النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كتاب النّكَاح
شيبة قال: حدثنا حسين بن محمد قال: حدثنا جرير بن حازم عن أيوب
عن عِكرمة عن ابن عباس أنَّ جاريةً بِكْراً أَتَتِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم،
فِذَكَرَتْ أنَّ أَبَاها زوَّجَها، وهي كارهة، فخيَّرها النبيُّ صلى الله عليه
(١)
وسلم))(١).
وحدثنا عبد الباقي بن قَانع قال: حدثنا أبو العباس علي بن محمد
المَرْوَزِي الطَّهْمَاني قال: حدثنا عمر بن محمد البخاري قال: حدثنا أبي
قال: حدثنا عَبْدَان بن عثمان(٢) عن أبي حمزة عن سِوَار بن داود البصري
عن ثابت عن أنس بن مالك قال:
((جاءت جاريةٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول
الله! إنَّ أبَوَايَ زوَّجاني ولم يستَأْمِرَاني، فهل لي مِن شيء؟ فقال لها رسول
الله صلى الله عليه وسلم: اتَّقِ اللهَ في أَبَوَيْكِ، مرَّتين يردِّدُها، قالت: قد
خرجتُ من عنده، ففرَّق بينهما النبي صلى الله عليه وسلم))(٣).
(١) سنن أبي داود ٥٧٦/٣، سنن ابن ماجه ٦٠٣/١. قال ابن حجر في
التلخيص الحبير ١٦١/٣: ((رجاله ثقات، وأُعل بالإرسال، وأجيب بأنه روي
موصولاً، وإذا اختلف في وَصْل الحديث وإرساله، حُكِم لمن وَصَله على طريقة
الفقهاء»، ونَقَل الزيلعي في نصب الراية ١٩١/٣ عن ابن القطان أنه حديث صحيح،
وبيَّن الزيلعي وصله.
(٢) في الأصل: (عن بمنى عجان) هكذا، وبالبحث وجدت أنَّ أبا حمزة هو
محمد بن ميمون السكري، کما في تهذيب الكمال ٥٥٩/١، ووجدت ممن روى عن
أبي حمزة عبدان بن عثمان، كما في تهذيب الكمال ١٢٨٠/٣ وهو أقرب الأسماء إلى
رسم المخطوط ولذا أثبته، وكأن الناسخ لم يعرف الاسم فرسمه هكذا، والله أعلم.
(٣) لم أهتد إليه بهذا اللفظ، وفي هذا المعنى عند البيهقي في السنن ١٢٠/٧.

٢٨٢
كتاب النكاح
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسن بن علي العَمْري قال:
حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم - دُحَيْمٍ - قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن
ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر أنَّ رجلاً زوَّج ابنتَه بِكْراً، فكَرِهَتْ،
وأَتَت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فردَّ نكاحَها(١).
وروى محمد بن عبد الرحمن البَيْلَمَاني عن أبيه عن ابن عمر قال: كانَ
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَنْزِعُ النساءَ مِن أزواجهن ثيبات وأبكاراً إذا
كَرِهْنَ ذلك بعد ما يُزَوِّجُهنَّ آباؤهن وإخوتُهن(٢).
حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن عمر الزِّتْبَقِي قال:
حدثنا عَبْدة بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن الحارث الحارثي قال: حدثنا
محمد بن عبد الرحمن البَيْلَمَاني بذلك.
قال أحمد : وقد اختُلِفَ في قصة خَنْسَاء بنتِ خِدَام فقال بعضهم:
زوَّجَها أبوها وهي ثيِّب بغير أمرها، فردَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم نكاحَها
حین کَرِهَتْه(٣).
وقال بعضهم: زوَّجها وهي بِكْر.
(١) سنن الدارقطني ٢٢٩/٣، ٢٣٦ وقال: ابن أبي ذئب لم يسمعه من نافع،
وإنما رواه عن عمر بن حسين عنه، وهو أحد طرق حديث ابن عباس المتقدم في
الصفحة السابقة.
(٢) نسبه الزيلعي في نصب الراية ١٩١/٣ للدار قطني، ولم أهتد إليه في سننه،
فلعله في غير السنن.
(٣) صحيح البخاري ١٩٤/٩، وقد ذكر ابن حجر في الفتح ١٩٥ -١٩٦ عدة
أسانيد لحديث خنساء ثم قال: ((وهذه أسانيد يقوى بعضها ببعض، وكلها دالة على
أنها كانت ثيباً».

٢٨٣
کتاب النكاح
وهو ما حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا أحمد بن عَنْبَسَة بن لَقِيْط بن
أَوْفَى الضَّي قال: حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن عبد الرحمن
بن القاسم عن عبد الله بن وَدِيعة(١) عن خَنْسَاء بنت خِدَام قالت: أَنْكحَنِي
أبي، وأنا بِكْر، فشكوتُ ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((لا
تُنْكِحْها وهي كارهة))(٢).
وقد يجوز أن يصحَّ الخَبَران جميعاً، بأن يكون زوَّجها وهي بِكْر، فردَّ
نكاحها، ثم تزوجت(٣) برضاها، وطلَّقَهَا زوجُها بعد الدخول، فزوَّجها
وهي ثيِّب، فردّ نكاحها.
فقَضَتْ هذه الأخبار على صحة قولنا، وبطلان قول مخالفنا.
فإن قيل: إنما أمَرَ باستثمار البكْر، تَطْييباً لنفسها، كما روي عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((استأمِرُوا النساء في بناتِهن)) (٤).
ولو زوَّجها الأب بغير إذن الأم: جاز، وكان أمرُهُ باستئمَارِهن على
جهة تطبیب أنفسهن.
(١) في الأصل: (ربيعة)، والتصويب من فتح الباري ١٩٥/٩.
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى، والطبراني في الكبير من طريق ابن المبارك
٢٥١/٢٤، كما في نصب الراية ١٩١/٣، فتح الباري ١٩٥/٩، وقد ذكره ابن حجر
في الزيادات والشواهد، فهو حسن أو صحيح على قاعدته، ونقل الزيلعي عن عبد
الحق في أحكامه قال: وقع في كتاب النسائي أنها كانت بكراً، والصحيح أنها كانت
ئيباً، كما رواه البخاري اهـ.
(٣) في الأصل: (ثم تزوجها، ثم تزوجت).
(٤) سنن أبي داود ٥٧٥/٢ وسكت عنه. قال المنذري في المختصر ٣٩/٣: فيه
رجل مجهول، مسند أحمد ٣٤/٢ ولفظهما: (آمروا ... ).

٢٨٤
كتاب النكاح
قيل له: هذا خَلْفٌ(١) من القول، لا تحتمله الأخبار التي روينا؛ لأن
النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابنِ عباس، وأنسٍ، وابنِ عمر، فرَّق
بينهما، ولم يُجِز العقدَ عليها، فهذا تأويلٌ ساقط في هذه الأخبار.
وقال في حديث أبي هريرة، وأبي موسىُ: ((وإن أَبَتْ، فلا جواز
عليها))(٢).
وأما لفظ حديث ابن عباس: ((والبِكْر تُسْتَأْمَرُ في نفسها))(٣).
وحديث عائشة: (استأمِرُوا النِّساءَ في أَبْضَاعِهن)) (٤).
فإن ظاهره يقتضي الوجوب، ولا يجوز حَمْلُه على النَّدْب، وتطييب
النفوس، إلا بدلالة.
ولو ساغ هذا التأويل في البِكْر، ساغ في قوله: ((والثّيِّب تُشَاوَرَ))(٥)
وعلى أنَّ قولَه عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباسٍ: ((الأَيِّم أحقُّ
مثله.
(١) الخَلف: الرديء من القول، مختار الصحاح (خلف).
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) تقدم.
(٥) مسند أحمد ٢٢٩/٢، تعليق الشيخ: أحمد شاكر على المسند ١٠٢/١٢
(٧١٣١)، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ١٩٢/٩ في الزيادات، وعزاه لابن
المنذر، فهو صحيح أو حسن على شرطه، وذكره الزيلعي في نصب الراية ١٩٥/٣
وقال: غريب بهذا اللفظ!، وتبعه ابن حجر في الدراية ٦٢/٢ فقال: لم أره بهذا
اللفظ! قلت: فجَلّ من لا يثبت عنه شيء.

٢٨٥
كتاب النِّكَاح
بنفسها مِن وليِّها))، قد انتظم البكْرَ والثَيِّبَ؛ لأن الاسمَ يتناولُهُما،
واستئنافه لذِكْرِ البِكْر، لا يمنع دخولَهما في اللفظ الأول؛ لأنه استأنف
ذِكْرَها، لأجل الحُكْم الذي اختصَّت به، من كون سكوتِها رضاً.
وإذا كان كذلك امتَنَعَ احتمالُ التأويل في قوله: ((الأيّم أحق بنفسها مِن
وليِّها)): أن يكون المرادُ فيه استطابة نفسها.
فإن قيل: لو كانت البكْر ممَّن يُعتبر إذنها، لَمَا كان إذنها إلا بالقول،
کالئِّب.
قيل له: الذي أوجب علينا اعتبارَ إذْنها، والرجوعَ إلى قولها، هو الذي
قال لنا: سكوتُها رِضَاها، ولا يجوز لأحدٍ الاعتراض على السنَّة بالنَّظَر.
وعلى أنَّ ذلك إخلاف في كيفية الإذن، وذلك لا يقدح في وجوب
اعتبار الإذن في الأصل.
وقد يكون السكوت بمنزلة القول في كثير من الأصول(١).
ألا ترى أنَّ سكوتَ الشفيع بعد العلم بالبيع، بمنزلة قوله: قد سلَّمْتُ
الشفعة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لبَرِيرَة حين أُعْتِقَتْ وخَيَّرها: ((إن
قَرْبَكِ زوجُكِ، فلا خيارَ لكِ)) (٢)، فجَعَلَ سكوتَها عن الاختيار حتى
يَقْرَبَها، بمنزلة قولها: قد رضيتُكَ.
(١) ذكر ابن عابدين في الحاشية ٤٨٢/٤ أكثر من أربعين مسألة السكوت فيها
کالنطق.
(٢) تقدم.

٢٨٦
كتاب النكاح
وليس إذاً اختلاف البكْر والثّيِّب في كيفية الإذن من مسألتنا في شيء.
ومِن جهة النظر: اتفاق الجميع(١) على امتناع جواز عقد نكاح الثّيِّب
البالغ عليها إلا بإذنها، والمعنى فيه: أنها تَلي على نفسها التصرُّف في
الشراء والبيع، وهذا المعنى موجود في البِكْر، فوَجَبَ أن يكون مثلها.
ويدل عليه اتفاق الجميع(٢) على أنَّ الأخ ونحوَه لا يزوِّج البِكْر بغير
إذنها؛ لأنها تلي أمرَ نفسها، فلا يستحق غيرُها الولاية عليها.
مسألة : [نكاح البِكْر بغير إذنها موقوفٌ على إذنها]
قال أبو جعفر : (فإن زوَّجها، ولم يستأذِنْها، فإن بَلَغَها وسَكَتَتْ: جاز
عليها، وإن ردَّت: بَطَلَ).
قال أحمد : يُحْتَجُّ في جواز النكاح الموقوف من جهة الظاهر بقوله:
﴿وَأَنكِحُواْ اْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾(٣)، واقتضى ذلك جواز إيقاع العقد لكلِّ أحدٍ؛ لأن
النكاح هو الإيجاب والقبول، فقد أباحت الآية ذلك، وتضمَّنَتْ معنيَيْن:
وقوعَ العقد ونفاذَه، فلمَّ اتفق الجميع على أنَّ مَن لا ولاية له في العقد لا
ينفذ عقده على المعقود عليه، خَصَصْنا ذلك من الآية، وبَقِيَ حكمُها في
وقوعه حتى تلحقه الإجازة من جهة المعقود عليه.
ويدل عليه من جهة السُّنَّة: ما قدَّمنا من حديث جرير بن حازم عن
أيوب عن عكرمة عن ابن عباس في البِكْر التي زوَّجها أبوها بغير أمرها،
(١) المغني ٣٨٥/٧.
(٢) ومثله في القوانين الفقهية ص١٣٣، وينظر المغني ٣٨٢/٧.
(٣) النور: ٣٢.

٢٨٧
كتاب النكاح
فخيَّرها النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
وكذلك حديث أنس بن مالك، وقد تقدَّم ذكره.
ويدل عليه حديث كَهْمَس بن الحسن عن عبد الله بن بُرَيْدة عن عائشة
- وذَكَرَ بعضُهم عن ابن بُرَيْدَة عن يحيى بن مَعْمَر عن عائشة - قالت:
جاءت فتاةٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن
أبي - ونِعْمَ الأبُ - زوَّجني ابنَ أخيه، يرفَعُ من خَسِيْسَتِهِ (١) بي.
قال: فجعل الأمرَ إليها، قالت: فإني قد اخترتُ ما صَنَعَ أبي، ولكن
أردتُ أن يَعلم النِّساءُ أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء))(٢).
فهذا كان عقداً موقوفاً، جعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأمرَ فيه
إليها، في الإجازة أو الفسخ، فأجازَتْه.
ويدل عليه: ما حدثنا محمد بن بکر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا
محمد بن حاتم بن بَزِيْع قال: حدثنا علي بن الحسن بن شَقِيق عن ابن
المبارك عن يونس عن الزهري أنَّ النَّجَاشِيَّ زوَّجَ أمَّ حَبِيْبَةَ بنتَ أبي سفيان
من رسول الله صلى الله عليه وسلم على صَدَاقٍ أربعة آلاف درهم، فكَتَبَ
بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقَبَلْ)) (٣).
(١) الخسيس: الدنيء، والخساسة الحالة التي يكون عليها الخسيس، النهاية
٣١/٢، والمراد من الحديث: ((أنه خسيس، فأراد أن يجعله بي عزيزاً)). حاشية
السندي على النسائي ٨٧/٦.
(٢) سنن النسائي ٨٦/٦ من طريق عائشة، سنن ابن ماجه ١/ ٦٠٢ من طريق
بريدة. قال في الزوائد: إسناده صحيح.
(٣) سنن أبي داود ٥٨٣/٢ وسكت عنه، قال المنذري في مختصره ٤٧/٣: هذا
=

٢٨٨
كتاب النكاح
هذا عَقْدٌ عَقَدَهُ النجاشيُّ على النبي صلى الله عليه وسلم بغَيْرِ أَمْرِهِ،
ثم أجازَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولو كان قد تقدَّم من النبي صلى الله
عليه وسلم به أَمْر قَبلَ ذلك، لَمَا احتاج إلى القَبُول.
وهذا الحديث يدل أيضاً على جواز النكاح بغير ولي، لأن أمَّ حبيبة لم
يكن لها وليَّ بأرض الحبشة فيما نَعْلَم، إذْ لا نعلم أحداً من أهلها هاجر
إلى أرض الحبشة (١).
وفي بعض الأخبار(٢): أنَّ النجاشيَّ أَصْدَقَها ذلك عن النبي صلى الله
عليه وسلم، وأعطاها إياه.
وهذا يدل على جواز تبرُّع الرجل بقضاء دَيْنِ غيره بغير أمره.
وأيضاً: قد ثبت عندنا جواز البيع الموقوف، وقد بيَّنَّاه في غير هذا
الموضع.
وهذا يدل أيضاً على جواز النكاح الموقوف، والمعنى الجامع بينهما:
أنَّ ذلك عقدٌ له مجيز، فيقفُ على إجازة مُجِيزه.
مسألة : [القول قول البكر عند الاختلاف في إجازتها النكاح]
قال أبو جعفر: (في البِكْر إذا بَلَغَها النكاح، ثم اختلفا، فقالت: رَدَدْتُه
مرسل.
(١) حيث كانت هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش في الهجرة الثانية،
فتنصَّر وارتد عن الإسلام، ومات هناك، وثبتت هي على الإسلام، كما في طبقات
ابن سعد ٩٦/٩، والإصابة ٤ /٣٠٥.
(٢) كما في سنن أبي داود ٥٨٣/٢ وسكت عنه هو، والمنذري في المختصر
٤٦/٣، سنن النسائي ١١٩/٦.

٢٨٩
كتاب النِّكَاح
حين بَلَغَنِي، وقال الزوج: سَكَتِّ: فالقول في ذلك قولُها).
قال أحمد : وقال زُفَر: القول قولُ الزوج؛ لأن النكاح يجوز عليها
بالسكوت، والأصل أنها كانت سكَتَتْ، لأن الردَّ لا يكون إلا بالقول،
وهو معنىً حادث لا يُعلَم وجوده، فلذلك كان القول قول الزوج
عنده.
قال أحمد: ووجه القول الأول: أنها وإن كانت يجوز عليها النكاح
بسكوتها عند البلاغ، وأن الأصل السكوت حتى يُعلمَ حدوثُ الردِّ من
جهتها، فإن الأصل أنَّ الْبُضْعَ لم يُمْلَك عليها، ولا يُصَدَّق الزوج على أنه
قد مَلَكَه عليها، إلا أن تُعْلِمَ بذلك.
واختلفوا أيضاً على هذا الوجه: في الرجل يقول: عبدي حُرٌّ إن لم
أدخل الدارَ اليوم، ثم مَضَى اليوم، فادَّعى العبدُ الدخول، وجَحَدَ المولى:
أنَّ القولَ قولُ المولى في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد؛ لأن الأصل
بقاء الرِّقِّ حتى يُعلَمَ زوالُه بالحِنْث، والحِنْثُ غير معلوم، فلا يزول رِقَّه إلا
بیقین.
وقال زُفَر: القول قول العبد؛ لأنَّا لا نعلم الدخول، فلا يُحكَمُ به،
وإذا لم يقع الحكم بالدخول، حَصَلَ العتق.
مسألة : [استحلاف المرأة على ما ادُّعِيَ علىَ صَمْتِها]
قال أبو جعفر: (فإن طَلَبَ يمينَها على ما ادَّعىُ من صَمْتِها: لم
تُسْتَحْلَفْ عند أبي حنيفة، وتُسْتَحْلَفُ في قول أبي يوسف ومحمد).
قال أحمد : قد بيَّنًا هذه المسألة، ونظائِرَها في كتاب الدَّعوى.
وكذلك مسألة النُّكُول، والله أعلم.

٢٩٠
كتاب النكاح
مسألة : [استئذان الثيب في النكاح]
قال أبو جعفر: (والثِّبُ لا يجوز النكاح عليها إلا برضاها، ولا يكون
ذلك إلا بالقول).
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((والثَيِّب تُشَاوَرَ))(١)، والمشاورة لا
تکون إلا بالكلام.
ولأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم إنما جَعَلَ سكوتَ البنت رضاً؛ لأنها
تَسْتَحْيِي، على ما روي في خَبَر عائشة(٢) رضي الله عنها، وهذه العلَّة
منتفية من الثِّب، فهي(٣) مقيسة على سائر مَن تُعْقَد عليه سائر العقود بغير
أمره، فلا تكون إجازتها إلا بالقول.
مسألة : [تزويج الولي الصغيرة من كفؤ بدون صَدَاقِ مِثلِها]
قال أبو جعفر : (ومَن زَوَّج ابنَتَه وهي صغيرة من كفؤٍ بدون صَدَاق
مِثْلِها، أو زوَّجَ ابنَه (٤) بأكثر مِن مهر مثلها: جاز في قول أبي حنيفة، ولا
يجوز في قول أبي يوسف ومحمد).
وجه قول أبي حنيفة: ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه
قال: لا تغالوا بصَدَاقَاتِ النِّساء، فإنها لو كانت مَكْرُمَةً في الدنيا أو تَقْوى
عند الله، لكان أَوْلاكم بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ما أَصْدِقَ أحداً
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) أي الثيب.
(٤) وهو صغير، كما في المختصر ص ١٧٣، والمهر من مال الصغير.

٢٩١
کتاب النّكَاح
من نسائه أكثرَ من اثْنَتَي عَشْرَةَ أوْقِيَّةٍ وَنَشِّ))(١).
قال أحمد : وذلك خمس مائة درهم، وقد كان النبي صلى الله عليه
وسلم تَزَوَّج عائشة وهي صغيرة، ومعلومٌ أنه لم يكن مهرُ مِثلِها خمس مائة
درهم، بل أكثر بأضعاف ذلك.
وقد تزوَّجها النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المقدار من المهر أو
بأقل، وقد كان زوَّجها إياه أبو بكر رضي الله عنه، فدلّ على جواز تزويج
الأب الصغيرة بأقلَّ مِن مهر مثلها.
وأيضاً: فإن النبي صلى الله عليه وسلم زوَّج فاطمةَ من علي رضي الله
عنهما على أربعمائة درهم(٢)، ومعلوم أنه لم يكن ذلك مهرُ مثلِها، بل
أكثر منه بأضعاف أضعافه، ولا جائز لأحدٍ أن يقول إنها قد بُخِسَت حَظَّها
حين زُوِّجَتْ بهذا القَدْر من المهر؛ لأن الذي حَصَلَ لها من الحظِّ بعليٍّ
رضي الله عنه، کان أکثر من الدنيا وما فيها.
وهذا يدل على أنه ليس القصد من النكاح تحصيل الأعواض، وإنما
المقصد منه أن يَضَعَها في منصب حسن، وفيمَن يُحْسِنُ عِشرَتَها ولا
يَشِيْنُها، ونحوها من المعاني المقصودة بعقد النكاح.
وإذا كان كذلك، فجائز أن يستوفيَ لها من الحظّ من جهة الزوج، ما
(١) سنن الترمذي ٤٢٢/٣ وقال: حديث حسن صحيح، سنن النسائي
١١٧/٦، سنن أبي داود ٥٨٢/٢، سنن ابن ماجه ٦٠٧/١، وفي صحيح مسلم
٤٢/٢: قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشًّاً، ثم فسرت النشَّ بأنه
نصف أوقية، والأوقية أربعون درهماً، فيكون صداقهن خمسمائة درهم.
(٢) سنن البيهقي ٢٣٤/٧.

٢٩٢
كتاب النكاح
هو أجدى عليها، وأنفع لها من كثير من المال.
وليس النكاح في هذا كالبيع، فلو باع أمةً لها بأقل من قيمتها بما لا
يُتَغَابن فيه: لا يجوز، مِن قِبَل أنَّ المقصد في عقود البياعات تحصيل
الأعواض.
وكذلك لا يجوز له تزويج أَمَتِها بأقل من مهر مثلها، لهذه العلة، إذ لا
نَفْعَ لها فيما يحصل للأمة مِن حظ الزوج، وإنما منفعتها في تحصيل
عِوَض بُضْعها.
* وأما أبو يوسف ومحمد، فلم يُجيزا العقد عليها إلا أن يكون بمهر
المثل،، أو أقل أو أكثر مما لا يُتَغَابَن الناس فيه.
وذكر هشامٌ عنهما: أن النكاح باطل، لا يجوز إذا زوَّجها بأقل من مهر
المثل بمثل ما لا يتغابن فيه.
مسألة : [تزويج الأولياء الصغار]
قال أبو جعفر : (ولسائر الأولياء تزويجُ الصغارِ، ويتوارثان بذلك).
قال أحمد : أما الأب والجدُّ، فلا خلاف بين فقهاء الأمصار(١) في أنّ
لهما أن يزوِّجا الصغار، إلا شيءٌ يُحكَى عن عثمان البَنِّيِّ(٢)، وابنِ
(١) المغني ٣٧٩/٧، لكن في بداية المجتهد ٦/٢، وتبيين الحقائق ١٢١/٢
الاتفاق على تزويج الصغيرة من الأب، أما الجد ففيه خلاف مالك رحمه الله، وينظر
الشرح الكبير للدردير ٢٢٤/٢.
(٢) عثمان بن مسلم البتي، أبو عمرو البصري، ويقال اسم أبيه: سليمان، فقيه
البصرة، مات رحمه الله سنة ١٤٣ هـ، كما في تقريب التهذيب ص٣٨٦ (٤١٥٨)،
وفي طبقات ابن سعد ٢٥٧/٧: ((كان ثقة، وكان صاحب رأي وفقه)). اهـ

٢٩٣
کتاب النّكَاح
شُبْرُمة(١)، أنهما قالا: لا يزوِّجُ الأبُ الصغيرةَ، وهو قول شاذٌّ في الأُمَّة قد
سبقهما بخلافه الصدرُ الأول.
ودليل الكتاب يَقْضي ببطلانه، وهو قوله تعالى: ﴿ وَأَلَِّى بَيِسْنَ مِنَ
الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُمُ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ وَالَِّى لَمْ يَحِضْنَ﴾(٢).
فقضى بصحة طلاق الصغيرة، وأوجب عليها العِدَّة إذا كانت مدخولاً
بها، والطلاقُ لا يقع إلا في عقد صحيح.
ومن جهة السنة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم تزوَّج عائشة رضي الله
عنها، وهي صغيرة(٣)، زوَّجها إياه أبو بكر.
فصل : [تزويجٍ غيرِ الأب والجَدِّ الصغارَ]
قال أحمد : وأما تزويج غيرِ الأب والجَدِّ من الأولياء، فهو على
قسمَیْن:
فما كان من تزويج العصبات، فلا خلاف بين أصحابنا في جواز
الأقرب فالأقرب، وإنما الخلاف في الخيار بعد البلوغ:
(قال أبو حنيفة ومحمد: لهما الخيار إذا بلغا إذا زوَّجَهُما غيرُ الأب
والجَدِّ من الأولياء، نحو الأخِ والعَمِّ، وقال أبو يوسف: لا خيار لهما).
(١) عبد الله بن شبرمة بن الطفيل، الإمام العلامة، فقيه العراق قاضي الكوفة،
مات رحمه الله سنة ١٤٤ هـ، له ترجمة في سير الذهبي ٣٤٧/٦.
(٢) الطلاق: ٤.
(٣) ففي صحيح مسلم ١٠٣٨/٢ ((عن عائشة رضي الله عنها قالت: تزوجني
رسول الله صلى الله عليه وسلم لست سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين)).

٢٩٤
كتاب النكاح
وأما تزويج غير العصبات: فإن أبا حنيفة يجيزه إذا لم يكن عَصَبَة،
نحو الأم والأخت والخال، والرجل من عُرْض العشيرة.
فأما الدليل على جواز تزويج العصبات، وإن لم يكن أباً أو جَدّاً: ما
روي عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما في قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ
خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِىِ الَ فَأَنْكِحُوَأْمَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَآِ﴾(١) الآية.
فالآية نزلت في اليتيمة تكون في حِجْر وليِّها، ويريدُ أن يتزوَّجها، ولا
يُقْسِطَ لها في صَدَاقِها، فنُهُوا أن يَنْكِحُوهُنَّ إلا بالقسط.
قالت عائشة: ثم إن الناس اسْتَفْتُوا رسولَ الله بعد هذه الآية فيهن،
فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ قُلِ اَللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى
عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ فِ يَتَمَى النِّسَاءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَاكُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ
تَنكِحُوهُنَّ﴾(٢).
قالت: هي رغبةُ أحدِكُم عن يَتِيمَتِهِ التي تكون في حِجْره، حين تكون
قليلةَ المال، فنُهُوا أن ينكحوا مَن رَغِبُوا في مالها وجمالها من يتامى النساء
إلا بالقسط))(٣).
فقد دلَّت هذه الآية على تزويج العصبات للصغار؛ لأن أقرب الأولياء
إليها ممَّن يجوز له نكاحُها ابنُ العم.
(١) النساء: ٣.
(٢) النساء: ١٢٧.
(٣) صحيح البخاري ٢٣٩/٨، صحيح مسلم ٢٣١٣/٤.

٢٩٥
كتاب النكاح
فإن قيل: يحتمل أن يريد الكبيرة، وهو قوله تعالى: ﴿وَءَاتُوْ اُلْيَنَّ
أَوَلَهُمْ﴾(١)، وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((اليَتِيْمة تُسْتَأْمَرُ في
نفسها))(٢)، والمراد: الكبيرة.
قيل له: روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: ((لا يُتْمَ بعد الحُلُم)) (٣).
فإن سُمِّيَت الكبيرةُ يتيمةً، فإنما تُسَمَّى به مجازاً لا حقيقة؛ لأن الاسم
لو كان حقيقة فيها، لما انتفى عنها بحال، إذ مِن شأن الحقائق أن لا تنتفيَ
عن مُسَمَّيَاتِها بحال، وإذا كان كذلك، فحُكْمُ اللفظ أن يكون محمولاً على
الحقيقة، حتى تقوم الدلالة على المجاز.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَءَاتُوْاَلْيَنَّ أَمْوَهُمْ﴾ (٤): إنما سمَّاهم يتامى على
ما کان علیه حالهم قبل ذلك.
كما ((أَمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بلالاً أن يَرجِعَ حين أَذَّنَ قَبل
(١) النساء: ٢.
(٢) تقدم.
(٣) سنن أبي داود ٢٩٣/٣-٢٩٤، وسكت عنه، قال ابن حجر في التلخيص
الحبير ١٠١/٣: ((أعله العقيلي وعبد الحق وابن القطان والمنذري وغيرهم، وحسنه
النووي متمسكاً بسكوت أبي داود عليه ... وفي الباب حديث حنظلة، وإسناده لا بأس
به، وهو في الطبراني وغيره)). اهـ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٢٦/٤: رواه
الطبراني ورجاله ثقات.
(٤) النساء: ٢.

٢٩٦
كتاب النِّكَاح
الوقت، فيُنادِي: ألاَ إِنَّ العبدَ نام))(١)، وكان حُرَّاً حينئذ.
وقال عليٌّ رضي الله عنه لشُرَيْح (٢): ((ما تقول أيُّها العبد الأَبْظَر))(٣)،
وقد كان حُرّاً في ذلك الوقت، إلا أنه قد كان جَرَى عليه رِقٌّ في الجاهلية،
فسمّاه به.
وذلك كله مجاز لا حقيقة.
وأيضاً: قد أخبرَتْ عائشةُ رضي الله عنها أنها نَزَلَتْ في اليتيمة تكون
في حِجْر وليِّها، فيرغبُ في مالها، ولا يُقْسِطُ لها في صَدَاقِها(٤)، ومعلوم
أنَّ الكبيرة لا تكون في حِجْر وليها، ويكون الأمر في الصَّدَاق إليها، لا إلى
الوليّ.
(١) سنن أبي داود ٣٦٣/١ وقال: لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة ...
وقال: روي عن عمر رضي الله عنه، وهو أصح.
سنن الدارقطني ٢٤٤/١ ورجح إرساله، وهو مرسل جيد، كما في نصب الراية
٢٨٤/١، والدراية لابن حجر ١١٩/١، وفي الحديث كلام طويل، وله طرق
وروايات كثيرة، توسع في ذكرها الزيلعي في نصب الراية ٢٨٤/١-٢٨٨.
(٢) ((حين أُتي في فريضة، وعنده شريح، فقال له علي رضي الله عنه ... ))، كما
في غريب الحديث لأبي عبيد ٤٨٣/٣.
وشريح هو ابن الحارث بن قيس، الكوفي النخعي، القاضي، مخضرم، ثقة،
وقيل: له صحبة، مات رحمه الله قبل الثمانين للهجرة أو بعدها، وله مائة وثمان سنين
أو أكثر، يقال: حكم سبعين سنة، كما في التقريب ص٢٦٥ (٢٧٧٤).
(٣) الأبظر هو الذي في شفته العليا طول، ونتوء في وسطها، يحاذي الأنف،
كما قال أبو عبيد في الغريب ٤٨٣/٣.
(٤) تقدم.

٢٩٧
كتاب النكاح
فهذا كله يُبْطِلُ تأويلَ مَن تأوَّل الآيةَ على الكبيرة.
فإن قيل: يحتمل أن تكون الآية في اليتيمة تكون في حِجْر الجَدِّ،
فخوطب فيها بما خوطب به.
قيل له: قد أخبرت عائشة رضي الله عنها عن سبب نزول الآية،
وقالت: هي اليتيمة تكون في حِجْر وليِّها، فيريد أن يتزوَّجها، وذلك يمتنع
في الجَدِّ.
وأيضاً: فإن الذي هو في حِجْره، هو المخاطَب في الآية بالنكاح على
شرائط القِسط في الصَّدَاق، وذلك لا يكون الجَدَّ.
* ودليلٌ آخر: وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَنَى مِنْكُمْ﴾(١)، والأَيِّم
اسمُ المرأة التي لا زوجَ لها، وذلك يتناول الصغار والكبار منهن، فاقتضى
ظاهرُ الآية جوازَ تزويجهن للأب وغيره؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ﴾: خطابٌ
للجمیع.
وأيضاً: فإن العلّة التي مِن أجلها جاز تزويج الأب موجودة في غيره
من العصبات، وهي كونه مِن أهل ميراثه.
والدليل على صحة هذه العلة: أنَّ الأب إذا كان عبداً أو كافراً، وهي
مسلمة: لم يزوِّجْها إذا لم يكن مِن أهل الميراث، فدلَّ ذلك على أنَّ
الولاية في النكاح مستَحَقّة بالميراث، فاستحقَّها كلَّ مَن كان مِن أهل
الميراث.
(١) النور: ٣٢.

٢٩٨
كتاب النكاح
فإن قيل: فأنتم تجيزون للقاضي تزويجَ الصغار، وليس هو من أهل
الميراث.
قيل له: إنما قلنا إنَّ مَنْ كان من أهل الميراث جاز تزويجه، ومَنْ لم
يكن مِن أهل الميراث، فحُكْمه موقوف على الدلالة.
وأيضاً: فإن القاضي قائم مقامَ جماعة المسلمين، وجماعةُ المسلمين
من أهل ميراثه، إذا لم يكن وارث عنهم.
وقد روي عن عليٍّ، وعمرَ، وابن مسعود رضي الله عنهم(١)
للولي أن يزوِّج الصغيرة مِن نفسه، ولا نعلمُ عن غيرهم من الصحابة
خلافه.
* فأما وجه قول أبي حنيفة ومحمد في وجوب الخيار لهما عند البلوغ
إذا زَوَّجهما غيرُ الأب والجَدِّ، فهو أنَّ عقد النكاح فيه مال، وغيرُهما لا
يَملك التصرُّفَ علیه فیه من المال.
فإن قيل: المال يثبت فيه على جهة البَيْع من طريق الحُكْم؛ لأنه يصح
من غير تسمية، ولا يجوز إيجاب الخيار مِن أجله.
قيل له: هذا غَلَط ؛ لأن المال بَدَلُ البُضْعِ، ولا جائز أن يُقال في أحد
البدلین إنه تَبَع للآخر.
فإن قيل: فلو زوَّجَها العَمُّ، وهو وصيُّ أبيها: كان لها الخيار عندك،
وإن كانت تملك التصرف في البُضع والمال.
(١) مصنف عبد الرزاق ١٦٣/٦ -١٦٤، مصنف ابن أبي شيبة ١٤٠/٤، أحكام
القرآن للمؤلف ٥١/٢.

٢٩٩
كتاب النِّكَاح
قيل له: لأنه يملك التصرف في المال من غير الجهة التي يملك بها
التصرف في البُضْع، فكان لها الخيار، إذ هو لا يملك التصرف في المال
من جهة عقد النكاح.
* ولأبي يوسف: أنه لما ثَبَتَتْ له الولاية في النكاح، كان بمنزلة
الأب، ولم تعتبر فيه جهة المال؛ لأنه يثبت بغير تسمية.
* وإنما قال أبو حنيفة: إنَّ لغير العصبات تزويج الصغار: لقول الله
تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَنَى مِنْكُرُ﴾(١)، وذلك عموم في العصبات وغيرها،
وأيضاً: قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ الْيَ﴾(٢).
وما روي عن عائشة رضي الله عنها فيه من سبب نزوله(٣)، لم تفرِّق
فيه بين العصبات وغيرهم، وهو عام في جميع مَن هي في حِجْره من
القرابات.
وأيضاً: فإن هؤلاء من أهل الميراث، وإن لم يكونوا عَصَبات، وقد
بَيَّنَّا أنَّ الولاية في النكاح مستَحَقّة بالميراث، فوجب أن تثبت لكل مَن كان
من أهل الميراث.
* وأبو يوسف ومحمد: اعتبرا العصبات؛ لأنهم الذين يثبت لهم حق
الولاية في تزويج الكبار، ويثبت لهم حق الفسخ إذا زَوَّجت نفسَها غيرَ
كفؤ.
(١) النور: ٣٢.
(٢) النساء: ٣.
(٣) تقدم.

٣٠٠
كتاب النكاح
وكذلك هم الذين يزوِّجون الصغار، ولا يثبت هذا الحق لغيرهم.
فإن قال قائل: يدل على أنَّ غير الأب والجَدِّ لا يزوِّجان الصغيرين: ما
روي ((أنَّ قُدَامةَ بنَ مَظْعُون زوَّجَ بنتَ أخيه، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: هي يتيمة، ولا تُنْكَحُ إلا بإذنها))(١).
قيل له: کانت کبیرة، ولم تَرضَ بتزويجه إياها، وذلك لما حدثنا
دَعْلَج بن أحمد قال: ثنا محمد بن إبراهيم البُوْشَنْجِي قال: ثنا أبو جعفر
التُّفَيْلي قال: ثنا محمد بن سَلَمة قال: ثنا محمد بن إسحاق عن عمر بن
حسين بن عبد الله مولى آل حاطِب عن نافع عن ابن عمر قال:
(تُوُفِّيَ عثمان، فأوصَى إلى أخيه قُدَامة، قال: فزوَّجَنِي قُدَامَةُ بنتَ
عثمان، فدخلَ المغيرة بن شعبة على أمِّها، فأرغبها في المال، فحَطَّت
إليه، ورأى الجاريةَ مع أمها، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم،
فقال لقُدَامة: أَلْحِقْهَا بِهَوَاها، فإنها أحقُّ بنفسها، فانْتَزَعَها، وزوَّجَها
المُغِيرة بن شُعْبَة))(٢).
فأخبر أنها كانت كبيرة؛ لأنه قال: ألْحِقْها بهَوَاها، فأجاز نكاحَها من
المغيرة.
واللفظ الذي ذُكِرَ فيه أنها يتيمة، ولا تُنْكَحُ إلا بإذنها، يدل على ذلك
أيضاً، لأنه جعل لها إذناً في تلك الحال.
(١) سنن الدار قطني ٢٣٠/٣، المستدرك للحاكم ١٦٧/٢ ووافقه الذهبي على
تصحيحه، سنن البيهقي ١٢٠/٧.
(٢) سنن الدارقطني ٢٣٠/٣، المستدرك للحاكم ١٦٧/٢ ووافقه الذهبي على
تصحيحه، سنن البيهقي ١٢٠/٧.