١٦٧/٧.
(٢) عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف، المكي أحد أشراف قريش، ولد على
عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولأبيه صحبة مشهورة، وقتل مع ابن الزبير سنة ٧٣
هـ، له ترجمة في تقريب التهذيب ص ٣٠٨ (٣٣٩٤)، سير أعلام النبلاء ١٥٠/٤.
وقوله ذكره ابن قدامة في المغني ٤٩٨/٧.
(٣) أي البصري رحمه الله، وذكر الكراهة عنه وعن ابن أبي ليلى ابن قدامة في
=

٣٣٤
کتاب النكاح
فإن قيل: لو كانت رجلاً: لم يجز له أن يتزوَّج امرأةً أبيه، فينبغي أن لا
يجوز الجمع بينهما.
قيل له: إنما قلنا إن كلّ واحدٍ منهما لو كان رجلاً: لم يجز له تزويج
الأخرى، وكذلك لا يجوز الجمع بينهما، وهذا الاعتبار غير موجود في
مسألتنا، لأنا إذا جعلنا بنتَ الزوج رجلاً: لم يصح أن نجعل امرأةً الأب
رجلاً؛ لأن الأخرى لا تكون بنتَ الزوج.
مسألة : [الزواج بنساء أهلِ الكتاب]
قال : (ويَحِلَّ تزويج نساء أهل الكتاب).
لقوله تعالى: ﴿وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾(١)، وروي
إباحته عن جماعة من الصحابة، من غير خلاف من نُظَرائهم عليهم (٢).
فإن قيل: إنما أراد بقوله: ﴿وَالْخُصَنَتُّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن
قَبْلِكُمْ﴾(٣): مَنْ قد أسلم منهن، كما قال: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَنْ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ (٤).
قيل له: إطلاق لفظ أهل الكتاب يقتضي هذَيْن الفريقَيْن من اليهود
المغني ٤٩٨/٧.
(١) المائدة: ٥.
(٢) الإشراف لابن المنذر ص٩١، المغني ٥٠٠/٧.
(٣) المائدة: ٥.
(٤) آل عمران: ١٩٩.

٣٣٥
كتاب النكاح
والنصارى، إلا أن يُقْرَن بالإيمان، ولا يجوز لنا صَرْفُ اللفظ عن ظاهره
إلى غيره إلا بدلالة.
وعلى أنه لو كان كذلك، لم يكن في ذكرِهِنَّ فائدة؛ لأنه قد ذَكَرَ
المؤمنات قبلَهن بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ﴾(١)، وهذا ينتظم مَن كانت
كتابيَّة وأسلَمَتْ، ومَن كانت مسلِمَةً لم تَزَل، وكلَّ تأويلِ أدَّى إلى إبطال
حکم الأصل: فهو ساقط.
مسألة :
قال : (ولا يَحِلُّ للمسلم تزوُّج المجوسِيَّة).
لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ﴾(٢)، ثم خصَّ
الكتابيَّات، فبقيَّة المجوسيَّات على حكم الحظر.
فإن قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلٍ
الكتاب))(٣).
قيل له: هذا وَرَدَ في شأن الحِزْيَة، كذا روي في الخَبَر.
(١) المائدة: ٥.
(٢) البقرة: ٢٢١.
(٣) الموطأ ٢٧٨/١ قال ابن عبد البر في التمهيد ١١٤/٢: ((هذا حديث منقطع ..
لكن معناه متصل من وجوه حسان)) اهـ، وقال ابن عبد الهادي في المحرر في
الحديث ٤٦٥/٢: (في إسناده انقطاع، وقد روي نحوه متصلاً من وجه آخر)).
وفي التلخيص الحبير ١٧٢/٣: ((لكن في سماع محمد من حسين: نظر كبير،
ورواه ابن أبي عاصم في كتاب النكاح بسند حسن)) اهـ، وينظر فتح الباري ٢٦١/٦.

٣٣٦
كتاب النكاح
وهذا الخبر يدل على أنهم ليسوا أهلَ كتاب.
ويدل على أنهم ليسوا أهلَ كتاب: قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ
اٌلْكِتَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾(١)، فلو كان المجوس من أهل كتاب لكانوا
ثلاثَ طوائف.
ومن جهة النظر اتفاق الجميع(٢) على أنَّ عَبَدَةَ الأوثان لا تُنْكَحُ
نساؤهم، والمعنى فيه: أنهم ليسوا أهلَ كتاب، والمجوسُ مثلُهم، لهذه
العلَّة.
وقد روي عن عبد الله الدَّانَاج عن مَعْبَد الجُهَنِي قال: ((رأيتُ امرأةً
حذيفة مَجُوسيَّةً يُقال لها سَايْرِذَخت(٣))، وهذا يحتمل أن تكون كتابيَّة حين
كانت تحت حذيفة، ثم تحوَّلتْ بعد موته إلى المجوسيَّة.
وأيضاً: فإن مَعْبَداً الجهني لم يُدْرِك حذيفة.
مسألة : [الزواج بنساء الصائِئِين]
قال أبو جعفر : (ونساءُ الصابئين عند أبي حنيفة كسائر أهل الكتاب
سواءٌ هُنَّ، لابأس بتزويجهن ووطئِهن بمِلك اليمين، وتُؤكَلُ ذبائحهم.
وقال أبو يوسف ومحمد: نساءُ الصابئين في ذلك كالمجوسيَّات).
قال أحمد : كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول: لا خلاف بينهم
(١) الأنعام: ١٥٦.
(٢) المغني ٥٣١/٧.
(٣) سنن البيهقي ١٧٣/٧ وقال: هذا غير ثابت، والمحفوظ عن حذيفة أنه نكح
يهودية اهـ المحلی ٤٤٩/٩.

٣٣٧
کتاب النكاح
في المعنى، وإنما أجاب أبو حنيفة عن صِنْفٍ من الصابئين يَنْتَحِلُون دينَ
المسيح، وهم فِرْقَةٌ مِن النَّصارىُ يُقِرُّون بالإنجيل في ناحية البَطَائِح في
عَمَلِ واسط(١)، فهؤلاء حُكْمُهم حُكْمُ النصارى وإن خالفوهم في أشياءَ مِن
أمر دينهم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَُّ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ, مِنْهُمْ﴾(٢)، فهذا قولُهم جميعاً فيمَن
كان هذا وصفَه أنه من أهل الكتاب.
وأجاب أبو يوسف ومحمد عن قومٍ آخَرِين، يُسَمَّوْن أيضاً صابئين في
ناحية حَرَّان(٣)، يَعْبُدُون الأوثانَ والكواكب، ولا ينْتَحِلُون دينَ المسيحِ(٤)،
فهؤلاء لا تجوز مناگحتُهم، ولا يحلّ أكلُ ذبائحهم.
وإنما جواب أبي حنيفة عن مسألةٍ لا خلاف بينهم فيها، وأجاب أبو
يوسف ومحمد عن مسألةٍ أخرى لا خلاف بينهم فيها أيضاً.
(١) من ناحية الجنوب في العراق، كما في معجم البلدان ٣٤٨/٥، و(واسط)
موقعها يتوسط بين الكوفة والبصرة، كما في بلدان الخلافة الشرقية ص٥٩.
(٢) المائدة: ٥١.
(٣) وهي على طريق الموصل والشام بينها وبين الرقة يومان، وكانت منازل
الصابئة، وهم الحرانيون، كما في معجم البلدان ٢٣٥/٢.
(٤) وقد زاد المؤلف في بيان حال الصابئة في أحكام القرآن ٣٢٨/٢ فبيَّن أنَّ
أصل اعتقادهم واحد، وهو تعظيم الكواكب وعبادتها، لكن لظروف سياسية أظهروا
النصرانية، وأبطنوا اعتقادهم، قال: والذي يغلب على ظني في قول أبي حنيفة في
الصابئين أنه شاهد قوماً منهم أنهم يُظهرون أنهم من النصارى، وأنهم يقرؤون
الإنجيل، وينتحلون دين المسيح تقية اهـ مختصراً.

٣٣٨
كتاب النكاح
مسألة :
قال أبو جعفر: (ومَن كان أحدُ أبوَيْه كتابيًّاً، والآخر مجوسيَّاً: كان
حُكْمُه حُكْمَ أهلِ الكتاب).
وذلك لأن الكتابيَّ له بعض أحكام المسلمين، وهو المناكحة، وجوازٌ
الذَّبيحة، فَثَبَتَ له هذا الحكم بأحدِهما، كما ثَبَتَ له أحكام الإسلام إذا
كان أحدُهما مسلماً.
وإنما كان مسلماً إذا كان أحد أبوَيْه مسلماً، لقول النبي صلى الله عليه
وسلم: ((كُلَّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرة، فأبواه یھوِّدانه وينصِّرانه، حتى
يُعْرِبَ لسانُه)(١)، فأثبت له حكم الفطرة بنفسه، ونَقَلَه عنها بالأبوين
جميعاً، فلما لم يجتمعا على الكُفْر: لم ينقُلاَه، وكذلك لا ينقلانه عمَّا
للكتابيِّ من أحكام الإسلام إلا باجتماعهما على ذلك.
مسألة: [ليس للزوج جَبْر زوجته الكتابية على الغُسْل من الحيض]
قال: (ومَن تزوَّج من المسلمين كتابيَّة: لم يكن له جَبْرُها على الغُسْل
مِن الحيض).
وذلك لأنه ليس عليها غُسل، إذ كان الغُسل إنما يتعلَّق وجوبُه
بوجوب الصلاة، وليست هي مؤاخذةً بالصلاة في أحكام الدِّیْن.
مسألة : [مَنْعُ الزوجةِ الكتابيَّة من الخروج إلى الكنائس]
قال: (وله منعُها من الخروج إلى كنائس النَّصارىُ، وأعيادِهم).
(١) صحيح البخاري ٢١٩/٣، صحيح مسلم ٢٠٤٧/٤، وتقدم، وبلفظ:
(حتى يعرب عن لسانه)): في المسند للإمام أحمد ٣٥٣/٣.

٣٣٩
كتاب النِّكَاح
وذلك لأنه يستحق عليها تسليمَ نفسها في بيته، فله أن يمنعَها من
الخروج كما يمنع المسلمة.
مسألة : [تَمَجُّس الزوجة الكتابيَّة]
(ومَن تزوَّج من المسلمين كتابية، فَتَمَجَّست: حَرُمَتْ عليه، وانفسخ
نکاحُها).
وذلك لأنه قد طَرَأ على العقد ما يوجبُ التحريم، فصار كالرِّدَّة.
مسألة : [لو تهوَّدت الزوجة النصرانية، أو تنصَّرت اليهودية]
قال: (ولو كانت نصرانيَّةً، فتهوَّدَتْ: خَلَّى بينها وبين ما اختارَت
من اليهودية، وكانت زوجتُه على حالِها، وكذلك لو كانت يهوديةً
فتنَصَّرت).
وذلك لأن ما صارت إليه مِن الدِّين لا يمنع ابتداءً العقد، فَأَنْ لا يمنع
البقاء أوْلى.
مسألة : [خِطْبة المَخْطُوبَة]
(ومَن خَطَبَ امرأةً، فلم تركَنْ إلى خِطبته إياها: لم يكن على غيره
بأسٌّ في خِطبتها، وإنما يُكْرَه له خِطبتها بعد خِطبة غيره إذا كانت قد ركَنتْ
إلى خاطِها الأول).
قال أحمد: إنما يُكرَه له خِطبتها إذا رَكَنَتْ إلى غيره، لِمَا حدثنا عبد
الباقي بن قانع قال: حدثنا موسى بن الحسن بن أبي عَبَّاد قال: حدثنا
عبد الله بن رَجَاء قال: حدثنا صَخْر بن جُوَيْرِيَة عن نافع عن ابن عمر قال:
((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَخطُب الرجلُ على خطبة أخيه،

٣٤٠
كتاب النكاح
حتى يَتْرُكَ الخاطِبُ الأول، أو يَأْذَنَ له، فيخطُب))(١).
فإن هذا الحديث على معنَيَيْن: أحدهما: النهي عن خِطبته على خِطبة
غيره.
والثاني: أنَّ ذلك لِحَقِّ الخاطِب الأول، وأنه متى تَرَكَ الخِطبة، أو أَذِنَ
للثاني فيها: جاز.
وأما إذا لم تركَنْ إليه، فإنما جاز له ذلك وإن لم يأْذَن الأول، لما
روي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت قَيْس: إذا انقَضَتْ
عِدَّتُكِ فَآَذِنِينِي، فلمَّ انقضت عِدَّتُها أَعْلَمَتْه، وقالت: قد خَطَبَنِي أبو
الجَهْم، ومعاوية.
فقال: أما أبو الجَهْم فلا يَضَعُ عَصَاه عن عاتِقِهِ، يعني يَضْرب النساء،
وأما معاوية فصُعْلوكٌ لا مال له، ولكن عليكِ بأسامة بن زيد، قالت:
فَتَزَوَّجْتُه، فجَعَلَ اللهُ فيه خيراً»(٢).
فخَطَبَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم على أسامة بعد ما أعلَمَتْه أنَّ أبا
الجَهْم، ومعاوية قد خَطَبَاها.
وروى أنس بن مالك ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم باع قَعْباً وحِلْساً
لرجلٍ من الأنصار فيمَنْ يزيد))(٣).
(١) صحيح البخاري ١٩٨/٩، صحيح مسلم ١٠٣٢/٢.
(٢) صحيح مسلم ١١١٤/٢.
(٣) الحديث تقدم، ووجه الدلالة: القياس على بيع المزايدة، حيثُ يجوزُ فيه
للمشتري الزيادةُ على ما دَفَعَه المشتري الأول، وذلك لأنَّ البائع لم يَرْكَنْ إلی إیجاب
المشتري الأول، فكذلك الخِطبة.